مبدأ سمو الدستور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مبدأ سمو الدستور

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 26 يونيو 2011, 12:11 pm


ويقصد بمبدأ سمو الدستور: علو القواعد الدستورية على غيرها من القواعد القانونية المطبقة في الدولة، وهذا يعني أن أي قانون تصدره الدولة يجب إلا يكون مخالفا للدستور، ولا فرق في كون الدستور مكتوباً أو عرفياً.
ويراد بسمو الدستور أيضاً إن النظام القانوني للدولة بأكمله يكون محكوماً بالقواعد الدستورية، إن آية سلطة من سلطات الدولة لا يمكن أن تمارس إلا السلطة التي خولها إياها الدستور وبالحدود التي رسمها. ويعتبر مبدأ السمو من المبادئ المسلم بها في فقه القانون الدستوري حتى في حالة عدم النص عليه في صلب الوثيقة الدستورية.
تجد فكرة سمو الدستور، في الواقع أساسها في كتابات مفكري نظرية العقد الاجتماعي في القرنين السابع عشر والثامن عشر الأوربي (إلا إنها لم تتبلور كمبدأ في عالم الواقع والقانوني) إلا بعد انتصار الثورتين الأمريكية والفرنسية.
وقد أعلن المبدأ لأول مرة في الدستور الأمريكي لعام 1787، حيث نصت المادة (6) منه على أن: (يكون هذا الدستور وقوانين الولايات المتحدة التي تصدر بموجبه، وجميع المعاهدات المبرمة أو التي ستبرم بموجب سلطة الولايات المتحدة، القانون الأعلى للبلاد، ويلزم بذلك القضاة في كل ولاية بغض النظر عما يناقض هذا في دستور أو قوانين أية ولاية).
وبعد الثورة الفرنسية ساد مبدأ سمو الدستور في الفقه الدستوري الأوربي ومن الدساتير الأوربية التي نصت علية سراحة الدستور التشيكوسلوفاكي لعام 1920، وكذلك الدستور الإيطالي عام 1947، إذ نصت هذه الدساتير على أنها تتمتع بقوة تكون ملزمة لجميع السلطات العامة في الدولة.
غير أن مبدأ سمو الدستور لم يقتصر فقط على دساتير الديمقراطيات الغربية، بل أمتد وشمل دساتير الدول الاشتراكية أيضاً ومنها دستور الاتحاد السوفيتي لعام 1977، إذ نصت المادة (173) منه على أن (لدستور التحاد السوفيتي قوة القانون الأعلى – وجميع القوانين وسائر مقررات هيئات الدولة تصدر على أساس دستور الاتحاد السوفيتي ووفقاً له). وقد نصت الفقرة (3) من المادة (88) من دستور ألمانيا الديمقراطي الصادر في نيسان عام 1968، على أنه (لا يجوز للتعاليم القانونية أن تتعارض مع الدستور. ويقرر مجلس الشعب صحة دستورية التعليم القانونية في حالة الشك فيها)
هذا وقد تبنت دساتير دول العالم الثالث مبدأ سمو الدستور ونصت عليه بعض دساتيرها، من ذلك دستور جمهورية الصومال (الصادر في عام 1960، حيث أوجبت المادة (98) منه ضرورة مطابقة القوانين لأحكام الدستور وألزمت جميع الهيئات الحاكمة وجميع الأشخاص التابعين للدولة بالحفاظ على الدستور. وكذلك نصت المادة (3) من دستور السودان الانتقالي لعام 1985، على إن (تسود أحكام هذا الدستور على جميع لقوانينه ويلغى من أحكام هذه القوانين ما يتعارض مع أحكام هذا الدستور بالقدر الذي يزيل ذلك التعارض).
- نتائج سمو الدستور
1- تكون قواعد الدستور أكثر ثباتا من القواعد القانونية العادية .
2- لا يمكن إلغاء القواعد الدستورية إلا بقواعد دستورية .
3- وجوب انسجام القواعد القانونية العادية مع القواعد الدستورية وعدم تعارضها معها .
وسمو الدستور قد يكون سموا موضوعياً (مادياً) وقد يكون سموا شكلياً:

1- السمو الموضوعي أو المادي للدستور:
القواعد الدستورية تبين وتنظم من ناحية طريقة ممارسة السلطة في الدولة، وهي من ناحية أخرى تبين وتحدد الفلسفة والأساس الأيديولوجي الذي يقوم عليه النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة، ومن هذا المنطلق يجب أن يكون نشاط الحكام وهيئات الدولة المختلفة محكوماً بذلك الأساس في كل ما يصدر منه من قوانين وأنشطة مختلفة، لأن خروج الحكام وهيئات الدولة عن الأساس النظري للقواعد الدستورية يعتبر هدفاً لسند وجود تلك الهيئات وللأساس القانوني لاختصاصها وبالتالي يعتبر مساساً بجوهر الدستور وانتهاكا لسموه الموضوعي أو المادي.
والملاحظ إن السمو الموضوعي للدستور لا يقتصر على الدستور الجامد، بل يظهر كذلك في الدستور المرن. ذلك لأن المشرع العادي وان كان يملك حق تعديل نصوص الدستور المرن بنفس إجراءات تعديل القانون العادي، إلا أنه ملزم دائماً باحترام الأساس النظري الذي يقوم عليه الدستور.
ويترتب على مبدأ السمو المادي للدستور عدة نتائج مهمة، منها: أن القواعد الدستورية ملزمة لجميع هيئات الدولة وأن أي نشاط يكون مخالفاً لهذه القواعد لا يتمتع بأي أثر قانوني لأنه يمس مبدأ المشروعية الذي يعني وجوب احترام القوانين العادية الصادرة عن السلطة التشريعية والالتزام بها وضرورة مطابقة تلك القوانين للنصوص الدستورية. وبما أن الدستور هو مصدر جميع السلطات العامة في الدولة، فهذا يعني أن هذه السلطات (رئيس دولة، مجالس تشريعية إلخ…) لا تمارس حقاً شخصياً تتصرف به كما تشاء، وانما تمارس وظيفة تحددها النصوص الدستورية وتبين شروطها ومداها، وينتج عن ذلك ان هذه السلطات لا تستطيع تفويض غيرها في ممارسة اختصاصها إلا في حالة إباحة الدستور للتفويض بنص خاص وذلك عملاً بالمبدأ الذي يقول: (الاختصاصات المفوضة لا تقبل التفويض). هذا وان مبدأ سمو الدستور لا ينتج أثره القانوني ما لم تنظم وسائل تكفل احترامه، أي بتنظيم الرقابة على دستورية القوانين. ولا يمكن تنظيم هذه الرقابة ما لم يتحقق للدستور السمو الشكلي بجانب السمو الموضوعي.

- نتائج السمو الموضوعي
أولا- تعزيز مبدأ المشروعية ، لأنه يتطلب خضوع الحكام والمحكومين والقوانين والأنظمة والقرارات النافذة لأحكامه ، وبعكسه تكون باطلة وفاقدة لكل قيمة قانونية .
ثانيا- تمارس السلطات العامة التنفيذية والتشريعية والقضائية وظائف دستورية ، أي وفق شروط وتحديدات الدستور .
ثالثا- منع تفويض الاختصاصات التي منحها الدستور للسلطات ، لأنها لاتملك حق ذاتي على الوظائف التي تمارسها.

2- السمو الشكلي للدستور:
يتحقق السمو الشكلي للدستور إذا كانت الإجراءات المتبعة في تعديله تختلف عن إجراءات تعديل القانون العادي، وهذه الإجراءات تكون أشد صعوبة واكثر تعقيداً من تلك المتبعة في تعديل القانون العادي. وعلى هذا الأساس لا يتحقق السمو الشكلي إلا بالنسبة للدساتير الجامدة فقط، لأن إجراءات تعديلها، كما ستمر بنا تختلف عن إجراءات تعديل القانون العادي. فصفة الجمود أذن هي التي تسبغ على الدستور سموا شكلياً على القوانين العادية إضافة إلى السمو الموضوعي.
والسمو الشكلي يشمل جميع القواعد التي تتضمنها الوثيقة الدستورية سواء كانت قواعد دستورية موضوعية أو قواعد شكلية، ولا يمتد هذا السمو إلى القواعد القانونية العادية وان كانت هذه القواعد ذات طبيعة دستورية. (فالعبرة أذن في السمو بشكل القاعدة لا بمضمونها).
وتبعاً لذلك لا يتحقق السمو الشكلي للدساتير المرنة، بالرغم من تمتعها بالسمو الموضوعي، ولذلك بالنظر لعدم وجود فرق بين القواعد الدستورية المرنة والقانون العادي من الناحية الشكلية، لأن إجراءات تعديل الدستور المرن والقانون العادي واحدة.
نخلص مما تقدم إلى أن الدساتير الجامدة وحدها تتمتع بالسمو الموضوعي والشكلي معاً أما الدساتير المرنة فلا تتمتع إلا بالسمو الموضوعي فقط دون السمو الشكلي.

- نتائج السمو الشكلي
يكون الدستور في قمة الهرم القانوني في الدولة ، بحيث لايمكن للهيئة التشريعية ان تسن قوانين تخالفه .
يشمل السمو الشكلي جميع قواعد الدستور الموضوعية والشكلية ، لأن إجراءات التعديل تشملها جميعا .
عدم تحقق السمو الشكلي للدساتير المرنة ، لأن الهيئة التشريعية تعدله بنفس إجراءات تعديل القانون العادي .
استثناءات مبدأ سمو الدستور ( نظرية الضرورة )
تستند هذه النظرية على قاعدة : ( إن سلامة الشعب فوق القانون ) . والضرورة تقدر بقدرها .
مفهوم حالة الضرورة وطبيعتها الاستثنائية وموقف الفقه منها (*)
أصبحت نظرية الضرورة في الوقت الحالي جزءاً لا يتجزأ من النظام القانوني لأي دولة ديمقراطية، حيث أصبح من المستحيل على أي نظام ديمقراطي أن يعيش بغير وجود هذه النظرية بتطبيقاتها المتعددة.
إذ يصعب على أي نظام ديمقراطي يواجه أعباء السلطة ومشاكلها دون الاستعانة بهذه النظرية، وذلك باعتبارها آلية قانونية استثنائية تبيح للسلطة التنفيذية التصدي لما يطرأ على الساحة من حوادث وظروف غير عادية، تعجز القوانين القائمة عن مواجهتها.
حيث تفترض هذه النظرية قيام خطر جسيم وحال يهدد كيان الدولة وأنظمتها، ولا تجدي القواعد القانونية التي وضعت للظروف العادية في مواجهته، ويعني هذا أن نظرية الضرورة تقوم على التعارض بين اعتبارين: المحافظة على كيان الدولة وسلامتها من ناحية، ووجوب احترام قواعد القانون من ناحية أخرى.

1- مفهوم حالة الضرورة:
تقوم فكرة حالة الضرورة على أساس وجود ظروف استثنائية تستدعي تركيز كافة السلطات والاختصاصات في الدولة في أيدي جهاز أو شخص واحد، يقوم بتلك السلطات في ظل الظروف الاستثنائية العصيبة (غالباً ما يكون دفاعاً عن المصالح الحيوية التي تتهددها الأخطار في تلك الظروف).
وفي هذا السياق، فقد استقرت غالبية فقه القانون على وجود خطر جسيم وحال يهدد كيان الدولة أو سلامتها، بحيث لا تجدي القواعد القانونية القائمة لمواجهته(3).
كما يمكن القول بأن نظرية الضرورة تفترض، بل تتطلب توافر حدث غير عادي ينذر بتهديد جاد ومؤثر على سير المؤسسات الدستورية، الأمر الذي يتطلب اتخاذ اجراءات عاجلة للمحافظة على كيان الدولة، والمواطنين، وصالح الأمة.
وهو ما يفسر بالتالي إمكانية ممارسة السلطة التنفيذية لتدابير، أو لسلطات لا تندرج ضمن اختصاصاتها الأصلية الواردة في صلب الدستور.
وفي اعتقادنا، إنه يمكن إدراج نظرية الضرورة الدستورية إلى اعتبارين أساسيين، أولهما: قانوني، ويرجع إلى نصوص الدستور، والثاني: عملي، ويمكن رده إلى وجوب مواجهة الأزمات الاستثنائية والمخاطر التي قد تهدد قيام الدولة ومؤسساتها ومصلحتها العليا واحتوائها.
وقد حرص المشرِّع الدستوري الأردني على إقرار نظرية الضرورة وتطبيقها، وذلك كنوع من تقنين التطبيقات العملية للنظرية ووضع الضوابط الخاصة بها وشروط تطبيقها.
وقد واجه الدستور الأردني لعام 1952 حالة الضرورة، فنص في المادة 124 منه على أنه "إذا حدث ما يستدعي الدفاع عن الوطن في حالة وقوع طوارئ فيصدر قانون باسم قانون الدفاع تعطى بموجبه الصلاحية إلى الشخص الذي يعنيه القانون لاتخاذ التدابير والاجراءات الضرورية، بما في ذلك صلاحية وقف قوانين الدولة العادية لتأمين الدفاع عن الوطن، ويكون قانون الدفاع نافذ المفعول عندما يعلن عن ذلك بإرادة ملكية تصدر بناءً على قرار من مجلس الوزراء. ويجب أن يكون الغرض من هذه الاجراءات هو تمكين السلطات العامة الدستورية من القيام بمهمتها في أقرب وقت".
وقد تصدر لوائح الضرورة لمواجهة ما لا يحتمل التأخير من الأمور في فترة غيبة البرلمان، ويكون لها قوة القانون، ويطلق عليها الفقهاء تسميات متعددة، إذ يذهب الفقه في تحديد معنى لوائح الضرورة إلى مذاهب مختلفة:
فالبعض يرى أنه يمكن إطلاق مصطلح لوائح الضرورة على نوعين من اللوائح : أولها: لوائح الاستعجال، أما الثاني: فهي لوائح الطوارئ، ويطلق التعبير الأول على اللوائح التي يمكن للإدارة إصدارها، بغرض اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، فيما بين أدوار انعقاد البرلمان أو في فترة حله، إذا كان ذلك ضرورياً لمواجهة مقتضيات ما يمكن أن يسمى بحالة الاستعجال أو الإسراع، وذلك مع مراعاة ما يورده الدستور من قيود في هذا المجال(4)، ويقضي الدستور الأردني الحالي بتمتع السلطة التنفيذية بالحق في التشريع عن طريق إصدار قوانين مؤقتة تتمتع بقوة القانون بغية اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير فيما بين أدوار الانعقاد أو في فترة حله، إذا كان ذلك ضرورياً لمواجهة مقتضيات السرعة والاستعجال(5).

2- موقف الفقه من نظرية الضرورة:
نالت نظرية الضرورة اهتماماً من جانب فقه القانون الوضعي (وبخاصة فقه القانون العام المقارن)، إلا أنهم قد انقسموا إلى اتجاهين، لكل منهما أفكاره وأسانيده، وذلك قبل أن تستقر هذه النظرية في قضاء مجلس الدولة الفرنسي. ونعرض لهذين الاتجاهين فيما يلي:
الاتجاه الأول: نظرية الضرورة نظرية قانونية ( النظرية الألمانية )
ينسب للفقه الألماني الفضل في محاولة إسباغ الطابع القانوني على نظرية الضرورة،فالضرورة لدى هذا الفقه تعد مصدرا غير مشروط للقواعد القانونية، ومن ثم أطلق على هذه النظرية وصف "النظرية القانونية للضرورة" ويستند الفقه الألماني في تأسيسه لهذه النظرية على أن يوجد إلى جوار القانون المكتوب قانون آخر غير مكتوب يعطي للدولة الحق في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للمحافظة على سلامتها ولو أدى هذا إلى مخالفة القوانين القائمة. والملاحظ، أيضاً، أن بعض الرواد في فقه القانون العام الفرنسي وعلى رأسهم العلامة دوجي Duguitنادى هو الآخر باعتبار أن نظرية الضرورة نظرية قانونية، ووفقا لرؤية العلامة (دوجي) فإنه يحق للسلطة التنفيذية إصدار لوائح لها قوة القانون. في الظروف الاستثنائية، وذلك بشرط ألا يكون البرلمان مجتمعا وأن يكون من الضروري اتخاذ إجراءات سريعة لمواجهة هذه الظروف دون انتظار لدعوة البرلمان للانعقاد، وأن تقوم الحكومة بعرض اللوائح التي تصدرها على البرلمان لمجرد أن يكون ذلك ممكنا). وفي ضوء ذلك، فإن رأي العميد "دوجي" وتصوره لنظرية الضرورة يقوم على اعتبارها نظرية قانونية تخضع لحكم الضرورات العملية، فترد استثناء على الجانب الشكلي لمبدأ المشروعية نزولا على مقتضى بعض الضرورات، ولكن هذا النزول يظل دائما محاطاً بالشروط والضوابط المحددة، وليس طليقا من كل قيد كما يرى الفقه الألماني.
وعليه، فإن الباحث يرى أن اللجوء إلى القوانين المؤقتة والعمل بها يستدعي توافر كافة الدواعي التي تتطلبها العلامة "ديجي"، وهي أن تكون هناك ضرورة قصوى تستدعي إصدار هذه القوانين المؤقتة، وإن عدم إصدارها يهدد الأمن الوطني،إضافة إلى ضرورة أن تكون تلك القوانين المؤقتة متناسبة مع الظروف الطارئة التي تواجه الوطن.
ويترتب على ذلك :
- نظرية الضرورة حق لهيئات الدولة .
- الأعمال والإجراءات المتخذة من قبلها سليمة ومشروعة لأنها تحقق هدف النظام القانوني النهائي
- عدم تحميل هيئات الدولة مسؤولية تلك الأعمال المتخذة في الظروف الاستثنائية .
- لايحق للمواطنين المطالبة بالتعويض عما يلحق بهم من أضرار ناجمة عن تلك الأعمال الحكومية
الاتجاه الثاني: نظرية الضرورة نظرية سياسية ( النظرية الفرنسية ) :-
أما الاتجاه الثاني: في الفقه الفرنسي، والذي يجعل نظرية الضرورة نظرية واقعية وليس نظرية قانونية، فهو يرى أن الضرورة لا تخلق قواعد قانونية، ولا تحل محل القوانين القائمة،وأن الحكومة إذا اتخذت، تحت ضغط الضرورة، إجراءات تخالف الأنظمة القانونية القائمة فإن هذه الإجراءات تعد غير مشروعة، ولا تصبح مشروعة أبدا لأنها تكون باطلة بطلانا مطلقا لا يقبل الإجازة من أية سلطة كانت،فالدولة ينبغي أن تلتزم بمبدأ المشروعة، ليس فقط في الظروف العادية، وإنما كذلك في الأزمات والظروف الاستثنائية.
فقد ذهب الأستاذ Esmien إلى القول بأن الضرورة ليست نظرية قانونية يجوز الاستناد إليها للخروج على أحكام الدستور والقانون عندما يتهدد الدولة خطرا داهم لا يكون له دفع بغير هذا الخروج.كما يرى بأن المحافظة على سلامة الدولة واجب قومي يلتزم به الجميع ولا يستلزم التضحية بالشرعية القانونية، فالواقع هو الذي يفرض ذلك وليس القانون. وكل ما في الأمر أنه يمكن للحكومة أن تتجنب المسؤولية الناشئة عن مخالفتها للقانون بأن تعرض على البرلمان الإجراءات التي اتخذتها، وتطلب منه أن يعفيها من المسؤولية بواسطة قانون التضمينات.
كما رفض الفقيهان Parttielemy et Duez الاعتراف بنظرية الضرورة كنظرية قانونية، وأكدا على أن مبدأ المشروعية هو الذي يجب أن يسود حتى في ظل الظروف الشاذة.
وقد ساير نفس هذا الاتجاه الفقيه Carre de malberg حيث قرر أن قيام ظروف تؤدي إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لا يعني المساس بمبدأ سمو الدستور،كما لا يعطي للسلطة التنفيذية الحق في تعديل أو وقف الدستور.
ومع اضطراد أحكام مجلس الدولة الفرنسي على تطبيق نظرية الضرورة وأسباغه صفة المشروعية على الإجراءات التي تتخذها الحكومة لمواجهة الظروف الاستثنائية، فإن الفقه الحديث قد استقر على الاعتراف بهذه النظرية باعتبارها نظرية قانونية وليس مجرد نظرية واقعية، وباعتبارها جزءا من مبدأ المشروعية الذي يتسع في الظروف الاستثنائية ليشمل الاجراءات التي تتخذها الحكومة للمحافظة على سلامة الدولة.
ويذهب بعض الفقه إلى تأييد غالبية الفقه الفرنسي الذي يرى أن نظرية الضرورة هي نظرية قانونية. فنظرية الضرورة، كما يقول الدكتور محمود حافظ، ليست نظرية سياسية،وإنما هي نظرية قانونية،وبعبارة أخرى لا تخرج الضرورة الإدارة من نطاق تطبيق مبدأ الشرعية،وذلك المبدأ الذي يجب أن يطبق بصفة دائمة، سواء في الظروف العادية أو في الظروف الإستثنائية.
كما يذهب أصحاب هذا الرأي إلى التأكيد على الدور الهام الذي يؤديه القضاء من خلال رقابته على قيام حالة الضرورة وتوافر شروطها، ففي غياب هذه الرقابة يصبح لجوء السلطة التنفيذية إلى هذه النظرية سلاحا خطيرا، قد يؤدي إلى الشطط والاستبداد بحقوق المواطنين وحرياتهم.
وبعد هذا العرض لمفهوم حالة الضرورة،فإن النهج الذي التزمته الدساتير الأردنية جميعها هو تخويلها للسلطة التنفيذية الاختصاص، باتخاذ التدابير العاجلة اللازمة لمواجهة أوضاع استثنائية، سواء بالنظر إلى طبيعتها أو مداها،وتلك هي حالة الضرورة التي عدَّ الدستور قيامها من الشرائط التي تطلبها لمزاولة هذا الاختصاص الاستثنائي،ذلك أن الاختصاص المخول للسلطة التنفيذية في هذا النطاق لا يعدو أن يكون استثناء من أجل قيام السلطة التشريعية على مهمتها الأصلية في المجال التشريعي، إذا كان ذلك وكانت التدابير العاجلة التي تتخذها السلطة التنفيذية لمواجهة الضرورة تابعة من متطلباتها،فإن انفكاكها عنها يوقعها في حومة المخالفة الدستورية.
وهكذا، فإن حالة الضرورة، وإن كانت تتيح صلاحيات تشريعية استثنائية للسلطة التنفيذية إلا أن ذلك لا يعني بأي حال إهدارا لمبدأ الفصل بين السلطات، وإنما مجرد استثناء مقيد أساسه القانوني في نصوص الدستور،وأساسه الفعلي في تحقيق التوازن بين ما يقتضيه الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من تولي كل منهما لوظائفهما في المجال المحدد أصلا،وضرورة المحافظة على كيان الدولة إزاء ما قد تتعرض له من مخاطر تفسر حتمية هذا الاستثناء.
وعليه، فإن الباحث يرى أن اللجوء إلى القوانين المؤقتة والعمل بها يستدعي توافـر كافة الدواعي التي تم الإشارة إليها،وهي أن تكون هناك ضرورة قصوى تستدعي إصدار هذه القوانين.
يترتب على ذلك :
- بقاء تلك الإجراءات غير قانونية ومعدومة القيمة القانونية .
- يمكن للبرلمان إعفاء الحكومة من المسؤولية الناجمة عن تلك الإجراءات غير المشروعة .
- حق المواطنين في مطالبة الدولة بالتعويض عما لحق بهم من ضرر من جراء تلك الإجراءات الاستثنائية.

---------
* - الرقابة على مشروعية القوانين المؤقتة في الأردن ، فيصل شطناوي ، مجلة المنارة، المجلد 13، العدد 8، 2007. ص 329 الى 334 .

أمثلة دساتير نصت حالة الضرورة:
1- الدستور الفرنسي لعام 1958
المادة ( 16 ) : “ إذا أصبحت المؤسسات الجمهورية او استقلال الأمة او سلامة أراضيها او تنفيذ تعهداتها الدولية ، مهددة بخطر جسيم وحال نشأ عنه انقطاع سير السلطات العامة الدستورية المنتظم ، يتخذ رئيس الجمهورية الإجراءات التي تقتضيها هذه الظروف بعد التشاور رسميا مع الوزير الأول ورؤساء المجالس النيابية ومع المجلس الدستوري ويخطر الشعب بذلك برسالة ... ”
2- الدستور الجزائري 1996
المادة 91 : يقرّر رئيس الجمهورية، إذا دعت الضرورة الملحّة، حالة الطوارئ أو الحصار، لمدّة معيّنة بعد اجتماع المجلس الأعلى للأمن، واستشارة رئيس المجلس الشعبي الوطني، ورئيس مجلس الأمة، ورئيس الحكومة، ورئيس المجلس الدّستوري، ويتخذ كل التّـدابير اللاّزمة لاسـتـتـبـاب الوضع.
ولا يمكن تمديد حالة الطوارئ أو الحصار، إلاّ بعد موافقة البرلمان، المنعقد بغرفتيه المجتمعتين معا.
المادة 93 : يقرّر رئيس الجمهورية الحالة الاستثنائية إذا كانت البلاد مهدّدة بخطر داهم يوشك أن يصيب مؤسساتها الدّستورية أو استقلالها أو سلامة ترابها.
ولا يتّخذ مثل هذا الإجراء إلاّ بعد استشارة رئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة والمجلس الدّستوري، والاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن ومجلس الوزراء.
تخوّل الحالة الاستثنائية رئيس الجمهورية أن يتّخذ الإجراءات الاستثنائية التي تستوجبها المحافظة على استقلال الأمة والمؤسسات الدّستورية في الجمهورية.
ويجتمع البرلمان وجوبا.
تنتهي الحالة الاستثنائية، حسب الأشكال والإجراءات السالفة الذّكر التي أوجبت إعلانها.
المادة 96 : يوقف العمل بالّدستور مدة حالة الحرب ويتولى رئيس الجمهورية جميع السّلطات.
وإذا انتهت المدّة الرئاسية لرئيس الجمهورية تمدّد وجوبا إلى غاية نهاية الحرب.
في حالة استقالة رئيس الجمهورية أو وفاته أو حدوث أي مانع آخر له، يخوّل رئيس مجلس الأمة باعتباره رئيسا للدّولة، كل الصّلاحيات التي تستوجبها حالة الحرب، حسب الشروط نفسها التي تسري على رئيس الجمهورية.
في حالة اقتران شغور رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الأمة، يتولى رئيس المجلس الدّستوري وظائف رئيس الدّولة حسب الشروط المبينة سابقا.
3- الدستور العراقي لعام 2005
المادة ( 58 - تاسعاً ) :
أ ـ الموافقة على إعلان الحرب وحالة الطوارئ بأغلبية الثلثين، بناءاً على طلبٍ مشترك من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء.
ب ـ تُعلن حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوماً قابلة للتمديد، وبموافقةٍ عليها في كل مرة.
ج ـ يخول رئيس مجلس الوزراء الصلاحيات اللازمة التي تمكنه من إدارة شؤون البلاد خلال مدة إعلان الحرب وحالة الطوارئ، وتنظم هذه الصلاحيات بقانونٍ، بما لا يتعارض مع الدستور.
د ـ يعرض رئيس مجلس الوزراء على مجلس النواب، الإجراءات المتخذة والنتائج، خلال مدة إعلان الحرب وحالة الطوارئ، خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتهائها.
أمثلة دساتير نصت على مبدأ السمو
- الدستور الأمريكي لعام 1787.
- الدستور الايطالي لعام 1947.
- الدستور السوفيتي لعام 1977.
- الدستور الجزائري 1996: نص الدستور على هذا السمو صراحة، إذ جاء في ديباجة الدستور 1996 (إن الدستور فوق الجميع ، وهو القانون الأساسي الذي يضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية، ويحمي مبدأ حرية اختيار الشعب، ويضفي الشرعية على ممارسة السلطات ويكفل الحماية القانونية ورقابة عمل السلطات العمومية في مجتمع تسوده الشرعية ويتحقق فيه تفتح الإنسان بكل أبعاده).
وجاء في المادة 182 من دستور 1996 انه "يصدر رئيس الجمهورية نص التعديل الدستوري الذي أقره الشعب، وينفذ كقانون أساسي للجمهورية".



Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مبدأ سمو الدستور

مُساهمة من طرف dingo في الإثنين 22 أغسطس 2011, 5:09 pm

thxxxxxxxxxxxxxxxxxxx

dingo
عضو نشط


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى