الاصل فى الانسان البراءة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الاصل فى الانسان البراءة

مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء 03 نوفمبر 2009, 12:22

الاصل فى الانسان البراءة



المبحث الأول
قرينة البراءة وطبيعتها القانونية

أولا : التطور التاريخى لقرينة البراءة : ـ
كانت المجتمعات البدائية تفترض فى المتهم الادانه وكان يتعين عليه أن يثبت أنه برئ من الاتهام الموجه إليه .
وقد إتبع النظام القانونى الرومانى للمحاكمات العلنيه الشفوية مبدأ أن الاصل فى المتهم البراءة ، وعلى سلطة الاتهام أن تثبت عكس ذلك .
إلا أنه عندما تحول النظام القانونى الرومانى الى نظام الاجراءات المكتوبه أصبح من حق سلطة المحاكمة أن تطلب من المتهم تقديم توضيح لموقفه من الاتهام الموجه اليه وبذلك فقد أصبح عبئ إثبات البراءة يقع على عاتق المتهم على أساس افتراض الجرم فى حقه ، وذلك على عكس ما كان عليه نظام الاجراءات والمحاكمات الشفوية السابق .
هذا وقد ظل مبدأ أن الاصل فى المتهم البراءة دائرا بين الاتجاهين السابقين فأحيانا يظهر مبدأ أن الاصل فى المتهم أنه برئ الى أن تثبت إدانته وأحيانا أخرى يغلب على النظم القانونية عكس ذلك واعتبار المتهم مدان وعليه أن يقدم الدليل على براءته وذلك خلال الفترة ما بين القرن الخامس عشر وحتى منتصف القرن السابع عشر .
وفى النصف الثانى من القرن السابع عشر اشتد النقد الموجه الى النظم القانونية والاجرائية منها بصفة خاصة الى أن جاء إعلان حقوق الانسان الصادر عن الثورة الفرنسية عام 1789 ليؤكد أن الاصل فى الانسان البراءة حتى تتقرر إدانته طبقا لما نصت عليه المادة التاسعة من هذا الاعلان .
وعلى الرغم مما سبق فإن أصول الشريعة الاسلامية منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحتى الآن قد إعتبرت أن الاصل فى الانسان البراءة وقد ورد ذلك فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله " إدرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله ، فإن الإمام لأن يخطئ فى العفو خير من أن يخطئ فى العقوبة " .
كما أكدت ذلك أيضا القاعدة الشرعية الاصولية أن الاصل فى الاشياء الاباحة وأن الاستثناء هو التجريم والعقاب ، ويترتب على ذلك ان الأصل فى الانسان أنه برئ ، وذلك على اعتبار أن قاعدة أن الاصل فى الاشياء الاباحة وأن الاصل فى الانسان البراءة وجهان لعملة واحدة ، وأن هذه البراءة لا تنتفى إلا إذا خرج الإنسان من دائرة الإباحة الى دائرة التجريم ، وأن هذا الخروج لا يمكن تقريره إلا بحكم قضائى يقرر إدانة المتهم ويكشف عن ارتكابه الجريمة ، والاعتماد على أحكام القضاء لدحض قرينة البراءة يرجع الى كون القضاء هو الحارس الطبيعى للحقوق والحريات .
ثانيا : قرينة البراءة والنظم القانونية الحديثة :
تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة ما ورد النص عليه بالإعلان الفرنسى لحقوق الانسان عام 1789 وذلك بموافقتها فى 10/12/1948 على اصدار الاعلان العالمى لحقوق الانسان والذى تضمن فى المادة رقم (11/1) منه النص على أن كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا حتى تثبت إدانته قانونا بمحاكمة علنيه تؤمن له فيها الضمانات للدفاع عنه .
كما أكد ذلك المبدأ أيضا المادة رقم 14 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية الذى وافقت عليه الجمعيةالعامة للأمم المتحدة عام 1966 والمادة رقم 6 من الاتفاقية الاوربية لحماية حقوق الانسان وحرياته الاساسية عام 1950 .
وفى الوطن العربى أكد مؤتمر الخبراء العرب فى ديسمبر 1985 الذى انعقد فى المعهد الدولى للدراسات العليا فى العلوم الجنائية فى سيراكوزا وجاء ذلك فى نص المادة رقم (5/2) والتى ورد بها أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته بحكم قضائى صادر من محكمة مختصة ، ويعتبر هذا الاصل مبدأ أساسيا لضمان الحرية الشخصية للمتهم ، ومقتضاه أن كل متهم بجريمة مهما بلغت جسامتها يجب معاملته بوصفه بريئا إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائى بات لا يقبل الطعن بأى طريق من طرق الطعن المقرره قانونا .
وقد أكدت معظم الدساتير فى العالم هذا المبدأ بوضعه ضمن نصوص الدستور ومنها الدستور المصرى الصادر 1971 وذلك طبقا لما نصت عليه المادة رقم 67 بأن " المتهم برئ حتى تثبت إدانته فى محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه 0 وكل متهم بجنايه يجب أن يكون له محام يدافع عنه "


ثالثا : الأساس القانونى لقرينة البراءة : ـ
إن تطبيق النظم القانونية لقاعدة أنه لا جريمة ولاعقوبة إلا بنص قانونى ـ والتى نص عليها الدستــور المصــرى الصــادر 1971 فى المادة رقم 66 بقولها " العقوبة شخصية .
ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون ، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائى ، ولا عقاب إلا على الافعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون . " ـ
هذه القاعدة تفترض بالضرورة الحتمية قاعدة أخرى هى إفتراض البراءة فى المتهم حتى تثبت إدانته عن الجرم الذى إرتكبه وفقا للقانون ، وهو ما يعنى ضمان قرينة البراءة لكل متهم ، كما أن حماية الحرية الشخصية التى كلفتها الدساتير ـ ومنها الدستور المصرى ـ لكل مواطن تفترض براءته إلى أن تثبت إدانته فى محاكمة قانونية عادلة .
كما أن حماية الحقوق الشخصية اللصيقه بالحرية الشخصية والتى تتطلبها المحاكمة القانونية العادلة يعد الأساس القانونى لقرينة البراءة والذى تنبع منه أيضا الشرعية الاجرائية لأى نظام إجرائى قانونى
هذا وقد أتفق الفقه على إضافة بعض الاعتبارات المكملة لتأييد أن الأصل فى الانسان البراءة وأهم هذه الاعتبارات ما يلى : ـ
1ـ حماية أمن الأفراد وحريتهم الفردية ضد تحكم السلطة عن إفتراض الجرم فى حق المتهم .
2ـ تفادى ضرر لا يمكن تعويضه إذا ما ثبتت براءة المتهم الذى إفترض فيه الجرم وعومل على هذا الاساس .
3ـ يتفق هذا الأصل العام مع الاعتبارات الدينية والأخلاقية التى تهتم بحمايــة الضعفاء .
4 ـ يسهم هذا الأصل فى ملافاة الأخطاء القضائية بإدانة الأبرياء ، وخاصة وأن هذه الأخطاء تفقد الثقة فى النظام القضائى فى نظر المجتمع .
5ـ استحالة تقديم الدليل السلبى ، وفى هذا الشأن يقول بعض الفقهاء أنه إذا لم تفترض البراءة فى المتهم ، فإن مهمة هذا الأخير سوف تكون أكثر صعوبة لأنه يلتزم بتقديم دليل مستحيل وفقا للقواعد المنطقية ، فالمتهم سوف يكون ملزما بإثبات وقائع سلبية ، وهو دليل يستحيل تقديمه . ويترتب على ذلك أن يصبح المتهم غير قادر على إثبات براءته مما يؤدى الى التسليم بجرمه حتى ولو لم يقدم ممثل الاتهام دليلا عليه .


رابعا : ـ الطبيعة القانونية لقرينة البراءة :
تعد قرينة البراءة من القرائن القانونية البسيطه التى تقبل إثبات العكس ـ ذلك لأن هناك من القرائن القانونية ما لا يجوز إثبات عكسه وهو القرائن القانونية القاطعه .
وقرينة البراءة كقرينة قانونية بسيطة تقبل إثبات العكس إلا أن ما يدحض هذه القرينة البسيطة يتعين أن يكون بصدور حكم قضائى بات بإدانة المتهم بإعتباره عنوانا للحقيقة التى لا تقبل المجادلة ، وهذا يعنى أن مجرد توجيه الاتهام للمتهم من قبل السلطة المختصة بذلك وأيضا الاجراءات والادلة المقدمه ضده لا ترقى الى مرتبة الحقيقة التى تدحض قرينة البراءة طالما لم يصدر نتيجة للاتهام والادلة المقدمه حكما باتا بذلك .
ونظرا لأن قرينة البراءة ليست إلا تأكيدا لأصل عام هو حماية حرية المتهم بصفة عامة ، وأن حماية حرية المتهم يترتب عليها بالضرورة حماية جميع الحقوق الاخرى للإنسان والمرتبطة بهذه الحرية والتى بغيرها تفقد قرينة البراءة معناها وتطبيقها واقعا وقانونا ، لأن حرية الانسان لا يمكن أن تكون مصانه إذا تم إنتهاك الحقوق المكونة لها واللصيقة بها والتى تشكل فى مجملها الكرامة الانسانية لكل إنسان .
وبذلك يتضح أن المقصود بالمحاكمة القانونية العادله هى المحاكمة التى تحترم فيها جميع الحقوق والحريات للمتهم بإعتبارها شرط لازم لدحض قرينة البراءة والتى لا تنتفى بمجرد إحالة المتهم للتحقيق أو المحاكمة بل من الضرورى أن يصدر ضده حكما باتا بالادانة لانتفاء قرينة البراءة .
كما يتعين لاعمال قرينة البراءة ألا تستخدم طرق أو وسائل أخرى خارج نطاق المحاكمة لمعاقبة المتهم كالمصادرة والغرامه بغير حكم قضائى بات .









المبحث الثانى
المبادئ الدستورية لقرينة البراءة
وحقى التقاضى والدفاع

مقدمه :
نتناول فى هذا الموضوع بيان المبادئ الدستورية التى قررتها المحكمة العليا ومن بعدها المحكمة الدستورية العليا فيما يتعلق بقرينة البراءة باعتبارها الاصل العام فى كل إنسان فى ظل القاعدة الاصولية الشرعية والقانونية بأن الأصل فى الاشياء الاباحه ، وكذلك ما قررته من مبادئ دستورية بشأن حقى التقاضى والدفاع باعتبارهما من أهم الحقوق القانونية المرتبطة بقرينة البراءة بصفة خاصة وبحقوق وحريات الانسان بصفة عامة وذلك على النحو التالى :


المطلب الاول
المبادئ الدستورية لقرينة البراءة
أولا : أ ـ الطبيعة الدستورية لقرينة البراءة
[الفقرة رقم 15 من الطعن رقم 28 سنة قضائية 17 مكتب فني 7 تاريخ الجلسة 02 / 12 / 1995] [صفحة رقم 262]
إن إفتراض البراءة لا يتمحض عن قرينة قانونية ولا هو من صورها ، ذلك أن القرينة القانونية تقوم على تحويل للإثبات من محله الأصلى ممثلاً فى الواقعة مصدر الحق المدعى به إلى واقعة أخرى قريبة منها متصلة بها وهذه الواقعة البديلة هى التى يعتبر اثباتها ، إثباتاً للواقعة الأولى بحكم القانون . وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى البراءة التى افترضها الدستور فليس ثمة واقعة أحلها الدستور محل واقعة أخرى وأقامها بديلاً عنها innocence is more properly called an assumption as opposed to apresumption it does not rest on any other proved facts it is assumed وإنما يؤسس افتراض البراءة على الفطرة التى جبل الانسان عليها وهو كذلك من الركائز التى يستند اليها مفهوم المحاكمة المنصفة التى كفلها الدستور ويعكس قاعدة مبدئية تعتبر فى ذاتها مستعصية على الجدل واضحة وضوح الحقيقة ذاتها تقتضيها الشرعية الاجرائية ويتطلبها الدستور لصون الحرية الشخصية فى مجالاتها الحيوية ليوفر من خلالها لكل فرد الأمن فى مواجهة التحكم والتسلط والتحامل بما يحول دون إعتبار واقعة تقوم بها الجريمة ثابتة بغير دليل وبما يرد المشرع عن افتراض ثبوتها بقرينة قانونية يحدثها
[الفقرة رقم 13 من الطعن رقم 28 سنة قضائية 17 مكتب فني 7 تاريخ الجلسـة 02 / 12 / 1995] [صفحة رقم 262]
وهذه القواعد ـ وإن كانت إجرائية فى الأصل ـ إلا أن تطبيقها فى مجال الدعوى الجنائية ـ وعلى امتداد مراحلها ـ يؤثر بالضرورة على محصلتها النهائية ، ويندرج تحتها أصل البراءة كقاعدة أولية تفرضها الفطرة ، وتوجبها حقائق الأشياء وهى بعد قاعدة حرص الدستور على إبرازها فى المادة 67 ، مؤكداً بمضومونها ما قررته المادة 11 من الإعلان العالمى لحقوق الانسان على ما سلف البيان ، والمادة السادسة من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان .


افتراض البراءة :
[الفقرة رقـــم 3 من الطعــن رقم 26 سنة قضائية 12 مكتب فني 8 تاريخ الجلسة 05 / 10 / 1996] [صفحة رقم 124]
إن أصل البراءة مفترض فى كل متهم ، فقد ولد الإنسان حراً ، مطهراً من الخطيئة ودنس المعصية ، لم تنزلق قدماه إلى شر ، ولم تتصل يده بجور أو بهتان . ويفترض وقد كان سوياً حين ولد حياً ، أنه ظل كذلك متجنباً الآثام على تباينها ، نائياً عن الرذائل على اختلافها ، ملتزماً طريقاً مستقيماً لا يتبدل اعوجاجا . وهو افتراض لا يجوز أن يهدم توهماً ، بل يتعين أن ينقض بدليل مستنبط من عيون الأوراق وبموازين الحق ، وعن بصر وبصيرة . ولا يكون ذلك كذلك إلا إذا أدين بحكم إنقطع الطريق إلى الطعن فيه ، فصار باتاً .
[الفقرة رقم 12 مـن الطعن رقم 58 سنة قضائية 18 مكتب فني 8 تاريخ الجلسة 05 / 07 / 1997] [صفحة رقم 731]
أصل البراءة مفترض فى كل متهم ، فلا يجوز أن يهدم إلا بدليل جازم مستنبط من عيون الأوراق وبموازين الحق ، وعن بصر وبصيرة ، وكان أصل البراءة يتصل بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها ، ولا يتعلق بطبيعة أو خطورة الجريمة موضوعها ، ولا بنوع أو قدر عقوبتها ، وكان هذا الأصل ينبسط على الدعوى الجنائية حتى خلال المراحل التى تسبقها وتؤثر فيها ، وكان النص المطعون فيه قد أجاز فرض قيود فى شأن المعادن الثمينة مؤداها غل يد حائزيها ــ الذين لا يقيمون الدليل على دخولها إلى مصر بطريق مشروع ــ عن تداولها سواء من خلال تحفظ جهات الإختصاص عليها ، أو بمنعها أصحابها من التعامل فيها ، وكان المفترض فى هؤلاء الحائزين أنهم أسوياء إستصحاباً لأصل براءتهم ، شأنهم فى ذلك شأن غيرهم من المواطنين الذين يظلهم جميعاً هذا الأصل ، فلا ينقض إلا بحكم يكون باتاً ، فإن هذا النص يكون بذلك متضمناً تمييزاً غير مبرر بين أولئك وهؤلاء ، ومخالفاً بالتالى لنص المادة 40 من الدستور .
[الفقـرة رقم 15 من الطعن رقم 59 سنة قضائية 18 مكتب فني 8 تاريخ الجلسة 01 / 02 / 1997] [صفحة رقم 286]
إفتراض براءة المتهم وصون الحرية الشخصية من كل عدوان عليها ، أصلان كفلهما الدستور بالمادتين 41 و 67 ، فلا يجوز أن تأتى السلطة التشريعية عملاً يخل بهما ، وعلى الأخص بانتحالها الاختصاص المخول للسلطة القضائية فى مجال التحقق من قيام الجريمة بأركانها التى حددها المشرع ، بما فى ذلك القصد الجنائى إذا كان متطلباً فيها ، إلا أن النص المطعون فيه إفترض أن الإذن بالنشر الصادر عن رئيس تحرير الجريدة ، يفيد علمه يقيناً بالمادة التى تضمنها المقال بكل تفصيلاتها ، وأن محتواها يكون جريمة معاقباً عليها قصد رئيس التحرير إلى إرتكابها وتحقيق نتيجتها ، مقيماً بذلك قرينة قانونية يحل فيها هذا الإذن محل القصد الجنائى ، وهو ركن فى الجريمة العمدية لا تقوم بغيره .
[ الفقـرة رقم 4 من الطعن رقم 29 سنة قضائية 18 مكتب فني 8 تاريخ الجلسة 03 / 01 / 1998] [صفحة رقم 1042]
إفتراض براءة المتهم ، لا يعدو أن يكون إستصحاباً للفطرة التى جبل الإنسان عليها ، وشرطاً لازماً للحرية المنظمة يكرس قيمها الأساسية التى لا يتصور أن تنفصل الجماعة عنها . وهو كذلك وثيق الصلة بالحق فى الحياة ، وبدعائم العدل التى تقوم على قواعدها النظم المدنية والسياسية جميعها . ومن ثم كان أصل البراءة جزءاً من خصائص النظام الإتهامى Accusatorial system لازماً لحماية الحقوق الرئيسية التى كفلتها المادة 67 من الدستور لكل متهم ، مرددة بها نص المادة 11 من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان ، والفقرة الثانية من المادة 14 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية ، بما مؤداه أن هذه البراءة لا يجوز تعليقها على شرط يحول دون إنفاذ محتواها ، ولا تعطيلها من خلال إتهام يكون متهاوياً ، ولا نقضها سواء بإعفاء النيابة من إلتزامها بالتدليل على صحة إتهامها ، أو عن طريق تدخلها هى أو غيرها للتأثير دون حق فى مسار الدعوى الجنائية ومحصلتها النهائية . بل إن الإخلال بها ــ وبإعتبارها مبدأ بدهياً ــ An Axiomatic Precept يعد خطأ لا يغتفر A prejudicial Error مستوجباً نقض كل قرار لا يتوافق معها . إن أصل البراءة يعتبر بذلك جزءاً لا يتجزأ من محاكمة تتم إنصافاً باعتباره متسانداً مع عناصر أخرى تشكل مقوماتها ، وتمثل فى مجموعها حداً أدنى من الحقوق اللازمة لإدارتها ، ويندرج تحتها أن يكون لكل من المتهم وسلطة الإتهام ، الوسائل عينها التى يتكافأ بها مركزيهما سواء فى مجال دحض التهمة أو إثباتها ، وهى بعد حقوق لا يجوز الحرمان منها أو تهميشها سواء تعلق الأمر بشخص يعتبر متهماً أو مشتبهاً فيه . وقد أقرتها الشرائع جميعها ــ لا لتظل المذنبين بحمايتها ــ وإنما لتدرأ بمقتضاها وطأة الجزاء المقررة للجريمة التى خالطتها شبهة إرتكابها بما يحول دون القطع بوقوعها ممن أسند إليهم الإتهام بإتيانها ، إذ لا يعتبر هذا الإتهام كافياً لهدم أصل البراءة ، ولا مثبتاً لواقعة تقوم بها الجريمة ، ولا حائلاً دون التدليل عليها ، بل يظل هذا الأصل قائماً إلى أن ينقض من خلال حكم قضائى صار باتاً بعد أن أحاط بالتهمة عن بصر وبصيرة ، وخلص إلى أن الدليل على صحتها ــ بكل مكوناتها ــ كان نقياً متكاملاً .
[ الفقــرة رقـم 9 من الطعن رقم 29 سنة قضائية 18 مكتب فني 8 تاريخ الجلسة 03 / 01 / 1998] [صفحة رقم 1042]
إفتراض البراءة يبدو أكثر ضرورة فى مجال حقوق الدفاع بالنظر إلى أن الوسائل الإجرائية التى تملكها النيابة العامة فى مجال إثباتها للجريمة ، تدعمها موارد ضخمة يقصر المتهم عنها ، ولا يوازنها إلا إفتراض البراءة لضمان ألا يدان عن الجريمة ما لم يكن الدليل عليها مبرءاً من كل شبهة لها أساسها Dans la doute, on acquitte ولا يجوز بالتالى أن تفسر النصوص العقابية ، باعتبارها نافية لأصل براءة المتهمين بمخالفتها ، ولا منهية لضرورة أن يكون الدليل على الإخلال بها منتجاً ومؤثراً ، بل يكون لكل متهم ــ وإرتكاناً إلى هذا الأصل ــ أن يظل " إبتداء " صامتاً ، وأن يفيد " إنتهاء " مما يعتبر شكاً معقولاً Doute raisonable محيطاً بالتهمة من جهة ثبوتها .


ب ـ الطبيعة القانونية للإعلان العالمى لحقوق الإنسان :
الاعلان العالمى لحقوق الانسان :
[ الفقرة رقــم 7 من الطعــن رقم 7 سنة قضائيــة 2 مكتــب فني 1 تاريخ الجلسة 01 / 03 / 1975] [صفحة رقم 228]
إن الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الذى أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 من ديسمبر سنة 1948 ووقعته مصر لا يعدو أن يكون مجرد توصية غير ملزمة وليست له قيمة المعاهدات الدولية المصدق عليها، وحتى بالنسبة إلى هذه المعاهدات ليست لها قيمة الدساتر وقوتها ولا تجاوز مرتبتها مرتبة القانون ذاته هذا فضلا عن أن القرار بقانون المطعون فيه لا يناهض الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فقد نصت المادة 29 منه في فقرتها الثانية على أن الفرد يخضع في ممارسة حقوقه لتلك القيود التى يقررها القانون لضمان الإعتراف بحقوق الغير وحرياته وإحترامها ولتحقييق المقتضيات العادلة للنظام العامة والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديموقراطى، ومن ثم فإنه متى اقتضت موجبات النظام العام في البلاد والذى يستمد حدود أساسا من الشريعة الإسلامية حظر المحافل البهائية ووقف نشاطها فلا تثريب على هذا الحظر ولا تنافر بينه وبين الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، ومن ثم يكون هذا الوجه غير قائم على اساس سليم.


ثانيا: أصل البراءة يمتد للمتهمين والمشتبه فيهم :
[الفقرة رقم 14 مـن الطعن رقم 28 سنة قضائية 17 مكتب فني 7 تاريخ الجلسة 02 / 12 / 1995] [صفحة رقم 262]
إن أصل البراءة يمتد إلى كل فرد ، سواء كان مشتبهاً فيه أو متهماً بإعتباره قاعدة أساسية فى النظام الاتهامى أقرتها الشرائع جميعها لا لتكفل بموجبها حماية المذنبين وإنما لتدرأ بمقتضاها العقوبة عن الفرد إذا كانت التهمة الموجبة اليه قد أحاطتها الشبهات بما يحول دون التيقن من مقارفة المتهم للواقعة محل الاتهام ، ذلك أن الاتهام الجنائى فى ذاته لا يزحزح أصل البراءة الذى يلازم الفرد دوماً ولا يزايله سواء فى مرحلة ما قبل المحاكمة أو أثنائها ، وعلى امتداد حلقاتها ، وأيا كان الزمن الذى تستغرقه إجراءاتها ، ولا سبيل بالتالى لدحض أصل البراءة بغير الأدلة التى تبلغ قوتها الاقناعية مبلغ الجزم واليقين ، بما لا يدع مجالاً معقولاً لشبهة انتفاء التهمة وبشرط أن تكون دلالتها قد استقرت حقيقتها بحكم قضائى استنفد طرق الطعن فيه وصار باتاً .


ثالثا : أصل البراءة ينسحب على الدعوى فى جميع مراحلها
[الفقرة رقم 4 مـــن الطعـن رقم 26 سنة قضائية 12 مكتب فني 8 تاريخ الجلسة 05 / 10 / 1996] [صفحة رقم 124]
أصل البراءة يتصل بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها ، ولا شأن له بطبيعة أو خطورة الجريمة موضوعها ، ولا بنوع أو قدر عقوبتها ، وكان هذا الأصل كامناً فى كل فرد ، كافلاً حمايته سواء فى المراحل المؤثرة السابقة على محاكمته جنائياً ، أو أثناءها ، وعلى إمتداد حلقاتها .
[الفقرة رقم 7 مــن الطعــن رقم 13 سنة قضائية 12 مكتب فني 5 تاريخ الجلسة 02 / 02 / 1992] [صفحة رقم 165]
إن افتراض براءة المتهم يمثل أصلا ثابتا يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها ، و ليس بنوع العقوبة المقررة لها ، و ينسحب إلى الدعوى الجنائية فى جميع مراحلها ، و على امتداد إجراءاتها ، و من ثم كان من المحتم أن يرتب الدستور على افتراض البراءة عدم جواز نقضها بغير الأدلة الجازمة التى تخلص إليها المحكمة و تتكون من جماعها عقيدتها ، و لازم ذلك أن تطرح هذه الأدلة عليها ، و أن تقول هى وحدها كلمتها فيها ، و ألا تفرض عليها أى جهة أخرى مفهوما محددا لدليل بعينه ، و أن يكون مرد الأمر دائما إلى ما استخلصته هى من وقائع الدعوى و حصلته من أوراقها غير مقيدة بوجهة نظر النيابة العامة أو الدفاع بشأنها .
[الفقرة رقم 22 مـن الطعن رقم 49 سنة قضائية 17 مكتب فني 7 تاريخ الجلسة 15 / 06 / 1996] [صفحة رقم 739]
إن ما قرره النص المطعون فيه من إتخاذ أحد التدابير التى حددها فى شأن الأشخاص الذين حكم عليهم أكثر من مرة فى جناية مما نص عليه القانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها ـ ولو لم تتعلق هذه الجناية بالمواد المخدرة ، بل كانت تعدياً على رجال السلطة العامة القائمين على تنفيذ أحكام هذا القانون ـ مؤداه أن المشرع قدر بالنص المطعون فيه أن ثمة خطورة تنجم عن سوابق المتهم التى تمثلها جرائم ارتكبها من قبل وأدين عنها واكتمل القصاص فى شأنها وأن هذه الخطورة التى لا تزيد عن أن تكون احتمالاً لأن ينزلق مستقبلاً فى جريمة غير معينة ـ ينبغى التحوط لها صوناً لمصالح الجماعة بإتخاذ تدابير بعينها تنال من حريته الشخصية ، وكانت الجريمة المحتملة التى لم يرتكبها المتهم بعد هى التى اراد المشرع توقيعها من خلال التدابير التى نص عليها ، وكان ذلك من المشرع إحداثاً لحالة إجرامية افترضها وكان لا دليل على قيام علاقة حتمية بين انغماس الشخص فى جرائم سابقة وبين ترديه فى حمايتها والعودة اليها من جديد وكان مما يناقض افتراض البراءة أن يدان الشخص لا عن جريمة أتاها وتتحدد عقوبتها بالنظر الى جسامتها ـ بل بناء على محض افتراض بالايغال فى الإجرام لا يرتد المذنبون عنه أبداً بل هم اليه منصرفون يبغونها عوجاً وكان لا يجوز وفقاً للدستور أن يتعلق التجريم بخطورة أحدثها المشرع ولو فى نفس قابلة لها ولا يتسم باليقين تعلقها بشخص معين بل تقوم فى بنيانها على أن الجرائم التى ارتكبها من قبل هى التى تشهد بحاضره وينبغى أن تكون محددة مستقبلاً لخطاه وكان القول بأن مواجهة النزعة الاجرامية الكامنة فيمن حكم عليه أكثر من مرة ، لازمها اتخاذ تدابير تتوفاها وترد سوأتها التى ارتكبها جزاءها الملائم آخذة فى اعتبارها سجله الإجرامى ، وكان لا ينبغى أن يقرر المشرع ـ بالنص المطعون فيه ـ عقاباً أكثر من مرة عن فعل واحد بعد أن اكتمل القصاص قى شأن الجرائم السابقة جميعها ودونما جريمة جديدة يدعى وقوعها .
[الفقرة رقم 9 مـــن الطعـن رقم 13 سنة قضائية 12 مكتب فني 5 تاريخ الجلسة 02 / 02 / 1992] [صفحة رقم 165]
إن أصل البراءة يمتد إلى كل فرد سواء أكان مشتبها فيه أو متهما باعتباره قاعدة أساسية فى النظام الاتهامى أقرتها الشرائع جميعها - لا لتكفل بموجبها حماية المذنبين - و إنما لتدرأ بمقتضاها العقوبة عن الفرد إذا كانت التهمة الموجهة إليه قد أحاطتها الشبهات بما يحول دون التيقن من مقارفة المتهم للواقعة الإجرامية ، ذلك أن الإتهام الجنائى فى ذاته لا يزحزح أصل البراءة الذى يلازم الفرد دوما و لا يزيله ، سواء فى مرحلة ما قبل المحكمة أو أثنائها و على امتداد حلقاتها و أياً كان الزمن الذى تستغرقه إجراءاتها ، و لا سبيل بالتالى لدحض أصل البراءة بغير الأدلة التى تبلغ قوتها الإقناعية مبلغ الجزم و اليقين بما لا يدع مجالا معقولا لشبهة إنتفاء التهمة ، و بشرط أن تكون دلالتها قد إستقرت حقيقتها بحكم قضائى استنفد طرق الطعن فيه ، و صار باتا .
[الفقـرة رقم 11 من الطعن رقم 28 سنة قضائية 17 مكتب فني 7 تاريخ الجلسة 02 / 12 / 1995] [صفحة رقم 262]
إن الدستور يكفل للحقوق التى نص عليها فى صلبه الحماية من جوانبها العملية وليس من معطياتها النظرية وكان استيثاق المحكمة من مراعاة القواعد المنصفة آنفة البيان ـ عند فصلها فى الاتهام الجنائى ـ تحقيقاً لمفاهيم العدالة حتى فى أكثر الجرائم خطورة لا يعدو أن يكون ضمانة أولية لعدم المساس بالحرية الشخصية ـ التى كفلها الدستور لكل مواطن ـ بغير الوسائل القانونية التى لا يترخص أحد فى التقيد بها ، أو النزول عنها وكان افتراض براءة المتهم ، يمثل أصلاً ثابتاً يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها ، وليس بنوع العقوبة المقررة لها وينسحب إلى الدعوى الجنائية فى جميع مراحلها ، وعلى امتداد إجراءاتها فقد غدا من الحتم أن يرتب الدستور على افتراض البراءة عدم جواز نقضها بغير الأدلة الجازمة التى تخلص اليها المحكمة وتتكون من جماعها عقيدتها . ولازم ذلك ، أن تطرح هذه الأدلة عليها ، وأن تقول هى وحدها كلمتها فيها ، وألا تفرض عليها أى جهة أخرى مفهوماً محددا لدليل بعينة وأن يكون مرد الأمر دائماً إلى ما استخلصته هى من وقائع الدعوى وحصلته من أوراقها ، غير مقيدة بوجهة نظر النيابة العامة أو الدفاع بشأنها .


رابعا : ـ يجب إثبات الجريمة بدليل قاطع : ـ
اثبات الجريمة :
[الفقرة رقم 6 مــــن الطعن رقم 29 سنة قضائية 18 مكتب فني 8 تاريخ الجلسة 03 / 01 / 1998] [صفحة رقم 1042]
كل جريمة يدعى إرتكابها ، لا يجوز إثباتها دون دليل جازم ينبسط على عناصرها جميعاً ، ولا يجوز كذلك إفتراض ثبوتها ــ ولو فى أحد عناصرها ماكان منها مادياً أو معنوياً ــ من خلال قرينة قانونية ينشئها المشرع إعتسافاً . ودون ذلك لا يكون أصل البراءة إلا وهماً .

اسباغ الشرعية الدستورية :
[الفقرة رقم 4 من الطعن رقم 64 سنة قضائية 17 مكتب فني 8 تاريخ الجلسة 07 / 02 / 1998] [صفحة رقم 1108]
الوسائل الإجرائية التى تملكها سلطة الإتهام فى مجال إثباتها للجريمة ، تدعمها موارد ضخمة يقصر المتهم عنها ، ولا يوازنها إلا بافتراض البراءة مقروناً بدفاع مقتدر لضمان ألا يدان عن الجريمة ، ما لم يكن الدليل عليها مبرءاً من كل شبهة لها أساسها . ولا يجوز بالتالى إسباغ الشرعية الدستورية على نصوص عقابية لا تتكافأ معها وسائل الدفاع التى أتاحتها لكل من سلطة الإتهام ومتهمها ، فلا تتعادل أسلحتهم بشأن إثباتها ونفيها .


خامسا:ضرورة توافر القصد الجنائى الخاص فى الجرائم العمدية :
[الفقرة رقم 15 من الطعن رقم 13 سنة قضائية 12 مكتب فني 5 تاريخ الجلسة 02 / 02 / 1992] [صفحة رقم 165]
الأصل فى القرائن القانونية قاطعة كانت أو غير قاطعة - هى أنها من عمل المشرع، و هو لا يقيمها تحكما أو إملاء ، و إنما يجب أن تصاغ القرينة و أن يتحدد مضمونها على ضوء ما يقع غالبا فى الحياة العملية . لما كان ذلك و كانت القرينة القانونية التى تضمنها نص الفقرة الثانية من المادة 121 من قانون الجمارك لا تعتبر كذلك ، ذلك أنها تتعلق ببضائع أجنبية يجرى التعامل فيها بعد خروجها من الدائرة الجمركية ، و هو تعامل لا ينحصر فيمن قام باستيرادها ابتداء ، و إنما تتداولها أيد عديدة شراء و بيعا إلى أن تصل إلى حائزها الأخير ، و فى كل ذلك يتم التعامل فيها بافتراض سبق الوفاء بالضريبة الجمركية المستحقة عنها ترتيبا على تجاوزها الدائرة الجمركية التى ترصد فى محيطها البضائع الواردة ، و تقدر ضرائبها و تتم إجراءاتها ، باعتبار أن ذلك هو الأصل فيها و أن تهريبها لا يكون إلا بدليل تقدمه الإدارة الجمركية ذاتها و هو ما أكدته الفقرة الثالثة من المادة 5 من القانون الجمركى بما نصت عليه من أن الضريبة الجمركية إنما تستحق بمناسبة ورود البضاعة أو تصديرها وفقا للقوانين و القرارات المنظمة لها ، و أنه لا يجوز الإفراج عن أية بضاعة قبل إتمام الإجراءات الجمركية ، و أداء الضرائب و الرسوم المستحقة عنها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك . و لازم ما تقدم ، أن عدم تقديم حائز البضائع الأجنبية بقصد الإتجار فيها للمستندات الدالة على الوفاء بالضرائب الجمركية المستحقة عنها ، لا يفيد بالضرورة علمه بتهريبها ، إذ كان ذلك ، فإن الواقعة البديلة التى إختارها النص المطعون فيه لا ترشح فى الأعم الأغلب من الأحوال لاعتبار واقعة العلم بالتهريب ثابتة بحكم القانون و لا تربطها بالتالى علاقة منطقية بها . و تغدو القرينة بالتالى غير مرتكزة على أسس موضوعية و مقحمة لإهدار إفتراض البراءة ، و مجاوزة من ثم لضوابط المحاكمة المنصفة التى كفلها الدستور فى صلبه .
[الفقرة رقم 17 من الطعن رقم 13 سنة قضائية 12 مكتب فني 5 تاريخ الجلسة 02 / 02 / 1992] [صفحة رقم 165]
لما كانت جريمة التهريب الجمركى من الجرائم العمدية التى يعتبر القصد الجنائى ركنا فيها ، و كان الأصل هو أن تتحقق المحكمة بنفسها و على ضوء تقديرها للأدلة التى تطرح عليها من علم المتهم بحقيقة الأمر فى شأن كل واقعة تقوم عليها الجريمة و أن يكون هذا العلم يقينيا لا ظنيا أو افتراضيا ، و كان الاختصاص المقرر دستوريا للسلطة التشريعية فى مجال إنشاء الجرائم و تقرير عقوبتها ، لا يخولها التدخل بالقرائن التى تنشئها لغل يد المحكمة عن القيام بمهمتها الأصلية فى مجال التحقق من قيام أركان الجريمة التى عينها المشرع إعمالا لمبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية و القضائية ، و كان نص الفقرة الثانية من المادة 121 من قانون الجمارك المطعون فيه قد حدد واقعة بذاتها جعل ثبوتها بالطريق المباشر ، دالا بطريق غير مباشر على العلم بالواقعة الإجرامية مقحما بذلك وجهة النظر التى ارتآها فى مسألة يعود الأمر فيها بصفة نهائية إلى محكمة الموضوع لإتصالها بالتحقيق الذى تجريه بنفسها تقصيا للحقيقة الموضوعية عند الفصل فى الإتهام الجنائى ، و هو تحقيق لا سلطان لسواها عليه ، و مآل ما يسفر عنه إلى العقيدة التى تتكون لديها من جماع الأدلة المطروحة عليها . إذ كان ذلك ، فإن المشرع إذ أعفى النيابة العامة - بالنص التشريعى المطعون عليه - من التزاماتها بالنسبة إلى واقعة بذاتها تتصل بالقصد الجنائى و تعتبر من عناصره ، هى واقعة علم المتهم بتهريب البضائع الأجنبية التى يحوزها بقصد الاتجار فيها، حاجبا بذلك محكمة الموضوع عن تحقيقها ، و أن تقول كلمتها بشأنها ، بعد أن افترض النص المطعون عليه هذا العلم بقرينة تحكمية ، و نقل عبء نفيه إلى المتهم ، فإن عمله يعد إنتحالا لاختصاص كفله الدستور للسلطة القضائية ، و إخلالا بموجبات الفصل بينها و بين السلطة التشريعية ، و مناقضا كذلك لافتراض براءة المتهم من التهمة الموجهة إليه فى كل وقائعها و عناصرها ، و مخالفا بالتالى لنص المادة 67 من الدستور.






المطلب الثانى
المبادئ الدستورية لحق التقاضى
أولا : الطبيعة الدستورية لحق التقاضى :
[الفقرة رقم 2 مــن الطعن رقــم 13 سنة قضائيــة 7 مكتب فني 1 تاريخ الجلسة 16 / 04 / 1977] [صفحة رقم 48]
تنص المادة 68 من الدستور على أن "التقاضى حق مصون ومكفول للناس كافة ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعى، ويحظر النص في القوانين على تحصين أى عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء" ويبين من هذا النص أن الدستور لم يقف عند حد تقرير حق التقاضى للناس كافة كمبدأ دستورى أصيل، بل جاوز ذلك إلى تقرير مبدأ حظر النص في القوانين على تحصين أى عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء – رغم دخول هذا المبدأ في عموم المبدأ الأول رغبة في تأكيد الرقابة القضائية على القرارات الإدارية وحسما لما ثار من خلاف في شأن عدم دستورية التشريعات التى تحظر حق الطعن في هذه القرارات، وقد استقر قضاء المحكمة العليا على أن النص المشار إليه جاء كاشفا للطبيعة الدستورية لحق التقاضى ومؤكدا لما أقرته الدساتير السابقة ضمنا من كفالة هذا الحق للأفراد حين خولتهم حقوقا لا تقوم ولا تؤتى ثمارها إلا بقيامه باعتباره الوسيلة التى تكفل حماية تلك الحقوق والتمتع بها ورد العدوان عليها وباعتباره من الحقوق العامة بالنظر إلى ما يترتب على حرمان طائفة معينة منه مع تحقق مناطه – وهو قيام المنازعة في حق من حقوق أفرادها- من إهدار المبدأ المساواة بينهم وبين غيرهم من المواطنين الذى لم يحرموا من هذا الحق، وهو المبدأ الذى كفلته المادة 31 من دستور 1956، والمادة 7 من دستور سنة 1958، والمادة 24 من دستور 1964، والمادة 24 من دستور 1964، والمادة 40 من الدستور القائم.


لكل مواطن حق الإلتجاء إلى قاضيه الطبيعى :
[الفقرة رقم 6 مــــن الطعن رقم 15 سنة قضائية 14 مكتب فني 5 تاريخ الجلسة 15 / 05 / 1993] [صفحة رقم 315]
إن الدستور بما نص عليه فى المادة 68 منه أن لكل مواطن حق الإلتجاء إلى قاضيه الطبيعى ، قد دل على أن هذا الحق فى أصل شرعته ، هو حق للناس كافة لا يتمايزون فيما بينهم فى مجال اللجوء إليه ، و إنما تتكافأ مراكزهم القانونية فى سعيهم لرد العدوان على حقوقهم دفاعاً عن مصالحهم الذاتية . و قد حرص الدستور على ضمان إعمال هذا الحق فى محتواه المقرر دستورياً بما لا يجوز معه قصر مباشرته على فئة دون أخرى ، أو إجازته فى حالة بذاتها دون سواها ، أو إرهاقه بعوائق منافية لطبيعته ، لضمان أن يكون النفاذ إليه حقاً لكل من يلوذ به ، غير مقيد فى ذلك إلا بالقيود التى يقتضيها تنظيمه ، و التى لا يجوز بحال أن تصل فى مداها إلى حد مصادرته . و بذلك يكون الدستور قد كفل الحق فى الدعوى لكل مواطن ، و عزز هذا الحق بضماناته التى تحول دون الإنتقاص منه ، و أقامه أصلاً للدفاع عن مصالحهم الذاتية و صونها من العدوان عليها ، و جعل المواطنين سواء فى الأرتكان إليه . و لازم ذلك أن غلق أبوابه دون أحدهم إنما ينحل إلى إهداره ، و يكرس الإخلال بالحقوق التى يدعيها ، و هى بعد حقوق تحركها مصلحته الشخصية المباشرة ، و لا تحول دون طلبها الطبيعة العينية للدعوى الدستورية التى تقوم فى جوهرها على مقابلة النصوص التشريعية المطعون عليها بأحكام الدستور تحزياً لتطابقها مع إعلاء للشرعية الدستورية . ذلك أن هذه العينية - و على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة - لا تفيد لزوماً التحلل فى شأنها من شرط المصلحة الشخصية المباشرة ، أو أن هذا الشرط يعتبر منفكاً عنها غير مرتبط بها . كذلك فإن حق كل مواطن فى الدفاع عن حقوقه الذاتية ، لا ينال منه ما هو مقرر من أن لكل نقابة منشأة وفقاً للقانون - و بوصفها شخصاً معنوياً - الحق فى أن تقيم إستقلالاً عن أعضائها الدعاوى المتعلقة بالدفاع عن مصالحهم فى مجموعها . ذلك أن المصالح الجماعية التى تحميها النقابة لا تعتبر منصرفة إلى عضو معين من أعضائها ، أو متعلقة بفئة من بينهم دون سواها ، و إنما مناطها صون الأغراض التى تقوم عليها النقابة و حماية أهدافها . و من ثم لا تخل هذه المصالح الجماعية بالمصالح الفردية لكل عضو من أعضائها ، و لا يجوز أن تحول دونه و الدفاع عن مركزه القانونى الخاص أو حقوقه الذاتية التى أثر فيها النص التشريعى المطعون فيه تأثيراُ مباشراً .


ثانيا : حق الترضية القضائية :ـ
[ الفقرة رقم 10 من الطعن رقم 15 سنة قضائية 17 مكتب فني 7 تاريخ الجلسة 02 / 12 / 1995] [صفحة رقم 316]
إن العناصر التى يتكون منها حق التقاضى لا تكتمل ما لم يوفر المشرع للخصومة القضائية ـ فى نهاية مطافها ـ حلاً منصفا يمثل الترضية القضائية JUDICIAL التى يبتغيها من يطلبها لمواجهة الاخلال بالحقوق التى يدعيها وكان حق الدفاع ـ أصالة أو بالوكالة ـ يتوخى اجتناءها من خلال وسائل الدفاع التى يعرض الخصوم بموجبها أدلتهم ـ واقعاً وقانوناً ـ بما لا تمييز فيه بين بعضهم البعض بل تتكافأ أسلحتهم فى مجال الحقوق التى يدعونها فإن هذه الترضية ـ وبإفتراض اتساقها مع أحكام الدستور والقانون ـ تشكل جزءاً غير منقسم من حق التقاضى وترتبط بالاغراض النهائية التى يعمل لبلوغها يؤيد ذلك أن الخصومة القضائية لا تقام للدفاع عن مصالح نظرية لا تتولد عنها فائدة عملية بل غايتها اقتضاء منفعة يقرها القانون ، وتبلور حقيقتها نطاق المسائل المتنازع عليها ، وحكم القانون بشأنها .


المطلب الثالث
المبادئ الدستورية لحق الدفاع
أولا : الطبيعة الدستورية لحق الدفاع :
[الفقرة رقم 25 من الطعن رقم 15 سنة قضائية 17 مكتب فني 7 تاريخ الجلسة 02 / 12 / 1995]
[صفحة رقم 316]
يؤيد ما تقدم بنيان الفقرة الأولى من المادة 69 من الدستور ذاتها ذلك أن مضمونها لا يقتصر على مجرد تقرير حق الشخص فى اختيار محام يتولى الدفاع عنه ولكنها تؤكد الملامح الشخصية لحق الدفاع من خلال استصحابها أصل الحق فيه بتخويلها اياه لمن يكون أصيلاً فى ادارته THE right of Self Rrpresntation وهو ما يفيد استقلال كل من الحقين عن الآخر فلا يتهادمان وعلى تقدير أن اختيار الشخص لمحام يكون وكيلاً عنه لا يعدو أن يكون شكلاً من أشكال المعاونة التى يطلبها وأن انفراد الوكيل بالخصومة القضائية التى وكل فيها لا يتصور أن يتم إلا بقبول الأصيل ليتحمل بعدئذ ـ دون غيره ـ بآثارها ونتائجها .

[الفقرة رقم 17 مــن الطعن رقم 15 سنة قضائية 17 مكتب فني 7 تاريخ الجلسة 02 / 12 / 1995] [صفحة رقم 316]
وقد غدا حق الدفاع غائرا فى وجدان البشر ، مرتبطا بالقيم التى تؤمن بها الأمم المتحضرة ، مؤكدا مبدأ الخضوع للقانون ، ناهيا عن التسلط والتحامل ، معززا إرادة الاختيار ، مبلورا الدور الاجتماعى للسلطة القضائية فى مجال تأمينها للحقوق على اختلافها ، واقعا فى إطار الأسس الجوهرية للحرية المنظمة ، نائيا عن أن يكون ترفا عقيما أو سرفا زائدا ، قائما كضرورة تفرض نفسها ليبطل كل تنظيم تشريعى على خلافها ، فلا يكون القبول بها رمزيا ، بل فاعلا ومؤثرا ، تغليبا لحقائقها الموضوعية على أهدابها الشكلية ، إنفاذا لمحتواها ، وتقيدا بأهدافها ، فلاينازع أحد فى ثبوتها أو يحجبها .


حق الدفاع ومواجهة المتهم بالشهود :
[الفقرة رقم 28 مــن الطعن رقم 25 سنة قضائية 16 مكتب فني 7 تاريخ الجلسة 03 / 07 / 1995] [صفحة رقم 45]
إن افتراض براءة المتهم من التهمة الموجهة إليه يقترن دائما من الناحية الدستورية - ولضمان فعاليته - بوسائل إجرائية وثيقة الصلة بحق الدفاع من بينها حق المتهم في مواجهة الشهود الذين قدمتهم النيابة العامة إثباتا للجريمة والحق في دحض أقوالهم وإجهاض الأدلة التي طرحتها بأدلة النفي التي يعرضها وكان النص المطعون فيه مؤداه أن جرائم النشر التي تقع من خلال الصحيفة الحزبية تتعلق أساسا برئيس التحرير ابتداء والمدعي إلحاقا كرئيس للحزب الذي يملك تلك الصحيفة - وبوصفهما فاعلين أصليين - وكان هذان المتهمان مجابهين بهذه الجرائم بافتراض أن لهما دورا في إحداثها وأنها عائدة إلي تخليهما عن واجباتهما فقد غدا لازما أن يكونا متكافئين في وسائل دفعها . غير أن النص المطعون فيه جرد رئيس الحزب من وسائل الدفاع التي يقبل بها التهمة المنسوبة إليه ولم يكلف النيابة العامة إثبات مسئوليته الجنائية عن الجرائم محل الاتهام بل أعفاها من ذلك قانعا بأن تدلل علي مسئولية غيره ممثلا في رئيس التحرير لتقوم المسئولية الجنائية لرئيس الحزب ترتيبا عليها وفي إطارها . وهو ما يعني ان رئيس الحزب صار - في نطاق مسئوليته الجنائية الشخصية - تابعا لغيره في أمر يرتبط بحريته الشخصية التي لا يجوز تقييدها بأفعال ياتيها الأخرون ويكون مصيره معلقا عليها . وآية ذلك أن النص المطعون فيه يقيم المسئولية الجنائية لرئيس الحزب في الحدود التي تنهض بها المسئولية الجنائية الشخصية لرئيس التحرير فإن هو هدمها أفاد رئيس الحزب من سقوطها وإلا تحمل تبعاتها كاملة وهو ما يعتبر تمييزا جائرا بين المتهمين في مجال الحقوق التي يتمتعون بها وفقا للدستور وعلي الأخص علي صعيد محاكمتهم بطريقة منصفة في مقوماتها وضوابطها تتكافأ من خلالها فرصهم في مواجهة الاتهام الجنائي ونفيه مما يخل بمساواتهم أمام القانون وفقا لنص المادة 40 من الدستور ذلك أن صور التمييز المجافية للدستور وإن تعذر حصرها إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق أو الحريات التي كفلها الدستور أو القانون وذلك سواء بإنكار أصل وجودها أو بتعطيل أو انتقاص آثارها بما يحول دون مباشرتها علي قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانونا للانتفاع بها .
[ الفقـرة رقم 9 من الطعــن رقم 13 سنة قضائية 12 مكتب فني 5 تاريخ الجلسة 02 / 02 / 1992] [صفحة رقم 165]
إن أصل البراءة يمتد إلى كل فرد سواء أكان مشتبها فيه أو متهما باعتباره قاعدة أساسية فى النظام الاتهامى أقرتها الشرائع جميعها - لا لتكفل بموجبها حماية المذنبين - و إنما لتدرأ بمقتضاها العقوبة عن الفرد إذا كانت التهمة الموجهة إليه قد أحاطتها الشبهات بما يحول دون التيقن من مقارفة المتهم للواقعة الإجرامية ، ذلك أن الإتهام الجنائى فى ذاته لا يزحزح أصل البراءة الذى يلازم الفرد دوما و لا يزيله ، سواء فى مرحلة ما قبل المحكمة أو أثنائها و على امتداد حلقاتها و أياً كان الزمن الذى تستغرقه إجراءاتها ، و لا سبيل بالتالى لدحض أصل البراءة بغير الأدلة التى تبلغ قوتها الإقناعية مبلغ الجزم و اليقين بما لا يدع مجالا معقولا لشبهة إنتفاء التهمة ، و بشرط أن تكون دلالتها قد إستقرت حقيقتها بحكم قضائى استنفد طرق الطعن فيه ، و صار باتا .


ثانيا : الحق فى المحاكمة المنصقة :ـ
[الفقــرة رقم 18 من الطعن رقم 13 سنة قضائية 12 مكتب فني 5 تاريخ الجلسة 02 / 02 / 1992] [صفحة رقم 165]
إن إفتراض براءة المتهم من التهمة الموجهة إليه يقترن دائما من الناحية الدستورية - و لضمان فعاليته - بوسائل إجرائية إلزامية تعتبر كذلك و من ناحية أخرى - وثيقة الصلة بالحق فى الدفاع و تتمثل فى حق المتهم فى مواجهة الأدلة التى قدمتها النيابة العامة إثباتا للجريمة ، و الحق فى دحضها بأدلة النفى التى يقدمها ، و كان نص الفقرة الثانية من المادة 121 من قانون الجمارك المطعون عليه - و عن طريق القرينة القانونية التى إفترض بها ثبوت القصد الجنائى - قد أخل بهذه الوسائل الإجرائية بأن جعل المتهم مواجها بواقعة أثبتتها القرينة فى حقه بغير دليل ، و مكلفا بنفيها خلافا لأصل البراءة ، و مسقطا عملا كل قيمة أسبغها الدستور على هذا الأصل ، و كان هذا النص ينال من مبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية و القضائية ، و من الحرية الشخصية ، و يناقض إفتراض البراءة ، و يخل بضوابط المحاكمة المنصفة و ما تشتمل عليه من ضمان الحق فى الدفاع ، فإنه بذلك يكون مخالفا لأحكام المواد 41 ، 67 ، 69 ، 86 ، 165 من الدستور .
الحق فى المحاكمة المنصفة وافتراض البراءة
[ الفقـــرة رقم 4 من الطعن رقم 13 سنة قضائية 12 مكتب فني 5 تاريخ الجلسة 02 / 02 / 1992] [صفحة رقم 165]
إن الدستور قد كفل فى مادته السابعة و الستين الحق فى المحاكمة المنصفة بما تنص عليه من أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته فى محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه ، و هو حق نص عليه الاعلان العالمى لحقوق الانسان فى مادتيه العاشرة و الحادية عشرة التى تقرر أولاهما أن لكل شخص حقا مكتملا و متكافئا مع غيره فى محاكمة علنية و منصفة تقوم عليها محكمة مستقلة محايدة ، تتولى الفصل فى حقوقه و التزاماته المدنية ، أو فى التهمة الجنائية الموجهة اليه ، و تردد ثانيتهما فى فقرتها الأولى حق كل شخص وجهت إليه تهمة جنائية فى أن تفترض براءته إلى أن تثبت إدانته فى محاكمة علنية توفر له فيها الضمانات الضرورية لدفاعه . و الفقرة السابقة هى التى تستمد منها المادة 67 من الدستور أصلها ، و هى تردد قاعدة استقر العمل على تطبيقها فى الدول الديمقراطية ، و تقع فى اطارها مجموعة من الضمانات الأساسية تكفل بتكاملها مفهوما للعدالة يتفق بوجه عام مع المقاييس المعاصرة المعمول بها فى الدول المتحضرة و هى بذلك تتصل بتشكيل المحكمة ، و قواعد تنظيمها ، و طبيعة القواعد الاجرائية المعمول بها أمامها ، و كيفية تطبيقها من الناحية العملية ، كما أنها تعتبر فى نطاق الاتهام الجنائى وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التى قضى الدستور فى المادة 41 منه بأنها من الحقوق الطبيعية التى لا يجوز الاخلال بها ، أو تقييدها بالمخالفة لأحكامه ، و لا يجوز بالتالى تفسير هذه القاعدة تفسيرا ضيقا ، إذ هى ضمان مبدئى لرد العدوان عن حقوق المواطن و حرياته الأساسية ، و هى التى تكفل تمتعه بها فى اطار من الفرص المتكافئة ، و لأن نطاقها و ان كان لا يقتصر على الاتهام الجنائى ، و إنما يمتد إلى كل دعوى و لو كانت الحقوق المثارة فيها من طبيعة مدنية ، إلا أن المحاكمة المنصفة تعتبر أكثر لزوما فى الدعوى الجنائية ، و ذلك أيا كانت طبيعة الجريمة و بغض النظر عن درجة خطورتها .
[الفقرة رقم 5 مــــن الطعن رقم 13 سنة قضائية 12 مكتب فني 5 تاريخ الجلسة 02 / 02 / 1992] [صفحة رقم 165]
إن إدانة المتهم بالجريمة إنما تعرضه لأخطر القيود على حريته الشخصية و أكثرها تهديدا لحقه فى الحياة ، و هى مخاطر لا سبيل إلى توقيها إلا على ضوء ضمانات فعلية توازن بين حق الفرد فى الحرية من ناحية ، و حق الجماعة فى الدفاع عن مصالحها الأساس
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى