ماهية أسباب الإباحة وآثارها القانونية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ماهية أسباب الإباحة وآثارها القانونية

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 17 نوفمبر 2011, 6:33 am


أسباب الإباحة أو أسباب التبرير، عبارة عن ظروف موضوعية عينة لصيقة بماديات الجريمة، أي بالركن المادي للجريمة، ولا علاقة لها إطلاقا بشخصية الجاني ونفسيته، بمعنى اقتران أسباب الإباحة بالركن المادي للجريمة، لا بالركن المعنوي لها، وهي إذا ما توافرت أخرجت الفعل من دائرة التجريم إلى دائرة الإباحة، أي تؤدي إلى صيرورة الفعل مباحا بعدما كان مجرما، وأسباب الإباحة على عدة أنواع، بحسب التقسيمات المختلفة التي أوردها الفقه، غير أن المشرع حصرها بعددها وموضوعها وجوهرها، وتتشابه مع العديد من الأفكار الجنائية المشابهة لها، غير أنها تختلف عنها، وأهم ما تختلف فيه عن هذه الأفكار من حيث الآثار القانونية المترتبة عليها، وهي المسائل التي سنحاول توضيحها في المطالب التالية.
المطلب الأول
معنى أسباب الإباحة وتقسيماتها

تحديد المعنى الدقيق لأسباب الإباحة أو أسباب أو حالات التبرير، يقتضي منا تناول المقصود بها، ومن ثم تمييزها عما يشابهها من أفكار، وكذا تحديد أهم آثارها القانونية ومختلف التقسيمات التي أعطيت لها، وذلك في الفروع التالية.
الفرع الأول
المقصود بأسباب الإباحة

أسباب الإباحة عبارة عن ظروف موضوعية عينية حددها المشرع، وجعل من أهم آثارها نفي الصفة التجريمية عن الفعل بعدما كان مجرما، أي نفي الصفة غير المشروعة عن الفعل بالرغم من تطابقه مع النموذج التشريعي للجريمة التي تضمنها النص العقابي، لذا يمكن تعريفها بأنها: الحالات التي ترفع عن الفعل صفة الجريمة وتجعله مباحا بالرغم من تطابقه مع الواقعة المجرمة بنص القانون، وذلك لأن القانون ذاته هو الذي سمح بارتكاب هذا الفعل في ظل توفر مثل هذه الظروف، كونها ظروف إذا ما اقترنت بالفعل جردته من معنى العنوان – والعدوان هو سبب التجريم بداية-، لذا يمكن اعتبار أسباب الإباحة عبارة عن قيود ترد على النص التجريمي فتعطل مفعوله، وتخرج الواقعة المتضمنة في النص من دائرة التجريم إلى دائرة الإباحة. أي تجعل من الفعل مشروعا بعدما كان يتصف بعدم المشروعية. وبالتالي إن كان الأصل في الأفعال الإباحة، والاستثناء التجريم، فأسباب الإباحة استثناء على هذا الاستثناء ( التجريم)، وبالتالي هي العودة إلى الأصل، أي الأصل في الأشياء الإباحة. وبالنظر لما يترتب عن أسباب الإباحة من آثار، كان يتعين علينا تناول مصدرها، قبل مسألة تمييزها عما يشابهها من أفكار. وذلك في النقطتين التاليتين.
أولا: مصادر أسباب الإباحة
بالنظر لما يترتب على أسباب الإباحة من آثار قانونية، وأهمها تقييد النص التجريمي بالرغم من قيمته وأهميته وأهدافه، فالمنطق يوجب أن يكون المشرع هو المحدد والمقدر للظروف التي يعتبرها سببا من أسباب الإباحة، ما دام هو الذي حدد الأفعال التي تشكل جرائم، لذا فمن المنطقي أن تكون أسباب الإباحة محددة على سبيل الحصر في قانون العقوبات، غير أن هذا الحصر يتعلق بموضوعها لا بمصدرها، إذ سبق القول عند دراسة نتائج مبدأ الشرعية الجنائية، أنه تستثنى هذه القواعد العامة ( مثل حظر التفسير والقياس وأحادية المصدر) في حال تعلق الأمر بمصلحة المتهم، إذ يجوز بالتالي أن يكون مصدر الإباحة غير قانون العقوبات، وذلك لا يخل بقولنا بوجوب أن تكون محددة حصرا بموضوعها، كما يجوز اللجوء إلى القياس في مجال أسباب الإباحة، وكذا التفسير الواسع لها، إذ مبدأ الشرعية الجنائية يقضي بأن يكون القانون المصدر الوحيد، ويحظر القياس والتفسير الواسع في مسائل التجريم والعقاب، لا في المجالات التي تخدم صالح المتهم، كأسباب الإباحة وموانع المسؤولية وموانع العقاب. لذا فأسباب الإباحة يمكن أن تجد مصدرها في الشريعة الإسلامية أو العرف أو فروع القانون غير الجنائية، أو مبادئ العدالة وأحكام القانون الطبيعي، على أن ترد بموضوعها إلى حالة من الحالات التي تضمنها قانون العقوبات، وذلك ما يتضح عند دراستنا لهذه الأسباب تباعا.
ثانيا: تمييز أسباب الإباحة عما يشابهها من أفكار جنائية
مفهوم أسباب الإباحة وما تمت إليه الإشارة من آثارها – بطريقة عرضية- تجعلها تشتبه بالعديد من الأفكار الأخرى التي يتضمنها القانون الجنائي، وأهمها موانع المسؤولية وموانع العقاب، وأحيانا بعض الموانع الإجرائية، غير أن قولنا أن أسباب الإباحة عبارة عن ظروف موضوعية لصيقة بالركن المادي للجريمة، وغير ذات علاقة بشخصية الجاني ونفسيته، يجعلها تختلف اختلافا كبيرا عن موانع المسؤولية وموانع العقاب، كما تختلف عن الموانع الإجرائية المتعلقة بقانون الإجراءات، في حين أسباب الإباحة أسباب متعلقة بالقنون الموضوعي المتمثل في قانون العقوبات، وهو ما نبينه من خلال النقاط الثلاثة التالية، وذلك باختصار، على اعتبار أن هذه الموانع سيحين موضع دراستها بالقدر والتفصيل اللازم للموضوع.
1- أسباب الإباحة وموانع المسؤولية:
موانع المسؤولية عبارة عن حالات بتوفرها تتأثر أهلية الشخص أو قدرته على الاختيار والإدراك، على اعتبار المسؤولية الجنائية تقوم على التمييز والقدرة على الاختيار والحرية فيه، وبالتالي كلما زالت هذه المكنات كان الشخص غير مسؤول جنائيا، كصغر السن أو الجنون أو الإكراه المسلط عليه، وهو ما بينه المشرع الجزائري في المواد من 47 إلى 51 من تقنين العقوبات. وهو ما يبين بوضوح بأن موانع المسؤولية، عبارة عن عوامل داخلية شخصية تتعلق بشخصية الجاني لا بالركن المادي للجريمة[1]، على عكس أسباب الإباحة التي تتعلق بالركن المادي للجريمة. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، أسباب الإباحة تنصب على النص فتعطل مفعوله، مما يحول دون قيام الجريمة أصلا، على عكس موانع المسؤولية التي لا أثر لها على قيام الجريمة، بل فقط على تخلف شرط من شروط مسائلة الشخص. وبالتالي لاختلاف أسباب الإباحة عن موانع المسؤولية، العديد من الآثار القانونية التي يرتبها القانون الجنائي، وأهمها:
أ- إن إثبات أسباب الإباحة أمر يسير مقارنة بإثبات موانع المسؤولية، كون الأولى عبارة عن ظروف موضوعية لصيقة بالجريمة يسهل إثباتها، على عكس موانع المسؤولية التي تعد أسباب نفسية داخلية أمر إثباتها صعب، كونه يتطلب تحليل نفسية الجاني وحالته النفسية، وهو أمر يتجاوز قدرات القاضي، لذا يلجا بخصوصها في العادة للخبرة النفسية، عدا حالة الإكراه.
ب- تطبيق أسباب الإباحة يمتد لكل شخص ساهم في الجريمة، سواء بوصفه فاعلا أصليا أو شريكا، أي يستفيد منها كل شخص ساهم في الجريمة، وذلك باعتبارها ظرفا لصيقا بالجريمة، بينما موانع المسؤولية باعتبارها موانع لصيقة بشخصية الجاني، فلا يمكن أن يستفيد منها إلا من توفرت لديه.
ج- أسباب الإباحة تمحي عن الفعل صفته التجريمية، وبذلك تحول دون تطبيق أي جزاء من أي نوع كان، في حين موانع المسؤولية لا تحول دون تطبيق التدابير الاحترازية[2].
د- أسباب الإباحة مادامت تنفي الجريمة، فهي تنفي المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية[3]، بينما موانع المسؤولية لا تنفي قيام المسؤولية المدنية، حيث يلزم الشخص أو مسؤوله المدني بتعويض ما سببته أفعاله من أضرار مادية[4].
2- أسباب الإباحة وموانع العقاب:
موانع العقاب أيضا عبارة عن موانع شخصية تتعلق بالشخص الجاني، إذا ما توفرت ترتب عنها عدم عقاب الشخص، ولا يستفيد منه إلا من توفرت في حقه، ولا تمتد إلى غيره من المساهمين معه في الجريمة، كما لا تنفي قيام هذه الجريمة، بل تظل جريمة في نظر المشرع إلا أن المانع يحول دون توقيع الجزاء فقط، وهي لا تحول دون قيام المسؤولية الجنائية، ولا المسؤولية المدنية، وهي بذلك تختلف تماما عن أسباب الإباحة على النحو الذي سبق تباينه[5].
3- أسباب الإباحة والموانع الإجرائية[6]:
وهي موانع إجرائية يقدر المشرع لاعتبارات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو لأسباب تتعلق بملائمة السياسة الجنائية ذاتها أنها تمنع من ملاحقة فاعل الجريمة ورفع الدعوى العمومية ضده، ومن أمثلة الاعتبارات السياسية، الحصانة السياسية والدبلوماسية التي يتمتع بها أعضاء السلك السياسي والدبلوماسي والقنصلي على إقليم الدولة المضيفة، وكذا الحصانات البرلمانية، ومن الاعتبارات الاقتصادية، تقييد رفع الدعوى على الطلب في الجرائم المرتكبة ضد مصالح الجيش الوطني الشعبي[7]، والأسباب الاجتماعية مثل جريمة الزنا والسرقة بين الأزواج... ومن الموانع المتعلقة بحسب السياسة الجنائية، التقادم، وكل هذه المسائل مجرد عقبات إجرائية تحول دون ملاحقة الفاعل ورفع الدعوى العمومية في مواجهته، غير أنها لا تعني زوال الصفة الإجرامية عن فعله، وهي لا تمنع دون قيام المسؤولية المدنية أيضا، بالرغم من هذه القيود، لذا فهي قيود شخصية يستفيد منها من توفرت لصالح فقط دون المساهمين معه في الجريمة. على عكس أسباب الإباحة. وإن كانت الموانع الإجرائية في بعض الحالات قد يستفيد منها غير الشخص الذي قررت لصالحه، مثل حالات الحصانة السياسية أين تستفيد منها كل الحاشية المرافقة للشخص، وفي حالات الحصانة الدبلوماسية التي يستفيد منها كل أعضاء السفارة أو القنصلية.
ثالثا: أساس الإباحـة وتحديد طبيعتها
بكل إيجاز، يرى البعض أن أساس الإباحة هو انتفاء موجب التجريم، كون المشرع وفقا للقواعد العامة لا يجرم إلا الأفعال التي تشكل اعتداء على المصالح الاجتماعية التي يرى ضرورة حمايتها، لذا فإن رأى هذه الأفعال في بعض الظروف لا تؤثر على الحقوق المحمية، أو إذا كانت تضر ببعض الحقوق وتحمي البعض الآخر مما يوليه الرعاية أكثر، فإنه يغلب جانب الإباحة على جانب التجريم، حيث قد تكون صيانة لما يجب حمايته، مثل تدخل الطبيب على جسم الإنسان بالرغم من حماية القانون لأجسام وأبدان أفراد المجتمع، وهو الوضع في كل حالة يرى فيها المشرع أن حماية حق أولى بالرعاية من حماية حق آخر، فهنا يرفع الصفة التجريمية عن الفعل، وكلما حدث تنازع بين حقين فإنه يقرر حماية للحق الأعز شأنا والأرجح كفة،
أو الحق الذي يعد من الناحية الاجتماعية أغلى وأهم، كلما استحال حماية حق دون إهدار الآخر، لذا يجب إهدار أدني الحقين قيمة. لذا فأسباب الإباحة من طبيعة موضوعية – ذات طبيعة مادية ملموسة - لا شخصية، فهي تنتج أثرها بعيدا عن الموقف النفسي للفاعل، وسواء كان يعلم بوجودها أو يجهل ذلك، وسواء كان حسن النية وقت اقتراف الفعل أو سيئ النية، حتى ولو كان يطفئ غلا أو حقدا، كمن يرى شخص يقتل الآخر فدافع عنه وقتل المعتدي بالرغم من الغل والحقد الذي كان يجمعهما[8]. كما لا يقتصر أثر أسباب الإباحة على الفاعل وحده، بل تمتد إلى شركائه، تجسيدا لقاعدة " للفرع حكم الأصل".
وبوجه عام، يمكن القول أن أسباب الإباحة تنحصر في ثلاثة أسباب، هي القيام بما أمر أو أذن به القانون، وهو ما يسميه الفقه والقانون العربيين باستعمال الحق وأداء الواجب أو ممارسة الرخصة، ومن هذه الناحية يمكن القول أن أسباب الإباحة واردة قانونا على سبيل الحصر، غير أن من حيث الواقع فهي في مناي عن حصرها لأنها تتعدد بقدر تعدد الحقوق والرخص والواجبات. كما أن أسباب الإباحة تستلهم وجودها من فروع القانون الأخرى المعروفة في النظام القانوني للدولة ككل، بمعنى تجد أسباب الإباحة مصدرها في فروع القانون الأخرى، على اعتبار أنه رغم تعدد فروع القانون في النظام القانوني الواحد، فإن هذه الفروع تتكامل ولا تتناقض أحكامه، إذ لا يمكن للقانون أو المشرع أن يأمر أو يبيح فعل معين في فرع من فروع القانون، ليجرمه في فرع قانوني آخر، لذا يجب التسليم بأن ما يبيحه أو يأمر به فرع من فروع القانون فهو قيد على نص التجريم، في الحدود وبالشروط التي يبينها هذا الفرع من فروع القانون، وفي ذلك لا وجود لأدنى مساس بمبدأ الشرعية الجنائية، كون المسألة تتعلق بالإباحة لا بالتجريم، خاصة وأنه سبق لنا القول بان كل المسائل التي تخدم مصلحة المتهم، تعد من استثناءات نتائج مبدأ الشرعية الجنائية، خاصة ما تعلق بأسباب الإباحة أو موانع المسؤولية أو موانع العقاب. لذا فالقياس جائز في مجال أسباب الإباحة، فيجوز إضفاء حكم سبب من أسباب الإباحة على حكم آخر توفرت فيه ذات العلة التي تقررت لأجلها الإباحة. خاصة وأن القياس في مجال أسباب الإباحة، حسب البعض، لا يدخل في مسائل القانون الجنائي، بل هو من مجالات فروع القانون الأخرى، وأن القياس بحسب الأصل جائز في هذه الفروع القانونية، لذا لا يجوز للفقه الجنائي أن يرفض هذا القياس. لذا فيمكن أن تخضع أسباب الإباحة لمبدأ الرجعية وذلك كقاعدة عامة لأنها أصلح للمتهم، على العكس إذا ما كان يتشدد في تطبيقها فلا تسري على الماضي.

الفرع الثاني
تقسيمات أسباب الإباحة
وتحديـــد آثـــــارها

يقسم الفقه أسباب الإباحة العديد من التقسيمات، وذلك بتعدد الزوايا التي ينظر منها إليها، فقسمت بحسب نطاقها ( أو يمكن القول بحسب المستفيد منها) إلى أسباب إباحة مطلقة وأسباب إباحة نسبية، وقسمت بحسب موضوعها ( بحسب أنواع الجرائم) إلى أسباب إباحة عامة وأسباب إباحة خاصة، وقسمت بحسب طبيعتها بحسب موضع النص عليها في القانون، وبهذا الخصوص هناك من القوانين من تأخذ بسببين وهناك من تأخذ بأكثر من ذلك، غير أن الاتفاق التشريعي حاصل بخصوص الدفاع الشرعي، وما أمر أو أذن به القانون، والخلاف ينحصر في العادة حول رضاء المجني عليه، وحالة الضرورة.
أولا: تقسيم أسباب الإباحة بحسب نطاقها ( بحسب المستفيدين منها)
بالنظر لنطاق أسباب الإباحة أو الأشخاص المستفيدين منها، قسمت أسباب الإباحة إلى أسباب إباحة مطلقة وأسباب إباحة نسبية، الأولى وهي تلك الأسباب التي يستفيد منها بصفة مطلقة كل شخص وجد في الظروف المنصوص عليها ضمن النص المقرر للسبب، ومثاله الدفاع الشرعي الذي قرر لكل شخص يدافع عن نفسه أو نفس الغير أو عن ماله أو مال الغير، بينما أسباب الإباحة النسبية، فهي تلك الأسباب التي تقتصر الاستفادة منها على أشخاص تتوفر فيهم صفة معينة تعد من شروط تطبيق سبب الإباحة، كالطبيب في إجراء العمليات الجراحية، والزوج في تأديب زوجته، والأب في تأديب ابنه، والموظف في حال تنفيذ أوامر القانون...
ثانيا: تقسيم أسباب الإباحة بحسب موضوعها
قسمت أسباب الإباحة بحسب موضوعها، أو بالنظر إلى الجرائم المقترنة بها، إلى أسباب إباحة عامة وأسباب إباحة خاصة، الأولى وهي تلك الأسباب التي يمكن تصور قيامها بخصوص كل أنواع الجرائم، مثل الدفاع الشرعي[9]، وأما أسباب الإباحة الخاصة، فهي تلك التي تتقرر بالنسبة لبعض الجرائم دون البعض الآخر، كإباحة القذف أثناء الدفاع أمام المحاكم، والجرح بالنسبة للطبيب في العمليات الجراحية، والضرب الخفيف غير المبرح بالنسبة لتأدب الزوجة من قبل الزوج، أو تأديب الإبن من قبل الولي...
ثالثا: تقسيم أسباب الإباحة بحسب طبيعتها
وهو التقسيم الذي يستند في تقسيمه لأسباب الإباحة على موضوع النص عليها، وبعبارة أخرى ما إن كان يعتد بها المشرع من عدمه، كون أسباب الإباحة متعددة، تتفق غالبية التشريعات حول بعضها، مثلما هو الأمر بالنسبة للدفاع الشرعي وما أمر به القانون، ولا تتفق حول البعض الآخر، مثلما هو الشأن بالنسبة لحالة الضرورة ورضاء المجني عليه. وأحيانا حول ما أذن به القانون.
وبصفة عامة، يمكن القول أن أسباب الإباحة هي: ما أمر أو أذن به القانون وتسمى في دول أخرى باستعمال الحق وأداء الواجب أو استعمال الحق الشخصي وممارسة السلطة، الدفاع الشرعي ويسمى أيضا الدفاع المشروع، وهي التسمية التي اعتمدها المشرع الجزائري، حالة الضرورة، ورضاء المجني عليه الذي ضاق نطاقه في الوقت الحالي. وفي قانون العقوبات الجزائري، أسباب الإباحة تضمنتها المادة 39 كقاعدة عامة، وأضافت المادة 40 نوعا خاصا من أنواع الدفاع الشرعي والتي يسميها الفقه حالات الدفاع الشرعي الممتازة. وسنتناول ذلك تفصيلا بعد أن نبين في الفرع الموالي آثار أسباب الإباحة.
الفرع الثالث
آثـــــار أسباب الإباحة

يمكن تبين آثار أسباب الإباحة من التمييز الذي قمنا به بينها وبين موانع المسؤولية وموانع العقاب، إذ في حال ما توفر سبب من أسباب الإباحة في الفعل، فإنه تترتب عليه العديد من الآثار القانونية التي تفاديا للتكرار نوجزها في النقاط التالية:
1- توفر سبب من أسباب الإباحة، يجعل من الفعل الذي يعد في الحالات العادية جريمة فعلا مباحا، أي الفعل الذي يشكل بحسب الأصل جريمة إذا ما اقترف في الظروف العادية، إذا ما اقترن بسبب من أسباب الإباحة عد فعلا مباحا، مما ينفي كل مسؤولية عنه ويحول دون توقيع أي جزاء على مقترفه. سواء تمثل في عقوبة أو تدبير أمن.
2- انتفاء المسؤولية الجنائية في حالة توفر سبب من أسباب الإباحة يقود أيضا إلى انتفاء المسؤولية المدنية، إذ لا يمكن للشخص أن يعوض عن فعل يسمح به القانون وقد يأمر به أحيانا. أو يرخص به في الكثير من الأحيان.
3- كقاعدة عامة، يستفيد من أسباب الإباحة كل من ساهم في الفعل المقترن به، باعتبار أسباب الإباحة تنصب على الفعل ذاته لا على الفاعلين. كونها أسباب موضوعية عينية لا ذاتية أو شخصية.
4- الجهل بأسباب الإباحة أو الغلط فيها لا يحول دون استفادة الشخص منها، كون أسباب الإباحة ظروف عينية موضوعية، في حين الجهل والغلط أسباب نفسية وشخصية، ولا يجوز إعمال هذا النوع في مجال ماديات الجريمة.




Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أسباب الإباحة في قانون العقوبات الجزائري

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 17 نوفمبر 2011, 6:48 am


نصت المادة 39 من تقنين العقوبات الجزائري، على أنه:" لا جريمـة:
1- إذا كان الفعل قد أمر أو أذن به القانون،
2- إذا كان الفعل قد دفعت إليه الضرورة الحالة للدفاع المشروع عن النفس أو عن الغير أو مال مملوك للشخص أو مملوك للغير بشرط أن يكون الدفاع متناسبا مع جسامة الاعتداء."[10]
وبالتالي أسباب الإباحة وفقا لقانون العقوبات الجزائري، سببين، الأول وهو ما أمر أو أذن به القانون، وجرت العادة أن يقسم هذا السبب إلى قسمين، يتم تناول حالات إذن القانون منفصلة عن حالات أوامر القانون، والثاني الدفاع الشرعي أو المشروع، وهو ما نتناوله في المطالب الثلاثة التالية:
المطلب الأول
تنفيذ ما أمر به القانون كسبب من أسباب الإباحة

دراسة تنفيذ أوامر القانون كسبب من أسباب الإباحة، تقتضي منا دراسة ماهية هذا السبب في حد ذاته، من خلال تبيان المقصود والأساس والعلة من تقريره، وكذا تحديد أبعاده وذلك في فرع أول، لنتناول في الثاني، الشروط المتطلبة في أوامر القانون حتى تعد سببا من أسباب الإباحة.

الفرع الأول
معنى أوامر القانون التي تعد سببا من أسباب الإباحة

لا نقصد بأوامر القانون كأسباب للإباحة بأن مثل هذه الأوامر تشكل دوما جرائم غير أنها مباحة، بل نقصد تلك الحالات التي يرى فيها المشرع انه من الأجدر تعطيل مفعول النص الجنائي وإباحة الخروج عليه تحقيقا لمصلحة اجتماعية معينة، بالرغم من الفعل ينطوي على جريمة لو ارتكب في الظروف العادية بعيدا عن هذا الأمر[11]، لذا يأمر فيها القانون بإتيان بعض الأفعال، التي لولا هذا الأمر لعدت جرائم في الظروف العادية، كالأمر بالإدلاء بالشهادة أمام الجهات القضائية الجزائية وإباحة ما يترتب عن هذه الشهادة من إفشاء للأسرار، وإلزام الطبيب بإفشاء ما يعاني منه مرضاه من أمراض معدية، بالرغم من التزام الطبيب بالسر المهني، واحترام الحياة الخاصة لمرضاه، وتنفيذ عقوبة الإعدام من الموظف المكلف بذلك، وحبس وسجن الأشخاص تنفيذا للأحكام القانونية والقضائية، التي لولاها لعد الفعل جريمة حبس تعسفـــي ( المادة 291 وما بعدها).... ففي مثل هذه الحالات، لولا أمر القانون، لعدت الأفعال السابقة جرائم معاقب عليها، وتجد مثل هذه الأوامر القانونية سندها في تقدير المشرع بأن الأمر ينطوي على تحقيق مصلحة اجتماعية أجدر من المصلحة التي كانت محمية قانونا، مما ينفي عن الفعل صفته التجريمية، ويحول دون قيام أية مسؤولية من أي نوع كان.
وثارت مسألة البحث في معنى أوامر القانون، وما إن كان يقصد بها أوامر القانون الجنائي فقط أم غيره من القوانين الأخرى، واستقر الرأي على أن المقصود هو القانون بمعناه الواسع، بما فيه الأوامر الإدارية[12]، وهنا ثار تساؤلا آخر، يتمثل في مدى اعتبار الأوامر الإدارية التي يصدرها الرئيس لمرؤوسيه سبب من أسباب الإباحة في الحالات التي تكون فيها متسمة بعدم المشروعية، فهل في مثل هذه الحالات ينفذها المرؤوس وتعد سببا من أسباب الإباحة؟ أم يمتنع عن تنفيذها بحجة عدم مشروعيتها، وفي هذه الحالة يجوز أصلا للمرؤوس أن يفحص مشروعية الأوامر الصادرة له من رؤساءه؟، بصدد الإجابة عن التساؤلات السابقة، انقسم الفقه إلى ثلاثة اتجاهات، الأول يرى في الأوامر الإدارية غير المشروعة سببا من أسباب الإباحة، والثاني يرى العكس، واتجاه وسط راجح يرى وجوب التفرقة بين وضعين، وضع اللامشروعية الظاهرة واللامشروعية غير الظاهرة.
أولا: تنفيذ الأمر الإدارية غير المشروع سبب من أسباب الإباحة
وينطلق هذا الاتجاه من أن تنفيذ الأوامر الإدارية الصادرة من الرؤساء للمرؤوسين أمر واجب، وذلك بغض النظر عن مشروعيتها من عدمها، لأن خضوع المرؤوس لأوامر رؤساءه أمر واجب، ولا يملك أصلا حق مراقبة مشروعية الأوامر المعطاة له، ولا حق له في الامتناع عن تنفيذها وإلا قامت مسؤوليته التي إن لم تكن جزائية فهي إدارية أو تأديبية، لأن القول بغير ذلك يعطل سير المرافق العامة بانتظام واطراد، وبالتالي على المرؤوس متى أعطي أمرا إداريا من رئيسه أن ينفذه، حتى ولو كان غير مشروع، وأن هذا التنفيذ يعد سببا من أسباب الإباحة، ولا يجوز للشخص المنفذ عليه هذا الأمر أن يرده بالدفاع الشرعي.
ثانيا: تنفيذ الأوامر الإدارية غير المشروعة جريمة
على عكس أنصار الاتجاه السابق، يرى أنصار هذا الاتجاه أن تنفيذ المرؤوس للأوامر الإدارية غير المشروعة الصادرة إليه من رؤساءه يعد جريمة، وبالتالي يجوز للشخص المنفذ عليه هذا الأمر أن يرده عن طريق الدفاع الشرعي متى توفت شروطه. ونرى نحن أنه نفس موقف المشرع الجزائري من خلال ما يتبين من استقراء المواد من 107 لغاية 110 مكرر[13]. هناك قرار عن المحكمة العليا صادر في 07-06-1981 يقضي بأنه :" إن تنفيذ الموظف لأوامر غير قانونية واردة عن مسؤوليه لا تدخل في إطار الأعذار القانونية المنصوص عليها في المواد من 277 إلى 283 ق ع ج. وما دامت لا تدخل في نطاق الأعذار التي تعد أسباب شخصية خاصة، فهي لا تعد أيضا سبب من أسباب الإباحة.
ثالثا: مدى وضوح حالة عدم المشروعية من عدمها
الرأي الوسط والراجح بين الرأيين السابقين، هو الرأي الذي يفرق أنصاره بين حالتي وضوح عدم مشروعية الأمر الإداري الصادر للمرؤوس من عدمها، ففي الحالة التي تكون فيها ظاهرة يجب على المرؤوس الامتناع عن تنفيذ الأمر الإداري غير المشروع الصادر إليه، وإلا عد مرتكبا لجريمة يجوز ردها من قبل المنفذ عليه الأمر، على عكس الحالة التي لا تكون فيها عدم المشروعية ظاهرة، فهنا يكون تنفيذ المرؤوس للأمر الصادر إليه سببا من أسباب الإباحة التي لا يجوز مقاومتها من قبل المنفذ عليه الأمر.

الفرع الثاني
شروط أوامر القانون كسبب من أسباب الإباحة

بعيدا عن الجدل السابق، فإن الفقه أوجد بعض الشروط الواجب مراعاتها في تنفيذ أوامر القانون حتى تكون سببا من أسباب الإباحة، وهي:
1- أن يكون الأمر قد نص عليه القانون صراحة ودون لبس أو غموض، وأن يصدر في الحالات التي يجوز فيها إصدار مثل هذا الأمر، وبالشروط والقيود والحالات الواردة بالنص، مثل تفتيش المساكن.
2- أن يصدر الأمر من جهة مختصة بإصداره.
3- أن يصدر لشخص مختص بتنفيذ الأمر.
4- أن تكون هناك علاقة وظيفية بين الرئيس والمرؤوس.
5- أن يكون تنفيذ الأمر بحسن نية.
وعموما، يجب أن تكون الحالة التي أتي فيها الموظف العام العمل مطابقا من كل وجوهه للأوضاع التي تضمنها القانون، وأن يكون فيها العمل مقرر بموجب نص قانوني، أو أمر رئاسي من رئيس يوجب القانون طاعته، بشرط أن يكون القائم به مختصا بمباشرته، وأن تتحقق دواعي إتيان العمل، وان يباشر على النحو الذي رسمه القانون، غير أنه في أوامر الرؤساء، فيجب إثبات تلقيه الأمر من رئيسه وأن يكون هذا الأمر مستوفي لشروط صحته، سواء كانت شروط شكلية أو شروط موضوعية، فالشروط الشكلية أن يفرغ الأمر في الشكل الذي يوجب القانون إفراغه فيه، كما يجب أن يكون صادرا عن رئيس مختص لمأمور مختص أيضا، وهو ما يختلف باختلاف الحالات والأوضاع، وأن يكون الأمر مما يدخل في اختصاص الرئيس إصداره، حيث هناك أوامر مقصورة على نوع من الرؤساء الإداريين دون البعض الآخر، كما أن المنفذ يختلف باختلاف الحالات، فليست كل الأوامر مما يمكن لكل الموظفين تأديتها، فتنفيذ حكم الإعدام له المكلفين به، والتفتيش له أشخاصه، .. وإن كان القانون يشترط صدور الأمر كتابة فلا يجوز صدوره شفاهة. مع احترام الشروط الموضوعية، التي يقصد بها المقدمات التي يشترط فيها القانون اتخاذ الأمر، فتنفيذ حكم الإعدام يقتضي وجود حكم نهائي بات استنفذ كل طريق الطعن وإجراءات طلب العفو، والعديد من الإجراءات الأخرى، حتى يمكن تنفيذ حكم الإعدام. وباستكمال الأمر لشروطه الشكلية والموضوعية يكون على المرؤوس واجب تنفيذه، حتى ولو تخلفت بعض شروطه إذا كان القانون يفرض على المرؤوس واجب الطاعة دون إمكانية مراقبة مشروعية الأمر، مثلما هو الشأن بالنسبة للأوامر العسكرية، وهنا يرى البعض أن المرؤوس يتحلل فقط من واجب التحري على الشروط الموضوعية، لكن الشروط الشكلية يجب عليه التأكد من توفرها قبل التنفيذ وإلا سئل عن الفعل وعوقب إن كان يشكل جريمة، خاصة ما يتعلق بأنه من الأوامر التي تدخل ضمن اختصاصه وصادر ممن يملك سلطة أمره، وانه مستوفي للشكليات التي حددها القانون، بل يرى البعض أن المرؤوس يجب عليه الامتناع عن تنفيذ أوامر الرئيس إذا كانت الشروط الموضوعية ظاهرة البطلان، حتى ولو كانت الشروط الشكلية متوفرة، مثل الحالة التي يطلب فيها الرئيس العسكري من الجندي إطلاق الناري على جار تشاجر معه أو إلقاء القبض على أحد الناس وقتله، أما في حالة عدم مشروعية العمل، وهو كأن يكون خارج عن اختصاص الموظف العام، أو قام به تنفيذا لأمر غير واجب الطاعة، ففي هذه الحالات يسأل الموظف عن فعله ويعاقب، غير أن بعض القوانين، ومنها القانون المصري في مثل هذه الحالة يتحرى عن " حسن نية الموظف" في المادة 63 من تقنين العقوبات، وحسن النية في هذه الحالة مسألة موضوعية تستقل محكمة الموضوع بتقديرها، مستعينة في ذلك بكل الطرق الممكنة قانونا، بشرط أن يبذل الموظف جهدا في التحري من مشروعية الأمر وأن يكون اعتقاده بالمشروعية مبنيا على أسباب معقولة، أخذا بعين الاعتبار كل الملابسات والظروف المحيطة، ووضع الموظف وقدراته، لذا فالمسألة تختلف باختلاف الأحوال والأوضاع، والمعيار هو معيار الرجل العادي في وظيفة الموظف وظروفه والمؤثرات التي ازدحمت عليه. وتوفر حسن النية لدى الموظف ينفي قصده الجنائي، غير أن يعاقب إن كان الفعل يمكنه القيام جريمة غير عمدية.
وعلى العموم بخصوص تنفيذ الأوامر غير المشروعة، فهنا يجد الموظف نفسه أمام واجبين متناقضين، الأول هو إطاعة أوامر الرئيس، والواجب الثاني هو إطاعة القانون، وذلك بعدم تنفيذ الأمر المخالف للقانون، أي تنازع بين القانون الإداري وقانون العقوبات، وهنا يجب احترام قانون العقوبات، وإلا قامت مسؤولية المرؤوس إن لم يثبت أنه اكره معنويا من قبل رئيسه، أو اعتقد خطئا بمشروعية الأمر الصادر إليه، وهنا ينتفي لديه القصد الجنائي لكن هنا يمكن مسائلته عن جريمة خطئية، إن كانت الجريمة تقبل القيام عن طريق الخطأ، وأن يتحرى عن المشروعية. وهو نفس الوضع بالنسبة للقانون الفرنسي الجديد في نص المادة 122-4 ، التي يفهم منها مسائلة المرؤوس في حال ارتكاب فعل غير مشروع.



Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ماهية أسباب الإباحة وآثارها القانونية

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 17 نوفمبر 2011, 6:51 am


المطلب الثاني
ما أذن به القانون كسبب من أسباب الإباحة

على غرار ما قمنا به في المطلب الأول، سنحاول أن نبين المعنى من هذا السبب وشروطه، لنتناول في الثاني بعض تطبيقاته .

الفرع الأول
معنى إذن القانون كسبب من أسباب الإباحة

إن تقرير حق لشخص يبيح له بالضرورة استعماله حتى ولو كانت صورة هذا الاستعمال يشكل جريمة، لأن الحق الذي يمنع استعماله لا يعد حقا، وهي مسألة بديهية لا تحتاج إلى نص يقررها، لذا فكل فعل ارتكب بنية سليمة عملا بحق مقرر بمقتضى الشريعة، أو بحكم فرع من فروع القانون، يعد سببا للإباحة، لذا سنحاول أن نتناول معنى الإذن وشروط ممارسته في النقاط التالية.
أولا: معنى الإذن القانوني كسبب من أسباب الإباحة
هي حالات يجيز أو يسمح فيها القانون لشخص بالقيام ببعض الأفعال التي لو ارتكبت خارج هذا الإذن لعدت جرائم معاقب عليها قانونا، غير أنها على عكس أوامر القانون، هي حالات تعد مجرد رخصة من المشرع للشخص أن يمارسها أو أن يتركها، ففيها يمكن إعمال الرأي الشخصي على عكس أوامر القانون التي يلزم الموظف بتنفيذها وإلا قامت مسؤوليته. وموضع هذه الحالات في العادة هو بعض القوانين الخاصة التي تسمح ببعض الأفعال التي تعد في نظر قانون العقوبات جرائم، إعمالا لمبدأ الخاص يقيد العام، وعلة ذلك أن الإذن في الحالات المسموح بها يحقق فائدة أجدر من الفائدة التي يحققها النص الحامي للحق. لذا مصدر هذه الحالات لا يقتصر على قانون العقوبات، بل يمكن أن يكون مصدره العرف أو الشريعة الإسلامية.
وبخصوص مصادر الإذن – أو الحق مثلما تستعمله قوانين المشرق- فإن المتفق عليه أن القانون هو المصدر العام لكل الحقوق، كون فكرة الحق ترتبط ارتباطا وثيقا بفكرة القانون، فلا يمكن تصور حق دون أن تكون هناك قاعدة قانونية تقرره أو على الأقل محمولا على قاعدة من قواعد القانون، والمقصود بالقانون كافة فروعه سواء كانت مكتوبة أو غير مكتوبة، في الحدود التي يسمح فيها القانون لهذه الفروع من تقرير الحقوق، سواء كانت مبادئ الشريعة الإسلامية أو العرف أو قواعد العدالة وأحكام القانون الطبيعي، بل قد يكون القانون الجنائي ذاته أو قانون الإجراءات الجزائية مصدرا للحقوق، مثل تقديم البلاغات أو الشكاوى في بعض الجرائم، حيث لولا هذا النص لاعتبر الفعل قذفا، أو من الشريعة الإسلامية التي تبيح للأب أن يؤدب ابنه وللزوج أن يؤدب زوجته، كما قد يكون العرف، مثلما هو الشأن بالنسبة للأعراف الرياضية، كما يجد الحق مصدره في العقد في الزواج، أو في الإرادة المنفردة كالتنازل عن المال، أو في أمر القضاء كالترخيص بتوقيع الحجز على الأموال، أو في قرارات السلطات العامة، مثل الترخيص بحمل السلاح إذ لولا هذا الترخيص لكنا بصدد جريمة. لذا فكل ما يشترط في مصدر الحق أن تكون القاعدة القانونية نافذة في النظام القانوني للدولة، ولا تكون قاعدة قد ألغيت، أو الأعراف الفاسدة التي تنشأ مخالفة لقاعدة قانونية، ولا بقواعد القانون الأجنبي إن لم يكن يعترف له القانون بالسريان في الدولة، ولا في قواعد الشريعة الإسلامية التي لم يرد المشرع تطبيقها بغض النظر عن سلامة مسلكه من الناحية الدينية من عدمه. كإعدام الشخص من القضاء لا يجيز القضاء وإن كانت الشريعة الإسلامية تقضي بغير ذلك، والمقتص يعد مرتكبا لجريمة قتل عمد.
ثانيا: شروط اعتبار الإذن سبب من أسباب الإباحة
لكي يعد الإذن سببا من أسباب الإباحة يجب أن يستجمع الإذن الشروط التالية:
1- أن يكون للإذن مصدر من المصادر التي يعتد بها القانون[14]، كالتشريع أو العرف أو الشريعة الإسلامية، وفي الحالة التي يكون فيها مصدر الإذن قرار إداري، يجب أن يراعي هذا القرار قواعد إصداره شكلا وموضوعا وإلا اعتبر مصدره محرضا في القانون الجزائري والصادر له فاعلا أصليا[15].
2- أن يمارس الإذن في حدود المصلحة التي منح لأجلها[16].
3- أن يستخدم الإذن بحسن نية، وحسن النية ألا يتجاوز الشخص في استعماله الإذن الحدود التي لأجلها منح الإذن.
4- أن يمارس الإذن من الشخص الذي منح له وفي المكان المحدد له، كون الإذن شخصي لا يمكن التنازل عنه، ومقيد بحيز مكاني لا يجوز تجاوزه.

الفرع الثاني
بعض تطبيقات لإذن كسبب من أسباب الإباحة

من أهم تطبيقات الإذن كسبب من أسباب الإباحة، وبالرغم من تعدد مصادره نجد حق التأديب، وأهمها تأديب القصر وتأديب الزوجة. وممارسة الأعمال الطبية وكذا الألعاب الرياضية وحتى الإذن بارتكاب بعض الجرائم في حدود معينة كإباحة القذف والسب في حالة الدفاع أمام الجهات القضائية. وهو ما نبينه باختصار في النقاط التالية.
أولا: حق تأديب القصر
في الكثير من الأحيان تقتضي الأحوال شيء من الحزم مع الصغار لحسن تنشئتهم، مما يقتضي تأديبهم لتقويم سلوكهم أو لتعليمهم، وهو التأديب الذي قد ينطوي نوعا ما على بعض الجرائم، كالضرب والشتم أو الحبس ، غير أنها جرائم لا يعاقب عليها القانون، لأن التأديب في مثل هذه الأمور، يعد ضرورة يقرها العرف والشرع والقانون، بل وتأديب القصر ممن له الحق لا يعد فقط حق، بل حسب البعض يعد حقا وواجبا في نفس الوقت، كون القانون المدني يقر حق رقابة القصر " مسؤولية متولي الرقابة" بل ويحمل هؤلاء ما يقع من هؤلاء القصر. غير أن تأديب القصر يتطلب بعض الشروط بحيث إذا تخلف أحد هذه الشروط، وقع الفعل تحت طائلة العقاب،المتمثلة في:
1- الصفة في القائم بالتأديب:
وهو شرط ينطوي على شقين، أحدهما يتعلق بمن يستحق التأديب والآخر خاص بمن يباشر هذا الحق، فمن يستحق التأديب هم القصر والأحداث، وهم وفقا للقانون المدني ممن يخضع لرقابة متولي الرقابة، وأما الشخص القائم بالتأديب هم الأشخاص المكلفون برعاية الحدث، سواء كان مصدر التكليف الشرع
أو القانون أو الاتفاق، والمنصب على التربية والـتأديب سواء كان أب أو أم أو جد أو جدة، أو الوصي كما يثبت هذا الحق أيضا للمعلم بالنظر للتلازم بين التأديب والتعليم حتى أنه قديما كان يسمى المعلم مؤدبا، ويمتد الحق حتى لملقن الحرفة أو المهنة، وما عدا ذلك لا يمتد حق التأديب لغير هؤلاء.
2- وقوع ما يوجب التأديب:
حق التأديب يقضي ألا ينزل بالحدث أذى بغير سبب، ومؤدى التأديب هو انحراف الحدث عن السلوك الواجب، سواء تعلق الأمر بما ينص عليه القانون أو الشرع أو العرف، سواء كان ضرر الانحراف على الغير أو على الحدث ذاته، حتى ولو تعلق بإفطار رمضان أو ترك الصلاة أو مخالطة الأشرار أو امتنع عن تلقي الدروس أو مراجعتها، وما عدا ذلك يمتنع إيذاءه قولا وفعلا، ويعد ذلك ظلما وقد يعاقب عليه القانون[17].
3- التزام حدود التأديب:
حيث لا يجوز أن يتجاوز التأديب مداه، والتزام مبدأي المشروعية والملائمة، المشروعية وتعني استعمال وسيلة مقبولة للتأديب، فالقتل لا يمكن تصوره وسيلة للتأديب، أو بتر عضو من أعضائه، بل هو ضرب بسيط لا يحدث كسرا أو جرحا أو يترك أثرا ولا ينشأ عنه مرضا، والضرب ذاته قد يباح للبعض ويحظر للبعض الآخر، إذ هو مباح للولي أو الوصي، ومحظور على المعلمين كون القانون في هذه الحالة جعل من الضرب وسيلة غير مشروعة. أما الملائمة فيراد بها التناسب بين وسيلة التأديب والغاية المرجوة منه، لذا فعلى القائم بالتأديب اختيار الوسيلة الأكثر ملائمة من الوسائل المتاحة له للتأديب، فله اللجوء لبعض الوسائل في بعض الظروف، وفي ظروف أخرى وسائل أخرى، وفي كل ذلك يجب مراعاة التوازن، حيث لا يكون هناك اختلال فاحش بين وسيلة التأديب والأمر الذي استوجبه.
4- حسن النيــــة:
وهي التزام الشخص الغاية التي تقرر لأجلها حق التأديب، حيث كلما هدف التأديب غاية أخرى غير التي لأجلها تقرر حق التأديب، وقع تحت طائلة العقاب، فلا ضرب للأب أبناءه لحملهم على السرقة
أو التسول أو نكاية في والدتهم، وحتى وإن كانت الغاية مشروعة، فلا يجوز أن تخرج من غاية التأديب في الحالة ذاتها، فالأم المطلقة التي تأدب أولادها لحمل والدهم على دفع النفقة يعد جريمة، بالرغم من أن الغاية مشروعة، فالتأديب غير جائز كلما انحرف عن موجب التأديب.
ثانيا: تأديب الزوجة
وهو حق يستمد من الشريعة الإسلامية، في حين أن القانون لم ينص عليه صراحة، غير أن الرأي في الفقه والقضاء استقر على قبوله في مصر كسبب من أسباب الإباحة إذا توفرت فيه شروطه[18]، وهي الصفة في التأديب، وأن يكون هناك موجبا لتأديب الزوجة، والتزام حدود التأديب، وأن يكون ذلك أيضا بحسن نية، وهو ما نتناوله في النقاط الربعة التالية.
1- الصفة في التأديب:
تأديب الزوجة من الحقوق الذاتية الشخصية الخالصة للزوج دون غيره، فلا يجوز لغيره ذلك، سواء كان من أهله أو حتى من أهلها، وهو من الحقوق التي لا تقبل الإنابة، حيث لو قام بذلك وأدبت الزوجة من المنيب عوقب هذا الأخير كفاعل أصلي والزوج كشريك أو محرض حسب الأحوال، ويثبت حق تأديب الزوجة بثبوت رابطة الزوجية ويزول بزوالها، والعبرة بوقت التأديب لا بوقت اقتراف الفعل الذي أوجب التأديب، فليس للزوج تأديب زوجته بعد الطلاق عن أفعال توجب التأديب اقترفتها وقت قيام العلاقة الزوجية. وصاحب الحق في تأديب الزوجة هو الزوج المسلم الذي تزوج بموجب أحكام الشريعة الإسلامية، ويرى البعض أن سكوت النص عن هذا الحق يمنع هذا الأمر على الزوج. وهو ما جعلنا نرى صعوبة التمسك به في القانون الجزائري.
2- موجب التأديب:
هو حق مقرر لزوج إذا بدر من الزوجة معصية، وهو كل إخلال بواجب من واجبات الزوجة، سواء كان واجبا عاما من الواجبات الملقاة على الناس جميعا، أو واجبا خاصا باعتبارها زوجة، وذلك بحسن معاشرة زوجها وطاعته والحفاظ على أمواله ورعاية أولاده، بشرط ألا يكلفها الزوج أمرا مخالفا للدين
أو الشرع أو القانون، فإن أمرها بمثل هذه الأمور، فلها مخالفته، وإن أدبها يكون قد ارتكب جريمة معاقب عليها قانونا.
3- التزام حدود التأديب:
تأديب الزوج لزوجته تبعا للشريعة الإسلامية أن يكون بإحدى الطرق الثلاث التالية: الوعظ، الهجر في المضجع، الضرب، لذا فليس للزوج أن يعتمد غير هذه الوسائل مما قد يلحق بالزوجة أذى شديد في نفسها أو في بدنها، وأن يراعي التدرج في وسائل التأديب، الوعظ ثم الهجر وأخيرا الضرب، والموعظة هي التبصرة وإبداء النصح وحثها على الإقلاع عن المعاصي، وهي الموعظة التي تختلف باختلاف الأحوال ونوع الزوجة والمعصية التي ارتكبتها، كما أن التأديب يراعى فيه مقاصد الإسلام فلا يكون بالكلام الفاحش ولا أمام الملأ، والهجر في المضجع هو الإعراض عن المرأة في فراشها باعتباره مظهرا من مظاهر غضب الرجل وسخطه، ومدة الهجر لدى الفقهاء شهر، ولا يجوز في أن تبلغ الأربعة أشهر في أي حال من الأحوال[19]. ثم الضرب الذي يعد أقصى مراتب التأديب، حيث لا يمكن اللجوء إليه إلا باستمرار العصيان، ودأبت عليه الزوجة، لكن اللجوء مقيد بان يسلك الزوج أولا طريق الوعظ والهجر في المضجع، وألا يكون الضرب مهلكا أو متلفا أو شائنا، أو مبرحا حتى ولو ثبت أن الضرب الخفيف معها لا يجدي، بل أنه في الفقه الإسلامي خلاف حتى حول وسيلة الضرب وعدد الضربات.
4- حسن النية:
وهو أن يضع الزوج نصب عينيه الغاية من فعله وهي التأديب، فلا يجوز له ضربها بغضا لها
أو طمعا في مالها أو انتقاما من أهلها، أو لحملها على ارتكاب معصية، بل ويعاقب حتى ولو بدرت منها معصية تستوجب التأديب، لكن يثبت أن هدف الزوج لم يكن التأديب وإنما غرض من الأغراض السابقة[20].
ثالثا: حق مزاولة الأعمال الطبية
يقصد بهذا الحق، مزاولة كل عمل طبي ينطوي على المساس بجسم الإنسان إما بهدف علاجه مما يعتريه من مرض، أو لتخفيف آلامه، أو لوقايته من مرض، أو لمجرد الكشف عما يشوبه من خلل، كما يشمل بالإضافة إلى ذلك، كافة الأعمال المرتبطة بذلك والمعتبرة ضرورية لتنفيذ الأفعال السابقة، فلا يشكل جريمة الجروح التي يرتكبها الطبيب ولا استئصاله أعضاء المريض المعيبة، بشرط الالتزام بالأصول الطبية المرعية في هذا الصدد، بل أن الطبيب مخول له حيازة المواد المخدرة وإدخال المواد الضار والمخدرة جسم الإنسان متى كانت ضرورية لممارسة أعماله، ولا يعد مرتكبا لجريمة هتك العرض في حالة الكشف عن عورات مرضاه. والعلة من تبرير حق مزاولة الأعمال الطبية، وجعلها سببا من أسباب الإباحة، في نظر الفقه مزدوجة، فهي حق لمن يزاوله وذلك باعتراف القانون، وبالتالي وجب الاعتراف بالمشروعية على وسائل استعماله ولو كانت تشكل بحسب الأصل جريمة، ومن ناحية ثانية العلة تكمن في رضاء المريض، فإن كان رضاء المجني عليه لا يعد سببا عاما للإباحة، فإنه في مجال الأعمال الطبية يعد أساسا لإباحة العمل، ويرى البعض أن أساس الإباحة في هذه الحالة، هو انتفاء القصد الجنائي لدى الطبيب، غير أن أساس الإباحة وفق رأي الغالبية، هو تبرير القانون، وعلته الحقيقية رضاء المريض، لذا فعدم رضاء المريض لا يجعل من الفعل مباحا، إلا إذا تعلق الأمر بحالة الضرورة وهنا يكون مانعا من موانع المسؤولية لا سببا من أسباب الإباحة، وهو ما لا نؤيده بخصوص موقف المشرع الجزائري. وشروط ممارسة الأعمال الطبية التي تعد سببا من أسباب الإباحة، أن تكون من الأعمال التي يرخص بها القانون، وأن تكون بقصد العلاج، وأن يرضى المريض بذلك، وأن يراعى في ممارستها الأصول المهنية والقواعد العلمية المرعية لمزاولة المهنة
أو العمل الطبي. وهو ما نفصله اختصارا في النقاط التالية.
1- ترخيص القانون:
لكي يعتبر ممارسة الأعمال الطبية من أسباب الإباحة، يجب أن يكون من الأعمال المرخص بها قانونا، وأن يكون صادرا ممن رخص له بذلك، ممن يحوزون على المؤهل العلمي الذي يخولهم ذلك.
2- رضاء المريض:
يتعين لاعتبار العمل الطبي سببا من أسباب الإباحة، أن يكون المريض قد رضي به. وهو شرط طبيعي يقتضيه ما لجسم الإنسان من حرمة تمنع المساس به بدون رضاء صاحبه، حتى ولو كان هذا المساس يتضمن رعاية الجسم وضمان سيره سيرا طبيعيا. والرضاء قد يكون صادرا من المريض نفسه، أو ممن يمثله قانونا، وهو الرضاء الذي قد يكون صريحا كما قد يكون مفترضا، إذا تعذر على المريض نفسه ذلك، كان يكون فاقدا للوعي أو لم يكن له من يمثله قانونا، كما قد يكون ضمنيا من دخول المريض بنفسه غرفة العمليات الجراحية، غير أن الرضا لا يستخلص من مجرد ذهاب المريض إلى المستشفى أو إلى عيادة الطبيب، إذ أن المريض قد يرضى ببعض الأعمال الطبية دون البعض الآخر[21]. غير أن الحصول على رضاء المريض، يقتصر على الأعمال الطبية التي قد تشكل جريمة من جرائم قانون العقوبات، مثل الجرح وإعطاء مواد ضارة أو إحداث عاهة، دون الأعمال الطبية لا تنطوي على جريمة من الجرائم، غير انه لا يعتد برضاء المريض كسبب من أسباب الإباحة في حالات القتل بدافع الشفقة أو بدافع الرحمة، حتى ولو كان ذلك بإلحاح منه، وحتى ولو كان بدافع تخليصه من آلام حادة مبرحة لا يقدر على تحملها، أو لأي سبب آخر مبعثه المريض نفسه، فلا يزال لغاية اليوم مثل هذا القتل غير مبرر بالرغم من وجود بعض الأحكام غير القاطعة بأن البراءة كانت فيها لهذا السبب.
3- قصد العلاج:
لكي تعتبر الجريمة المترتبة عن ممارسة العمل الطبي مباحة، يجب أن تتم مزاولته بغرض العلاج، ويشمل قصد العلاج القضاء على مرض أو تخفيف الآلام الناشئة عنه، أو الوقاية من مرض، أو الكشف عن أسباب خلل صحي يعتري جسم الشخص، لكن مزاولة هذا العمل لقصد آخر، مثل بتر عضو شخص لتمكينه من التهرب من التزامات الخدمة الوطنية، أو إعطاء مواد مخدرة للشخص بقصد إشباع حاجته من الإدمان، أو بهدف إجراء تجربة علمية جديدة، عد الفعل جريمة معاقب عليها قانونا.
4- مراعاة الأصول المهنية والقواعد العلمية في مزاولة الأعمال الطبية:
إباحة ممارسة الأعمال الطبية، تظل مرهونة بإتباع الأصول الطبية المتعارف عليها في مجال مهنة الطب، ولا يقصد بذلك تقييد الطبيب بعلاج دون آخر أو بطريقة دون أخرى، وإنما الأصول الأساسية لممارسة المهنة الطبية، مثل تعقيم الأدوات الجراحية، أو أن يجري العملية في ظروف غير مواتية تماما كان يجريها وهو مخمور أولا يستعين بمن يتوجب الاستعانة بهم، أو أن يرتكب سلوك غير مغتفر مثل نسيان أداة جراحية بداخل جسم المريض. وفي مثل هذه الحالات يسأل الطبيب عن جريمة غير عمدية، قوامها الخطأ القائم على الإهمال أو عدم الاحتياط، ومعيار الخطأ هو المعيار المهني أو الفني الذي سنتناوله عند دراسة أنواع الخطأ ودرجاته في إطار دراسة الركن المعنوي للجريمة، وبالضبط في الجرائم غير العمدية أو جرائم الخطأ.
رابعا: إباحة جرائم القذف والسب في بعض الظروف
أباح القانون في بعض الأحيان ارتكاب جرائم القذف والسب في حالات معينة ارتأى فيها أن المصلحة التي تعود من إباحة هذه الأفعال، تفوق المصلحة من عقاب الجاني، فبعض الدول تعترف بالقذف والسب في ذوي الوظائف العامة كنوع من ممارسة الرقابة الصحفية[22]، والحالة الثانية إباحة القذف والسب أمام جهات القضاء ممارسة لحق الدفاع. غير أنه وممارسة لحق الدفاع أمام المحاكم، يبيح المشرع للخصوم الأقوال التي تشكل بحسب الأصل جريمة قذف أو سب، حماية لحق الدفاع أمام المحاكم الذي يفوق في درجته المصلحة من عقاب مرتكبيها، كون حق الدفاع مقرر ليقود في النهاية إلى كشف الحقيقة التي تعد مبتغى أجهزة العدالة وفكرة العدالة في ذاتها. وفي القانون المصري تم النص على هذه الحالة صراحة، وذلك بموجب نص المادة 309 من تقنين العقوبات التي نصت على أنه:" لا تسري أحكام المواد 302 و303 و305 و306 و308 على ما يسنده أحد الخصوم لخصمه في الدفاع الشفوي أو الكتابي أمام المحاكم فإن ذلك لا يترتب عليه إلا المقاضاة المدنية أو المحاكمة التأديبية."، ويدخل في معنى الخصوم المحامون وأن يكون ذلك بمناسبة دعوى معروضة أمام الجهات القضائية، بمختلف أنواعها لكن بشرط أن يكون الأمر يقتضيه حق الدفاع فعلا وأمر تقدير ذلك متروك لسلطة الموضوع.
خامسا : ممارسة الأعمال الرياضية
ويقصد بذلك الألعاب الرياضية العنيفة التي تفترض ممارسة استعمال القوة والعنف على جسم المنافس وهو حال كل الرياضات القتالية، فيأتي فيه الفاعل فعلا تتوفر فيه جميع مقومات الإيذاء المجرم، غير أن ما يحدث في هذا الإطار من عنف وإصابات يكون مبررا ومباحا طالما تم في الحدود المقررة لممارسة اللعبة، غير أنه هناك نوع من الألعاب الرياضية غير العنيفة مثل كرة القدم أو كرة السلة أو الغولف والتنس والسباحة، فهنا تطبق القواعد العامة في حالة حصول عنف، فإن كانت الجريمة تحتمل وصف الجريمة غير العمدية يسأل عنها الفاعل المهم إعمال القصد.




Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ماهية أسباب الإباحة وآثارها القانونية

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 17 نوفمبر 2011, 6:55 am


المطلب الثالث
الدفاع الشرعي ( المشروع)

يعد الدفاع الشرعي من أقدم أسباب الإباحة التي عرفتها القوانين الجنائية عبر العصور، كونه سبب يستند لغريزة طبيعية في النفس البشرية التي تسعى دوما للدفاع عن بقاءها، كما أنه سبب يبرره منطق الأمور، إذ لا يمكن تصور إلزام الناس بتحمل الاعتداءات التي يتعرضون إليها، خاصة وأننا بصدد موازنة بين تصرفين أحدهما غير مشروع وهو الاعتداء على الحق، والثاني مشروع، وهو حماية هذا الحق، والمشرع يفضل دوما حماية الحق، بل أن نصوص قانون العقوبات ذاتها هدفها الرئيسي ذلك. وحسب نظرية هيجل الجدلية، فالدفاع الشرعي يستمد مشروعيته من فكرة أن الاعتداء على حق يحميه القانون هو نفي لهذا الحق وخرق للقانون، ورد هذا الاعتداء هو إثبات للحق وإحقاق لسلطة القانون، الأمر الذي أدى في النهاية إلى اعتبار الدفاع الشرعي حق وواجب في نفس الوقت[23]. غير أن أهمية الدفاع الشرعي تقتضي منا قبل أن نتناول شروطه في فرعين، نتناول أولا أساس وطبيعة الدفاع الشرعي.
أساس الدفاع الشرعي:
الدفاع الشرعي نظام يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، حيث عرفته كل الشعوب في مختلف مراحل تطورها، لأنه عبارة عن قانون من قوانين الفطرة، فليس من المعقول والمنطق أن يحمل الإنسان عبء تحمل الاعتداءات الواقعة عليه، خاصة في الحالات التي يتعذر فيها عله مراجعة السلطات المختصة في الوقت المناسب، وكان قادرا على رد العدوان بنفسه، لذا يقال أن المشرع لم يقرر مبدأ الدفاع الشرعي وإنما أقره، أي أنه استبقاه وضبط آثاره، وهو لا يقتصر على القانون الجنائي فقط، بل مقرر في بعض فروع القانون الأخرى، مثل القانون الدولي[24]. وبالرغم من اعتبار الدفاع الشرعي من البديهيات القانونية، إلا أن الرأي لم يستقر حول أساسه، فهناك من علله بتخلف الركن المعنوي، حيث أن العدوان يعد إكراها يعطل حرية الاختيار، ما يدفع الشخص لرد العدوان تلقائيا كون إرادته تصبح غير معتبرة من الناحية القانونية، والبعض الآخر يرى أن المدافع في دفاعه عن حقه أو حق غيره تصبح غايته ملتئمة مع غاية القانون وهي حماية الحقوق والمصالح، وهما رأين غير مقبولين من قبل البعض، حيث أن القول بأن الدفاع الشرعي نوع من أنواع الإكراه، فإن الرد عليه هو أن الإكراه كمانع من موانع المسؤولية في حقيقة الأمر لا ينفي الصفة التجريمية عن الفعل بل كل ما يرتبه هو امتناع المسؤولية الجنائية دون المدنية. كما أنه كثيرا ما يحتفظ الشخص المدافع بحرية الاختيار سيما في الحالات التي يكون فيها الاعتداء غير جسيم، أو عندما يكون واقعا على غير الشخص المدافع، في حين الرأي الثاني ما هو في حقيقة الأمر سوى القول بنبل الغاية أو الباعث لدى المدافع، في حين أنه لا مجال للبواعث والغايات مهما كان نبلها في قانون العقوبات وهو من المبادئ القانونية المستقرة في قانون العقوبات، وبالتالي فالبواعث لا تنفي القصد الجنائي، كما أن انتفاء الركن المعنوي للجريمة لا يعني بالضرورة إباحة الفعل. لذا نجد بعض الفقه يعتبر الدفاع الشرعي في حقيقة الأمر مقابلة الشر بالشر، وهو تعليل يرى البعض أنه ضعيف أيضا، لأنه يجعل الدفاع عقابا على المعتدي، وهو أمر غير صحيح في القانون الجنائي، كما أن اعتبار الدفاع الشرعي شر كالعدوان يقتضي بأنه جريمة كجريمة العدوان، خاصة أيضا وأنه لا مقاصة في الإثم، فالقانون لا ينفض يده في حالة التشاجر، فيعاقب الجميع وكل منهم ضارب ومضروب.
في حين يرى بعض الفقه، أن العدوان إنكار لحكم القانون أو نفي له، وأن الدفاع نفي لهذا النفي، وهو بذلك إثبات أو إقرار لحكم القانون، ومن هنا كانت إباحته، غير أنه رأي يشوبه النقص أيضا، حيث أن لو كان رد العدوان إعمالا للقانون، لامتنع بعد ذلك عقاب المعتدي كون حكم القانون نفذ فيه، غير أنه يعاقب من جديد مما ينفي الرأي السابق، وإلا عوقب عن الفعل الواحد مرتين وهذا غير مقبول جنائيا، كون المتفق عليه جنائيا أن الدفاع الشرعي مهما كانت جسامته، فإنه لا يحول دون عقاب المعتدي بموجب القانون.
ومن الفقه، من رأى أن فعل الدفاع عبارة عن إنابة الدولة في ممارستها سلطتها البوليسية، كون منع الجرائم من المهام الأساسية للدولة، فإن تعذر عليها التدخل في الوقت المناسب لمنع وقوع جريمة على وشك الوقوع، فإنها تنيب أي فرد للحلول محلها في منع وقوعها، غير أنه رأي لم يقبل أيضا، حيث أن المدافع في حالة الدفاع الشرعي يتاح له اقتراف أفعال لا تباح لرجال السلطة العامة، وهو ما يعني فساد فكرة الإنابة ذاتها، لأن الإنابة تقتضي ألا يباح للنائب ما يمنع على الأصيل.
لذا من الراجح فقها أنه في حالة الدفاع الشرعي يقع التعارض بين حقين، أحدهما خاص بالمعتدى عليه، والآخر خاص بالمعتدي، والحقان يتكافآن من الناحية المجردة، فكلاهما جدير بالحماية، غير أنه لما كانت التضحية بأحد الحقين لازمة ولا مناص منها، لذا فحق المعتدي أولى بالتضحية، ويرجح حق المعتدى عليه لأنه برده يكون قد صان حقين، حقه شخصيا وحق المجتمع، وهذا الأخير حق جوهري وصيانته أولى وواجبة أيضا وفيه تكمن على الإباحة إلى حد كبير[25]. كما أنه هناك من رد أساس الدفاع الشرعي لفكرة العقد الاجتماعي، حيث يتنازل الأفراد بموجب هذا العقد عن حقوقهم في الدفاع عن أنفسهم لصالح الدولة، وإن وقع اعتداء على أحد الأشخاص، ولم يكن بمقدور الدولة الدفاع عنه، فإن هذا الحق يعود على حالته السابقة ما قبل إبرام العقد، ويتولى الشخص بنفسه الدفاع عن نفسه، وانتقد هذا الرأي بان فكرة العقد الاجتماعي ذاتها مشكوك فيها تاريخيا.
طبيعة الدفاع الشرعي:
تحديد طبيعة الدفاع الشرعي، شأنه شأن تحديد أساسه، أثارت خلافا فقهيا، غير أن السائد لدى جمهور فقهاء القانون الجنائي أنه حق، غير أنه حق لا يقابله التزام في ذمة شخص معين، بل هو حق عام مقرر قبل الكافة، فلا يجوز لأي منهم أن يحول دون استعماله، ومن الفقه من يعتبر الدفاع الشرعي واجب، إلا أنه ليس واجبا قانونيا فرضه المشرع ورتب على الإخلال به جزاء، وإنما هو واجب اجتماعي يفرضه الحرص على صيانة الحقوق ذات الأهمية الاجتماعية، ومن الفقه من ينكر الوصفين، فلا يعتبره حقا لأنه لا يقابله التزام، ولا يعتبره واجبا لأنه لا يقابله جزاء عند عدم القيام به، وإنما هو مجرد رخصة. في حين يرى البعض، أنه ليس للدفاع الشرعي حكما واحدا، بل هو يتردد بين الأحكام الثلاثة السابقة، فهو في أغلب أحواله حق، في حين يعد واجبا في بعض الأحيان، ورخصة في أحيان أخرى، فهو حق إذا وقع على حق مطلق للمعتدى عليه، ويكون رخصة إذا كان المدافع ليس بالشخص المعتدى عليه، ويكون واجبا إذا كان القانون يفرض على المدافع حماية الحق المعتدى عليه أو يفرض عليه عدم التفريط فيه، كرجل السلطة العامة متى كان ذلك استطاعته، فإن لم يفعل يسأل إداريا كما قد يسأل جنائيا. كما أن دفاع الشخص عن حياته ليس مجرد حق له بل هو واجب عليه، والزوجة يقع عليها واجب الدفاع على عرضها إذا حاول الغير اغتصابها، حيث أن القانون يعاقبها إذا مكنت الغير من نفسها.
غير أنه طبقا للمادة 39/2 من تقنين العقوبات الجزائري، الدفاع الشرعي هو حق يقرره القانون لمصلحة المدافع بأن يستعمل القوة اللازمة لرد الاعتداء الواقع على نفسه أو نفس الغير أو ماله أو مال الغير، وهو حق مقرر في مواجهة الناس كافة لا يحق رده أو مقاومته، غير أن ممارسة هذا الحق على الوجه القانوني يقتضي مراعاة جملة من الشروط التي قررها النص الذي أقر هذا الحق، منها ما يتعلق بفعل العدوان المستحق للرد بطريق الدفاع المشروع، ومنها ما يتعلق بفعل الدفاع ذاته، وهو ما نتناوله في الفرعين التاليتين. على أن نتناول في الثالث حالة خاصة من حالات الدفاع المسماة فقها حالات الدافع الممتازة، والتي تضمنتها المدة 40 من تقنين العقوبات الجزائري.

الفرع الأول
الشروط المتطلبة في فعل العدوان

حتى يعتد القانون بفعل الدفاع الشرعي، ويجعل منه سببا من أسباب الإباحة، يجب أن يتوفر في فعل العدوان ثلاثة شروط أساسية، وهي أن يكون العدوان عبارة عن خطر حال وغير مشروع وان يهدد النفس
أو المال. وهو ما نبين تفصيله على النحو التالي. غير أنه قبل ذلك، يقتضي الدفاع الشرعي بحكم المنطق والضرورة العقلية وجود عدوان، كون العدوان المقدمة اللازمة لفعل الدفاع، ولولاه لما سمي بالدفاع، حيث أن الدفاع يقتضي أن يكون هناك عدوان، والعدوان في جوهره هو اعتداء على حق أو تهديد له، ومن حيث حكمه هو عمل غير مشروع، صادر عن إنسان، كون المشروعية من عدمها تنصرف لأفعال البشر، وللمسألة أهمية كبيرة كون أفعال غير الإنسان لا تقتضي اللجوء للدفاع الشرعي، حيث أنه إذا كان العدوان راجع للطبيعة أو لحيوان فإن الدفاع في هذه الحالات لا يستند على فكرة الدفاع الشرعي، بل لفكرة حالة الضرورة.
أولا: العدوان خطر حال ( خطر محدق أو قائم)
وهو الشرط الذي يتضح بجلاء من نص المادة 39 التي استعملت عبارة " الضرورة الحالة" بمعنى أن يكون فعل العدوان محدقا وعلى وشك الوقوع، أو وقع ولم ينته بعد، أي خطرا قائما[26]. والخطر المحدق على وشك الوقوع هو الخطر الذي أصبح أمر حدوثه أمرا متوقعا ومنتظرا كخطوة تالية مباشرة- الأمر الذي يعني استبعاد كل الأخطار المستقبلية لأن مآل تحققها أمر محتمل الوقوع- أو أن يكون خطر قد وقع ولم ينته بعد، وفي مثل هذه الحالة يظل الخطر قائما ومستمرا طالما لم تتحقق الجريمة كاملة على الوجه المحدد لها في النموذج التشريعي، لذا ففي الجرائم المستمرة يظل الخطر حالا، والدفاع ضده في أي لحظة دفاعا مشروعا.
ثانيا: أن يكون خطر غير مشروع
قرر الدفاع المشروع أصلا لرد الاعتداءات المشكلة لجرائم، والجريمة دوما تعد فعلا غير مشروع، لذا يجب أن يكون الخطر الحال الذي يتهدد الشخص خطرا غير مشروع مهدد لحق يحميه القانون – النفس أو المال- حتى وإن كان مصدر الخطر شخص غير مسؤول جنائيا، كونه سبق القول أن أسباب الإباحة ظروف موضوعية عينية وليست شخصية، لذا ينظر فيها للأفعال لا للأشخاص. غير أنه يجب استبعاد الأخطار الوهمية التي يتوهما الشخص.
ثالثا: خطر مهدد للنفس أو المال
يجب أن يكون الخطر الحال غير المشروع مهددا لنفس الشخص أو نفس غيره أو مال الشخص
أو مال غيره، دون أن تحدد المادة 39 نوع هذه الجرائم مما يجب معه أخذها بصفة عامة دون حصر، وإن كانت مسألة الجرائم الواقعة على الشرف والاعتبار أثارت نوعها من الجدل[27].
وبتوفر هذه الشروط، لا قيمة لجسامة العدوان، إذ في القانون الجنائي لا فرق بين العدوان الجسيم والعدوان اليسير، فكلاهما جائز دفعه عن طريق الدفاع الشرعي، وإن كان هناك فرق فهو ينحصر في كمية الدفاع والقدر الواجب فيه، لا في أصل الدفاع وما إن كان واجبا أم لا. ويستوي العدوان أن يكون فعلا إيجابيا أو فعلا سلبيا، فالعدوان مناط الدفاع، ولا عبرة بطبيعة النشاط في العدوان، وإن كان العدوان في غالب الأحيان يقع بفعل إيجابي كالضرب والشتم والحرق والقتل والسرقة، إلا أنه يمكن أن يقع أيضا بالترك أو الامتناع، أي بنشاط سلبي، كامتناع الأم عن إرضاع ابنها والطبيب عن إسعاف المريض وامتناع من دخل مسكن عائلة برضاها ثم رفض الخروج بطلبها، فهنا يجوز إكراه الشخص بفعل يشكل جريمة كإرغام الأم بالقوة على إرضاع ابنها أو خطفها منها لإرضاعه وتهديد الطبيب بالقتل إن لم سعف المريض واستخدام القوة اللازمة لإخراج الشخص الذي رفض الخروج من المنزل طوعا. غير أن الشرط الأساسي أن يكون العدوان يشكل جريمة، إذ لا يجوز الدفاع الشرعي ضد الأفعال المباحة، كما يمتنع عن الأفعال غير المشروعة إن لم تشكل جرائم، إذ لا دفاع عن فعل ضد شخص يؤدي واجبا أو يمارس رخصة أو حق، إذ لا يجوز لأب الزوجة أو أخوها من رد تأديب الزوج لزوجته وإلا عوقب، ولا مقاومة رجل السلطة العامة الذي ينفذ أمر القانون أو أمر الرئيس، مثل تفتيش المسكن أو إلقاء القبض، كما لا يجوز الدفاع ضد فعل غير مشروع في فرع من فروع القانون غير الجنائية، لكنه لا يشكل جريمة في القانون الجنائي، مهما كان خطر هذا الفعل، ولا يجوز رده بفعل يعد جريمة، كون الدفاع الشرعي عبارة عن جريمة في حقيقتها موجه لرد جريمة يمثلها العدوان[28]. لذا فلا يجوز الدفاع ضد الأعمال المنافية للأخلاق الدينية والأعراف الاجتماعية متى كانت لا تشكل جريمة من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات، وكذا كل الاعتداءات المنصوص عليها في الفروع القانونية الأخرى، وما عدا ذلك لا يهم الجريمة التي تشكل عدوان.
رابعا: ما لا يؤثر في قيام حالة الدفاع الشرعي
وعموما كل ما يشترط في فعل العدوان أن يشكل جريمة من جرائم قانون العقوبات، ولا عبرة بعد ذلك بنوع هذه الجريمة، ولا بالأحوال الخاصة بشخص المعتدي، ولا بالنظر لما يتوفر لديه من ظروف فيما بعد قد تمنع مسائلته جنائيا أو عقابه. كما لا يشترط أن تكون جريمة المعتدي على قدر معين من الجسامة، إذ يجوز الدفاع الشرعي ضد الجرائم بمختلف درجاتها، سواء كانت جنايات أو جنح أو مخالفات، ولا يشترط أن تكون الجريمة عمدية، حيث يجوز أيضا الدفاع الشرعي ضد الجرائم غير العمدية، كما لا يشترط أن يكون الركن المادي قد اكتمل، بل يجوز الدفاع في حالة الشروع، بل الأصل في الدفاع الشرعي أنه يوقف الجريمة عند حد الشروع، لأن الحكمة من إباحته هي كف العدوان والحيلولة دون تحقق نتائجه المحظورة قانونا، لذا فتطبيقات الدافع الشرعي في أغلب حالاته أن يواجه الجريمة وهي في مرحلة الشروع، غير أن المشرع يقيد الجريمة بأن تكون على النفس أو المال. ويجوز الدفاع حتى ولو كان الشخص سبق وان استفز المعتدي، إذ لشريك الزوجة الزانية حق الدفاع عن نفسه ضد الزوج الذي فاجأهم بالزنا ويجوز الدفاع من امتنعت مسؤوليته أو توفر لديه مانع من موانع العقاب ومن توفرت لديه الحصانة الدبلوماسية. وأن عدم الخضوع لقضاء الدولة لا يمنع من قيام حالة الدفاع الشرعي، ففي الحالات المستثناة من مبدأ الإقليمية، لا يمنع من قيام حالة الدفاع الشرعي ضدهم، فحظر محاكمتهم عن الجرائم التي يرتكبونها على إقليم الدولة، لا يحول دون تمتع ضحاياهم بحق الدفاع الشرعي.
كما أن تعليق رفع الدعوى العمومية على قيد لا يحول دون ممارسة حق الدفاع الشرعي، وهو قيد من طبيعة إجرائية، لكنه لا يغير من الطبيعة الموضوعية للفعل المرتكب، فإن كان يشكل جريمة جاز للشخص المعتدى عليه أن يرده عن طريق الدفاع الشرعي، من قبل المعتدى عليه وحتى من قبل عامة الناس أن يردوه عن طريق القوة العامة، فصد الابن بالضرب عن سرقة مال أبيه حتى لو علم بأنه يسرق مال أبيه يعد سببا من أسباب الإباحة، أو شروع أحد نواب البرلمان في قتل شخص آخر، يجوز للمعتدى عليه وكل الناس رده بالقوة بفعل يشكل جريمة حتى وغن كانت جريمة قتل. كما أن امتناع مسؤولية الشخص المعتدي لا يحول دون الدفاع الشرعي ضده، كالمجنون والصغير ومن به علة عقلية أو غيبوبة أو سكر كون امتناع المسؤولية لا يبيح اقتراف الجرائم، فاغتصاب مجنون لفتاة أو شروع طفل في حرق المحاصيل يوقف عن طرق فعل يشكل جريمة ويعد ذلك دفاعا شرعيا. بالرغم من أنه هناك بعض الفقه من يرى أن الدفاع الشرعي ضد الممتنعة مسؤوليته غير جائز قانونا، بدعوى أنهم غير مخاطبين بأوامر ونواهي القانون وبالتالي أفعالهم لا حكم لها قانونا، ولا يمكن وصفها بأنها أفعال غير مشروعة، وبالتالي تفادي أخطار هؤلاء لا يستند إلى أسباب الإباحة، بل إلى حالة الضرورة، وهو رأي لا يؤيده البعض بكونه أقحم على عنصر اللامشروعية عنصر غير لازم قانونا، وهو أن يكون الفاعل مسؤولا وهو أمر لا مدخل له كون اللامشروعية مسألة موضوعية بحتة، فكل سلوك محظور هو غير مشروع ايا كان مرتكبه، وأنه ليس في قواعد القانون ما يبيح لغير المسؤول جنائيا أن يرتكب ما جرمه القانون.
كما أن العذر القانوني لا يعطل الدفاع الشرعي، والعذر مثل مفاجأة الزوج لزوجته متلبسة بجريمة الزنا، أو تجاوز حدود الدفاع الشرعي بحسن نية، والعذر القانوني لا يبيح الفعل بينما يخفف عقوبته، وبالتالي هذه الأعذار لا تحول دون حق ممارسة الدفاع الشرعي، مثل الحدث والشخص الذي تجاوز حدود الدفاع الشرعي بحسن نية، كون فعله في هذه الحالة ينقلب إلى جريمة، وأن الراجح أيضا للزوجة المتلبسة بالزنا وشريكها الدفاع عن نفسيهما ضد الزوج الذي فاجأهم بجريمة الزنا، بالرغم ممن يعارض ذلك على اعتبار أن الزوجة وشريكها ابتدءا باستفزاز الزوج وبالتالي لا يحق لهما الدفاع عن نفسيهما. كما أن امتناع العقاب أو توفر مانع من موانع العقاب لدى المعتدي لا يحول دون حق ممارسة الدفاع الشرعي، كون الفعل رغم المانع يظل يشكل جريمة، والعبرة في مجال الدفاع الشرعي هي بطبيعة الفعل لا باستحقاق مرتكبه من الناحية الواقعية للعقاب من عدمه. وبالتالي يجوز الدافع ضد من امتنع عقابه.
وهناك مسألة العدوان الناشئ عن جريمة مشمولة بأحد أسباب الإباحة، ويرى الفقه بأن كل جريمة مشمولة بسبب من أسباب الإباحة لا يجوز ممارسة حق الدفاع الشرعي ضد مرتكبها، كون الدافع الشرعي قرر في مواجهة الاعتداءات غير المشروعة، في حين الجريمة المشمولة بسبب من أسباب الإباحة رفعت عنها الصفة التجريمة، وتطبيقا لذلك لا يجوز للابن الذي يؤدبه والده أن يدافع عن نفسه، ولا للمعتدي أن يدافع عمن اعتدى عليه، تطبيقا لقاعدة " امتناع الدفاع عن الدفاع" ، بشرط ألا يكون الأول قد تجاوز حدود الدفاع الشرعي، كون التجاوز يبيح الدفاع[29].
غير انه ثار جدل حول الدفاع ضد رجال الضبط القضائي، فإنه بالرغم من الجدل الفقهي الذي أثاره الموضوع، في الحالة التي يقومون فيها بعمل غير مشروع، فمن الفقه من رأى تفضيل النظام العام وافتراض شرعية أعمال رجال الضبط القضائي وبالتالي لا يجوز ممارسة الدفاع الشرعي ضد أعمالهم حتى ولو كانت غير مشروعة، ويعاكس اتجاه آخر ذلك، بحجة حماية الحقوق والحريات التي كفل الدستور حمايتها وبالنظر أيضا لذاتية واستقلال قانون العقوبات، واتخذ البعض موقف وسط معملا معيار المشروعية الظاهرة.
وهناك وضع يتعلق بمدى جواز الدفاع ضد جريمة يتخلف فيها الركن المعنوي، أي أن يكون مرتكبها حسن النية، فمثل هذا الفعل من الناحية القانونية لا يرقى لمرتبة الجريمة، وتخلف الركن المعنوي قد يكون تاما فلا يصحبه لا العمد ولا الخطأ، كمن يأخذ شيء لا يملكه معتقدا بأنه يخصه لشدة التشابه بين الشيئين،
أو كمن يمزح من آخر ويهم بضربه مازحا، فهنا الراجح امتناع الدفاع الشرعي ضد هذا الشخص. على عكس حالات الإهمال الذي يثير خطر تصوري أو حقيق له أسباب معقولة، كمن يطلق العيارات النارية اتجاه الجمع في مناسبة احتفالية، غير أن القضاء الفرنسي لغاية اليوم لا يزال يرفض فكرة الدفاع ضد الجرائم غير العمدية.
الفرع الثاني
الشروط المتطلبة في فعل الدفاع
فعل الدفاع في حقيقته عبارة عن جريمة يباح للشخص ارتكابها لدرء الأخطار غير المشروعة الواقعة عليه أو على غيره، لذلك وإن أجاز القانون لأسباب معينة ارتكاب مثل هذه الجرائم، فهو قيدها بقيود حتى لا تنقلب إلى أفعال غير مشروعة، والدفاع هو الوجه المقابل للعدوان، أو هو رد الفعل الفردي على العدوان في الحالات التي يعجز فيها القانون عن حماية الحق المعتدى عليه بطريق آخر، وهو الفعل الذي لا يهتم به القانون إلا إذا كان يشكل جريمة، فإن تجرد من ذلك كان مباحا أصلا من الناحية التي يقتضيها مبدأ الشرعية الجنائية، ولا حاجة عندئذ للبحث عن شروط الدفاع، فمثلا إذا اندفع شخص لقتل آخر، وحاد هذا الأخير عن طريق، مما جعل المعتدي يصطدم بلوح زجاجي فجرحه أو سقط في هوة ومات أو على سلك كهربائي فصعقه التيار أو على السكة فدهسه القطار فإن فعل المدافع عبارة عن فعل مباح لا مجال للبحث فيه عن مدى توفر الشروط المتطلبة للدفاع في مجال الدفاع الشرعي، لأنه ارتكب أصلا فعل مباح، في حين أن الدفاع الشرعي يتطلب الرد عن فعل يشكل في نظر قانون العقوبات جريمة، سواء تمثلت في فعل إيجابي كالضرب والجرح والقتل، أو بسلوك سلبي، إذ ليس في القانون ما يمنع أن يكون الدفاع بسلوك سلبي، كمن يعتدي على شخص فينقض عليه كلبه ولا يتدخل لرد الكلب بل يتركهما يتصارعان لينجو بنفسه، غير أن الأفعال الإيجابية مما يغلب وقوعها في الواقع فإن كان القانون قد أباح القتل في فعل الدفاع فليس هناك ما يمنع من إباحة ما هو أدنى من القتل، مما جعل البعض أن الدفاع الشرعي يجوز أيضا بالسرقة والتزوير وإصدار شيك بدون رصيد، كون المسألة لا تتعلق بمشروعية الوسيلة بل تتعلق بمدى لزومها لدرء العدوان، كما يجوز الدفاع بجريمة غير عمدية، كمن يطلق رصاصة بغرض الترهيب فقط فتصيب المعتدي وتقتله.
لكن حق الدفاع الشرعي ثابت أساسا للشخص المعتدى عليه، وكذا لغيره إذا كان العدوان واقعا على النفس أو المال وسواء كان جسيما أو يسيرا، فالعبرة ليست بالشخص المعتدى عليه بل بالحق المعتدى عليه وكان حسب الأصل أن يتولى القانون نفسه الدفاع عن هذا الحق، ولما قصرت وسائل القانون أطلق حق الدفاع الشرعي للمعتدى عليه بوصفه أحق الناس بذلك، ثم خوله لغيره من الناس من باب الحسبة، مما يؤدي إلى حماية الحق وزجر العدوان، لذا لا يشترط أن تكون هناك صلة بين المعتدى عليه والمدافع، ولا رضاء المجني عليه بدفاع الغير عنه، بل لا يعتد حتى بقبوله العدوان إلا بما يتعلق بالحقوق التي يجوز له التصرف فيها كالحقوق المالية، أما الحقوق الأخرى التي لا يجوز التصرف فيها كالحق في الحياة أو سلامة البدن فإنه يجوز للغير أن يدافع عنها حتى وإن كان المعتدى عليه راضي بالعدوان. وعلى العموم، فعل الدفاع مقيد بشرطين أو قيدين، وهما شرطي اللزوم والتناسب.
أولا: شرط اللزوم
يقصد بشرط اللزوم، أن يكون فعل الدفاع – الذي هو في الأصل جريمة- السبيل الوحيد لرد الاعتداء، وبالتالي كلما كان بإمكان الشخص أن يسلك سبيل آخر غير مجرم انتفى شرط اللزوم وبالتالي انتفت الإباحة عن فعل الدفاع. وبمعنى آخر كون سلوك الجريمة لازما، إذا كان العدوان قائم ومنذر بالتفاقم
أو الاستمرار، ولم يكن أمام المدافع من سبيل لدرئه غير الفعل الذي ارتكبه، وإلا فقد الدفاع مبرراته، ويجعل منه عدوان يسأل عنه قانونا طبقا للقواعد العامة. فإذا ثبت أن المجني عليه أو الغير كان في إمكانه رد الاعتداء بوسيلة أخرى لا تعد جريمة، فإن الدفاع عن طريق الجريمة يكون غير لازم، وأن يكون الدفاع معاصرا للاعتداء وهو ما بينته المادة 125/5 من تقنين العقوبات الفرنسي، إذ تفادي الخطر لا يكون إلا عند وقوع الخطر لا قبله ولا بعده. وأن العدوان المستقبلي لا يبح فعل الدفاع، حتى ولو بدت بوادر احتمال الاعتداء في وقت قد يكون قريب كما قد يكون بعيد، فلا عدوان ما لم يبادر المعتدي في الاعتداء، كأن يكون السارق يجول حول المنزل أو يترصد حركات الشخص، فهنا العدوان لم يقع، لكن في المقابل يمكن للمدافع يتخذ الاحتياطات اللازمة، مثل إقامة الأسوار أو وضع الزجاج أو الأسلاك الشائكة عليها أو كهربة الأقفال، أو إطلاق الكلاب الشرسة في حديقة المنزل، فتعد في نظر بعض الفقه من الوسائل التي تدخل في نطاق الدفاع الشرعي عن النفس أو المال، بشرط ألا تعمل عملها إلا عند الاعتداء، وعلى أن يكون ضررها متناسب مع الاعتداء الحاصل، وهو رأي لا يوافقه البعض كونه يقحم في الدفاع الشرعي ما ليس منه، كون الدفاع الشرعي أصلا يقتضي سبق العدوان وإلا كان دفاعا مستقبلا، وأن الدفاع الشرعي يبيحه الدفاع الحال فقط دون الدفاع المستقبلي. كما أن انتهاء العدوان ينهي انتهاء فعل الدفاع، كون الدفاع الشرعي شرع لرد العدوان، وأي رد بعد انتهاء العدوان يعد فعلا من أفعال الانتقام، وتتحدد لحظة انتهاء العدوان في العادة ببلوغ العدوان غايته، أو بوقوفه عند حد الشروع، ولحظة انتهاء العدوان في العادة ما تتحدد بالرجوع إلى النص، فهو الذي يحدد لنا نوع الاعتداء ويرسم معالمه مما يتحدد معه صراحة أو ضمنا بداية ونهاية الاعتداء، فالضرب باصطدام الجسم بجسم آخر وفي الجرح بتمزيق الأنسجة، وفي الحريق بوضع النار... كما يختلف بحسب الجريمة المؤقتة والجريمة المستمر، والجريمة البسيطة والجريمة المتتابعة الأفعال، إذ في الجرائم المستمرة يظل الاعتداء قائما طالما ظلت الجريمة المستمرة كالاختطاف والاحتجاز، فطيلة هذه الفترة يمكن ممارسة الدفاع الشرعي، وبالتالي مسألة بداية وانتهاء الاعتداء في حقيقة الأمر لا ينظر إليها نظرة قانونية بحتة، وإنما ينظر إليها نظرة واقعية، أي انتهاء العدوان ينظر إليه من حيث الواقع لا من حيث القانون.
كما أن العبرة في انتهاء العدوان هي بانتهاء الفعل أو السلوك، لا بتحقق النتيجة، كما ينتهي العدوان عند توقف الجريمة عند حد الشروع مثل مفاجأة أصحاب البيت السارق فيلقي الأموال ويهرب، أو وجد الخزانة فارغة فولى مدبرا فيصادفانه ويهرب، فهنا الجريمة خابت ووقفت عند حدود الشروع المعاقب عليه، وبالتالي العدوان انتهى وكل دفاع ضده يعد جريمة في حد ذاته.
ومن الشروط التي تجعل من الدفاع لازما، هو أن يتعذر رد العدوان إلا بفعل الدفاع الذي يعد في حقيقة الأمر جريمة، وبالتالي إن أمكن رده عن طريق آخر غير هذا الفعل المشكل لجريمة فلا دفاع، كون الدفاع أقره المشرع لأنه يأخذ حكم الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، غير أنه هناك حالات أثارت جدلا فقهيا كبيرا، منها إمكانية الهرب، أو الاحتماء بالسلطة العامة أو تفادي العدوان قبل أن يقع.
1-إمكان اللجوء إلى السلطة العامة:
يرى بعض الفقه أن الدفاع الشرعي ذو صفة احتياطية، وبالتالي لا يلجا إليه إلا عند عجز السلطة العامة عن حماية الحق المعتدى عليه، فإن كان اللجوء إليها ممكنا فلا محل للدفاع الشرعي، بشرط أن يكون للمتهم الوقت الكافي للجوء لهذا الإجراء، وما لم يكن في ذلك تحمل للعدوان وأضراره لغاية وصول رجال السلطة العامة، ومعنى ذلك أن يكون اللجوء إلى السلطة العامة قبل البدء في العدوان، إذ لا محل لترك المتهم في المنزل والذهاب للسلطة العامة، أو ترك الشخص يتلف الزرع لغاية وصول السلطة العامة[30].
2- إمكانية الهرب من المعتدي:
يتساءل البعض إن كان بإمكان المعتدى عليه الهرب من الجاني ؟ وهنا يرى البعض أنه لا يلزم الشخص بفعل يحط من قدره، والهرب يشين ومعرة فلا يجوز فرضه على من تعرض لعدوان غيره، وعلى المعتدي أن يتحمل مغبة عدوانه، غير أنه حق خيار مقرر للمدافع، إلا أن الهرب ذاته يكون معاقب عليه ومحظور لبعض الفئات مثل العسكريين، كما أن الهرب في بعض الأحيان حتى بالنسبة للأشخاص العاديين يعد محمودا مثل هرب الابن من أبيه والتلميذ من عدوان معلمه والشخص البالغ من عدوان المجنون
أو الصبي، ويدخل في مفهوم الهرب الاحتماء داخل البيت، أو استغاثته بمن حوله، أو تغيير الطريق التي يتواجد بها الخصم. وقضت محكمة النقض المصرية، أن القانون لا يمكن أن يطالب الإنسان بالهرب لما في ذلك من الجبن الذي لا تقرره الكرامة الإنسانية، وقد قضي في مصر أيضا، انه من الخطأ أن نطالب الشخص بمغادرة منزله وأن يلتجأ إلى الطريق العام.
ثانيا: شرط التناسب
وهو شرط يقتضي تقييد الشخص المدافع بإتيان أفعال تكفيه رد الخطر الذي يداهمه فحسب، وكل تجاوز لذلك يعد جريمة يعاقب عليها القانون، بشرط ثبوت علمه بالتجاوز. غير أن مسألة التناسب مسألة موضوعية تخضع للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع، حسب ظروف وملابسات كل قضية على حدا. لكن ذلك لا يمنعنا من تقديم بعض التوضيحات، وهي أن ممارسة الدفاع الشرعي مرهون بالتزام حدوده، إذ المدافع يجب ألا يتجاوز حدوده في الدفاع عن نفسه أو ماله، أو نفس الغير وماله، وكل تجاوز لحدود الدفاع الشرعي، يخرج المدافع من دائرة الإباحة إلى دائرة التجريم، والحدود تتمثل في استعمال فقط القوة اللازمة لرد العدوان، غير أن الفقه تفرقت آراءه بخصوص إيجاد معيار التناسب هذا، والطرق التي بموجبها يثبت التناسب من عدمه، فمنهم من اعتمد معيار الحق المعتدى عليه والحق الذي يمسه المدافع الراجع للمعتدي، ومنهم من اعتمد معيار الضرر وما يصيبه الاعتداء وما يصيبه الدفاع، ومنهم من يعتمد في المقارنة على الوسائل التي استخدمها المدافع من بين الوسائل التي كانت متاحة له، ومنهم من يعتمد على قدر العنف الذي بدله المدافع وما كان يبذله غيره في نفس الظروف، وهو التذبذب والاضطراب الذي أصاب أيضا أحكام القضاء[31]. الأمر الذي قاد الفقه إلى زيادة المسألة تعقيدا بعدما حاول إيجاد حل لها، وذلك لأن مصطلح التناسب ذاته مصطلح مضلل، لأنه يوهم بضرورة التكافؤ ولو بشكل نسبي بين جسامة الاعتداء وجسامة الدفاع، وهو غير المطلوب قانونا وإلا كان فيه تعطيل لحق الدفاع، إذ قد يجد المدافع نفسه أمام اعتداء يسير لا يمكن رده إلا باعتداء جسيم، وهنا يجد المدافع نفسخه أمام خيارين أحلاهما مر، فإما أن يدافع عن نفسه متحملا التجاوز وعواقبه، وإما أن يفسح الطريق أمام المعتدي ويتركه ينفذ اعتداءه، وهذا غير مقبول، بل هو مخالف لصريح القانون الذي يبيح استعمال القوة اللازمة لرد كل عدوان على النفس أو المال. غير أن المسألة أكثر يسرا لو تأملنا الحكمة من تقرير الدفاع الشرعي، بان الدفاع ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وهي استخدام ما يقتضيه الرد بناء على ظروف الموقف، وهو الموقف الذي لا ينظر له نظرة مجردة، بل ينظر إليه على ضوء الظروف والملابسات منها ما يتعلق بالمعتدي ومنها ما يتعلق بالمدافع، مثل السن والجنس والحالة الصحية والقوة البدنية ودرجة الثقافة ونمط الشخصية وطبيعة العلاقة بينهما، ومنها ما يتعلق بعامل الزمان والمكان كالليل والنهار والصيف والشتاء والبعد والقرب من الأماكن العمرانية ونوع الحق المعتدى عليه، وغير ذلك من المواقف والملابسات التي ترسم معالم الموقف وتحدد السلوك اللازم لرد العدوان، مما يؤدي أحيانا إلى إباحة استخدام وسائل بالغة العنف وإحداث أضرار جسيمة لرد اعتداءات يسيرة[32]. كما يجب أن يأخذ في الحسبان ما استقر في نفسية المدافع لحظة تعرضه للعدوان، لا بالموقف الهادئ المطمئن الذي يكون عليه القاضي وهو جالس بقاعة المحكمة، بل يجب أن يحل نفسه محل المدافع ثم يقدر الموقف بناء على تفكير صاف متزن، إذ المدافع وحده ممن أحاطت به الظروف الحرجة والملابسات الدقيقة التي وضعته في مأزق ولا يمكن محاسبته بوجوب أن يكون متزن الفكر هادئ التقدير، وهو ما يستحيل عليه في الظروف التي وجد فيها لحظة الاعتداء[33]. ويرى البعض في هذه المسألة معالجة مسألة التناسب العام ومسألة التناسب الخاص، فالتناسب العام لا يقتضي بالضرورة المساواة المجردة بين المصالح المتعارضة ولا الأضرار التي تصيبها، بل على الوسيلة التي تمكن من رد الاعتداء، وأن تكون الوسيلة الوحيدة التي تمكنه من رد الاعتداء من بين الوسائل المتاحة له، وقد قضي بجواز استعمال سلاح ناري في مواجهة معتدي غير مسلح أصلا، ويراعي في ذلك الظروف التي يمر بها المعتدى عليه والقوة البدنية للطرفين، ويؤخذ بمعايير واقعية التي يمر بها الشخص العادي. أما التناسب الخاص، فهي الحالات التي يدافع فيها الشخص عن نفسه بجريمة القتل، التي حددها المشرع على سبيل الحصر.
هذا ونشير إلى أن الفقه قد أثار شرطا ثالثا، بموجبه تم الإقرار ألا يكون الشخص المدافع هو الذي تسبب في الجريمة، كأن يكون قد ساهم فيها أو استفز المعتدي، وهذا فيه كلام أهمه دفاع الزوجة وشريكها ضد القتل الذي يحاول ارتكابه الزوج المضرور، كما أن الاستفزاز بالسب والشتم لا يبرر القتل لعدم وجود التناسب.
ويضيف الفقه أحيانا شرطا ثالثا، وهو أن يتجه المدافع بدفاعه على المعتدي ذاته لا إلى غيره، بغض النظر عن الحق الذي ينصب عليه الدفاع ، فقد يتلف المعتدي سيارته أو يقتل كلبه أو يحطم سلاحه، وبالتالي من مقتضيات شرط اللزوم أن يوجه فعل الدفاع للشخص مصدر الاعتداء لا لشخص لا تربطه صلة بهذا الاعتداء، فلا يجوز لشخص سبته امرأة أن يتوجه بالضرب لزوجها أو يتلف ماله، غير أن المسألة أحيانا ينظر إليها بحسب ظروف وملابسات القضية، مثل الشخص الذي يشرع في الحرق وتحطيم ملك الغير، فلا يجد الشخص من سبيل سوى الإمساك بابنه وتهديده بالكف عن أعماله وإلا سيؤذي ابنه.
كما نجد الفقه، يضيف أحيانا شرطا رابعا، وهو نية الدفاع، وهو اشتراط أن تكون إرادة المدافع قد اتجهت وقت الدفاع إلى رد العدوان، وإلا تجرد من معنى الدفاع وأصبح عدوانه يستوجب العقاب، لذا فينبغي علم المدافع بالعدوان ومن ثم اتجاه إرادته إلى منع هذا العدوان، فإن ثبت أن هدف المدافع كان الثأر
أو الانتقام عد فعله جريمة حتى وإن درء به اعتداء فعلي على حق، وبالرغم من عدم وجود نص في القانون يشترط هذه النية، إلا أنها تستفاد من العبارات العامة للنص ومن طبيعة فعل الدفاع ذاته. لذا نجد بعض الفقه ذهب للقول بأن هذه النية غير لازمة، على أساس أن أسباب الإباحة أسباب موضوعية عينية، في حين النية أمر شخصي، وبالتالي فالاشتغال بالنية اشتغال لا يفيد، إذ حتى بغياب النية فلولا الدفاع لاكتمل العدوان من الناحية الواقعية، لذا أجاز أصحاب هذا الرأي أن يكون الدفاع بجريمة غير عمدية، إذا صادفت رد اعتداء غير مشرع، كترك كلب بدون أخذ الاحتياطات اللازمة لمنع اعتداءه على الغير وصادف لارتكاب جريمة ومنعها. في حين يرى البعض أن النية مستفادة من اشتراط رد العدوان بفعل قادر على الرد، وهذا يقتضي ضمنا وجود نية في ذلك، كون قياس القوة وتقديرها يقتضي وجود نية، خاصة وأن تقدير التناسب يقدر على ضوء كل من الظروف الموضوعية والشخصية المحيطة بالشخص المدافع، لكن لا يشترط في هذه النية أن تكون خالصة لا تخالطها نية أخرى، مثل الرغبة في الثأر والتباهي بالقوة أو إرهاب الغير، فهي نوايا وإن كانت غير مستحبة، فإنها لا تنفي نية الدفاع الشرعي، كون وجودها من عدمه في نظر القانون سواء. كما يرى البعض، إن سبق الإصرار والترصد لا ينفي نية الدفاع، كمن علم أنه مستهدف للسرقة في بيته فأعد خطة للدفاع، وفاجأ لصوصه بالدفاع فهنا يكون في حالة دفاع شرعي بالرغم من سبق الإصرار والترصد، وهو عكس ما اتجهت له محكمة النقض المصرية في بعض قراراتها. كما يرى البعض أيضا، أن نية الدفاع الشرعي لا تنتفي باستفزاز المدافع للمعتدي، نظرا لفكرة عقم الاستفزاز، غير أن هذا الرأي يفرق بين الاستفزاز والاستدراج، إذ الاستدراج لا يستقيم مع نية الدفاع، والاستدراج كتحدي شخص أن يقوم بفعل ما، أو التظاهر بالغفلة عن صيانة المال، ويتخفى في مكان ما ليفاجأ السارق، فالاستفزاز مجرد إثارة وإهاجة، بينما الاستدراج عبارة عن خطة مدروسة ومرسومة لتوريط الغير في الاعتداء وذاك بينة مبيتة منذ البداية تحت ستار الدفاع الشرعي، لذا فالاستدراج لا يستقيم مع نية الدفاع الشرعي. وعدم مراعاة الشروط السابقة، يجعلنا أمام تجاوز لحدود الدفاع الشرعي، الذي نعالجه في النقطة التالية.
ثالثا: حالة تجاوز حدود الدفاع الشرعي
المقصود بتجاوز حدود الدفاع الشرعي، نشوء الحق فيه أولا، وهو ما يفترض أولا وقوع عدوان يشكل جريمة من جرائم قانون العقوبات، وتعذر رد هذا العدوان إلا بطريق فعل يشكل بدوره جريمة من جرائم قانون العقوبات، ليأتي تجاوز الحدود عند ممارسة حق الدفاع الشرعي، وهو التجاوز الذي يتصور أن يكون بتجاوز محل الدفاع، ومحل الدفاع هو دائما حق من حقوق المعتدي، وإن حدث وأن أصاب المدافع حق من حقوق الغير، كأن ينتزع شجرة الغير ويستعملها كوسيلة دفاع، أو يمسك ببريء ويغطى به نفسه، أو يطلق النار في الليل ويصيب شخص غير المعتدي، فهنا حسب البعض أنه لم يكن متعمدا ذلك وبحسن نية ولم ينسب له أي خطا، ويعتبر في حالة دفاع شرعي، وإن كان يتعمد هذا التجاوز في المحل يمكن أن يسأل بحسب الأحوال عن جريمة عمدية أو غير عمدية بحسب ما تحتمله الجريمة من أوصاف، غير أن البعض يرى بأنه رأي غير صائب إذ لا مجال لأن تهدر حقوق الغير الأبرياء لمجرد أن شخصا ما كان محل اعتداء، وإن كان يمكن القول بأن الركن المعنوي قد تخلف فلا يمكن القول بأي حال من الأحوال أن الفعل صار مباحا. وهناك حالة أخرى يسميه الفقه الشطط في الدفاع - وبينتها المادة 251 من تقنين العقوبات المصري- وهي تعدي المدافع بنية سليمة حدود الدفاع الشرعي أي أن يكون عالما بأنه يتعدى حدود الدفاع الشرعي، غير أنه لم يكن قاصدا إحداث أضرار أكثر مما يتطلبه الدفاع الشرعي، مما يجعل فعله غير مشروع يسأل عنه وإن كان حسن النية يخفف عنه العقوبة. وفي حال سوء نية المدافع، أي تعمده إحداث ضرر اشد مما يستلزمه الدفاع، إذ يكون قد قدر الموقف تقديرا صحيحا، فانتهز الفرصة وتجاوز حد الاعتدال ويوقع بالمعتدي ضرر اشد مما يلزم، فهنا تطبق القواعد العامة ويعاقب عن جريمة عمدية، بالرغم من أن بعضه كان مباحا والبعض الآخر مجرما، إلا أن الفعل الواحد وحدة واحدة لا تقبل التجزئة، فصار بذلك الفعل بأكمله غير مشروع، عملا بقاعدة عامة معمول بها في الفقه الشرعي، وهي أنه إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام، غير أن ذلك ما يكون في العادة سببا لتخفف العقوبة إعمالا للسلطة التقديرية للقاضي. أما إن كان التجاوز بحسن نية، أي اعتقد المدافع خطأ أنه في حدود ما يقتضيه الدفاع الشرعي، فهنا ينتفي الخطأ كونه يدور وجودا وعدما مع فكرة حسن النية. غير أن حسن النية لا يبيح فعل الدفاع، وإنما يخف من العقوبة، كون النية مسألة شخصية في حين الدفاع الشرعي ظرف عيني موضوعي.

الفرع الثالث
الحالات الممتازة للدفاع الشرعي

( المادة 40 ق ع ج)
وهي حالات منقولة حرفيا من نص المادة 329 قانون عقوبات فرنسي، ويسمها الفقه الحالات الممتازة للدفاع الشرعي أو الدفاع الشرعي الممتاز، دلالة على افتراض المشرع فيها توافر شروط الدفاع الشرعي كقرينة قانونية قاطعة لا تقبل إثبات العكس، غير أنه من الفقه من يرى العكس، وهو أيضا موقف القضاء الفرنسي[1]، وبالتالي نرى أنه لا مجال اليوم لتسميتها بالحالات الممتازة للدفاع الشرعي، وإنما الحالات الخاصة للدفاع المشروع. وقد نصت المادة 40 من قانون العقوبات الجزائري على هذه الحالات بنصها:" يدخل ضمن حالات الضرورة الحالة للدفاع المشروع:
1- القتل أو الجرح أو الضرب الذي يرتكب لدفع اعتداء على حياة الشخص أو سلامة جسمه أو لمنع تسلق الحواجز أو الحيطان أو مداخل المنازل أو الأماكن المسكونة أو توابعها أو كسر شيء منها أثناء الليل،
2- الفعل الذي يرتكب للدفاع عن النفس أو عن الغير ضد مرتكبي السرقات أو النهب بالقوة."[2].
ونلاحظ على المشرع الجزائري أنه استعمل لفظ " تدخل ضمن حالات الضرورة للدفاع الشرعي " بمعنى افتراضه لشرط اللزوم كوننا فسرنا عبارة الضرورة الواردة بنص المادة 39 على أنها تقصد اللزوم، لذا فهنا أيضا باستعمال نفس العبارة يعني أن المشرع افترض دخولها في حالات اللزوم. ثم أن المادة ذاتها تميز بين فرضين، فرض ورد فيه نوع الجرائم ونوع الاعتداء الذي يوجبها، وهو ما ورد بالفقرة الأولى من المادة 40، حيث أجاز أقصى الجرائم جسامة، وهي القتل والجرح والضرب[3]، وحصر الاعتداءات في الاعتداءات ضد الحياة أي ضد جرائم القتل، وسلامة الجسم، ويعني الضرب والجرح، أو مجرد تسلق الحواجز والحيطان ومداخل المنازل أو الأماكن المسكونة أو توابعها أو كسر شيء منها[4]. بشرط أن يكون كل ذلك أثناء الليل[5]. كما يمكن أن ننبه أن الشخص يمكنه أيضا دفع التسلق والكسر لملاحق المنازل ومداخلها وأسوارها وحيطانها، إذا كانت متركبة إثناء النهار، لكن في هذه الحالة لا يكون الدفاع شرعيا ومشكلا لسبب من أسباب ألإباحة، بل يكون مشكلا لعذر معفي من العقاب، وهو عذر شخصي لا موضوعي، وهو الأمر الذي قضت به المادة 278 من تقنين العقوبات الجزائري[6]، بينما بينت الفقرة الثانية، وبصيغة عامة إباحة كل فعل أي كان نوعه الذي يرتكب لدفع الاعتداءات على النفس أو عن الغير ضد مرتكبي السرقات أو النهب بالقوة، وهنا لم يشترط التناسب. كما أنه لم يشترط الليل، فيمكن أن يكون ذلك أثناء النهار، مما يجعل هذه الفقرة تتشابه في حكمها مع الحكم العام الذي جاءت به الفقرة الثانية من المادة 39، وكل ما في الأمر أنه في هذه الأخيرة حددت الاعتداءات بصيغة عامة وهي الجرائم الواقعة على النفس أو على الغير أو مال الشخص أو المال الغير، والفقرة الثانية من المادة 40 تتعلق فقط بالسرقات والنهب بالقوة.
وإن كانت الأسباب السابقة، هي أسباب الإباحة التي يأخذ بها المشرع الجزائري، وغالبية القوانين الجنائية المقارنة، فهناك أسباب أخرى تأخذ بها بعض الدول دون البعض الآخر، وهي رضاء المجني عليه وحالة الضرورة، وسبق لنا القول في تمهيد هذا الفصل أن قلنا بأننا سنتناولها في مبحث مستقل، وذلك لتعميم الفائدة، فقد يأتي تعديل ويدخلها في القانون الجزائري، كما قد يجد رجل القانون الجزائري نفسه ملزما للتعامل معها في حالات تنازع القوانين، وبخصوص الطلبة الأعزاء قد تكون موضوع امتحان أو مسابقة- وحدث فعلا أن كانت حالة الضرورة موضوع مسابقة ماجستير بجامعة البليدة منذ سنتين- لذا وإن التمسنا العذر في الإطالة غير المعتادة في إعداد المحاضرات المطبوعة، فإن لهذا العذر مبرراته التي تفوق في مصلحتها كل الانتقادات، وهي تعميم الفائدة العلمية للطلبة. وهنا فقط يمكن الاستعانة بالبيت الشعري المتعلق بالمذمة التي تأتي من جاهل" ..........".





Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ماهية أسباب الإباحة وآثارها القانونية

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 17 نوفمبر 2011, 7:02 am


أسباب الإباحة في القانون المقارن

من أسباب الإباحة أيضا، رضاء المجني عليه، وحالة الضرورة التي تأخذ بها بعض القوانين دون البعض الآخر، ومنه القانون الجزائري الذي لا يأخذ بها، لذا ارتأينا تناولها في مبحث مستقل، نتناوله من خلال مطلبين، نخصص الأول لحالة رضاء المجني عليه كسبب من أسباب الإباحة، لنخصص الثاني لحالة الضرورة.

المطلب الأول
رضاء المجني عليه ( صاحب الحق) كسبب من أسباب الإباحة

في حقيقة الأمر المشرع لما يجرم فعل من الأفعال، فإنه يكون قد قدر أن يضر بمصلحة من المصالح، وفي الكثير من الأحيان يتحقق المساس بمصالح المجتمع بالمساس بمصلحة الفرد، ولذا الأصل أنه لا شأن لإرادة الفرد في تجريم الفعل أو إباحته، لذا فاعتراض الشخص على الجريمة لا يعد ركنا في الجريمة، كما أن رضاءه بها لا يعد سببا لإباحتها، غير أن إرادة الفرد أو رضاءه قد يؤدي في بعض الأحوال دورا في مجال قانون العقوبات، وهو الدور الذي قد يكون من شأنه التأثير في قيام الجريمة أو في إباحتها، وهو استثناء عن الأصل، وفي حدود هذا الاستثناء ينحصر اثر الرضا كسبب من أسباب الإباحة.
لكن قد يبدو من الوهلة الأولى أنه متى رضي المجني عليه بارتكاب الجريمة التي تنال حق من حقوقه أو مصالحه، فإن هذا الرضا يبيح الجريمة، لكن هذا القول غير صحيح كون أسباب الإباحة تقتضي سبق تجريم الفعل بنص من نصوص قانون العقوبات، ثم وجود نص آخر يبيح الفعل في الظروف التي ارتكب فيها، والأمر ليس كذلك مع رضاء المجني عليه، حيث يمنع من قيام الجريمة ابتداء، كدخول الشخص منزل آخر برضائه، لذا كان يجب تمحيص الحق المعتدى عله بدقة للقول ما إن كان رضاء المجني عليه يبيحها أم لا، كون رضاء المجني عليه يختلف حكمه باختلاف طبيعة الحق المعتدى عليه. ولا يمكن بأي حال من الأحوال بالقول بهذا السبب في مجال الجرائم التي يعتدى فيها على الدولة كشخص معنوي، ولا على المجتمع كمؤسسة اجتماعية، كما لا رضاء كسبب للإباحة في الجرائم التي تمس بالأسرة كنظام، وما القيود الموجودة على بعض الجرائم الأسرية سوى قيود إجرائية تحول دون تحريك الدعوى العمومية ولا تبيح الفعل في حقيقة الأمر، بل وان الزوج إذا رضي بزنا زوجته ليس هناك ما يمنعه من تقديم الشكوى فيما بعد. وبالتالي البحث ينحصر فقط في الجرائم التي تمس حق الفرد، وحق الفرد بدوره قد يكون حقا مزدوجا، يمس المجتمع والفرد معا، ومثاله حق الحياة، وسلامة البدن، وهنا يجب أن يرجح حق المجتمع ولا يعتد بالرضا الفرد، فمن يطلب من غيره قتله لتخليصه من آلامه التي سببها له مرض خطير أصابه ولا يرجى شفاءه لا يعد رضاؤه سببا لإباحة القتل[7]. لذا فإن بحث مسألة رضاء المجني عليه كسبب من أسباب الإباحة، تقتضي منا أولا، أن نتناول دور الرضاء في قانون العقوبات، وتحديد طبيعته القانونية بخصوص التجريم والعقاب، وذلك في فرع أول، لنتناول في الثاني، الجرائم التي يعمل برضاء الشخص فيها في أهم القوانين المقارنة.
الفرع الأول
دور الرضا وتحديد طبيعته القانوني في قانون العقوبات

الرضاء في مجال قانون العقوبات غير الرضاء في مجال التقنين المدني، لذا فالبضرورة أن تختلف طبيعته القانونية في القانون الأول، وبناء على ذلك يظهر دوره في مجال أسباب الإباحة.
أولا: دور الرضا في قانون العقوبات
في بعض الأحوال الضيقة، يشترط المشرع لقيام الجريمة أن يقف المجني عليه منها موقف الرفض، أي أن ترتكب بدون رضاه، وفي مثل هذه الأحوال الضيقة يكون عدم الرضا عنصرا لقيام الجريمة ذاتها، وذلك يوجب نص يقرر المسألة كونها استثناء عن الأصل العام، بمقتضى الحاجة إلى المانع لا تطرأ إلا إذا وجد المقتضى بتمامه، وهنا يكون الرضا يتمم الجريمة، وأهم الجرائم التي يشترط لقيامها عدم رضا الشخص، وقاع الأنثى بدون رضاها ( 267 تقنين عقوبات مصري)، هتك العرض بالقوة أو بالتهديد ( م 268 قانون عقوبات مصري)، القبض والحجز والحبس دون وجه حق ( 280 قانون عقوبات مصري)، خطف الإناث ( المادة 290 قانون عقوبات مصري) وكذا النصب وانتهاك حرمة منزل.. لذا ففي بعض الأحوال يكون الفعل مستجمعا للشروط التي تجعل منه جريمة، فيتدخل رضاء المجني عليه فيجعله مباحا، مثل عمليات الإتلاف، العمليات الجراحية، وإن كان ليس هناك نص صريح يبيح الجريمة برضا المجني عليه، غير أن الأصول القانونية توجب التسليم بهذه الحقيقة، فمن غير المنطقي إذا أباح القانون في فرع من فروعه حق التصرف في حق معين، أن يمنع قانون العقوبات هذا التصرف، لأن ذلك يعطل حرية التصرف، خاصة وأن القانون يعاقب على العدوان وفي مثل هذه الحالة يغيب عنصر الاعتداء لأن الرضا موجود[8]. لكن ذلك لا يعني أنه سبب للإباحة، بل الجريمة لا تقوم لتخلف أحد عناصرها القانونية، الأمر الذي يقودنا بحث طبيعة الرضاء القانونية.
ثانيا: الطبيعة القانونية للرضا
يذهب الفقه إلى اعتبار الرضا تصرف قانوني تحكمه قواعد القانون الخاص، بينما يعتبره البعض تصرف قانوني تحكمه قواعد القانون العام، في حين يرى اتجاه ثالث أنه واقعة قانونية لا تصرف قانوني، في حين يرى البعض أنه تصرف قانوني يخضع أساسا لقانون الحق، لذا فهو يخضع تارة لأحكام القانون الخاص، وتارة أخرى لأحكام القانون العام، ويرجع إلى قانون العقوبات في حالتين، حينما ينص هذا القانون صراحة على حكم خاص بشأن الرضا، وهنا يطبق النص الجنائي مباشرة، والثانية حينما يخلو القانون الخاص من حكم ينظم الرضا في بعض جزئياته، وهنا يستنبط الحكم من المبادئ العامة لقانون العقوبات، وهو ما يتعلق بالسن مثلا، ففي الحالة التي يحدد فيها قانون العقوبات السن المشترطة يعمل بأحكامه، لكن إذا تضمنها النص الخاص المتعلق بالرضا فيحكمه السن القانوني التي نظمها هذا النص، ورغم الخلاف السابق، فإنه يمكن القول بأن الرضاء في قانون العقوبات، عنصر من عناصر قيام الجريمة، حيث أن اشتراط الجريمة للقوة أو العنف أو الخلسة أو دون الرضا، يعني بداهة في حال توفر الرضا تنتفي هذه العناصر وبالتالي لا تقوم الجريمة، مما يجعلنا نقول وبنوع من التحفظ، أنه حتى في القانونين التي لا تنص صراحة على الرضاء كسبب من أسباب الإباحة، فهو ضمنيا سبب أو عنصر يمنع من قيام الجريمة متى تمت الإشارة إليه، لكن في هذه الحالة الفعل يباح لا لأنه ارتبط بسبب من أسباب الإباحة، وإنما لتخلف عنصر من عناصر الجريمة.

الفرع الثاني
الجرائم التي ينتج فيها الرضا أثره المبيح

هي مسألة من أدق المسائل الجنائية، واتفق الرأي على أن الرضا لا ينتج أثره بالنسبة لكافة الجرائم، وإنما يقتصر أثره على طائفة محدودة منها، وهو ما نتناوله في نقطة، لنتناول في الثانية شروط الرضا المبيح للفعل. لنتناول في الثالثة حقيقة الرضا كفعل مبيح للجريمة.
أولا: الجرائم التي يعتد بالرضاء فيها
وهي الجرائم التي يكون فيها العدوان منصبا على حق يقبل التصرف فيه، مما يعني أن اثر الرضا يتوقف على طبيعة الحق، وهي الحقوق التي لا تكون فيها منفعة مباشرة للمجتمع وإنما حقوق تقرها الدولة وتحميها لصالح صاحبها، بقصد تمكينه من الانتفاع بها، غير أن المسألة تحتاج إلى تبيان معيار يعمل في الحياة الواقعية، لذا كان الاتفاق أنه لا أثر للرضا في الجرائم التي تقع مباشرة على حق من الحقوق الخالصة للمجتمع، كالصحة العامة والأخلاق العامة أو الجرائم الماسة بالدين، ولا أثر للرضا في الجرائم التي تقع على الدولة، ولا تلك الواقعة على الأسرة، لتبقى باقي الجرائم الأخرى التي يتعين فيها البحث عن طبيعة الحق، ومنها الحقوق المالية وغير المالية، وهناك اتفاق بخصوص الحقوق المالية التي تقبل التصرف فيها عن طريق الرضا، كرضاء الشخص بقطع الأشجار لبناء جاره عليها، في حين الحقوق غير المالية التي تتصل بذات الإنسان أي بعناصر شخصيته، والتي تسمى بالحقوق الشخصية أو اللصيقة بالشخصية، والمنقسمة إلى ثلاث مجموعات، حقوق تتصل بالكيان المادي للشخصية– مثل الحق في الحياة والحق في سلامة البدن-، وأخرى بالكيان المعنوي لها- الحق في الشرف والعرض والعفة وحرمة الحياة الخاصة والمراسلات والمكالمات والمسكن-، والثالثة تتصل بنشاط الشخصية ذاتها- والتي تضم مجموعة من الحريات، مثل حرية التنقل وحرية الاعتقاد وحرية العمل والتعبير...-، والأصل في هذه الحقوق أنها غير قابلة للتصرف فيها كونها من لوازم الشخصية غير القالبة للانفصال، وبالتالي لا مجال للرضا في الحق في الحياة، بينما يمكن في بعض الحقوق الأخرى أن يتم المساس بها سواء عن طريق الاتفاق، مثل عقد الزواج، أو عقد العلاج إذ يبيح القانون للطبيب الاطلاع على عورة المرأة، كما أنه قد يعتد بالرضا حتى في مسائل هتك العرض والعلاقات الجنسية أو الوقاع، والرضا بالتفتيش وإباحة إفشاء السر، وكشف المراسلات والأحاديث الخاصة.
غير أنه من بين الحقوق الأكثر إثارة للجدل، هو الحق في سلامة البدن، كونه حق للمجتمع مثلما هو حق للفرد، لذا فقدرة الشخص على التصرف في بدنه محدودة للغاية، لذا فهناك مجالات يعتد فيها بالرضا مثل العلاج والتجميل كونها تصرفات تحقق نفعا للشخص وللمجتمع، لكن الإشكال حينما يقرر الشخص التصرف في بدنه تصرف ينتقص من كفاءة الجسم، وهنا اتفق الفقه أنه تصرف جائز بشرط ألا يكون يهدد الحق في الحياة أو المساس بنحو خطير أو دائم بالحق في سلامة الجسد، على نحو يهدد بعدم قدرته على أداء وظيفته الاجتماعية على الشكل المعهود، لذا يجوز للشخص التصرف بالهبة أو البيع لعضو من أعضائه مما لا يعرض فقدها جسم الإنسان للخطر[9].
ثانيا: شروط الرضا المبيح
بما أن الرضا موقفا إراديا، لذا بحثت مسألة ما إن كان يكفي فيه أن يكون ضمنيا أو صراحة، بين نظريتين إحداهما سميت الاتجاه المجرد للإرادة والأخرى سميت نظرية إعلان الإرادة، غير أن الغالبية رأت أنه يمكن للرضا أن يكون ضمنيا، بل أنه يصح أن يكون مفترضا، وهي الظروف التي يستحيل فيها الإفصاح عن الرضا لكنه من المحقق أن الشخص لو كان حاضرا أو قادرا على الإفصاح لأعلن عن رضاه، لكن يجب أن تكتمل شروط الرضا حتى ينتج أثره كسبب مبيح، وهذه الشروط هي:
1- الصـــــفة:
وهو أن يصدر الرضا عن صاحب الحق، وهو الشخص المجني عليه في الجريمة، أو من كان مرشحا لأن يكون مجنيا عليه لولا رضاه، وإذا تعدد أصحاب الحق وجب رضائهم جميعا، فإذا رضي البعض دون البعض الآخر كان الرضا غير كاف ليكون سببا من أسباب الإباحة، لكن وإن كان الأصل أن يصدر الرضا من صاحب الحق نفسه، فإنه يجوز أيضا أن يصدر من نائبه، خاصة وأن الإنابة في التصرف في الحقوق المالية جائزة، سواء كانت الإنابة قانونية أو اتفاقية أو قضائية، غير أن الحقوق غير المالية فلا إنابة فيها بالنظر لطابعها الشخصي الشديد، عدا الحالات التي تكون فيها الفائدة التي تعود على صاحب الحق مؤكدة، مثلما هو الشأن بالنسبة للعمليات الجراحية بغرض الشفاء.
2- الأهلـــــية:
الرضا لا يمكن أن يعتد به إلا إذا كان صادرا من شخص آهل قانونا، والأهلية مناطها الإدراك والتمييز، وأن تسلم الإرادة من العيوب.
3- معاصرة الرضا للفعل:
يجب أن يكون الرضا قائما وقت إتيان الفعل، فإذا تراخى عنه كان عديم الأثر، حيث أن الفعل حينما اقترف كان غير مشروع فلا يقلبه الرضا اللاحق عملا مشروعا، وإذا تحقق الرضا قبل الفعل فيجب أن يظل قائما حتى يدركه الفعل، فإن رضا الشخص بإجراء عملية جراحية له ثم عدل فالطبيب الذي يجري له هذه العملية بعد العدول يعد مرتكبا لفعل غير مشروع.
ثالثا: حقيقة الرضا كسبب من أسباب الإباحة
ثار التساؤل عما إن كان الرضا سببا قائما ومستقلا بذاته من أسباب الإباحة، أم مجرد تطبيق من تطبيقات الإباحة الأخرى، وتوصل البعض أنه مجرد علاقة بين الرضا والإباحة، وحقيقة الرضا أنه تصرف قانوني يرتب للغير حق أو رخصة أو يفرض عليه واجبا، ومباشرة الحق أو أداء الواجب هو الذي يجعل الفعل مباحا، فرضا المريض بالعلاج أنشأ للطبيب حق في علاجه، ولجوء الشخص لقسم الشرطة هربا من خصوه هو الذي أنشأ لهم حق باحتجازه لتأمينه، وهو واجب عليهم يجعل من فعلهم مباحا، لذا فالرضا منظورا له بذاته لا يدخل ضمن أسباب الإباحة، بل هو مصدر للحقوق ونشأة بعض الواجبات، لذا الفقه رتب الإباحة على الرضا بغير وجود نص يقرره.

المطلب الثاني
حالــــة الضرورة

حالة الضرورة من النماذج الجديدة للتنازع بين المصالح المتعارضة، عندما يجد الشخص نفسه مضطرا لارتكاب جريمة لغاية حماية نفسه أو غيره من ضرر جسيم، مثل الأم التي تسرق لإعالة أولادها، وسائق السيارة الذي يصدم سيارة أخرى لتفادي دهس المارة، ومن يخرج عاريا للطريق العام تهربا من حريق شب بالمنزل، والطبيب الذي يجري عملية استعجاليه لمريض عجز عن أخذ رضائه.ويعالج البعض حالة الضرورة كسبب من أسباب الإباحة، كونها تستند للتضحية بحق رعاية لحق أكثر أهمية، مما يجدر معه إضفاء صفة الإباحة عليها. خاصة وأن شرعت لحماية مصلحة الغير أيضا وليست لمصلحة المضطر فقط، مما يعني إقرار لحماية الحق الأجدر بالحماية، وأن الفقه الفرنسي في مجمله يجعلها سببا من أسباب الإباحة، في حين الفقه المصري يرى أن المشرع المصري اعتبرها مانعا من موانع المسؤولية بالنظر لصيغة نص المادة 61 من قانون العقوبات. التي استهلت بعبارة " لا عقاب" وهو ما يعارضه البعض ويرى عدم ضرورة التقيد بعبارات النص. وحالة الضرورة كسبب من أسباب الإباحة قريبة جدا من حالة الدفاع الشرطي، إذ تتطلب شروطا في الخطر( المقابل لفعل العدوان في حالة الدفاع الشرعي)، وشروطا أخرى في فعل الضرورة ( المقابل لفعل الدفاع في حالة الدفاع الشرعي). وهو ما نبينه باختصار من خلال الفرعين التاليين.

الفرع الأول
الشروط المتطلبة في الخطر

حالة الضرورة تتطلب خطرا يحل بالشخص حتى يمكنه اللجوء لفعل الضرورة الذي يشكل في الأصل جريمة لرد الخطر السابق، لذا فالخطر الذي يبرر اللجوء إلى هذا الفعل المجرم، الذي يباح بسبب خصائص الخطر، يوجب أن يستجمع الأخير جملة من الشروط، هي التي نتناولها في النقاط التالية.
أولا: خطر جسيم
يشترط في الخطر الذي يبرر حالة الضرورة أن يكون خطرا جسيما، وهو ما لم يشترطه قانون العقوبات الفرنسي الجديد في المادة 122/7، وشرط الجسامة صفة موضوعية لصيقة بالخطر من حيث مساسه بالمصلحة المحمية، ويقدر القاضي في تقديره الظروف التي أحاطت بالمتهم في ظل الظروف الموضوعية التي أحاطت به، دون أن يشترط فيه أن يكون جريمة مثلما هو الشأن بالنسبة لحالة الدفاع الشرعي، لذا فيمكن أن يكون مصدر الخطر فعل إجرامي أو غير إجرامي، أو قد يكون واقعة طبيعية كالفيضان والزلزال وهبوب العواصف، أو خطر مادي مصدره الآلات الصناعية والتوصيلات الكهربائية
أو سبب نفسي كالجوع والمرض وخشية الفضيحة والعار[10].
ثانيا: خطر مهدد للنفس
المشرع المصري قدر بأن الأخطار المهددة للنفس هي الجديرة وحدها بالرعاية في حالة تصارعها مع المصالح الأخرى، لذا في مصر لا مجال لحالة الضرورة إذا كان الخطر مهددا للمال، مهما بلغت جسامة هذا الخطر، وهنا لا يجوز لربان السفينة إلقاء البضائع في البحر لإنقاذ السفينة من الغرق، على عكس التشريعات الأخرى مثل القانون السويسري والنرويجي والسوري واللبناني والأردني التي سوت بين الأخطار المهددة للنفس وتلك المهددة للمال، وأهمها المادة 122/7 من تقنين العقوبات الفرنسي.
ثالثا: خطــر حــــــال
وهو أن يعرض الخطر بطريقة حالة ومباشرة المصالح المحمية في قانون العقوبات للضرر، فلا يبرر حالة الضرورة الخطر المستقبلي ولا الخطر الذي انتهى، ويتحدد موضوع حيلولة الخطر وفقا لمعيار موضوعي كذلك الذي تناولناه في مجال الدفاع الشرعي، ويجب أن يكون خطر حال حقيقي لا توهمي وهنا كل ما يحدث انتفاء القصد الجنائي ويسأل الشخص عن جريمة غير عمدية إذا كان القانون يعاقب عليها بهذا الوصف، كمن يرى دخان يتصاعد من نافذة جاره فيكسر الباب ويتضح أنها اشتعلت بفعل أصحاب المنزل للشواء، وعلى عكس ذلك، يرى البعض قيام حالة الضرورة بالخطر الوهمي، غير أن أنصار هذا الاتجاه يصنفون حالة الضرورة من بين موانع المسؤولية ويستوي بعد ذلك المصلحة التي يهددها الخطر كأن يكون السمعة والشرف، كما يستوي أن يكون مصدره عمل الإنسان أو الطبيعة.
غير أن المشرع يشترط ألا يكون مصدر الخطر المتهم ذاته، وهو ما بينته المادة 61 من تقنين العقوبات المصري، التي تبعها الفقه على اعتبار حالة الضرورة مانع من موانع المسؤولية، غير أن البعض يرى أن ذلك لا يستقيم مع النظرة الصحيحة لحالة الضرورة كسبب من أسباب الإباحة، غير أن الخلاف لم ينحصر عند هذا الحد، بل امتد لمناقشة ما إن كان دور المتهم في إحداث الخطر عن عمد أو عن طريق الخطأ، فاتفق على أنه لا ضرورة في حالة العمد، كمن يشعل النار في مسرح ثم لينجو يدوس على طفل فيقتله، والقضاء الفرنسي ينفي حالة الضرورة حتى إن كان دور المتهم في إحداثها كان على سبيل الخطأ، في حين لا يوافق البعض ذلك، إذ يمكن إن تسبب الشخص بإهماله في إحداث خطر أن ينقذ مصلحة أجدر بالرعاية، مثل سائق السيارة الذي يسير بسرعة ولتفادي الاصطدام بسيارة تسير في الاتجاه المنعكس أن ينحرف يسارا ويصدم أحد المارة فيقتله، وربان السفينة الذي بإهماله توشك السفينة على الغرق لكن لإنقاذ نفسه والغير يلقي البضائع في البحر[11]. وبتوفر هذه الشروط في الخطر، يستوي أن يكون من تعرض له مرتكب الفعل الضروري أو غيره من الناس، ولا يشترط أن يكون هذا الغير من أقارب الجاني، بل يكفي مطلق الغير.

الفرع الثاني
الفـعل الضروري ( فعل الضرورة)

يشترط في الفعل الضروري الذي يرتكبه الشخص المضطر، مثلما يشترط في فعل الدفاع في حالة الدفاع الشرعي، وهما شرطي اللزوم والتناسب، وهما الشرطين الذين نتناول كل منهما في نقطة مستقلة.
أولا: شرط اللـــــــزوم
وهو أن يكون اللجوء إلى الجريمة التي تشكل الفعل الضروري التي يكون غرضها دفع الخطر الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف، إذ إن كانت أمامه وسيلة أخرى مشروعة لا يعد فعله ضروريا[12]، واللزوم يقاس بمعيار موضوعي يتعلق بالشخص العادي المحاط بنفس الظروف التي يوجد بها المضطر. ومن توفر لديه الهرب فيجب أن يسلكه ولا يلجا لارتكاب الجريمة، وهنا تختلف حالة الضرورة عن حالة الدفاع الشرعي، ويستوي أن تكون الجريمة اللازمة لدرء الخطر الذي يتهدد المضطر جريمة عمدية
أو جريمة غير عمدية، مثل سائق سيارة الإطفاء الذي يسير بسرعة لإنقاذ الناس فيصطدم بالغير، أو من يصعد بسيارته على الرصيف هروبا من دهس أطفال أمامه فيصدم شخصا آخرا[13]. بينما ترى محكمة النقض الفرنسية في هذا الشرط، أن تكون الجريمة هي أحسن وسيلة لتفادي الخطر، لا أن تكون الوسيلة الوحيدة. ويضاف لكل ما سبق ألا يكون الشخص ملزما قانونا بتحمل الخطر الذي يعترضه، مثل الجندي في ميدان القتال، ورجال البوليس في ممارستهم لمهامهم، والمتهم المقبوض عليه، والمحكوم عليه بالإعدام، وربان السفينة عندما تتعرض للغرق، فكل هؤلاء يتعرضون لخطر جسيم على النفس، ولكنهم ملزمين بتحمل هذا الخطر بحكم وظائفهم التي تقتضي بحكم طبيعتها التعرض لمثل هذه الأخطار[14].
ثانيا: شـــرط التناسب
حالة الضرورة تقتضي شانها شأن الدفاع الشرعي التناسب، سواء كان عاما وهي ارتكاب جريمة من حيث الجسامة بأنها الوحيدة الممكنة من بين الجرائم التي كان يمكن ارتكابها، أي لا يمكن للشخص النجاة من الخطر الذي يتهدده إلا بتلك الجريمة التي ارتكبها، ويتحدد هذا التناسب وفقا لمعيار موضوعي واقعي قوامه الشخص المعتاد الذي مر بنفس الظروف التي مر بها الجاني[15]. كما تشترط حالة الضرورة أيضا التناسب الخاص، في الحالات التي يلجا فيها لجريمة القتل، فهنا لا يجب أن يحدث الجاني ضررا يفوق الضرر الذي أراد تجنبه، على عكس التناسب الخاص في مجال الدفاع الشرعي، فالطبيب الذي يجري عملية جراحية لولادة عسيرة ليس له أن يضحي بحياة الأم لينقذ الجنين، ولا يجوز لشخص ينحرف بسيارته لتجنب قتل شخص أن يقتل عدد أكبر من الأشخاص[16]. وتدق المسألة بخصوص مدى توفر حالة الضرورة في حالة قتل إنسان لأجل إنقاذ حياة إنسان آخر، فهنا يرى البعض أنه في حالة تساوي المصالح يجب تفضيل مصلحة البريء الذي لم يصدر عنه أي خطر، مثل حالة من أراد تجنب صدم أحد المارة فيصدم الآخر، ولا يجب أن يقتل الشخص غيره لإنقاذ حياته[17].
وفي حالة تجاوز الضرورة يعتبر الشخص مرتكبا لجريمة عمدية إذا كان القانون يعاقب عليها بهذا الوصف، وإذا كان التجاوز مبنيا على أسباب معقولة انتفت كل مسؤولية، وغن كان التجاوز عمديا اعتبر المتجاوز مسؤول مسؤولية جنائية كاملة.
هذا وبعد ان تناولنا في فصلين متتاليين الركن الشرعي للجريمة، وأسباب الإباحة كأسباب تنفي هذا الركن أصلا وتعطل مفعوله، سنتناول في الفصل الموالي، أهم ركن من أركان الجريمة، ألا وهو الركن المادي على اعتبار الجريمة أفعال وسلوكات نهى عنها النص القانوني، أي الركن المادي تجسيد للركن القانوني.



Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى