تقسيم الجرائم إلى جرائم عادية وجرائم سياسية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تقسيم الجرائم إلى جرائم عادية وجرائم سياسية

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 16 نوفمبر 2011 - 8:27




بالإضافة إلى التقسيم الثلاثي للجريمة الذي يعد تقسيما قانونيا، فإن الجريمة وفقا للنصوص القانونية أيضا تفرق إلى جرائم سياسية وجرائم عادية أو جرائم القانون العام وهي التفرقة المعروفة حتى لدى الرأي العام غير المتخصص قانونا، كونه تفرقة قديمة من جهة، ولاعتبارها من ضرورات الحياة العامة من جهة ثانية، حيث رجل الشارع أيا كانت قناعته وتوجهاته، فهو يفرق بين المجرم العادي والمجرم السياسي، سواء كان يشفق عليه ويتعاطف معه أو العكس، وسواء كان يتبنى أفكاره أو يعارضها، لذا المشرع وفي كل مكان من العالم، ومنذ القدم يعامل المجرم السياسي معاملة خاصة، سواء كانت تميل للرأفة أو للتشديد والقسوة بحسب الأحوال السياسية السائدة في البلد، والمختلفة من مكان لآخر ومن زمان لآخر، غير أنه من وجهة النظر القانونية البحتة، فإن التفرقة بين الجرائم العادية والجرائم السياسية تعترضه صعوبات جمة، لانعدام المعيار الواضح الذي بإعماله يمكن التفرقة بين النوعين من أنواع الجرائم، وكذا خضوع الفكرة نفسها للمسائل السياسية المتغيرة بطبيعتها، وما تفرضه المعطيات السياسية في هذا الشأن، وهو الأمر المعروف على طول مراحل الزمن والتطور البشري، لذا حاول كل من علماء الإجرام وفقهاء القانون إيجاد معايير اختلفت حولها وجهات النظر بالنظر لحساسية الموضوع. وإن كانت الجريمة السياسية قد عرفت منذ أن عرف الإنسان السلطة، لا كتعبير سياسي وإنما كقوة ضاغطة، أيا كان شكل هذه السلطة، سلطة الدولة أو رب الأسرة أو رئيس العشيرة أو القبيلة، ومهما تبدل شكل هذه السلطة عبر العصور والأزمنة، خاصة وان كل فعل أو عدوان كان يمس كيان ودعائم السلطة يرد بكل قوة وبطش، ودون رحمة أو رأفة، خاصة عندما تم تأسيس مشروعية السلطة على نظرية الحق الإلهي، حيث عد الاعتداء على السلطة اعتداء يغضب الآلهة، وردع الشخص تكفير عن ذنبه وإرضاء لهذه الآلهة، لذا يجب سحق المعتدي والقضاء عليه. لذا الجريمة السياسية قديمة قدم النشاط الإنساني وتمتد بجذورها إلى جذور سلطة الدولة[19]، وكان سبب وجودها التنازع على السلطة بين الأفراد حتى قبل ظهور الدولة، لتتطور بعد ذلك وتأخذ العديد من الصور والأشكال، تبعا لتطور الحضارة الإنسانية. وقد كشفت القوانين المكتشفة في بلاد الرافدين ووادي النيل وبلاد الفرس والهند والصين واليابان، بأن الجريمة السياسية كانت معروفة في هذه العصور، حيث كانت تتمثل في الجرائم التي تمثل اعتداء على سلطة الملوك والفراعنة أو تحط من كرامتهم أو تمس ولو من بعيد بألوهيتهم التي فرضوها على الناس وزعموا أنهم يستمدون سلطتهم من الآلهة، ومن عصاهم فقد عصى هذه الآلهة، كما عرفت حتى في مجتمع القبيلة في شخص رجل القبيلة الممثل لكيانها، وكان معيار التمييز بين الجرائم السياسية والجرائم العادية هو جسامة العقوبات المقررة للنوع الأول[20]. وفي مطلع القرن التاسع عشر انتشرت الحركات التحررية في أوروبا، وأخذت المنظمات السياسية تتشكل في كل مكان لقلب الأنظمة الاستبدادية المتحكمة، وتكررت الانقلابات السياسية في البلد الواحد بصور مفاجئة وسرية، وبذلك أخذ الشعور الشعبي يفرق بين المجرم الذي ينقاد لدوافعه الدنيئة وذلك الذي يسعى لتحقيق هدف قومي أو سياسي شريف، وهو الأمر الذي قد يجعل من مجرم الأمس هو حاكم اليوم، والعكس بالعكس، وهنا بدا الاتجاه نحو معاملة المجرم السياسي معاملة خاصة وأخذ الرأفة في عقابه. وزاد الاهتمام بالجرائم السياسية وقمع مرتكبيها بعد الحرب العالمية الأولى، عند ظهور أنظمة الحكم الفاشية والنازية والشيوعية، أين عملت هذه الأنظمة بكل ما أوتيت من قوة لمحاربة المعارضة السياسية وقمعها، وتم قلب المفاهيم التحررية والحضارية والتطورية والإنسانية التي خلفها القرن الماضي، والتي جعلت من القانون الجنائي لا يتأثر بالسياسة، فتغير الأمر وصار هذا القانون مرآة تعكس الأفكار السياسية والاجتماعية والاقتصادية للأفكار النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، وتم التشديد في عقوبات الجرائم السياسية وإنشاء محاكم خاصة بها وإطلاق حرية القاضي في العقاب عليها وتم التوسع في مفهوم هذا النوع من الجرائم ومن أمثلة ذلك أن قانون العقوبات السوفييتي أصبح يشمل 105 جريمة سياسية مقابل 43 جريمة عادية فقط. لذا فالأمر يتطلب منا أن نتناول مفهوم الجريمة السياسية باختصار في نقطة، لنتناول في الثانية أنواعها، وفي الثالثة أهمية تمييز الجريمة السياسية عن الجريمة العادية.

أولا: مفهوم الجريمة السياسية
لاقت دراسة فكرة الجريمة السياسية جهودا فقهية معتبرة وضخمة سعيا وراء إيجاد مفهوم قانوني حاسم لها، لكنها فشلت في مجملها، وذلك بالنظر لمصطلح " السياسة " التي لا تعني مفهوما ثابتا ولا تفصح عن محتوى مستقر، حيث يرى بعض الفقه أنها ليست مادة وإنما لون، ولا تصلح لأن تكون معيارا أو صفة أو نوعا، وإنما هي مفهوم متقلب ومتبدل تتبدل وفقا لتغير وتبدل الأوضاع والظروف والأشخاص والمصالح، ولا يمكن أن تكون أساسا لنظرية معينة، في حين من صفات المفاهيم القانونية الثبات والاستقرار، الأمر الذي جعل التشريعات تتورع عن وضع تعريف قانوني للجرائم السياسية وتركت الأمر للفقه. ومع غزو الإجرام السياسي، يرجع الفضل في استعمال هذا المصطلح إلى الوزير والمؤرخ والكاتب الفرنسي GUIZOT في كتابيه " المتآمرون والقضاء السياسي" و" الإعدام في المواد السياسية" المنشورين على التوالي سنتي 1821 و1822. غير أن وضع تعريف قانوني دقيق للجريمة السياسية بقي أمر متعذر نسبيا، لدرجة يرى البعض أنه ليس هناك أمل في وضع تعريف ثابت ومستقر للجريمة السياسية. لذا نجد الفقه قد حاول وضع معايير تمكن من الاستناد عليها في وضع تعريف للجريمة السياسية، غير أن هذه المعايير بدورها مثل كل منه حقبة زمنية معينة بما يسودها من ظروف سياسية وما استقر فيها من أوضاع اجتماعية، ولعل أهم المعايير كان المعيار الشخصي والمعيار الموضوعي، ومثلما هو الأمر في كل مرة هناك من أخذ من كل معيار ووضع معيارا ثالثا مختلطا أو مزدوجا ما بين المعيارين السابقين.
1- المعيار الشخصي:
ويعد من أقدم المعايير التي استند عليها في وضع تعريف للجريمة السياسية، الذي يركز على الغاية أو الباعث الذي يحرك الفاعل لارتكاب الجريمة، فإذا كان هذا الباعث سياسيا أو كانت الغاية التي يهدف إليها غاية سياسية، عدت الجريمة حينئذ جريمة سياسية، أيا كان الفعل الإجرامي وأيا كان الحق المعتدى عليه، وما عدا ذلك فهي جريمة غير سياسية أو جريمة عادية، وعرف الدافع أنه: العلة المباشرة لارتكاب الجرم
أو الهدف الأخير أو القصد النهائي من ارتكاب الجرم[21]. وبالتالي، وفقا لهذا الاتجاه، المجرم السياسي هو المجرم صاحب دوافع نبيلة وأهداف راقية، خلافا للمجرم العادي الذي يندفع للجريمة بدافع أناني وأهداف دنيئة وبربرية، حيث أننا نجد المجرم السياسي يندفع لجريمته لأجل تحقيق النفع أو الصالح العام، ولذلك يوصف إجرامه، أنه إجرام تطوري وتقدمي يتم بدافع الغيرة والإيثار، وهو بذلك يدفع بعجلة التاريخ إلى الأمام، عكس المجرم العادي الذي يوقفها، فالمجرم السياسي يهدف إلى تمهيد الطريق للارتقاء بالذات الإنسانية ، وهو بذلك يسبق التاريخ، حيث لو ترك الأمر لوحده لحدث تلقائيا، لأنه لكل نظام سياسي أو اجتماعي مرحلة لا يصلح إلا لها. لذا يرى البعض بأنه يجب النظر إلى شعور الشعب وما إن كان قد حركه دافع المجرم السياسي.
غير أن هذا الاتجاه لم يسلم من النقد، حيث قيل أن الدافع ذو طبيعة نفسية، لذا فمسألة إثباته مسألة صعبة، وبالتالي فمن الأفضل الأخذ به كظرف للتشديد آو التخفيف، لا كركن للجريمة. وأن الأخذ بالدوافع دون المعايير المادية لا يوفر حماية فعالة لمصالح المجتمع. وأن الأخذ بالدافع يجعل كل مجرم يدفع بأن دافعه من الجريمة سياسيا، حتى ولو كانت جريمته عادية. مما يوسع من نطاق الجرائم السياسية، حيث تشمل جرائم بعيدة كل بعد عن المعنى السياسي سوى لأنها ارتكبت لغرض سياسي. لذا ظهر المعيار الموضوعي في أعقاب هذه الانتقادات.
2- المعيار الموضوعي:
وهو المعيار الذي ظهر في ظروف كانت قد ظهرت فيها الأنظمة الاشتراكية، وسادت فيها الحركات السياسية والصراعات الطبقية، التي حاولت قلب الأنظمة السياسية القائمة، مستغلة في ذلك المعيار السابق المركز على الباعث السياسي كباعث نبيل في محاولة للترفق بها إذا فشلت في تحقيق أهدافها، مما ضاعف من حجم بؤرة الإجرام السياسي ، وعمت الفوضى في أوربا وربوع العالم كله أيا كان شكل النظام، وهي الظروف التي مهدت أيضا لقيام الحربين العالميتين، لذا بدأت الحكومات تكافح الجريمة السياسية بكل ما أوتيت من قوة، فأخذت الجرائم السياسية مكانتها في خريطة قانون العقوبات كأخطر الجرائم، وهجرت التشريعات الجنائية المعيار الشخصي، وبدأت تأخذ بمعيار جديد هو المعيار المادي أو الموضوعي، الذي صور في ثلاثة أسئلة: هل وقع الضرر على الدولة مباشرة؟، هل وقع على حقوقها السياسية أو الاجتماعية؟، وهل المقصود من عقاب المجرم حماية النظام السياسي أو الاجتماعي؟، ووفقا لهذا المعنى، تعد جرائم سياسية، كل الأعمال التي يقصد منها الاعتداء على نظام الدولة أو مؤسساتها العامة، أو تعطيل وظيفة السلطة العامة فيها، سواء أصابت مصالحها السياسية أو أصابت حقوق الأفراد السياسية، ومن ثم تعد طبيعة الحق المعتدى عليه هي التي تحدد معيار التمييز بين الجرائم السياسية والجرائم الأخرى العادية. وبهذا ضاق نطاق الجرائم السياسية إلى حد بعيد، حيث لم تعد الجريمة سياسية لمجرد أن دافع أو باعث مقترفها دافعا سياسيا، بل لأن الحق المعتدى عليه حق سياسي يشكل اعتداء على الدولة ذاتها، وأن هدف العقاب يكمن في حماية النظام السياسي أو الاجتماعي، وهو المعيار الذي أخذ به المشرع الفرنسي فقها وقضاء.
وبالتالي تعد جريمة سياسية وفقا للمعيار الموضوعي، كل اعتداء على المؤسسات العامة في الدولة والنظم الدستورية والاعتداء على الحقوق السياسية، وأخذ بهذا المعيار الفقيه الفرنسي جارو Garraud الذي عرف الجريمة السياسية وفقا لهذا المعيار، بأنها: " الجريمة التي تفضي على وجه الحصر إلى تقويض النظام السياسي أو تعديله أو الإخلال به"، حتى ولو كان الحق المعتدى عليه من الحقوق السياسية الفردية كحق الانتخاب وممارسة الواجبات العامة كدفع الضرائب والاشتراك في أعمال المجالس المحلية، وكل ما يقع على الحقوق السياسية للأفراد.
ويبدو من الوهلة الأولى أن المعيار الموضوعي أفضل من المعيار الشخصي، غير أن ذلك لم يمنع من أن توجه إليه العديد من الانتقادات، نذكر منها: إهماله للجانب الشخصي للمجرم، وبالتالي مساواته بين مجرم دوافعه نبيلة وآخر دوافعه دنيئة، بالرغم مما ينطوي عليه ذلك من إجحاف. وبالتالي هي نظرية شديدة الوطأة على الخصوم السياسيين لأنها ترمي إلى حماية النظام القائم دون النظر إلى دوافع المجرم السياسي. وبالتالي هي نظرية تأخذ مصلحة الدولة ونظام الحكم دون الحالة الروحية للمجرم، وهو ما يفسح المجال للحكام للاستبداد والتعسف في استعمال السلطات الممنوحة لهم، في سبيل الانتقام والثأر من خصومهم السياسيين. وهو معيار ضيق من نطاق الجرائم السياسية حيث حصرها في الاعتداءات الحاصلة على النظام السياسي دون الاعتداءات الحاصلة على الحقوق المالية والاقتصادية. وأنها نظرية لا تنظر للإجرام السياسي إلا من ناحية ركنها المادي دون ركنها المعنوي، ولا تعبأ بنبل الباعث، مما أدى إلى نتائج شاذة، حيث أن العميل الذي يبيع وطنه بالخيانة والتجسس يستفيد من المزايا المقررة للمجرم السياسي، فيصبح الخائن كالقيادي الثائر، وهنا ظهر معيار مختلط أو مزدوج يجمع بين محاسن كل اتجاه ويتجنب مساوئهما مثلما هو الأمر دوما.
3- المعيار المزدوج أو المختلط:
أمام الانتقادات التي وجهت لكل من المعيار الشخصي والمعيار الموضوعي، هجرت التشريعات المعاصرة مسألة الأخذ بمعيار دون الآخر، حيث لم تأخذ بالمعيار الشخصي فقط المعتني بحماية الحقوق والحريات الفردية، ولا بالمعيار الموضوعي لإفراطه في حماية المصالح الاجتماعية على حساب المصالح والحقوق والحريات الفردية، بل جمعت مزايا كلا المعيارين، وهجرت كل ما يعيبهما، وقامت بذلك بالموازنة بين حماية مصالح المجتمع وحماية الحقوق والحريات الفردية. حيث يرى البعض في تقديره للمسألة، أن طغيان الاتجاه الفردي فوضى، وطغيان الاتجاه الاجتماعي استبداد[22].
غير أنه بعيدا عن المعايير السابقة، عرف المؤتمر الدولي لتوحيد القوانين العقابية المنعقد في كوبنهاجن سنة 1935 الجرائم السياسية، بأنها كل جريمة ترتكب اعتداء على نظام الدولة السياسي وحقوق المواطنين السياسية[23]. وهناك من الفقه من يعتبر جرائم سياسية تلك الجرائم الماسة فقط بأمن الدولة الداخلي كالدستور والسلطات الثلاث في الدولة دون الاعتداءات المخلة بأمن الدولة الخارجي التي يسميها في هذه الحالة بالجرائم الوطنية. وعرفها البعض، معبرا عن الفقه الإنجليزي، أنها الجريمة التي تلازم الاضطراب السياسي وتشكل جزءا منه، والبعض عرفها ، بأنها الجريمة التي ترتكب وتكون السياسة هي الغرض
أو الدافع لها– نرى انه تعريف يستند إلى المعيار الشخصي لا المزدوج-، في حين عرفها البعض، أنها: الأعمال التي يقصد منها بطرق جنائية تعديل أو تحرير أو هدم أو قلب النظام السياسي وإثارة اضطرابات سياسية أو كراهية لنظام الحكم، في حين يرى البعض الآخر، أن الجريمة السياسية هي تلك الأفعال المحرمة التي تصطدم مع النظام السياسي للدولة، سواء من جهة الخارج أو من جهة الداخل[24].
والمشرع الجزائري، شأنه شأن سائر التشريعات الأخرى لم يرد تعريفا للجرائم السياسية، بل لم يشر أصلا لهذه التسمية، غير أنه نص على أهمها تحت عنوان " الجنايات والجنح ضد أمن الدولة"، دون أن يخصص عقوبات خاصة بها، بل أنه شدد من عقوبتها حيث أن غالبية عقوبات الإعدام والسجن المؤبد محصورة بهذا الباب مع هذا النوع من الجرائم المسماة ضد أمن الدولة، وإن كانت المادة 69 من دستور 96 قضت بعدم جواز تسليم لاجئ سياسي يتمتع قانونا بحق اللجوء دون أن تسميه مجرما، وفي قانون الإجراءات الجزائية وفي نص المادة 698 حظ تسليم المجرمين في الجنايات والجنح ذات الصبغة السياسية، أو في الحالات التي يتبين منها أن التسليم مطلوب لغرض سياسي، وهو النص الذي بموجبه نتمكن من القول بأن المشرع الجزائري يميز بين المجرم العادي والمجرم السياسي في مسألة التسليم فقط. وأن معيار الدستور هو معيار شخصي، بينما في قانون الإجراءات التزم بمسألة طبيعة الجريمة من كونها ذات صبغة سياسية وهو ما يجعلنا نرى أن المشرع الجزائري في نص هذه المادة تبنى المعيار الموضوعي.
ثانيا: أنواع الجرائم السياسية
الوضع السياسي والاجتماعي ونظام الحكم في كل دولة هو الذي يحدد أنوع الجرائم السياسية، وذلك طبقا لمتطلبات حاجاته في مواجهة هذا النوع من الجرائم، وتبعا للظروف التي يمر بها أيضا، لذا تقسم الجرائم السياسية في العادة إلى جرائم سياسية ماسة بأمن الدولة الداخلي وأخرى ماسة بأمن الدولة الخارجي، وهناك من قسمها إلى جرائم سياسية خالصة وأخرى نسبية وأخرى مختلطة، فالجريمة السياسية الخالصة، هي تلك الجريمة الماسة بأمن الدولة الداخلي، أو تلك الواقعة على الدستور، وعلى السلطات الثلاث في الدولة، وأما الجرائم السياسية النسبية، فهي تلك الجرائم التي تقع في آن واحد على مصلحة الدولة ومصالح الأفراد، وهي في الأصل جرائم عادية ترتبط بالجرائم السياسية ارتباطا وثيقا وينتج عن هذا الارتباط إما تعدد جرائم مادي أو حقيقي وإما تعدد جرائم معنوي أو صوري. وأما الجرائم السياسية المختلطة، فهي جرائم الاغتيال السياسي كونها عبارة عن قتل عادي لغاية سياسية، جرائم فوضوية بغرض وضع المجتمع في موضوع يحتاج فيه إلى وجود الدولة، وكذا الإرهاب وتزوير النقد لأغراض سياسية.

ثالثا: الفائدة القانونية من تحديد الجرائم السياسية
إن الفائدة القانونية أو النتائج القانونية المترتبة عن تقسيم الجرائم إلى سياسية وعادية، يتمثل فقط في إبراز موقف الآراء المنادية بضرورة ووجوب معاملة المجرم السياسي بنظرة مغايرة عن تلك المعروفة والمعمول بها في مجال الجرائم العادية، لذا سنركز أكثر على الأفكار التي ترى في المجرم السياسي شخص غير سائر المجرمين العاديين، وما ترتب عن ذلك من نتائج انعكست على التجريم والعقاب في هذا النوع من الجرائم، المسماة سياسية.
ونشأت فكرة التمييز بين الجرائم السياسية الجرائم العادية، في القانون الفرنسي لسنة 1810 حيث أظهر تخفيفا اتجاه الجريمة السياسية، وقدمت العديد من الدراسات في فرنسا تخص دراسة شخصية المجرم السياسي، حيث بينت اختلافات عميقة في شخصية كل من المجرم السياسي والمجرم العادي، ولذلك صدر في فرنسا قانون 28-04-1832 لإنشاء نوع خاص من العقوبات للمجرم السياسي، وألغى دستور 1848 عقوبة الإعدام بخصوص الجريمة السياسية، وأصبحت عقوبة الجريمة السياسية هي النفي البسيط والنفي إلى قلعة والإبعاد والتجريد من الحقوق السياسية.
1-فبخصوص شخصية المجرم:
يمكن القول أنه ببروز ظاهرة الإجرام السياسي، وشيوعه في المجتمعات وشرعت الدراسات في تحليله والبحث في أسبابه وكيفية معاملته، ظهرت اتجاهات ترى وجوب التفريق بين شخصية المجرم السياسي والمجرم العادي، حيث رأى أنصار المدرسة الموضوعية، أن المجرم السياسي غير المجرم العادي، حيث أن الأخير تنطوي أفعاله على الغش والحيلة والخديعة، ويصدر إجرامه بدوافع دنيئة وأنانية، مستهدفا إيذاء الوجود الإنساني ومنافيا كل القيم الإنسانية الأصلية ويعبر دوما عن ارتداد إلى الحالة البدائية وشريعة الغاب السائدة بها، في حين أن الإجرام السياسي هو إجرام تطوري تقدمي ينتج عن دوافع الغيرة والإيثار، وبواعث الإصلاح الاجتماعي والرغبة في دفع عجلة التاريخ إلى الأمام، والارتقاء بالذات الإنسانية وبمصالح الجماعة، وهو ليس بإجرام حقيقي وإنما إجرام موهوم أو مزعوم، إذ أنه لا يستهدف سوى المساس بالنظام السياسي أو الاجتماعي القائم وتعديله أو تبديله أو السير به قدما، وفي هذا الصدد رأى غارفالو إدخال الجرائم السياسية في عداد الجرائم الاصطناعية التي لا تمس مشاعر الاستقامة الموجودة بصدر كل إنسان، أما فير رأى بأنه لا يجب أن تصبح النصوص الجنائية مجرد أداة في يد السلطة السياسية، في إشارة منه إلى عدم العقاب على الجرائم السياسية، وأما لمبروزو، فيرى أن الإجرام السياسي هو لون من ألوان الإجرام المتطور الذي يدفع الحياة السياسية والاجتماعية إلى الأمام، بالرغم مما يتسم به لمبروزو من تشدد اتجاه المجرمين. ويرى علماء الإجرام المحدثون، أن المجرم السياسي يمثل النموذج الحي الصادق وهو المجرم العقائدي الذي يجب أن ينظر إليه كنموذج قائم بذاته، حيث يتميز عن سواه في شعوره الصادق العميق، لأن فعله أملاه عليه ضميره ويعتبره جزء من رسالته التي التزم القيام بها، مرتكزا في ذلك على سلسلة القيم التي ترتكز عليها القواعد القانونية النافذة، لذا يجب معاملة إجرامه معاملة خاصة.
غير أنه يجب ألا ننخدع إلى هذا الحد وراء دوافع الإجرام السياسي ومجرميه، فهؤلاء أيضا قد تحركهم دوافع الأنانية والحيلة والمكر والخداع والغش، سالكين هذا النوع من الإجرام، رغبة في الوصول إلى تحقيق دوافعهم الأنانية تحت مظلة وجوب الرأفة بهم في حال أفشلت عملياتهم، وقد اثبت الواقع قيام العديد من حركات التمرد والحروب وكان ظاهرها يوحي على بواعثها السياسية، وأما مضمونها كان مجرد محاولة جماعات معينة للسيطرة على الحكم وبسط نفوذهم على السلطة والشعب، أو لتحقيق مآرب خاصة تنطوي على الغش والكذب والخداع، بل وأكثر من ذلك، لتغطية جرائم فظيعة يرتكبونها أو في محاولة للوصول على السلطة حتى يتسنى لهم بسط حمايتهم على شبكاتهم الإجرامية وهو هدف شبكات المافيا اليوم المتاجرة بالمخدرات والممتهنة للإجرام المنظم. لذا نجد الدول ورغبة منها في تقوية أركانها سعت إلى مقاومة التيارات الاجتماعية وحركات التحرر التي بدأت تنشط في المستعمرات في بداية القرن العشرين، وتغيرت النظرة إلى الجرائم السياسية، وأخرج من نطاقها ما سمي بالجرائم الإرهابية والجرائم الاجتماعية وجرائم التجسس والخيانة وكل ما يمس أمن الدولة من جهة الخارج.وهو ما تنبهت له فعلا بعض التشريعات، حيث أنه مع طغيان اعتبارات مصالح الدولة، مع المذهب الفردي الذي ساد القرن التاسع عشر، لم يبق موقف القانون من الجريمة السياسية موقف المتساهل والعاطف، بل هبت التشريعات خاصة في القرن العشرين إلى تبني التشدد التغليظ في عقاب المجرمين السياسيين، ونادى تيار فقهي جنائي بأنه ليس من العدل أن يراعى الباعث في الجرائم السياسية وحدها دون غيرها ويهمل في باقي الجرائم الأخرى أين يسود مبدأ أن القانون لا يعتد بالبواعث، وأن المبالغة في المسألة يجعل من دراسة شخصية المجرم موضوعا ثالثا يضاف إلى دراسة الجريمة والعقوبة.
2- من حيث المعالمة العقابية:
ونعني بالمعاملة العقابية العقوبة وما له علاقة بها، وبالخصوص المزايا التي يتمتع بها المجرم السياسي في هذا الشأن، مقارنة مع باقي أصناف المجرمين الآخرين، حيث يسود مبدأ وجوب أخذ الدافع الشريف ظرفا في تقدير عقوبة مخففة على المجرم السياسي، خاصة وأنه مجرم اليوم قد يكون حاكم الغد،وأن جريمته جريمة مثقفين، ويجب أن يمنع في إجرامه عقوبات الإعدام أو الأشغال الشاقة أو أن يحرم من حقوقه السياسية أو المدنية أو الثقافية وألا تنتزع جنسيته ولا مصادرة أمواله، ولا أن ينفى إلى الخارج، حيث أن قاعدة عدم تسليم المجرمين أضحت قاعدة مستقرة في الفكر الجنائي المعاصر، واحتلت مكانته على خريطة المبادئ الدستورية بوصفها حقا من الحقوق الأساسية، ولا أن تسري أحكام العود في حقه، حيث لا يمكن احتساب الجريمة السياسية السابقة كعود، كما يجب أن يحظى المجرم السياسي في الغالب بقرارات العفو الشامل حتى في الدول التي لم تأخذ بمفهوم الجريمة السياسية، وأما بخصوص المعاملة في السجن، فعادة ما يعامل السجين السياسي معاملة خاصة، حيث يحبس في أماكن بعيد عن باقي المجرمين العاديين، وله الحق في طلب الطعام من خارج السجن، وله طلب الجرائد والكتب... وارتداء ملابس عادية وعدم إخضاعه للتشغيل. غير انه هناك اتجاه عكس السابق، ينادي بالتشدد مع المجرمين السياسيين، حيث يصح قلب كل ما نادى به الاتجاه السابق.
هذا وبعد أن انتهينا من التحليل القانوني للجريمة، وبينا ماهيتها وخصائصها وقمنا بتمييزها عما يشابهها من أفكار قانونية أخرى يطلق عليها أحيانا وصف الجريمة، وبينا أن أي جريمة يجب وأن تقوم على ثلاثة أركان عامة وجوهرية أو أساسية، هي الركن القانوني أو الشرعي، والركن المادي، والركن المعنوي، سنحاول الآن أن نتناول كل ركن من هذه الأركان العامة في فصل مستقل، على أن نتناول في فصل مستقل كل التقسيمات والتصنيفات التي أعطيت للجريمة بناء على الركنين المادي والمعنوي دون الركن القانوني حيث سبق تناول أهم التقسيمات المستندة لهذا الركن.


avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى