الركن المعنوي في المخالفات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الركن المعنوي في المخالفات

مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء 03 نوفمبر 2009, 12:50

الركن المعنوي في المخالفات
علي عبد الله حمادة



ثار جدل حول ضرورة توافر الركن المعنوي بالنسبة لبعض الجرائم .فقد ذهب رأي إلى إنكار هذا الركن والقول بأن هناك بعض الجرائم يكفي لتوافـرها تحقق الركن المادي فقط ،ويطلق عليها
( الجرائم المادية )أي تلك التي تتحقق ماديا فقط دون حاجة إلى الركن المعنوي ، ويسميها البعض (المسؤولية دون خطأ ) "أو " المسؤولية الموضوعية أو المادية
والمخالفات هي الجرائم التي تلي الجنايات والجنح من حيث الجسامة ، فهي أقل الجرائم جسامة أو خطورة ،كما أن العقوبات المقررة لها قليلة أو ضئيلة بالمقارنة لتلك المقررة للجنح والجنايات .
ونظراً للطبيعة الخاصة للمخالفات و لركنها المعنوي اقتصر بحثنا على البحث في ماهية هذا الركن إضافةً إلى موقف المشرع السوري منه وتحليل هذا الموقف.....


مخطط البحث
مقدمة
المبحث الأول :الجدل حول الركن المعنوي لجرائم المخالفات
ـالمطلب الأول :فكرة الجريمة المادية في المخالفات
أـ مضمون هذا الاتجاه
ب ـ مبررات هذا الاتجاه والرد عليها
ـ المطلب الثاني : لزوم الركن المعنوي في المخالفات
أ ـ مضمون هذا الاتجاه
ب ـ صور الركن المعنوي في المخالفات
ج - مبررات هذا الاتجاه والرد عليها
المبحث الثاني : أنواع المخالفات في التشريع السوري وموقف المشرع منها



مقدمة :
ثار جدل حول ضرورة توافر الركن المعنوي بالنسبة لبعض الجرائم .فقد ذهب رأي إلى إنكار هذا الركن والقول بأن هناك بعض الجرائم يكفي لتوافـرها تحقق الركن المادي فقط ،ويطلق عليها
) الجرائم المادية )أي تلك التي تتحقق ماديا فقط دون حاجة إلى الركن المعنوي ، ويسميها البعض (المسؤولية دون خطأ ) "أو " المسؤولية الموضوعية أو المادية
والمخالفات هي الجرائم التي تلي الجنايات والجنح من حيث الجسامة ، فهي أقل الجرائم جسامة أو خطورة ،كما أن العقوبات المقررة لها قليلة أو ضئيلة بالمقارنة لتلك المقررة للجنح والجنايات .
ونظراً للطبيعة الخاصة للمخالفات و لركنها المعنوي اقتصر بحثنا على البحث في ماهية هذا الركن إضافةً إلى موقف المشرع السوري منه وتحليل هذا الموقف.....


المبحث الأول
الجدل حول الركن المعنوي لجرائم المخالفات
يهدف المشرع عادة في مجال جرائم المخالفات إلى حسن تنظيم المجتمع على نحو معين ،ولذلك غالباً ما تكون من جرائم السلوك المجرد والخطر المفترض التي يتوافر ركنها المعنوي دون النظر إلى كون الجاني قصد ارتكاب المخالفة ، أو أنها تحققت بإحدى صور الخطأ ، ولهذا اختلف الفقهاء حول ضرورة توافر الركن المعنوي لهذه الجريمة .


- المطلب الأول : فكـرة الجريـمة المـادية فـي المـخالـفات

أ ـ مضمـــونها :
إن المخالفات هي "جرائم مادية بحتة " تتكون من الركن المادي فقط دون حاجة إلى تطلب الركن المعنوي فيها بصورتيه القصد والخطأ .
وقد أسبغ هذا الوصف أيضاً على الجنح الشبيهة بالمخالفات ،والتي أطلق عليها تعبير المخالفات المجنحة كالجنح الاقتصادية( ) وهي التي يعاقب عليها بعقوبات حدها الأدنى تكديري في حين أن حدها الأعلى جنحي( ) فالجنح الاقتصادية تتحد مع المخالفات من حيث هدف الشارع بالعقاب عليها، وتماثلها تبعاً لذلك من حيث وجود الركن المعنوي( )
وقد ذهبت إلى فكرة الجريمة المادية المعفاة من الركن المعنوي محكمة التمييز الفرنسية في بعض قراراتها،وأيدها كذلك معظم الفقه، مع تحفظ واحد هو ضرورة إثبات صدور الركن المادي للجريمة عن إرادة، دون حاجة إلى إثبات الركن المعنوي في حق الجاني . فلو أثبت محضر شرطة مثلاُ،أن سائق السيارة خالف إشارة المرور الحمراء توافرت المسؤولية الجزائية في حق المخالف دون حاجة إلى إثبات القصد أو الخطأ لديه .
وتقع جريمة الوقوف في مكان ممنوع الوقوف فيه بمجرد ترك السيارة في هذا المكان ،ولا يجدي في نفي المسؤولية عنها إثبات أنه لم يصدر قصد أو خطأ و أنه كان من المستحيل على المدعى عليه أن يتوقع أنه يخالف بفعله القانون الذي يجرمه( )،فمجرد تحقق السلوك المادي المكون لجريمة المخالفة كافٍ حتى يستحق مرتكبها العقاب عليها ، ويؤيد هذا الرأي فريق من الفقه الإيطالي

ب ـ المــبررات والرد عليها :
استند مؤيدوا هذه الفكرة (عدم لزوم الركن المعنوي في المخالفات ) إلى الأمور التالية :

1ـ حاول رأي فقهي تأسيس هذا الإتجاه على اعتبار أن المخالفات تهدف إلى تحقيق النظام الاجتماعي ،وفي سبيل تحقيق هذا النظام يكفي تحقق السلوك المكون لها مادياً دون حاجة إلى الركن المعنوي أيا كانت صورته ،بل تقوم المسؤولية عن هذه الجريمة حتى ولو كان الجاني حسن النية .
ويؤخذ على هذا الرأي:أنه يتجاهل المبدأ العام المسلم به وهو"لا جريمة بدون ركن معنوي " كما أن منطقه يؤدي إلى مساءلة الحيوانات بل والجمادات عما يقع بسببها من مخالفات وهو ما لا يجوز التسليم به في العصر الحديث( )

2ـ ذهب الفقه الفرنسي أن ماديات هذه الجريمة تتضمن في ذاتها خطأ ، أي أن مجرد ارتكاب هذا الفعل هو في حد ذاته الخطأ الذي تقوم به الجريمة ، ويتمثل في إهمال الشخص معرفة ما له وما عليه ( ) ويؤخذ على هذا الرأي : أنه يتعارض مع موقف القضاء الفرنسي في تقرير الإعفاء من المسؤولية في حالات الجنون والإكراه وصغر السن والقوة القاهرة . والدليل على ذلك أنه يقرر انتفاء المسؤولية إذا اثبت المدعى عليه أنه ارتكب فعله تحت تأثير (غلط غير مقترن بخطأ )،أي ما يعبر عنه القضاء بالقوة القاهرة ، ويستند إليه في نفي المسؤولية ،وهو في حقيقته"حدث طارئ " إذ لا تتوافر له شروط القوة القاهرة ، وإنما يقتصر تأثيره على نفي الخطأ عن الإرادة مما يعني إقامة المسؤولية على الخطأ واشتراط ركن معنوي للجريمة
ولهذا اتجه رأي آخر إلى القول : بأن هذه المسؤولية تقوم على أساس الخطأ المفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس ولكن هذا الرأي ليس بأفضل حالاً من سابقه لأن قرينة افتراض الخطأ الذي لا يقبل إثبات العكس لا يمكن استخلاصها بل يجب أن ينص عليها المشرع صراحة و لا يوجد مثل هذا النص فضلاً عن أن الأخذ بهذا الرأي يؤدي إلى ذات النتائج التي ينتهي إليها الرأي السابق ويستحق ذات النقد ، وبصفة خاصة لا يستقيم مع موقف القضاء الفرنسي الذي يقرر الإعفاء من المسؤولية في حالات معينة . وهذا يعني أن قرينة افتراض الخطأ ليست قاطعة ولكنها قرينة بسيطة يجوز إثبات عكسها ،وافتراض الخطأ بالنسبة لهذه الجرائم يرجع إلى الدور الذي تقوم به والمصالح التي تحميها فهي تهدف إلى التنظيم والضبط وحسن الإدارة وهي مصالح عامة تتطلبها ضرورات الضبط الاجتماعي أو النظام الاجتماعي ، فتقوم الجريمة من مجرد مخالفة قواعد التنظيم الإداري ( )لكننا نعود إلى الرأي الأول ونقول أنه مهما كانت المصالح التي تحميها ومهما كانت المبررات التي قيل بها لافتراض الخطأ ،فإنها لا تنهض دليلا مقنعا للخروج على المبدأ العام المسلم به وهو " لا جريمة بدون ركن معنوي " والخروج على هذا المبدأ العام لا يكون إلا بالنص الصريح ، وهذا النص غير موجود.
وبناء على ذلك فإن المخالفات وكذلك بعض المخالفات المجنحة لا تختلف عن غيرها من الجرائم من حيث ضرورة الركن المعنوي ولزومه وهذا ما أخذ به القضاء والفقه في مصر . ولكن بعض التشريعات قد تقرر الخروج على هذا المبدأ بالنسبة لفئة من المخالفات ، فالمادة 244 من قانون الجمارك اللبناني الصادر في 30 حزيران سنة 1954 تنص على أنه "ليس للمحاكم أن تأخذ بعين الاعتبار النية بل الوقائع المادية فقط ، فالجهل أو حسن النية لا يعتبران عذراً . وعليه يجب على هذه المحاكم إنزال العقوبات المبينة أعلاه لمجرد إتيان الأعمال التي تقمعها هذه العقوبات أو لمجرد المباشرة بها فقط ( ) ، وكذلك الأمر بالنسبة للعقوبات المنصوص عليها في المادتين 337 ، 339 من قانون الجمارك القديم ( ).
ولا يفهم من ذلك أن قانون العقوبات اللبناني يعتبر المخالفات جرائم مادية بحتة لأنه لم يتضمن نصوصاً تخرج بالمخالفات على القواعد العامة التي وضعها في شأن الركن المعنوي للجريمة.
3ـ ذهب فريق من الفقه الإيطالي أن تطلب الركن المعنوي في المخالفات سيترتب عليه في الغالب عدم تطبيق النصوص الخاصة بها ( ) ويؤخذ على هذا الرأي : أن المشرع يحرص دائما على صيانة أوضاع ضرورية لتنظيم المجتمع على نحو معين وهذه الأوضاع يتعين أن تكون في الحدود التي تسمح بها المبادئ القانونية العامة واعتبارات العدالة ، والقول بأن الواجب الذي تفرضه على كل شخص النصوص الخاصة بالمخالفات هو واجب محدود النطاق قليل المشقة وأن العقاب المقرر للإخلال به ضئيل وأنه يتعين التخفيف من عبء القضاء بإعفائه من البحث بالركن المعنوي للمخالفات ، كل ذلك ليست له من القيمة القانونية ما يبرر الخروج على المبدأ الأساسي الذي يتطلب في كل جريمة ركناً معنوياً .



***المطلب الثاني: لزوم الركن المعنوي في المخالفات
أ- مضمون هذا الاتجاه:
يذهب هذا الاتجاه- وهو الاتجاه الراجح – إلى أن المخالفة جريمة لا تختلف في أركانها والقواعد التي تسير عليها عن الجنايات والجنح ، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ، فالركن المعنوي لازم في كل جريمة ، إلا في حالات المسؤولية المفترضة وبنص صريح ( )وعلى ذلك يجب أن يكون الفعل المكون للمخالفة إراديا، فلا تقوم المخالفة إذا وقعت النتيجة الضارة بسبب حادث فجائي.
وبناءً على ذلك فإن المخالفات وكذلك بعض المخالفات المجنحة لا تختلف عن غيرها من الجرائم من حيث ضرورة الركن المعنوي ولزومه إلى جانب الركن المادي لقيامها. ولكن صورة هذا الركن ليست محل اتفاق فقد تعددت الاتجاهات في هذا الصدد على النحو الآتي:
ب- صور الركن المعنوي في المخالفات

1- اتجهت أغلب التشريعات الجزائية، ومنها التشريع السوري من خلال النصوص القانونية إلى لزوم توافر القصد أو الخطأ، وإذا لم يفصح الشارع عن إرادته في ذلك تعين استلزام القصد طبقاً للقاعدة العامة.
نصت الفقرة( ب) من المادة 744 من قانون العقوبات السوري على ما يلي" يعاقب بالغرامة من ثلاث إلى عشر ليرات من رمى قصداً بحجارة أونحوها من الأجسام الصلبة أو بالأقذار، العجلات والأبنية ومساكن الغير أو أسواره والجنائن والأحواش" ونصت المادة 377 ( ) من قانون العقوبات المصري في باب المخالفات المتعلقة بالأمن العام أو الراحة العمومية على ما يلي: " يعاقب بغرامة لا تتجاوز مائة جنيه كل من ارتكب فعلاً من الأفعال الآتية:
ف3 – من كان موكلاً بالتحفظ على مجنون في حالة هياج فأطلقه أو كان موكلاً بحيوان من الحيوانات المؤذية أو المفترسة فأفلته .
ف8- من امتنع عن قبول عملة البلاد أو مسكوكاتها بالقيمة المتعامل بها ولم تكن مزورة ولا مغشوشة.
حيث تطلب القانون في هذه الحالات (صراحة أو ضمنا) توافر القصد أي اتخذ الركن المعنوي صورة القصد الجرمي .
وفي حالات أخرى نص القانون على مخالفات غير مقصودة، كالفقرة(ب) من المادة751 من قانون العقوبات السوري وجاء فيها.
-" يعاقب بالغرامة من ليرة إلى عشر ليرات من سبب بخطئه موت حيوانات الغير أو جرحها أ و إيذائها " ( )

2ً- يرى البعض انه بالنظر إلى طبيعة المخالفات واستهدافها أوضاعاً تنظيمية لازمة للمجتمع يتعين وضع القصد الجرمي والخطأ على قدم المساواة في تحديد الركن المعنوي للمخالفة. ويظهر ذلك في نص المادة(377) ف7 عقوبات مصري والتي تعاقب " كل من امتنع أو أهمل في أداء أعمال مصلحة أو بذل مساعدة وكان قادراً عليها عند طلب ذلك من جهة الاقتضاء في حالة حصول حادث أو هياج أو غرق أو فيضان أو حريق أو نحو ذلك وكذا في حال قطع الطريق أو النهب أو التلبس بجريمة أو حالة تنفيذ أمر أو حكم فضائي "( ) وكذلك المخالفة التي نصت عليها المادة ( 751) ف1 من قانون العقوبات اللبناني والتي تخالف كل من أقدم على تطويف الطرق العامة أو ملك الغير برفعه مصب مياهه عن المستوى المحدد بموجب الأنظمة أو بارتكابه أي خطأ آخر ( )

3ً- ذهب رأي إلى أن الركن المعنوي في المخالفات وفي المخالفات المجنحة التي لا يحدد المشرع صورة هذا الركن ، يكفي لتوافره الخطأ غير المقصود على أساس أن خطة المشرع في نظر أنصار هذا الرأي – بالنسبة للمخالفات أن ينص بالنسبة لبعضها على الصورة المقصودة للركن صورة الخطأ غير المقصود وأيدت محكمة النقض المصرية هذا الاتجاه في حكم قديم لها ( ).

4ً- ذهب الجانب الأكبر من الفقه إلى القول بأن القانون يعاقب على هذه الجرائم دون أن يتطلب توافر القصد أو الخطأ ، فهو يعاقب عليها رغم حسن نية فاعلها مكتفياً بكونه ارتكب الفعل وهو صاحب إرادة حرة واعية ( ).
ومن الواضح أن المشرع السوري اتبع هذا الاتجاه بالنسبة لمخالفات وجنح السير ، وبعض الجنح التي تتفق مع المخالفات في كون الشارع يستهدف بها التنظيم والضبط، كالجنح الخاصة بالتموين والمحال العامة…. وهذا ما سنبينه فيما بعد (عند بحثنا في موقف المشرع السور ي) .
وهذا الموقف الأخير هو الذي أثار الجدل حول ضرورة الركن المعنوي بالنسبة لهذه الفئة من الجرائم ، فقد لا تحدد النصوص ولا يمكن أن يستخلص منها الصورة التي يجب أن يتخذها الركن المعنوي بالنسبة لبعض المخالفات كالمخالفات المنصوص عليها في المادة 377 / 5،6 والمادة 378 /5،4،3،2،1 من قانون العقوبات المصري( ).
- كما أثير نفس الجدل بالنسبة للطائفة الأخرى من الجرائم التي يعاقب عليها بعقوبات الجنح ولكن لها طبيعة المخالفة من حيث طبيعة المصلحة محل الحماية والغرض المستهدف من العقاب عليها بل إن بعض هذه الجرائم كان في الأصل مخالفات عادية ثم رفع المشرع عقابها إلى عقوبات الجنح ويطلق الفقه عليها ( المخالفات المجنحة ) أو " الجنح المخالفات " كجنح التموين والضرائب والنقود والجمارك وبعض جنح المرور( )

جـ - مبررات هذا الاتجاه والرد عليها
يمكن القول أن ثغرات الاتجاه لأول ( فكرة الجريمة المادية البحتة ) هي مبررات للاتجاه الثاني الذي يقول بلزوم الركن المعنوي .
- ونستطيع إجمالها بالأمور التالية :

1ً- يقضي المنطق القانوني بالقول بأن المخالفات – باعتبارها جرائم – لا قيام لها ما لم يتوافر لها ركن معنوي في إحدى صورتيه : القصد أو الخطأ.
ويدعم هذا القول مبدأ (لاجريمة بغير ركن معنوي) وهو مبدأ عام التطبيق ، إذ يستند إلى اعتبارات أساسية في التشريع الحديث ترى أن أهم عناصر فكرة الجريمة هوانطواؤها على إرادة خالفت نهي الشارع وأمره وترى أن فرض العقوبة الأساسي هو لمواجهة الخطيئة والخطورة الكائنتين في نفس المجرم ردعاً له ولغيره.

2ً – إن المشرع يهف في مجال المخالفات إلى صيانة أوضاع رآها ضرورية لتنظيم المجتمع على نحو معين ، ومن ثم حرصه على حماية هذه الأوضاع حاملاً على تجريم كل مساس بها ولو لم يقترن بإرادة جرمية .

3ً – إن بذل كل شخص عنايته لإتباع ما تقرره نصوص القانون الخاصة بالمخالفات – بما في ذلك علمه بالتنظيم القانوني المفروض عليه وترتيبه الأوضاع المادية على نحو تتسق معه – هو المسلك الذي ينتظره الشارع من كل شخص ، وهو بعد ذلك مسلك في وسع كل شخص لأنه ينطوي على التزام محدود النطاق قليل المشقة، ومن ثم يكون في مجرد الخروج عليه إخلال بأمر القانون أو نهيه ولو لم يثبت بالإضافة إلى ذلك قصد أو خطأ.
والرد على هذه المبررات يتجلى بالقول أن في تفاهة العقوبة ما يبرر التحلل من اشتراط الركن المعنوي دون أن تتأذى العدالة بذلك وفي تعدد الحالات التي ترتكب فيها هذه الجرائم ما يبرر تخفيف العبء عن القضاء بإعفائه من البحث في هذا الركن ، وهو في الغالب بحث عسير .


المبحث الثاني:
أنواع المخالفات في التشريع السوري وموقف المشرع منها

1ً- المخالفات المقصودة :
ينص القانون على مخالفات مقصودة، ويتطلب صراحة توافر القصد الجرمي ( ) كما نصت الفقرة(ب) من المادة 744 من قانون العقوبات السوري وفي هذا النوع من المخالفات يتخذ الركن المعنوي صورة القصد الجرمي، ويخضع لكل القواعد المنصوص عليها في المواد 187،188،222،وغيرها فيما يتعلق بالقصد الجرمي( ) ونلاحظ أن المشرع السوري قد أراد حصر هذه العقوبة المنصوص عليها في المادة(744) من قانون العقوبات في كون هذه المخالفة قد ارتكبت قصداً ، وهذا يعني أنه إذا تبين للقاضي أن الفعل لم يقصد منه إتيان أحد هذه الأفعال المنصوص عليها فلا عقاب على ذلك.

-2ً- المخالفات غير المقصودة : ينص القانون على المخالفات غير مقصودة ، ويصرح عند النص عليها بوجوب توافر إحدى صور الخطأ غير المقصود.( ) وهذا ما يظهر في نص المادة ( 737) فقرة (و) من قانون العقوبات" يعاقب بالغرامة من خمسين قرشاً إلى عشر ليرات : من رمى أو أسقط على أحد الناس أقذاراً أو غيرها من الأشياء الضارة من غير انتباه" وكذلك نص الفقرة (ب) من المادة 751 من قانون العقوبات التي ذكرت سابقا.(صCool
- ويخضع الركن المعنوي في هذه المخالفات للقواعد المنصوص عليها في قانون العقوبات المواد 189، 190 فيما يتعلق بالخطأ غير المقصود ( ).
ونحن نعلم - استناداً للقانون - يكون الخطأ نتيجة الإهمال أو قلة الاحتراز أو عدم مراعاة الشرائع والأنظمة ، حيث يسأل كل شخص عن فعله الخاطئ طالما ساهم فعله في حصول النتيجة الجرمية ، ومهما كان الخطأ يسيراً يكفي لقيام المسؤولية الجزائية أو المدنية أو الاثنتين معاً.
وغالبية الجرائم المنصوص عليها في قانون السير السوري غير مقصودة تكون صورة الخطأ فيها "عدم مراعاة الشرائع والأنظمة " ويعرّض خرق هذه القواعد وحده مرتكبه للمسؤولية الجزائية والمدنية عند الاقتضاء، دون ثمة حاجة لأن يترافق أو يقترن بإحدى صور الخطأ الأخرى (( كالإهمال وقلة الاحتراز)) والتي تدل أيضاعلى الطيش أوالرعونة وإن جاز أ ن تختلط هذه الصورة ببعضها أحياناً على نحو يدق أو يصعب فيه على القاضي الفصل أو التمييز بينها( )

وينبني على ما تقدم أن المسؤولية الجزائية في جرمي القتل والإيذاء غير المقصودين ، يمكن أن تنهض قبل الفاعل في حوادث السير، ولو لم يقم خطأ عدم مراعاة قواعد السير وأنظمته في جانبه ، إذ يكفي لقيام هذه المسؤولية أن يتوافر قبله خرق قواعد عدم الاحتراز العامة المتبدية بصور الخطأ الأخرى ، ونحن نرى أن المشرع السوري كان مصيباً قي ذلك ، وبهذا يحد من أثر اللامبالاة عند أغلب الأفراد ، ويخفف من خرق أنظمة السير ، والتي تسبب في أغلب الأحيان جرمي القتل والإيذاء غير المقصودين .
ذهب القضاء الفرنسي في هذا المجال إلى أنه ليس بمقدور المدعى عليه بجرم القتل عن غير قصد أن يتذرع أو يحتج بأن عدم الانتباه أو الإهمال أو عدم التحوط المعزو إليه لم ينطو عليه أي نص تنظيمي لشؤون السير( )
وإذا كان الركن المعنوي في أكثر مخالفات السير يبدو ضعيفاً ، ويتمثل أو يتبدى بالخطأ الناشئ عن اللامبالاة، أو عدم الاكتراث، أو التراخي ، أو عدم الانصياع للأوامر المتعلقة بتنظيم شؤون السير كمخالفات السرعة غير النظامية واستعمال الأنوار المبهرة أثناء التلاقي مع مركبة أخرى ، أو الوقوف عند الاقتضاء ، فإن هذا الركن يظهر في بعض مخالفات وجنح السير الأخرى , ويتمثل أحياناً بالقصد بعنصريه العلم والإرادة ( ) .كما في جنحة هرب السائق بعد تسبب مركبته بحادث تأتى عنه ضرر جسدي لشخص ما أو ضرر مادي صرف و المنصوص عليها في المادة 195 من قانون السير السوري الجديد , أو جنحة سوق المركبة الآلية قبل الحصول على إجازة سوق ، المنصوص عليها في المادة 172 من هذا القانون والتي تتحدد فيها إرادة الفاعل المقرونة بالعلم ( )


3ً- المخالفات التي لا تتطلب توافر القصد أو الخطأ(الجرائم المادية):
وينص القانون على هذه المخالفات دون أن يصرح عند النص عليها بوجوب توافر القصد أو الخطأ ( ) ودون ثمة ضرورة أيضاً للبحث فيما إذا كان هذا الفعل قد أحدث أو لم يحدث ضرراً .
ويظهر ذلك جلياً في مجال مخالفات وجنح السير ويمكن استنتاج ذلك من نصوص قانون السير السوري رقم 19 الصادر في 30/3/1974 الذي أصبح نافذاً في 1/10/1974 الخاص بتنظيم السير واستخدام الطرق المفتوحة للمرور ، حيث بينت الفقرة (21) من مادته الأولى أن الطريق المعنية بأحكامه هي " سبيل مفتوح للمرور العام من مشاة وحيوانات ومركبات بما في ذلك الشوارع والساحات والجسور أو ما يشابهها " ورغم أن مفهوم الطريق مفهوم واسع إلا أن مضمون هذه المادة لا يشمل طرق السير الكبيرة والطرق التي تخترق المحافظات والمناطق ، وبذلك قيدت المشاة والحيوانات بأحكام خاصة يجب مراعاتها، وإن عدم مراعاتها يستدعي توقيع العقوبة المنصوص عليها في القانون( ).
و اتبع المشرع السوري هذه الخطة بالنسبة لبعض الجنح التي تتفق مع المخالفات كونه يستهدف بها التنظيم والضبط كالجنح الخاصة بالتموين والمحال العامة والضرائب والطوابع . والظاهر أن عدم اشتراط توافر القصد أو الخطأ في المخالفات ليس معناه أن القانون لا يعتد فيها بعنصر الخطأ ، فالخطأ عموماً هو أساس المسؤولية الجزائية في التشريع الحديث، ولا توجد جرائم محض مادية يعاقب عليها لمجرد وقوع الفعل المادي بغير نظر إلى ركنها المعنوي ، وغاية ما في الأمر في شأن هذا النوع من الجرائم هو أن الخطأ فيها من نوع خاص ، وهو متصل بالفعل المادي بحيث أن مجرد ارتكاب هذا الفعل يعتبره القانون خطأً موجباً للمسؤولية الجزائية ، ووجه الخطأ فيه هو أن الجاني قد قصر في حدود معرفة ماله وما عليه ويترتب على ذلك أنه لا بد فيها من توافر الإرادة ، فإذا لم يكن الفعل الذي وقع إرادياً فإنه لا يعاقب مرتكبه( ) . وغني عن البيان أن إيجاد جرائم يعاقب عليها القانون دون قصد أو خطأ يعد إخلالا خطيراً بالقواعد الأساسية في القانون وليس لهذا الإخلال سند من نصوص القانون ، ولا يعتبر عدم تصريح القانون بوجوب توافر القصد أو الخطأ تأييداً للرأي القائل بالجرائم المادية البحتة" إذ الأصل بالجرائم أن تكون مقصودة والاستثناء أن تكون غير مقصودة ، وإذا لم ينص القانون على صور ة الركن المعنوي الذي يتطلبه بصدد جريمة معنية فإن ذلك يعني أنه يتطلب القصد ، أما إذا كان يريد العقاب على الجريمة باعتبارها غير مقصودة فلا بد له من التصريح بالاكتفاء بالخطأ( ) فالأحكام التي أوردها قانون العقوبات في المواد 187-198 تحت عنوان " في عنصر الجريمة المعنوي" لم تستثن المخالفات ولا في أية حالة من الأحوال .
كما أن الفعل الذي يشكل مخالفة في القانون،هو جريمة تعرض مرتكبها للمسؤولية الجزائية كسائر الجرائم الأخرى ، بصرف النظر عن درجة خطورتها أو مقدار عقوبتها . فمن المتفق عليه أن خطورة الجريمة أو عقوبتها ، مسائل لا علاقة لها بأركان الجريمة أو بالمسؤولية الجزائية ( )
ولهذا نجد ان القول" بفكرة الجريمة المادية البحتة"أمر يتنافى مع حكمة التشريع الذي تستند عليه القوانين المعاصرة.......



المراجع
1-د.محمد الفاضل _ البادئ العامة في قانون العقوبات - الطبعة الثانية – 1963م
2- د. عبود السراج _ قانون العقوبات ( القسم العام ) – منشورات جامعة دمشق – الطبعة الخامسة – 1992 م
3- المحامي صلاح يوسف آغا – شرح قواعد وأحكام مخالفات وجنح السير الأساسية وأصول المحاكمة بشأنها في قانون السير السوري والتشريع المقارن – الطبعة الأولى 1986م
4- . أديب استنبولي – شرح قانون العقوبات _ الجزء الأول المكتبة القانونية – الطبعة الثانية عام 1990 م
5- د. محمود نجيب حسني – شرح قانون العقوبات اللبناني ( القسم العام) دار النهضة العربية 1984م
6- د. علي عبد القادر القهوجي – شرح قانون العقوبات ( القسم العام ) منشورات الحلبي الحقوقية 2002م
7- د. سمير عالية – شرح قانون العقوبات ( القسم العام) بيروت 1998م
8- المحامي أسامة أحمد شتات – قانون العقوبات وفقاً لآخر التعديلات – مصر 24ش عدلي يكن – دار الكتب القانونية2000
9- د.محمود محمود مصطفى- شرح قانون العقوبات ( القسم العام) دار النهضة العربية – الطبعة الثامنة 1969.
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى