القانون الدستوري - الجزء الرابع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

القانون الدستوري - الجزء الرابع

مُساهمة من طرف Admin في السبت 05 يناير 2013, 2:36 pm



لمن فاته الجزء الثالث هذا رابطه ===>> اضغط هنـــــــــا
المبحث الرابع :- أساليب تعديل الدساتير ونهايتها
α :- اساليب تعديل الدساتير

التعديل الدستوري وأهميته : يعرف التعديل الدستوري بأنه إدخال تغيرات أوتعديلات على نصوص المواد التي يتكون منها الدستور، كما يمكن تعريفه كذلك بأنه تغيير جزئي لقواعد وأحكام الدستور سواء بإلغاء البعض منها أو بإضافة أحكام جديدة أو بتغيير مضمون بعضها وعليه فان التعديل يقتضي الإبقاء علـى نفس الدستور . وبناءا علي ذلك فإن التعديل يختلف عن الوضع الذي يعنـي إنشاء دستور جديد كـما يختلف عن الإلغاء أو الإنهاء الكلي الذي يعـدم الدستور بصفة تامة ، بل يمكن القول بأن التعديل يأتي كمرحلة وسط بين الإنشاء (الوضع) والإنهاء ( الالغاء) . والتعديل قد يكون جوهريا فيمس بذلك الأركان الأساسية للدستور بصفته المنظم للسلطات وسيرها والذي يحتاج وضعه وتعديله الى الرجوع للشعب عن طريق الاستفتاء نظرا لإلتباسه في كثير من الاحيان بحالتي الوضع والالغاء ، وقد يكون جزئيا فيمس بذلك بعض أحكام الدستور دون المساس بالمبادئ العامة التي تحكم المجتمع وحقوق الإنسان والمواطن وحرياتهما، ودون المساس بالتوازنات الأساسية للسلطات والمؤسسات الدستورية. كما أن الدساتير لا تتمتع بنفس الديمومة، و هي ليست أزلية، و قد يكون لبعضها من طول النفس و القدرة على التأقلم مع تطور الأوضاع ما ليس للبعض الآخر، فدستور الولايات المتحدة الأمريكية الذي وضع منذ قرنين ما زال نافذ إلى يومنا هذا، مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية دولة متمتعة باستقرار دستوري واضح و على العكس من ذلك، فان تاريخ فرنسا المعاصر تمتع بعدم الاستقرار الدستوري ذلك أن هذه الدولة عرفت منذ عام 1871 ما لا يقل عن 12 دستورا.
و مهما يكن الأمر، فإن التعديل إجراء يفرض نفسه في بعض الأحيان لان الدستور وان كان قانون ساميا فهذا لا يعني انه خالد ثابت لا يتغير بل إن المستجدات و الرغبة في حل التناقض داخل النظام السياسي، وتغيـر وتطور الظروف المحيطة بالمجتمع تقتضي تعديل الدستور من اجل تكييفه وملاءمته مع ذلك المستجدات والظروف. و بالتالي فان التحولات الدستورية ينبغي تفسيرها على مستويين الاستقرار و الاستمرار. لكن عمليا و إن كانت عملية التعديل الدستوري دليل على الاستمرار الدستوري، غير أنها تدل على عدم الاستقرار السياسي

أولا :- تعديل الدستور:
القواعد الدستورية هي في حقيقتها انعكاس للأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع السياسي، تؤثر وتتأثر بها، وبما أن هذه الأوضاع في تطور وتغير مستمر، بات لزاماً على القواعد الدستورية مواكبة التطورات المختلفة التي ترافق المجتمع السياسي وذلك بإجراء التعديلات الضرورية والتي تفرض سنة التطور. وفكرة تعديل الدستور نشأت في الواقع، مع ظهور الدساتير واستقرت باستقرارها. وتعديل الدستور يكون على نوعين، فإذا اتبعت الإجراءات المنصوص عليها في صلب الدستور والخاصة بتعديل أحكامه يكون التعديل رسمياً، أما إذا لم يتم التعديل وفق قواعد الدستور نفسه فيكون التعديل عرفياً. وكلامنا على تعديل الدستور سينصرف على التعديل الرسمي فقط، ذلك لأننا سبق وتكلمنا على التعديل العرفي وذلك بمناسبة الكلام على العرف المعدل. والتعديل الرسمي للدستور يثير عدة أمور وهي:-
معرفة السلطة المختصة بالتعديل، والقيود التي تفرض على سلطة التعديل، واخيراً اجراءت التعديلات.
1 - السلطة المختصة بالتعديل: - يميز الفقهاء بين سلطتين هما: السلطة التأسيسية الأصلية Le pouvoir constituant originaire ، والسلطة التأسيسية المنشأة (المشتقة) Le pouvoir constituant derivé أو Le pouvoir constituant institué.
السلطة الأولى : أوالسلطة التأسيسية الأصلية Le pouvoir constituant originaire : - وبغض النظر عن أسلوب نشأة الدستور – ديمقراطي أو غير ديمقراطي - فإن هناك سلطة تأسيسية أصلية متمثلة في الحاكم، أو في الحاكم و الشعب، أو في الشعب وحده، تملك مطلق الحرية في مهمتها في وضع أو إنشاء الدستور و تنظيم أحكامه، دون الالتزام بأية نصوص و قواعد مسبقة. أما السلطة التأسيسية المشتقة أو المنشأة فهي تنحصر مهمتها في تعديل الدستور حسب القواعد و الكيفية التي حددها الدستور، فهي سلطة مشتقة من الدستور. لكن ما طبيعة هذه السلطة ومتى تتدخل لإقامة أو وضع الدستور في الدولة ؟.
*- طبيعة السلطة التاسيسية الاصلية: إن السلطة التي تنشئ أو تقيم الدستور هي السلطة المؤسسة أو بتعبير أخر السلطة التأسيسية الأصلية بما أن الدستور يخلق أو ينشئ بدورة جميع السلطات في الدولة ( التشريعية والتنفيذية والقضائية ) ويترتب على هذا أن السلطة المؤسسة (السلطة التأسيسية الأصلية) أعلى من هذه السلطات التي أنشئها الدستور والسلطة المؤسسة (السلطة التأسيسية الأصلية) ليست فقط أعلى من هذه السلطات بل أنها متميزة منطقا وواقعا عنها ، وهذا يعني أن السلطة المؤسسة تتمتع بوجود مستقل عن باقي السلطات في الدولة فهي التي أسست هذه السلطات وذلك لإقامتها وثيقة الدستور ولذلك يطلق على السلطات في الدولة اسم ( السلطات المؤسسة ) أو (السلطات المنشأة) تميز لها عن السلطة التأسيسية الأصلية فهناك أذن سلطة مؤسسة متميزة وأعلى من السلطات المنشأة . فالسلطة المؤسسة هي سلطة تعلو على السلطات المنشأة .
ولكن السلطة المؤسسة وإن تميزت بالاعلوية فهي لا توجد لوحدها ولذاتها وإنما تعود لأحد ما يقبض عليها ومن ثم يمارسها . وبما أننا بصدد السلطة العليا في الدولة فلمن تعود هذه السلطة ,ومن يقبض عليها ؟ ومن يمارسها ؟ . إن صاحب السلطة العليا (السلطة المؤسسة) لا يمكن أن يكون غير الشعب فالشعب هو مصدر جميع السلطات في الدولة . والسلطة المؤسسة تعود إلى مصدر جميع السلطات وهو الشعب . فالشعب إذن صاحب السلطة المؤسسة لأن جميع السلطات في الدولة تنبثق عنه وهو الذي يمارس السلطة المؤسسة حين يؤسس السلطات في الدولة أي حين يقيم دستورها . وفي ضوء ما تقدم فإن السلطات التي أوجدها الدستور تتأتى جميعا بدون تميز من الإرادة العامة ، كلها تتأتي من الشعب إلا أن الشعب لا يستطيع من الناحية العملية أن يمارس مباشرة سلطته المؤسسة إذ من المتعذر أن يجتمع لهذه الغاية ولذلك فإن ممثلين عنه سيمارسون هذه السلطة المؤسسة. فالشعب صاحب مصدر السلطات يستطيع أن يفوض ممارسة هذه السلطات لممثلين عنه يمارسونها باسمه ولحسابه وفي الحدود التي يعينها . والشعب عندما يقيم دستوره ينظم ممارسة السلطة في الدولة من قبل هيئات متعددة ( تشريعه و تنفيذية وقضائية) وهذه الهيئات التي تمارس السلطة في الدولة( سلطة الشعب ) تمارسها نيابة عن الشعب ولحساب الشعب فبإقامة الدستور قد تخلى الشعب عن الممارسة المباشرة للسلطة وتبنى الممارسة غير المباشرة (الممارسة التمثيلية) .
*- حالات تدخل السلطة التأسيسية لوضع الدستور: إن السلطة التأسيسية الأصلية تتدخل في تغيير دستور قائم بأخر جديد أو في كل مرة تنشأ فيها دولة جديدة ، و تنشأ دولة جديدة بالمفهوم الدستوري في ثلاث حالات :
1- تنشأ دولة جديدة في وقتنا الحالي في حالة الحصول على الاستقلال السياسي : و قد نشأ بهذا المفهوم العديد من الدول منذ منتصف القرن العشرين في آسيا و أفريقيا و أمريكا الجنوبية.
2- تنشأ دولة جديدة عندما تتحد دولتان بشكل فيدرالي، كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1787، و الاتحاد السويسري عام 1848، و الجمهورية العربية المتحدة بين سورية و مصر عام 1958. أو بالعكس في حالة انحلال أو تفكك الدولة الاتحادية، كما حدث عقب الانفصال بين سورية و مصر و انهيار الجمهورية العربية المتحدة، كذلك نشأ العديد من الدول بعد تفكك و انهيار الاتحاد السوفيتي.
3- و تنشأ دولة جديدة، على الأقل بمفهوم القانون الدستوري، عند انهيار النظام السياسي كلياً في دولة قائمة، كحالة الثورة، أو الحرب، أو التغيير السياسي كما حدث مؤخراً في أغلب دول ما كان يعرف بالكتلة الشرقية : بولونيا، رومانيا، هنغاريا، يوغسلافيا…الخ.
إذا كانت السلطة المؤسسة تقوم بوضع وثيقة الدستور على النحو السابق فإن التساؤل يثار على مدى حريتها في وضعها أي مدى ما يكون لها من سلطات في هذا الخصوص.
- يجيب الفقيه الدستوري على ذلك بأن السلطة المؤسسة تكون حرة في عملها بحيث أنها لا تخضع لأية قاعدة أو مجموعة قواعد تحدد نشاطها الخلاق ( إقامة الدستور ) فهي سلطة لا تخضع في ممارستها لأي قاعدة سابقة الوجود على هذه الممارسة . فهي لا تنظمها نصوص خاصة ولا تتلقى اختصاصاتها من نصوص موجودة إذ تتدخل في الوقت قد لا يكون بالدولة نصوص دستورية قائمة وتقوم هي في هذه الحالة بوضع وثيقة الدستور ويترتب على ذلك أن للسلطة المؤسسة الحق في أن تهجر النظام الملكي في الحكم إلى النظام الجمهوري ، وهي تستطيع أن تعدل النظام الديمقراطي النيابي إلى النظام الديمقراطي شبه المباشر ، وتستطيع أن تستبدل النظام البرلماني بالنظام الرئاسي ، وهي تستطيع أن تأخذ بالفلسفة السياسية التي تروق لها. وصفوة القول أن السلطة المؤسسة ( السلطة التأسيسية الأصلية) وهي تضع الدستور تتمتع بسلطات واسعة فهي حرة – إلى حد ما – في اعتناق ما تراه مناسبا وملائما لظروف الدولة .
أما السلطة الثانية : أوالسلطة التأسيسية المنشأة Le pouvoir constituant institute : فهي سلطة يناط بها أمر تعديل أو مراجعة الدستور La Révision de la Constitution. و سميت كذلك لأنها سلطة مشتقة من الدستور، أو أنشئت بموجب الدستور الذي حددت نصوصه تشكيلها، و إجراءات و نطاق عملها. و ذلك على خلاف السلطة التأسيسية الأصلية التي تملك مطلق الحرية في مهمتها في وضع أو إنشاء الدستور و تنظيم أحكامه، دون الالتزام بأية نصوص و قواعد مسبقة. و إذا كان تشكيل أو إجراءات أو نطاق عمل السلطة التأسيسية المكلفة بتعديل الدستور يختلف من دولة إلى أخرى باختلاف الدساتير، فإن الفقه الدستوري يثير تساؤلاً حول مدى إمكانية إهمال السلطة التأسيسية المشتقة أو المنشأة و الالتجاء مباشرةً إلى السلطة التأسيسية الأصلية من أجل تعديل الدستور، باعتبار أن من يملك الكل (وضع الدستور) يملك الجزء (تعديل الدستور).
2- معيار التفرقة بين السلطة التأسيسية الأصلية والسلطة التأسيسية المنشأة : للتمييز بين السلطتين الأصلية و المنشأة يستدعي البحث عن معيار يفرق بينهما بصورة دقيقة. و يمكن تصنيف الاجتهادات الفقهية بصدد هذه المسألة إلى اتجاهين كبيرين: اتجاه يستند إلى معيار شكلي و آخر يستند إلى معيار موضوعي و كل اتجاه ينطلق من الفلسفة و المفهوم الذي يعتنقه في تعريف كل من السلطتين.
- المعيار الشكلي : - يعد الفقيه كاريه دو مالبرج Carré De Malberg أول من قال بالمعيار الشكلي و له الفضل الأول في تقديم تصور واضح يؤدي إلى تمييز دقيق بين السلطة التأسيسية الأصلية و السلطة التأسيسية المنشأة، و يبدأ هذا الفقيه ببيان فكرته انطلاقا من التمييز الضروري بين وضع السلطة التأسيسية في حال الإعداد الأول لدستور الدولة و وضعها حيث تكون الدولة موجودة سلفا، و يرى أن السلطة الأولى لا يمكن أن تجد سندها في القانون، بل ترتد إلى مجرد الواقع، الذي لا يمكن أن يحكم، في مثل هذا الفرض، في ضوء مبادئ القانون الوضعي، في حين أن الأمر يختلف بالنسبة للسلطة التأسيسية في حالة الوجود السابق للدولة، حيث تعد سلطة يمكن إسنادها إلى النظام القانوني و تصنيفها، بالتالي كأحد مؤسسات الدولة الموصوفة بواسطة دستورها، و هذه المؤسسة قد تأخذ شكل لجنة خاصة منتخبة، تشكل لهذا الغرض، و قد تجد أصلها في تشكيلات حكومية منتخبة على سبيل المثال، و في كل الأحوال، فان هذه الجمعية التي تتولى الاختصاص الدستوري في هذه الحالة تجد أصلها في النظام القانوني كإحدى مؤسسات الدولة، على عكس الحال بالنسبة للسلطة التأسيسية التي تضع دستور للدولة نفسه. و يقسم "مالبرج" بعد ذلك السلطة التأسيسية تبعا للظروف المصاحبة لتدخلها إلى سلطة تأسيسية تتدخل في ظروف استثنائية كما في أحوال الثورات أو الانقلابات و سلطة تأسيسية تتدخل في ظروف طبيعية، فالسلطة التأسيسية التي تباشر عملها في ظروف غير طبيعية هي سلطة لا تفسر أو تفهم بالنظر إلى النظام القانوني الذي يحدده الدستور الساري فعلا، حيث لا يمكن القول بوجود قواعد قانونية أو دستورية، بل القوة فقط هي التي تصاحب عمل هذه السلطة، و لذلك فان الدستور الجديد سيأتي حتما بطريقة مخالفة لكل الأصول الدستورية التي كانت سارية من قبل سبب انقطاع كل صلة قانونية بين هذا الدستور و الدستور السابق. أما حيث تتدخل السلطة التأسيسية في ظروف طبيعية، فان التعديل الدستوري يجب أن يتم طبقا للقواعد المحددة دستوريا و بواسطة المؤسسات التي عهد إليها الدستور بذلك.
و من جانب آخر و في ذات الإطار العام الذي قدمه "كاريه دو مالبرج" ، للتفرقة بين السلطة التأسيسية الأصلية و المنشأة، جاء تصور الفقيه الكبير "جورج بيردو" "G.Burdeau"، و لكن باستخدام تحليل مغاير ينتهي إلى ذات النتيجة فالأستاذ "جورج بيردو" يرى أن مصطلح السلطة التأسيسية يشتمل على تعبيري السلطة التأسيسية بالمعنى الفني لتلك السلطة التي يكون لها الاختصاص بوضع دستور جديد للدولة و التي توجد عادة عقب الحركات الثورية ، بينما يشير اصطلاح سلطة التعديل إلى عضو في الدولة معرف بواسطة نظامها القانوني و يتدخل بقصد تعديل أو استبدال الدستور و هذه السلطة بهذا المعنى سلطة قانونية تستمد اختصاصها من النظام القانوني الساري و بالدرجة الأولى من الدستور.
و يرجع الفضل للأستاذ "بونار" "Bonnard" في استخدام التسميات المعروفة حاليا للسلطتين التأسيسيتين، حيث يعد أول من استخدم وصف السلطة التأسيسية الأصلية و السلطة التأسيسية المؤسسة. و هذه التعبيرات التي استخدمها الأستاذ "بونار" لأول مرة، لقيت استحسانا من بعض الفقه على أن الأستاذ "جورج فيدل" "G.Vedel" فضل استخدام السلطة التأسيسية المنشأة بدلا من السلطة التأسيسية المؤسسة و هو المصطلح الذي شاع استخدامه بواسطة الفقه بعد ذلك.
- المعيار الموضوعي : - في إطار هذا التصور الموضوعي، يطرح الفقيه كارل سميث تصوره بادئا بتحديد المصطلحات التي على أساسها يبني أفكاره حيث يرفض استخدام مصطلح السلطة التأسيسية الأصلية و السلطة التأسيسية المنشأة، و يستخدم تعبير"السلطة التأسيسية" للإشارة إلى السلطة الأولى، و تعبير "سلطة التعديل الدستوري" للإشارة إلى السلطة الثانية، ليصل إلى الإعلان بأن السلطة الثانية – أي السلطة التأسيسية المنشأة- ليست سلطة تأسيسية. فالسلطة التأسيسية لا تتجزأ، و الغموض في التمييز بين الدستور و القانون الدستوري هو الذي أدى إلى الخلط بين السلطة التأسيسية و الاختصاص بالتعديل الدستوري، و هو ما أدى بدوره إلى تصنيف هذا الاختصاص الأخير على أساس أن الهيئة التي تتولاه لا تعدو أن تكون سلطة تأسيسية، تمييزا لها عن السلطات الأخرى في الدولة. فدور السلطة التأسيسية يظهر من خلال الاختيارات و القرارات السياسية الجوهرية المؤسسة للنظام، من خلال نهج موضوعي و شكلي يعكس الوجود السياسي للجماعة، و على ذلك، فان السلطة التأسيسية (الأصلية) تختلف و تفترق عن سلطة التعديل الدستوري (السلطة التأسيسية المنشأة) من خلال موضوع اختصاص كل منهما، فالسلطة التأسيسية تتولى وضع الدستور، بينما تختص سلطة التعديل الدستوري بتعديل نصوص القوانين الدستورية السارية، فالتمييز يعتمد في أساسه إذن على التفرقة بين الدستور و القوانين الدستورية، فالدستور عند "كارل شميت" يتمثل في الاختيار الإجمالي لنهج و شكل الوحدة السياسية للجماعة، فهو عمل السلطة التأسيسية و لا يتضمن اتجاهات أو معايير سياسية خاصة، و إنما يحدد فقط الوجه العام للجماعة السياسية للدولة دون تمييز بين التيارات المختلفة، أما القوانين الدستورية فتتضمن على العكس فكرة المعايير الخاصة للجماعة السياسية واضعة نصب عينيها أن هناك دستورا موجودا و ساريا لا تتخطاه و النتيجة المستفادة من التمييز السابق هي أنه إذا كانت هذه القوانين لها صفة دستورية من ناحية موضوعها، إلا أنها لا تتساوى من هذه الناحية القانونية مع الدستور، بل هي أقل قوة و قيمة منه و ينتهي هذا الفقيه إلى صياغة فكرته من خلال التمييز بين الدستور و القوانين الدستورية من ناحية التعديل، فالدستور لا يمكن تعديله بواسطة ذات الإجراءات المتطلبة لإجراء تعديل لقانون دستوري، فتعديل الدستور لا يعدو أن يكون تعديلا لنصوص القوانين الدستورية السارية و ليس تعديلا للدستور نفسه، لأن سلطة التعديل لا يمكن أن تتساوى مع السلطة التأسيسية التي تتولى وضع دستور جديد. و بعبارة أخرى فسلطة التعديل مقيدة بالأسس و القرارات الجوهرية المشار إليها باعتبارها مكونا لجوهر دستور الدولة، فلا يتناولها التعديل. و تكريسا لتصور سميث السابق ذكره، يؤكد الفرنسي "O.Beaud" أن عمل الدستور و إجراء التعديل يختلفان و يتعارضان بصورة جوهرية، فعمل الدستور يصدر عن عمل تأسيسي، و إجراء التعديل ينسب إلى سلطة التعديل، و يسمى الأول من الناحية القانونية السليمة بالسلطة التأسيسية بدلا من السلطة التأسيسية الأصلية، بينما يسمى الثاني سلطة التعديل الدستوري بدلا من السلطة التأسيسية المنشأة. و نتيجة لهذه التوصيفات، يعتقد الفقيه بوجود تدرج بين السلطة التأسيسية و سلطة التعديل يقوم على أسس موضوعية. فالسلطة الأولى هي سلطة ذات سيادة أو سلطة عليا، و سلطة التعديل لا تتوفر لها هذه الخصائص بذات القدر، و بعبارة أخرى، فالسلطة التأسيسية هي سلطة غير مقيدة و سلطة التعديل هي سلطة مقيدة. أي أن السلطة التأسيسية هي سلطة أصلية و سلطة التعديل هي سلطة منشأة. و على ذلك فالسلطة التأسيسية المنشأة أو سلطة التعديل تلتزم بقيود وضوابط وضعتها السلطة التأسيسية الأصلية، ليست فقط ذات طبيعة شكلية أو إجرائية، و إنما أيضا ذات طبيعة موضوعية، فالنصوص المتعلقة بالسيادة الوطنية من الاختصاص الحصري للسلطة التأسيسية الأصلية و تستعصي على أي تدخل لسلطة التعديل، لأن هذه النصوص تحتوي على أحكام أساسية أو جوهرية تتعلق بذاتية الدولة و لا يمكن أن تطالها سلطة التعديل، نظرا لخطورة مثل هذا التعديل.
- ولقد ثار نقاش طويل بين الفقهاء بصدد الإجابة عن تساؤل مهم حول مدى صلاحية السلطة التأسيسية في التعديل مفاده : هل تستطيع السلطة التأسيسية الأصلية (واضعة الدستور) التدخل في أي وقت تشاء، من أجل تعديل الدستور، مهملة بذلك السلطة المختصة بالتعديل والمنصوص عليها في صلب الدستور؟.
لقد أيد فكرة تدخل السلطة التأسيسية الأصلية في تعديل الدستور، فقهاء القانون الطبيعي منهم الفقيه ( Vattl )، وذهبوا إلى ضرورة الموافقة الإجماعية للأمة على التعديل ذلك لأن الدستور هو التعبير عن فكرة العقد الاجتماعي التي قام عليها المجتمع السياسي. وبما أن هذا العقد لم يتم إبرامه إلا بإجماع الأفراد فأن أي تعديل يطرأ عليه لا يتم إلا بذات الطريقة أي الموافقة الإجماعية للأفراد. غير أن هذا الرأي يؤدي إلى استحالة الإجماع في هذا الخصوص، الأمر الذي جعل الفقيه (فاتيل) يتراجع عن رأيه، وذهب إلى الاكتفاء برأي أغلبية أفراد الجماعة على التعديل مع اعتراف بحق الأقلية في المعارضة.
أما الفقيه الفرنسي سيز Sieyes، الذي طرح أفكاره أثناء الثورة الفرنسية عام 1789، يرى أنه يمكن إهمال السلطة التأسيسية المشتقة أو المنشأة و الالتجاء مباشرةً إلى السلطة التأسيسية الأصلية من أجل تعديل الدستور. و قد أيده في ذلك الفقيه جورج بوردو Georges BURDEAU، الذي يبرر ذلك بما تتمتع به السلطة التأسيسية الأصلية من استقلال و حرية من أجل تعديل الدستور. فمن الناحية القانونية تعتبر صاحبة الاختصاص الكامل غير المقيد في الإلغاء و التعديل على حد سواء، و من الناحية السياسية تستمد استقلالها و حريتها من خلال أنها أداة الأمة في ممارستها لسيادتها[1]. غير أن هذا الرأي لم يلق التأييد من جانب أغلب فقهاء القانون الدستوري، و ذلك للسببين التاليين :
- إنّ إهمال السلطة التأسيسية المشتقة أو المنشأة و الالتجاء مباشرةً إلى السلطة التأسيسية الأصلية من أجل تعديل الدستور يشكلان خرقاً لأحكام الدستور، و ما يقضي به مبدأ الشرعية في شقه المادي، الذي يفرض وجوب احترام القواعد القانونية من قبل السلطة التي وضعتها، ما دامت هذه السلطة لم تقم بإلغائها أو تعديلها وفقاً للإجراءات المقررة. و بالتالي فإن السلطة التأسيسية الأصلية، المتمثلة عادةً بالشعب، التي وضعت الدستور لا يمكنها خرق القواعد التي وضعتها، و هو إعطاء حق تعديل الدستور إلى سلطة تأسيسية منشأة ، و ذلك تطبيقاً لمبدأ الشرعية الذي يعتبر أساس ما يسمى بدولة القانون، و التي يسعى الدستور لتكريسها.
- كذلك فإن القول : إنّ النص في الدستور على منح سلطة تأسيسية منشأة حق تعديله، لا يشكل قيداً على إرادة الأمة و سيادتها المتمثلة بالسلطة التأسيسية الأصلية، هو قول غير صحيح. فمنح حق التعديل للسلطة التأسيسية المنشأة لا يشكل انتقاصاً من سيادة الأمة المتمثلة بالسلطة التأسيسية الأصلية، ذلك لأن السلطة التأسيسية الأصلية للدستور في إعطائها للسلطة التأسيسية المنشأة الحق في تعديل الدستور لا يشكل تنازلاً عن سيادة الأمة، بل مجرد تنظيم لكيفية ممارسة هذا الاختصاص، كتنظيمها لكيفية ممارسة بقية الاختصاصات : التشريعية، و التنفيذية، و القضائية. وسلطة التعديل هذه، كهيئة من هيئات الدولة، تكون من الناحية الدستورية في نفس المركز تتمتع به بقية هيئات الدولة ولكن نظراً لأهمية سلطة التعديل من الناحية السياسية فالسلطة التأسيسية الأصلية، تحاول عند وضعها للدستور تمنح سلطة التعديل هذه إلى الهيئة التي تحرص على تفضيلها سياسياً.
3 – الهيئاة التي تزاول السلطة المنشأة : تختلف الدساتير في تحديد الهيئة أو الجهة التي تزاول السلطة التأسيسية المنشأة. و بهذا الصدد يمكن أن نميز ثلاث حالات : فبعض الدساتير يمكن أن تسند هذه السلطة إلى البرلمان، و البعض يسندها إلى جمعية تأسيسية منتخبة لهذه المهمة، و البعض الآخر يسندها إلى الشعب و ذلك بطريقة الاستفتاء الشعبي.
I-البرلمان : تسند الكثير من الدساتير إلى البرلمان حق ممارسة السلطة التأسيسية المنشأة من أجل تعديل الدستور، و لكن وفقاً لإجراءات خاصة مغايرة للإجراءات المتبعة في تعديل القوانين العادية.
¨ فقد يتطلب الدستور توافر أغلبية خاصة (أو بالأحرى أشد) Une majorité aggravée تختلف عن الأغلبية المطلوبة لتعديل القوانين العادية[2].
¨ و إذا كان البرلمان مؤلفاً من مجلسين فقد يشترط الدستور أن يجتمع البرلمان بمجلسيه في هيئة مؤتمر مع اشتراط أغلبية خاصة لإقرار التعديل[3]. أو يشترط أغلبية خاصة في كلا المجلسين[4].
¨ و قد تفرض بعض الدساتير ضرورة انتخاب برلمان جديد يباشر عملية تعديل الدستور[5].
¨ و في الدول ذات الشكل الفيدرالي قد يتطلب الدستور موافقة برلمانات الولايات[6].
II-الجمعية التأسيسية : تمنح بعض الدساتير حق ممارسة السلطة التأسيسية المنشأة، إلى جمعية تأسيسية تنتخب خصيصاً من أجل إجراء تعديل الدستور[7].
III- الشعب : الاستفتاء الشعبي: تفرض بعض الدساتير وجوب موافقة الشعب عن طريق الاستفتاء Référendum، ليصبح التعديل نافذاً، سواء أعد مشروع التعديل من قبل البرلمان أو من قبل جمعية تأسيسية[8].

ثانيا- القيود التي ترد على سلطة التعديل ومدى قيمتها القانونية ( نطاق التعديل ):
سبق أن قلنا بأن هناك اختلافاً فقهياً حول الحظر المطلق أو الجمود المطلق الكلي الدائم للدستور من حيث مدى مشروعيته. بيد أن صعوبة أو تعقيد إجراءات الدستور الجامد واختلافها عن الإجراءات تعديل القانون العادي شيء والقيود التي يفرضها المشرع الدستوري على سلطة التعديل شيء آخر. ففي الحالة الأولى تكون أمام جمود نسبي للدستور، أما في الحالة الثانية فنكون أمام منع نسبي لتعديل الدستور ويأخذ المنع صورتين هما، الحظر الموضوعي والحظر الزمني.
1‌- الحظر الموضوعي: وهو المنع الذي يرد على نصوص معينة في الدستور تعالج وتجسد أحكاماً ومبادئ معينة، يعتقد المشرع بضرورة حمايتها وذلك عن طريق حظر تعديلها، أما بصورة دائمة أو مؤقتة. وعلى هذا الأساس فالحظر الموضوعي يأخذ شكلين، فهو أما أن يكون حظراً دائماً أو حظرا مؤقتاً. ومن أمثلة الدساتير التي تحظر تعديل بعض الأحكام الواردة فيها بشكل دائم دساتير فرنسا للأعوام (1875) (المادة الثانية من القانون الدستوري المضاف للدستور والصادر في 14/8/1884) و (1946/ م950) و(1958/ف5 من المادة 89)، والتي نصت جميعها على عدم جواز اقتراح تعديل شكل الحكم الجمهوري. وقد جاء بحظر مماثل كل من الدستور الإيطالي لعام (1947/م139) والدستور التونسي لعام (1959/ م72). أما الدستور الجزائري لعام (1976) فقد نصت المادة (195) منه على إن أي مشروع لتعديل الدستور لا يمكن أن يمس الصفة الجمهورية للحكم ودين الدولة والاختيار الاشتراكي والحريات الأساسية للأنسان والمواطن ومبدأ التصويت عن طريق الاقتراع العام المباشر والسري ولا ان يمس مشروع التعديل كذلك بسلامة التراب الوطني. ونصت الفقرة (ج) من المادة (104) من دستور البحرين لعام (1973) على عدم جواز اقتراح تعديل مبدأ الحكم الوراثي وكذلك الحرية والمساواة كما لا يجوز اقتراح تعديل المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع، ولغتها الرسمية هي اللغة العربية. ومن هذا القبيل نصت المادة (175) من الدستور الكويتي لعام (1962) على عدم جواز اقتراح تعديل الأحكام الخاصة بالنظام الأميري للكويت وبمبادئ الحرية والمساواة المنصوص عليها في الدستور.
أما الحظر الموضوعي المؤقت فيعني عدم جواز المساس ببعض نصوص الدستور خلال فترة زمنية بسبب وجود ظروف معينة، فإذا زالت تلك الظروف ارتفع الحظر. ومن أمثلة النص على عدم جواز تعديل النصوص الدستورية، المتعلقة بحقوق الملك ووراثة العرش أثناء الوصايا في النظم الملكية، كما كان عليها الحال في ظل الدستور.المصري لعام (1923/ م158) وفي ظل القانون الأساسي العراقي لعام (1925/ ف1 من المادة/22/) وقد جاء الدستور الأردني النافذ والصادر في عام 1925 بحكم مماثل في هذا الصدد ( م 126/ ف2). ومن الأمثلة الأخرى للحظر الموضوعي المؤقت ما جاءت به المادة (176) من الدستور الكويتي والتي نصت على عدم جواز اقتراح تعديل صلاحيات الأمير المبنية في الدستور خلال فترة النيابة عنه. ولقد تضمن الدستور الفرنسي لعام (1958) حظراً موضوعياً مؤقتاً مفاده عدم جواز تطبيق المادة (89) منه (لأي سبب كان) وانتخاب رئيس جديد (انظر م7 /ف 11 من دستور 1958 الفرنسي).
2- الحظر الزمني: يهدف هذا الحظر إلى حماية أحكام الدستور من التعديل خلال فترة من الزمن، وهذه الفترة قد تكون محددة أو غير محددة ولكنها مؤقتة في جميع الأحوال. من أمثلة هذا الحظر :-
أ- ما جاء به الدستور الفرنسي لعام (1791) الذي منع إجراء أي تعديل على نصوصه لمدة أربع سنوات تبدأ من تاريخ نفاذه (انظر المادة الثالثة من الباب السابع بدلالة المادة الثانية: الفصل الأول من الباب الثالث من هذا الدستور). وكذلك الحظر الزمني الذي فرضته المادة (119) من القانون الأساسي العراقي لعام (1925) لمدة خمس سنوات تبدأ من تاريخ نفاذه (عدا الأمور الفرعية من الدستور والتي أجازت الماد/118 تعديلها خلال سنة واحدة فقط من تاريخ نفاذ الدستور). كما تضمن الدستور الكويتي لعام (1962) حظراً زمنياً. لمدة خمس سنوات تبدأ من تاريخ العمل به (م/174). ونصت المادة (151) من الدستور السوري لعام (1973) على عدم جواز تعديله قبل انقضاء ثمانية عشرا شهراً على تاريخ نفاذه.
ب- وقد يفرض الحظر الزمني بسبب الظروف طارئة مثل الحرب أو عدوان خارجي او مساس بالتراب بسلامة التراب الوطني ، ومثال ذلك ما نص عليه الدستور الفرنسي لعام (1946) من عدم جواز تعديله في حالة احتلال قوات أجنبية لأرض الوطن أو جزء منه.
ج- منع التعديل إلى بعد تحقق شرط معين من الدستور الأردني الذي اشترط بلوغ ولي العهد سن الرشد حتى يتم التفكير في التعديل.
3- القيمة القانونية لقيود تعديل الدستور:([9]) التساؤل المطروح يدور حول معرفة القوة القانونية لمثل هذه القيود، وهل يمكن للسلطة التأسيسية أن تتجاوزها وهل تتصف هذه القيود بصفة الجمود، وإذا توافرت لها هذه الصفة فهل الجمود نسبي أم مطلق؟ في هذا الصدد ذهب فقهاء القانون الدستوري إلى عدة إتجاهات بخصوص تحديد القيمة القانونية للنصوص التي تحظر التعديل سواء كان زمنيا أو حظر تعديل بعض مواد الدستور بشكل مطلق.
- الإتجاه الأول: بطلان حظر التعديل : يجمع أنصار هذا الإتجاه على تجريد النصوص التي تحظر تعديل الدستور من أي قيمة قانونية، ودون إستثناء أو تمييز، فلا تعدو أن تكون مجرد رغبات تفتقر على أية قيمة أو قوة ملزمة، تخالف طبيعة الدستور وماهيته. فالدستور بوصفه تجسيدا للحاجة إلى تنظيم الدولة يكون قابلا للتعديل والتبديل، لمسايرة الظروف المتغيرة التي تعيشها الدولة، والأكثر من ذلك أن حظر التعديل كما يرى أنصار هذه الإتجاه يخالف مبدأ سيادة الأمة، ويحرم هذه الأخيرة من أهم عناصر سيادتها، أي ممارسة السلطة التأسيسية وإدخال ما تراه مناسبا من تعديلات على الدستور، تماشيا مع تغيير الظروف وتطور الحياة السياسية، والإجتماعية والإقتصادية. ويرى أنصار هذا الإتجاه أن السلطة التأسيسية التي قامت بوضع الدستور في وقت معين لا تملك الحق في تقييد السلطة التأسيسية التي تعبر عن إرادة الأمة في المستقبل (فكل أمة – كما قرر رجال الثورة الفرنسية في دستور سنة 1791- لها الحق الذي لا يمكن سقوطه بمضي المدة، في تغيير الدستور. كما أن الشعب كله – كما جاء في وثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن عام 1793 – يكون له دائما أن يعدل دستوره ويغيره، وأن جيلا من الأجيال لا يملك أن يخضع لقوانينه الأجيال القادمة). ومن هنا ينطلق هذا الإتجاه في رفض النصوص الدستورية التي تحظر تعديل الدستور، ويجردها من أي قيمة دون تمييز، سواء كان حظر التعديل مطلقا، أو مؤقتا، أو لظروف خاصة.
- الإتجاه الثاني: مشروعية حظر التعديل : يجمع أصحاب هذا الإتجاه بعكس ماذهب إليه الإتجاه الأول على أن النصوص التي تحظر تعديل الدستور تعد مشروعة، وتتمتع بقوة قانونية ملزمة، وبلا تمييز، وإن كان من الممكن أن يحدث عكس ذلك من الناحية السياسية. ويقدم أنصار هذا الإتجاه سندهم على أساس أن حظر التعديل، وإن كان يبدو متعارضا مع سيادة الشعب، وحقه في ممارسة السلطة التأسيسية، فإنه لا يجوز تجاهل هذه السيادة، لأن هذه النصوص في النهاية ليست إلا تعبيرا عن سيادة الشعب، وبهذا فإن النصوص التي تحظر التعديل تعد صحيحة من وجهة النظر القانونية، ويجب إحترامها، إحتراما للسيادة التي عبرت عنها.
- الإتجاه الثالث: التوفيق بين مشروعية نصوص الحظر و إمكانية التعديل : ظهر هذا الإتجاه للتخفيف من حدة الإتجاهين السابقين، ويرى أنصاره أن ما ذهب إليه الفقهاء بشأن إقرار مشروعية النصوص التي تحظر التعديل لا يعني بأي حال من الأحوال عدم جواز تعديل هذه النصوص، فهم يفرقون بين مشروعية النص، ومشروعية التعديل، ويذهبون إلى أنه على الرغم من تمتع النص بالقوة القانونية الملزمة، فإنه يجوز تعديل الدستور عند الحاجة إلى ذلك، على أساس أن القيمة الفعلية لهذه النصوص تنحصر في كونها تؤدي إلى منع إجراء التعديل إلا بعد روية وتفكير. إذا هذا الإتجاه ينتهي إلى التوفيق بين الإعتبارات القانونية، وبين الإعتبارات السياسية، فهو يحافظ على إحترام مبدأ المشروعية من جهة، ومن جهة ثانية لا يغفل إرادة الأجيال الحالية والأجيال المقبلة، إذا ما إستدعت الحاجة إلى التعديل، وتوفر القبول الشعبي.
- الإتجاه الرابع: التفرقة بين الحظر الزمني و الحظر الموضوعي : يذهب أنصار هذا الإتجاه – وعلى رأسهم جورج بوردو G.Burdeau – إلى وجوب التفريق بين نوعين من أنواع الحظر: فالنصوص التي تحظر تعديل بعض أحكام الدستور (حظر موضوعي) بشكل دائم تفتقر إلى القمية القانونية، ولهذا فهي باطلة كونها قيدا على مبدأ سيادة الأمة، إذ لا تستطيع السلطة التأسيسية الحالية أن تضع قيودا على سيادة الأمة في المستقبل، وعلى سلطتها التأسيسية تجاه الأجيال القادمة. بينما يقر هذا الإتجاه بمشروعية النصوص التي تحظر التعديل لمدة زمنية محددة، أو في ظروف معينة، وهذه النصوص ملزمة، لما تتمتع به من قيمة قانونية.
ويدعم هذا لإتجاه ما ذهب إليه على أساس إختلاف نوعي الحظر السابقين، ولهذا ليس من المنطق أن يأخذا الحكم نفسه. إذا لا يعدو النوع الأول أن يكون جمودا مطلقا كليا لهذه النصوص، الأمر الذي رفضه معظم فقهاء القانون الدستوري، وليس الفرق بين الحظر -الذي رفضه أنصار هذا الإتجاه- والجمود المطلق الكلي الذي يلحق جميع نصوص الدستور، إلا أن الأول ما هو إلا جزء من الثاني، ولهذا يأخذ حكمة في البطلان.
ويجد النوع الثاني مشروعيته في أنه لا يحرم الأمة ممارسة سلطتها التأسيسية، إنما يأخذ بالحسبان ظروف ممارسة هذه السلطة من ناحية، ومن ناحية ثانية ليس هناك من فارق بينه وبين إبداء الرغبة في تعديل والتصويت على تعديل الدستور، حيث يشترط مرور مدة زمنية معينة بين تقديم إقتراح التعديل والتصويت عليه، وهذا ما لا يختلف الفقهاء حول مشروعيته.
ولعل هذا الإتجاه أكثر منطقية وقبولا من غيره من الإتجاهات الأخرى نظرا للحجج التي قام عليها.
- الإتجاه الخامس: التفرقة بين أثر الحظر على السلطة التأسيسية الأصلية و أثره على السلطة التأسيسية المنشأة : يقوم هذا الإتجاه على أساس التفريق بين قيمة حظر التعديل بالنسبة للسلطة التأسيسية الأصلية، وقيمته بالنسبة للسلطة التأسيسية المنشأة، فالأول عديم القيمة لأن السلطة التأسيسية الأصلية تتمتع دائما باختصاص مطلق ولا يجوز تقييدها، بينما يجب إحترام حظر التعديل من قبل السلطة التأسيسية المنشأة ، لأن الدستور هو من أنشأها ومنحها إختصاصا محددا، فعند ممارستها لهذا الإختصاص يجب إحترام الحدود التي رسمها الدستور لها. غير أن هذا الإتجاه، وإن كان يلقى تأييدا من جانب أساتذة القانون الدستوري في مصر، إلا أنه يثير التساؤل حول حقيقة هذه التفرقة التي تأسس عليها، ففي الحديث عن تعديل الدستور ليس منطقيا أن تقحم السلطة التأسيسية الأصلية في مهمة التعديل، خصوصا أن هناك شبه إتفاق على أن عمل هذه السلطة يكون في حالتين لم يزد الفقه الدستوري عليهما: هما حالة ولادة دولة جديدة، أو حدوث إنقلاب أو ثورة على نحو يحدث تغييرا جذريا في النظام السياسي القائم في الدولة. فالدستور يكون غير موجود في الحالة الأولى ويسقط، أو يصبح غير نافذ في الحالة الثانية. وهذا ما يجعل من البداهة أن السلطة التأسيسية الأصلية لا تقيدها نصوص حظر التعديل ، لأن الدستور ذاته أصبح كأن لم يكن. والقول بأن السلطة التأسيسية المنشأة عليها إحترام حظر التعديل كما جاءت به نصوص الدستور يعني أن هذه النصوص ملزمة، وهو ماذهب إليه أنصار الإتجاه الثاني، الأمر الذي يعني أن هذا الإتجاه لم يأت بجديد. وإذا كان الأمر غير ذلك، فإن هذا الإتجاه يكون قد أدخلنا في حلقة مفرغة، بحيث يجب علينا البحث من جديد في قيمة النصوص التي تحظر التعديل، والأساس القانوني الذي تقوم عليه. وأخيرا لما كان هذا الرأي مبنيا على أساس أن السلطة التأسيسية الأصلية لا تتقيد بالنصوص التي تحظر التعديل، فما الفائدة من تقييد السلطة التأسيسية المنشأة بهذه النصوص، إذ لم يوضح هذا الإتجاه متى تعمل كل من السلطتين، ولم يفرق بينهما. وبتعبير آخر، إذا كان من الممكن اللجوء إلى السلطة التأسيسية المنشأة بحظر التعديل، والأكثر من ذلك ما فائدة وجودها؟.
ينتهي هذا الإتجاه إلى القول بأن تعديل النصوص التي حرم الدستور تعديلها يكون عن طريق السلطة التأسيسية الأصلية. فهذا الأمر لا يكون إلا بعد سقوط الدستور، وهنا لا نكون أما تعديل بل أمام تقنين جديد، لا لنصوص معينة، بل لدستور جديد.

ثالثا- إجراءات تعديل الدستور:
تختلف أيضاً إجراءات تعديل الدساتير، و ذلك تبعاً للنصوص الواردة في كل دستور و تتوقف على اعتبارات سياسية و أخرى فنية، رافقت وضع الدستور.
أما الاعتبارات السياسية فهي الاعتبارات التي تفرضها ضرورة مراعاة طبيعة و شكل نظام الحكم في الدولة. فالدساتير التي تأخذ بالشكل الاتحادي أو الفيدرالي للدولة، تطلب مراعاة أو موافقة الولايات المشكلة للاتحاد. و الدساتير التي تأخذ بالنظام النيابي قد تضع في اعتبارها إشراك الحكومة و البرلمان معاً، و الدساتير التي تأخذ بالنظام الديمقراطي شبه المباشر قد تراعي ضرورة إشراك الشعب و البرلمان في عملية تعديل الدستور. و قد تراعي بعض الدساتير شخص الحاكم كما في الدول التي فصلت دساتيرها على قياس حكامها، و هو حال أغلب الدول غير الديمقراطية، و خصوصاً في العالم الثالث.
أما الاعتبارات الفنية فتتعلق بالأخذ بالمبدأ القانوني العام المتمثل بضرورة تقابل و توازي الأشكال Le principe du parallélisme des formes، و هو الذي يقضي بوجوب اتباع ذات الإجراءات و الشكليات التي اتبعت في إصدار القواعد القانونية، عند تقرير تعديلها. و لذلك فإن بعض الدساتير تسند مهمة تعديل الدستور إلى سلطة مكونة على غرار السلطة التي وضعت الدستور، و وفقاً لنفس الإجراءات. فإذا كان الدستور قد وضع من قبل جمعية تأسيسية فإنه لا يمكن تعديله إلا من قبل جمعية تأسيسية جديدة منتخبة و وفقاً لنفس الإجراءات، و إذا اشترط موافقة الشعب عن طريق الاستفتاء فلا يمكن تعديله إلا بعد عرضه على الشعب في استفتاء دستوري. و لكن هناك الكثير من الدساتير لا تأخذ بمبدأ تقابل و توازي الأشكال، و ذلك رغبة من واضعي الدستور في عدم تعقيد إجراءات تعديله، و خاصةً في حال عدم الأخذ بطريقة الاستفتاء الدستوري. و على الرغم من الاختلاف في الإجراءات المتبعة في تعديل الدساتير، فإن تعديل أي دستور يمر عادةً بأربعة مراحل :
1- مرحلة اقتراح التعديل: : المبادرة باقتراح التعديل قد تتقرر للحكومة وحدها، و قد يتقرر هذا الحق للبرلمان وحده و قد يتقرر هذا الحق للحكومة و البرلمان معا و قد يتقرر هذا الحق للشعب ذاته.
وتقرير حق اقتراح تعديل الدستور لأي من هذه الهيئات أمر يتوقف على مكانة كل منها إزاء الأخرى، ففي ظل الدساتير التي ترمي إلى تحقيق السيطرة السياسية للسلطة التنفيذية وتقويتها على حساب السلطة التشريعية، نجد أن حق اقتراح التعديل يقتصر على الحكومة أو على رئيس الدولة فقط، ومن الدساتير القديمة التي أخذت بهذا الحل، الدستور الفرنسي لعام (1852) (في نابليون الثالث)، الذي نص على أن الاقتراحات المقدمة من قبل مجلس الشيوخ لتعديل الدستور لا يؤخذ بها إلا إذا تبنتها الحكومة (المادة 31 من الباب الرابع) ومن الدساتير الحديثة التي سلكت هذا الاتجاه، الدستور الياباني لعام 1946 ( م72 ) والدستور الأردني لعام1952 (م 126 / ف1)، وكذلك الدستور الجزائري لعام (1976)، إذ نصت لمادة (191) منه على أن لرئيس الجمهورية حق المبادرة باقتراح تعديل الدستور. و إذا كان الدستور يميل إلى رجحان كفة البرلمان و تقويته على السلطة التنفيذية أو على الأقل يجعل منه صاحب الولاية العامة في التشريع فان الدستور يجعل حق المبادرة بالتعديل من اختصاصه وحده، و إذا كان الدستور يميل إلى تحقيق التوازن و التعاون المتبادل بين السلطتين التنفيذية و التشريعية فانه يجعل حق المبادرة مشترك بينهما. و إذا كان الدستور يجعل للشعب مكانا في مجال مباشرة مظاهر الحكم فانه يجعل للشعب فضلا عن البرلمان حق المبادرة بالتعديل.
2- مرحلة الموافقة على التعديل : تعطي غالبية الدساتير للبرلمان سلطة الفصل فيما إذا كانت هناك حاجة ملحة لأجراء التعديل من عدمها، ذلك لأن البرلمان يعتبر أكثر هيئات الدولة صلاحية للبت في ضرورة إجراء التعديل المقترح. وقد أخذت بهذا الاتجاه عدة دساتير منها الدستور السوفيتي النافذ، إذ نصت المادة (174) منه على ذلك بقولها: يعدل دستور الاتحاد السوفيتي بقرار من السوفيت الأعلى في الاتحاد السوفيتي تتخذ أكثرية لا تقل عن ثلثي عدد النواب الإجمالي في كل من مجلسيه. وقد أخذ بهذا الحال القانون الأساسي العراقي لعام (1925) إذ نصت المادة (119) منه على أن كل تعديل يجب أن يوافق عليه كل من مجلسي النواب والأعيان بأكثرية مؤلفة من ثلثي أعضاء كلا المجلسين المذكورين.
3ً - مرحلة إعداد التعديل: إنّ الجهة التي تقدم اقتراح التعديل ليست دائماً هي الجهة التي تعد التعديل. وفي هذا الصدد، تعهد معظم الدساتير إلى البرلمان بمهمة إعداد التعديل مع بعض الشروط الخاصة التي تختلف من دستور إلى آخر. فقد تفرض بعض الدساتير اجتماع البرلمان بمجلسيه في هيئة مؤتمر كالدستور الفرنسي لعام 1785، أو اشتراط حضور نسبة معينة من الأعضاء لصحة جلسات البرلمان، أو تشترط حل البرلمان و انتخاب برلمان جديد يتولى مهمة التعديل، كما في هولندا (دستورها الحالي لعام1983)، والدانمرك ( دستورها الحالي لعام 1953)، و اللوكسمبورغ (دستورها الحالي لعام 1968) مثلاً[10]. و قد توكل بعض الدساتير إعداد التعديل إلى لجنة خاصة، كما هو الحال في إيران في ظل دستورها الحالي لعام 1979 حيث نصت المادة /177/ منه على تشكيل مجلس لإعادة النظر في الدستور. و قد تسند بعض الدساتير هذه المهمة إلى الحكومة، و هذا ما يمكن أن نستشفه من نص المادة /77/ من الدستور اللبناني لعام 1923.
4 - مرحلة الإقرار النهائي للتعديل : هذه المرحلة تعتبر المرحلة الأكثر احتفاليةً La phase la plus solennelle في تعديل الدستور. و بهذا الصدد قد تمنح بعض الدساتير حق الإقرار النهائي للتعديل إلى الشعب يمارسه عن طريق الاستفتاء الدستوري. و مثال ذلك ما نصت عليه المادة /89/ من الدستور الفرنسي الحالي لعام 1958 (في إحدى الحالات)، و ما نصت علية المادة /177/ من الدستور الإيراني لعام 1979، و ما نصت عليه المادة /189/ من دستور جمهورية مصر العربية الحالي لعام 1972، و ما نص عليه الفصل /100/ من دستور المملكة المغربية لعام 1972. و تذهب معظم الدساتير إلى منح البرلمان سلطة إقرار التعديل النهائي للدستور، و ذلك وفقاً لإجراءات خاصة و أغلبية خاصة أو مشددة Une majorité aggravée. و مثال ذلك القانون الأساسي (الدستور) الألماني الحالي لعام 1949 الذي يتطلب موافقة ثلثي الأعضاء في كلا مجلسي البرلمان، و الدستور اليوناني الحالي لعام 1975 الذي يتطلب موافقة ثلاثة أخماس أعضاء مجلس النواب، و اشترط الدستور التونسي لعام 1959 في الفصل /61/ موافقة ثلثي أعضاء مجلس الأمة لإقرار التعديل.
---------
[1] - Georges BURDEAU : ”Traité de Science politique“,Tome IV, 3 rééd., Paris, L.G.D.J., 1980-1987, R.247 et suivant.
[2]- مثال ذلك : نص الدستور اللبناني لعام 1923 في مادته /77/، و نص الدستور التونسي لعام 1959 في الفصل الحادي و الستين، و الدستور الكويتي لعام 1962 الذي ينص في مادته /174/ على إمكانية تعديل الدستور بشرط موافقة الأمير و مجلس الأمة، و لا يعتبر التعديل نافذاً إلا بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس الأمة و تصديق الأمير عليه. كذلك نصت المادة /149/ فقرة /4/ من دستور الجمهورية العربية السورية : “يناقش المجلس (مجلس الشعب) اقتراح التعديل (تعديل الدستور) فإذا أقره المجلس بأكثرية ثلاثة أرباع أعضائه، اعتبر التعديل نهائياً شريطة اقترا

Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: القانون الدستوري - الجزء الرابع

مُساهمة من طرف Admin في السبت 05 يناير 2013, 3:02 pm


[2]- مثال ذلك : نص الدستور اللبناني لعام 1923 في مادته /77/، و نص الدستور التونسي لعام 1959 في الفصل الحادي و الستين، و الدستور الكويتي لعام 1962 الذي ينص في مادته /174/ على إمكانية تعديل الدستور بشرط موافقة الأمير و مجلس الأمة، و لا يعتبر التعديل نافذاً إلا بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس الأمة و تصديق الأمير عليه. كذلك نصت المادة /149/ فقرة /4/ من دستور الجمهورية العربية السورية : “يناقش المجلس (مجلس الشعب) اقتراح التعديل (تعديل الدستور) فإذا أقره المجلس بأكثرية ثلاثة أرباع أعضائه، اعتبر التعديل نهائياً شريطة اقترانه بموافقة رئيس الجمهورية و أدخل في صلب الدستور”.
[3]- هذا ما كان معمول به في فرنسا في ظل دستور الجمهورية الثالثة الصادر عام 1875.
[4]-كما في ألمانيا حيث يشترط القانون الأساسي La Loi Fondamental (الدستور Grundgesetz) الحالي لعام 1949 تصويت مجلسي البرلمان : المجلس الفيدرالي Bundestag و مجلس الأقاليم أو الدويلات Bundesrat بأكثرية الثلثين في كل منهما.
[5]- كالدستور البلجيكي الحالي لعام 1988، حيث فرضت المادة /131/ منه ضرورة انتخاب برلمان جديد يتولى مهمة تعديل الدستور مع الملك، و يشترط لإقرار التعديل حضور ثلثي الأعضاء في كلا المجلسين (اللذين يشكلان البرلمان)، و موافقة أغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين. كذلك فإن الدستور الدانمركي الحالي لعام 1953 يشترط حلاً تلقائياً للبرلمان Filketing و انتخاب آخر جديد يصوت على التعديل، إضافةً لضرورة عرضه على الاستفتاء في مهلة ستة أشهر. كذلك الأمر في الدستور الهولندي الحالي لعام 1983 الذي يتطلب حل مجلس الممثلين الإقليميين، و من ثم تقرر المجالس الجديدة التعديل بأغلبية الأصوات المدلى بها، و اللوكسمبورغ الذي يفرض دستورها الصادر في 17 تشرين الثاني 1968 حل مجلس النواب و من ثم تصويت المجلس الجديد بأكثرية ثلثي الأصوات المدلى بها على التعديل، و ذلك بحضور ثلاثة أرباع النواب على الأقل.
[6]- هذا ما ذهبت إليه المادة الخامسة من دستور الولايات المتحدة الأمريكية التي تشترط لنفاذ التعديل و اعتباره كجزء من الدستور بإحدى طريقتين يقترحها الكونغرس : إما بموافقة المجالس التشريعية لثلاثة أرباع الولايات، أو موافقة المؤتمرات في ثلاثة أرباع الولايات.
[7]-اتبع هذه الطريقة الدستور الفرنسي لعام 1848، و معظم دساتير دويلات الولايات المتحدة الأمريكية، و بعض دساتير دول أمريكا اللاتينية.
[8]-أخذ بهذا التعديل دستور الجمهورية الخامسة لفرنسا لعام 1958 في مادته /89/، و دستور جمهورية مصر العربية لعام 1972 في مادته /189/، و دستور المملكة المغربية لعام 1972، في الفصل /101/ منه.
[9] - قاشي علال، ضوابط التعديل الدستوري، مداخلة ألقيت في الملتقى الدولي حول التعديلات الدستورية في البلدان العربية المنظم بجامعة عمار ثليجي، الأغواط، أيام 5-6-7 ماي 2008.
[10]- انظر حول كيفية تعديل الدستور في جميع الدول الأوربية :
Constance GREWE et Hélène RUIZ FABRI : ”Droits constitutionnels européens“, P.U.F., 1éd.,1995, R.53 et suivant.
------------------


إجراءات التعديل الدستوري والقيود الواردة عليه في الدساتير الجزائرية
أولا :- إجراءات التعديل الدستوري
1- مرحلة المبادرة بالتعديل : بالرجوع إلى الدساتير الجزائرية بداية بدستور 1963 حيث تقضي المادة 71 منه على أن المبادرة بتعديل الدستور ترجع إلى كل من رئيس الجمهورية و الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس الوطني معا، و تبيانا لذلك فان المشرع الدستوري لم يحرص على جموده جمودا كليا لمدة زمنية محددة في إحدى قواعده حيث لا يجوز خلالها محاولة تعديله، بل سمح بإجراء تعديله و ذلك في أي وقت، لكن بشرط أن تتم المبادرة بمشاركة رئيس الجمهورية و الأغلبية المطلقة لنواب المجلس و الملاحظ أن دستور 1963لم يخص رئيس الجمهورية بالمبادرة لوحده. و بذلك يمكن القول بأن سلطة الرئيس تم تقييدها بمشاركة ممثلي الشعب (النواب) في المبادرة بالتعديل. و يبدوا من خلال ما تقدم بأن المشرع الدستوري لم يستبعد بعض المسائل أصلا من إمكانية التعديل كما أنه حاول تقييد حق المبادرة و عدم إطلاقه و بذلك فان دستور 1963 يعتبر دستورا جامدا من حيث إجراءات تعديله. و الدليل على ذلك هو مناقشة المبادرة بالتعديل الدستوري من طرف المجلس الوطني و يكون ذلك تلاوتين و تصويتين.
أما دستور 1976 الصادر بالأمر رقم 76-97 الموافق لـ22 نوفمبر سنة 1976 و المتضمن إصدار دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. حيث تنص المادة 191 منه"لرئيس الجمهورية حق المبادرة باقتراح تعديل الدستور في نطاق الأحكام الواردة في هذا الفصل" و منه نلاحظ أن حق المبادرة بالتعديل لرئيس الجمهورية وحده على عكس دستور 1963. و قد أبقى دستور 1989 على أحقية المبادرة باقتراح التعديل لرئيس الجمهورية لوحده و هذا من خلال نص المادة 163 منه. إلا أن دستور 1996 الصادر عن طريق المرسوم الرئاسي رقم 96-438 الموافق لـ7 ديسمبر سنة 1996 و المتعلق بإصدار نص تعديل الدستور السابق المصادق عليه في استفتاء 28 نوفمبر 1996 . هذا الأخير جاء بالجديد فمن خلال المادة 174 و التي أعطت حق المبادرة بالتعديل الدستوري لرئيس الجمهورية أضافت المادة 177 على حق 3/4 ثلاثة أرباع أعضاء غرفتي البرلمان المجتمعين معا أن يبادروا باقتراح تعديل الدستور على رئيس الجمهورية. بمعنى أعضاء مجلس الأمة المستحدث في دستور 1996 و أعضاء المجلس الشعبي الوطني، و رغم هذا الامتياز الذي منح للسلطة التشريعية إلا أنه لا يوجد مبادرات بالتعديل من طرف البرلمان و كل التعديلات التي عرفتها الدساتير الجزائرية المبادرة فيها للسلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الجمهورية.
2 - مرحلة إقرار التعديل :- أ- إقرار التعديل من طرف البرلمان : إن دستور 1963 و من خلال أحكام تعديله الواردة في المواد من 71 إلى 74 فانه إذا تحقق شرط المبادرة بالتعديل السابق الذكر فان ذلك يستتبع أن تكون هناك تلاوتين لمشروع التعديل تكونان متبوعتان بتصويتان لأعضاء المجلس الوطني بالأغلبية المطلقة مع اشتراط أن يتم الفصل بين التلاوتين و التصويتين مدة شهرين لكن هذا النص من المادة 72 لم يحسب طريقة التلاوتين و التصويتين ذلك أن البرلمان إذا كان رافضا للتعديل الدستوري في المرتين، فليس هناك مشكل يطرح لأن هذا المشروع سوف لن يعرض على استفتاء الشعب و سوف لن يكون هناك مشكل أيضا في حالة اذا كانت التلاوتين و التصويتين بقبول المجلس الشعبي الوطني لهما لأنهما يعرضان حتما على استفتاء الشعب، لكن الإشكال إذا كانت التلاوة الأولى بالرفض و الثانية بالقبول و العكس فهل العبرة بالتصويت الأخير؟ المادة لا تعطينا جوابا عن ذلك و يفترض في هذه الحالة أن الحكم يكون التلاوة الثانية، بمعنى أنه إذا كانت التلاوة الأولى بالرفض و الثانية بالقبول فان مشروع التعديل يعرض على الشعب و العكس.
و بالعودة إلى دستور 1976، و في حالة قيام رئيس الجمهورية بمبادرة التعديل التي لم يبين الدستور الشكل الذي تتم فيه إن كانت جمعية تأسيسية منتخبة من قبل الشعب أو من قبل البرلمان أو لجنة حكومية....فإنها تعرض على البرلمان لإقرار مشروع التعديل بأغلبية 2/3 أعضائه. و قد ميز دستور 1976 بين صورتين من مشروع التعديل، الأولى و هي التي تخص الإطار العام لأية مبادرة بالتعديل، أما الصورة الثانية الخاصة بمشروع تعديل أحكام التعديل التي قيدها المشرع الدستوري أكثر بالنظر إلى أهميتها و اشترط من أجل تحققها توافر 3/4 ثلاثة أرباع أصوات أعضاء البرلمان مع قيد واحد و هو عدم قابلية تعديل نص المادة 195[1]، فمجرد التفكير في مشروع التعديل محظور. إلا أن الملاحظ أن دستور 1989 قد أغفل طريقة التصويت على إقرار التعديل الدستوري في المادة 163 و هو ما جاء به دستور 1996 حيث أن إقرار التعديل يتم بتصويت المجلس الشعبي الوطني و مجلس الأمة بنفس الصيغة حسب الشروط نفسها التي تطبق على نص تشريعي( المادة 174 ).
ب- إقرار التعديل من طرف الشعب : بالرجوع إلى دستور 1963 نجد أن المشرع الدستوري منح حق إقرار التعديل الدستوري لأعضاء المجلس الشعبي الوطني دون الشعب و هو ما سار عليه دستور 1976، أما دستور 1989 منح للشعب إلى جانب المجلس الشعبي الوطني حق إقرار التعديل الدستوري و السؤال الذي يطرح لماذا ألزم المشرع الدستوري موافقة الشعب؟ الجواب سبق و أن أشرنا إليه و هو أنه قد يكون البرلمان فاقد للمصداقية و ثقة الشعب فيه.و مكنت المادة 164 من دستور 1989 رئيس الجمهورية بأن يلجأ إلى تعديل الدستور و يعرضه مباشرة متى أحرز ثلاثة أرباع 3/4 من أصوات أعضاء المجلس الشعبي الوطني شريطة أن لا يمس التعديل المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري و حقوق الإنسان و المواطن و حريتهما، و لا يمس بأي شيء التوازنات الأساسية للسلطات و المؤسسات الدستورية. أما دستور 1996 فقد جعل إقرار التعديل الدستوري للمجلس الشعبي الوطني و مجلس الأمة و يشترط لذلك عرضه على استفتاء الشعب خلال 50 يوما الموالية لإقراره.
3- مرحلة الإقرار النهائي للتعديل : الإقرار النهائي للتعديل الدستوري يكون إما عن طريق الشعب (الاستفتاء الدستوري) و إما عن طريق الهيئة التي أنيطت بها مهمة إعداد التعديل. و أخيرا يكون الإقرار النهائي عن طريق إصدار رئيس الجمهورية للتعديل الدستوري.
أ- الإقرار النهائي عن طريق الاستفتاء الدستوري : تنص المادة 73 من دستور 1963 على: "يعرض مشروع قانون التعديل على مصادقة الشعب عن طريق الاستفتاء " . و الملاحظ أن دستور 1976 لم ينص على الاستفتاء. أما دستور 1989 فقد نص في المادة 165 منه على اشتراط موافقة الشعب بعد إقرار المجلس الشعبي الوطني. و تضيف المادة 166 من نفس الدستور "يصبح القانون الذي يتضمن مشروع التعديل الدستوري لاغيا، إذا رفضه الشعب، و لا يمكن عرضه من جديد على الشعب خلال نفس الفترة التشريعية"و تقابل هذه المادة من دستور 1996 المادة 175.
ب- الإقرار النهائي لذات الهيئة التي أنيطت بها مهمة إعداد التعديل : إن التعديل يجب أن يتم بنفس طريقة وضع الدستور نفسه احتراما لقاعدة توازي الأشكال، فإذا وضع الدستور عن طريق جمعية تأسيسية فيجب إذن إقرار التعديل عن طريق جمعية تأسيسية أو غير ذلك من أساليب الوضع ، و هذا المبدأ أخذ به المشرع الدستوري في دستور 1976 في المادة 193 منه حيث تنص: "إذا تعلق مشروع قانون التعديل بالأحكام الخاصة بتعديل الدستور، فمن الضروري أن يتم الإقرار بأغلبية ثلاثة أرباع المجلس الشعبي الوطني، لا تسري هذه الأحكام على المادة 195 من الدستور التي لا تقبل أي تعديل".
جـ - إصدار رئيس الجمهورية للتعديل الدستوري : بالرجوع إلى دستور 1963 المادة 74 منه فانه يتبين أن إصدار التعديل يكون من طرف رئيس الجمهورية خلال الأيام الثمانية الموالية لتاريخ الاستفتاء، بعد مصادقة الشعب على مشروع التعديل الدستوري. و ينص دستور 1976 في الفصل السادس منه و المعنون بالسلطة التأسيسية في المادة 196: "يصدر رئيس الجمهورية القانون المتعلق بالتعديل الدستوري" و كذلك الحال في دستور 1989 في نص المادة 167. أما دستور 1996 فقد تكلم عن الإصدار في المادة 174 فقرة 2، و تكلم أيضا عن الإصدار في المادة 176 و التي تنص: "إذا ارتأى المجلس الدستوري أن مشروع أي تعديل دستوري لا يمس البتة المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري و حقوق الإنسان و المواطن و حريتهما و لا يمس بأي كيفية التوازنات الأساسية للسلطات و المؤسسات الدستورية، و علل رأيه: أمكن رئيس الجمهورية أن يصدر القانون الذي يتضمن التعديل الدستوري مباشرة دون أن يعرضه على الاستفتاء الشعبي، متى أحرز ثلاثة أرباع 3/4 أصوات أعضاء غرفتي البرلمان". كذلك المادة 177 تتكلم عن الإصدار في حالة ما إذا كانت المبادرة باقتراح التعديل من طرف ثلاثة أرباع 3/4 أعضاء غرفتي البرلمان المجتمعين معا.


ثانيا : - قيود التعديل الدستوري في الدساتير الجزائرية:
1- القيود ذات الصبغة الشكلية
أ- القيود الزمنية : بالرجوع إلى دستور الجزائر لعام 1996، نجد أن المشرع الدستوري الجزائري لم يتناول القيود الزمنية للتعديل الدستوري المنصوص عليه في الباب الرابع في المواد 174 إلى 178. غيرأنه من خلال المادة 88 من دستور 1996 و المنظمة لحالة شغور منصب رئيس الجمهورية و المادة 90 فقرة أولى و التي تنص: "لا يمكن أن تقال أو تعدل الحكومة القائمة إبان حصول مانع لرئيس الجمهورية أو وفاته أو استقالته حتى يشرع رئيس الجمهورية الجديد في ممارسة مهامه". إضافة إلى المواد من 91 إلى 96 المنظمة لحالات الطوارئ و الحرب و الاعتداء على الدولة حيث أنه في هذه الحالات لا يمكن إجراء تعديل دستوري و لا يمكن أن يكون الوصول إلى صيانة الوحدة الوطنية أو المؤسسات الدستورية بتعديل الدستور و لهذا فان فترة تطبيق المادة 93 من القيود الزمنية التي تحول دون تعديل الدستور. و بالرجوع إلى دساتير الجزائر فان نص المادة 59 من دستور 1963 المنظمة للحالة الاستثنائية، والمادة 194 من دستور 1976 و التي تنص: "لا يمكن الشروع في إجراء أي تعديل أو مواصلته اذا كان هناك مساس بسلامة التراب الوطني".
و المادة 84 من دستور 1989 و المنظمة لحالة شغور منصب رئيس الجمهورية و المواد 85 إلى المادة 90 من نفس الدستور (د 1989) و التي تنظم حالات الطوارئ و الحرب. من خلال هذه المواد يمكن اعتبارها كقيود زمنية لتعديل الدساتير الجزائرية.
ب- القيود الإجرائية: من استقراء نصوص المواد 71 إلى 74 من دستور 1963، حيث أن القيود الإجرائية تتمثل في أن المبادرة بالتعديل تكون من طرف رئيس الجمهورية و الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس الوطني، بالإضافة إلى قيد آخر يتمثل في ضرورة إجراء تلاوتين و تصويتين بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس الوطني. و هنا نجد أن المشرع الدستوري الجزائري كان أكثر تشدد في إجراء أي تعديل دستوري و يمكن تفسير ذلك أن الحفاظ على الدولة و المؤسسات من الأولويات ذلك أن الجزائر استقلت عام 1962 و كان من واجب المشرع الدستوري التشدد في إجراءات التعديل الدستوري أما دستور 1976 فقد كان أقل تشددا من حيث الإجراءات بالمقارنة مع دستور 1963 حيث جعل المبادرة حق لرئيس الجمهورية لوحده، يليه إقرار المجلس الشعبي الوطني بأغلبية ثلثي 2/3 أعضائه. و قد نص دستور 1996 على القيود الإجرائية و التي تتمثل في اقتراح التعديل الدستوري كخطوة أولى ممنوحة لرئيس الجمهورية أو أعضاء غرفتي البرلمان و هذا من أجل إقامة توازن بين السلطتين التنفيذية و التشريعية، فإذا بادر البرلمان باقتراح التعديل فانه يشترط أن يكون موقعا من طرف ثلاثة أرباع أعضاء الغرفتين. و في مرحلة أخيرة نجد الاستفتاء الدستوري فإذا وافق الشعب على التعديل أعتبر نافذا من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء و للرئيس الخيار بين اللجوء إلى الاستفتاء أو طلب التصويت على مشروع التعديل من قبل مجلسي البرلمان مجتمعين.
2- القيود ذات الصبغة الموضوعية : ينبغي أن نشير أن دستور الجزائر لعام 1963 لم يشر إلى أي قيد موضوعي للتعديل الدستوري على عكس دستور 1976 في نص المادة 195 و التي سبق الإشارة إليها عند دراستنا لإجراءات التعديل الدستوري في الجزائر و مضمونها يتلخص في أن أي مشروع لتعديل الدستور لا يمكن أن يمس بالصفة الجمهورية للحكم و بدين الدولة، و بالاختيار الاشتراكي و بالحريات الأساسية للمواطن، و بمبدأ التصويت عن طريق الاقتراع العام المباشر و السري و بسلامة التراب الوطني. و جاء في المادتين 164 من دستور 1989 و 176 من دستور 1996 على أنه إذا ارتأى المجلس الدستوري أن أي مشروع لتعديل الدستور لا يمس بالمبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري و حقوق الإنسان و المواطن و حريتها، و لا يمس بأي شيء التوازنات الأساسية للسلطات و المؤسسات الدستورية. في هذه الحالة يمكن لرئيس الجمهورية أن يصدر القانون المتضمن التعديل الدستوري مباشرة دون أن يعرضه على الاستفتاء الشعبي متى أحرز ثلاثة أرباع من أصوات أعضاء الغرفتين معا و تنص المادة: 178 من دستور 1996 على: "لا يمكن أي تعديل دستوري أن يمس:
1- الطابع الجمهوري للدولة،
2- النظام الديمقراطي القائم على التعددية الحزبية،
3- الإسلام باعتباره دين الدولة،
4- العربية باعتبارها اللغة الوطنية و الرسمية،
5- الحريات الأساسية و حقوق الإنسان و المواطن
6- سلامة التراب الوطني و ووحدته"
و أضاف التعديل الجزئي الأخير في نوفمبر 2008 لدستور 1996 في نص المادة الخامسة منه قيدا آخرا و يتمثل في عدم جواز و قابلية تغيير العلم و النشيد الوطنيين باعتبارهما من مكاسب الثورة.


المواد الخاصة بالتعديل الدستوري في دستور 1996
الباب الرّابع : الـتّـعـديـل الـدّسـتـوري
المادة 174 : لرئيس الجمهورية حق المبادرة بالتعديل الدّستوري، وبعد أن يصوّت عليه المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة بنفس الصيغة حسب الشّروط نفسها التي تطبّق على نصّ تشريعي، يعرض التعديل على استفتاء الشّعب خلال الخمسين (50) يوما الموالية لإقراره.
يصدر رئيس الجمهورية التّعديل الدّستوري الذي صادق عليه الشعب.
المادة 175 : يصبح القانون الذي يتضمّن مشروع التعديل الدّستوري لاغيا، إذا رفضه الشعب.
ولا يمكن عرضه من جديد على الشّعب خلال الفترة التشريعيّة.
المادة 176 : إذا ارتأى المجلس الدّستوري أن مشروع أيّ تعديل دستوريّ لا يمسّ البتّة المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري، وحقوق الإنسان والمواطن وحرياتهما، ولا يمسّ بأيّ كيفية التوازنات الأساسية للسّلطات والمؤسسات الدّستوريّة، وعلّل رأيه، أمكن رئيس الجمهورية أن يصدر القانون الذي يتضمّن التّعديل الدّستوري مباشرة دون أن يعرضه على الاستفتاء الشعبي، متى أحرز ثلاثة أرباع (3/4) أصوات أعضاء غرفتي البرلمان.
المادة 177 : يمكن ثلاثة أرباع (3/4) أعضاء غرفتي البرلمان المجتمعتين معا، أن يبادروا باقتراح تعديل الدّستور على رئيس الجمهورية الذي يمكنه عرضه على الاستفتاء الشعبي.
ويصدره في حالة الموافقة عليه.
المادة 178 : لا يمكن أي تعديل دستوري أن يمس :
1 - الطّابع الجمهوري للدولة
2 - النظام الديمقراطي القائم على التّعددية الحزبية
3 - الإسلام باعتباره دين الدّولة
4 - العربية باعتبارها اللغة الوطنية والرسمية
5- الحريات الأساسية وحقوق الإنسان وا لمواطن
6 - سلامة التراب الوطني ووحدته
7 - العلم الوطني والنشيد الوطني باعتبارهما من رموز الثورة والجمهورية ."

------------
[1]- تنص المادة 195:" لا يمكن لأي مشرع لتعديل الدستور أن يمس:
1- بالصفة الجمهورية للحكم.
2- بدين الدولة.
3- بالاختيار الاشتراكي.
4- بالحريات الأساسية للإنسان و المواطن.
5- بمبدأ التصويت عن طريق الاقتراع العام المباشر و السري.
6- بسلامة التراب الوطني."

.../... يتبع

Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: القانون الدستوري - الجزء الرابع

مُساهمة من طرف Admin في السبت 05 يناير 2013, 6:49 pm



β : اساليب تعطيل الدساتير وانقضائها
القواعد الدستورية وضعت لتنظيم ممارسة السلطة في الدولة على ضوء فكرة سياسية واجتماعية واقتصادية معينة. والمفروض في هذه القواعد شأنها في ذلك شأن القواعد القانونية العادية، أن تواكب التطورات المختلفة التي تطرأ على حياة المجتمع السياسي (أي إنها تتأثر بها وتؤثر فيها). ولهذا السبب نرى المشرع الدستوري يتدخل من وقت لآخر من أجل تعديل قواعده الدستورية ولكن هذه التعديلات الجزئية لنصوص الدستور قد تعجز عن مواكبة تلك التطورات المختلفة في الدولة فتنشأ حينذاك فجوة بين النصوص الدستورية والواقع السياسي لا يمكن معالجتها إلا بأجراء تعديل شامل لنصوص الدستور (أي إلغائه) وهناك طريقان لإنهاء الدستور أو إلغائه وهما الطريق الطبيعي أو العادي والطريق غير العادي أو الثوري. ولكن بالإضافة إلى إلغاء الدستور فقد يكون هناك تعطيل للدستور وهذا التعطيل قد يشمل جميع نصوص الدستور أو بعض نصوصه وفيما يلي نلقي الضوء أولاً على تعطيل الدستور ونتكلم ثانياً عن إلغائه.

أولا- تعطيل الدستور:
يعني إيقاف تطبيق القواعد الواردة في الوثيقة الدستورية ، بصورة كلية أو جزئية .
وميز الفقه الدستوري بين نوعين من أنواع تعطيل الدستور : الاول وهو تعطيل الدستور الرسمي، والثاني هو تعطيل الدستور الفعلي
1- تعطيل الدستور الرسمي :- يقصد بتعطيل الدستور الرسمي : وقف العمل بجميع أحكام الدستور أو جزء منها ، بعد أن يتم الاعلان عن ذلك بشكل رسمي وفق الإجراءات والشكليات المقررة في متن الوثيقة الدستورية للدولة .
وقد تختلف الالفاظ الواردة في الدستور على ذلك. وقد تستخدم بعض النصوص الدستورية مصطلحات مختلفة للدلالة على معنى التعطيل الدستوري منها :-
من استعمل مصطلح ( تعليق الدستور Suspension ) ، ومن أمثلة ذلك : الدستور التركي لعام 1982 ، والدستور السوداني لعام 1998 ، ومنها من استعمل مصطلح ( وقف أو إيقاف العمل بالدستور ) ، ومن أمثلة ذلك : الدستور اليوغسلافي لعام 1963 ، والدستور الجزائري لعام 1996 ، ومشروع الدستور العراقي لعام 1990 والبعض الاخر استعمل مصطلح ( تعطيل الدستور ) ، ومن أمثلة ذلك : الدستور البلجيكي لعام 1831 ، والدستور الإماراتي لعام 1973 ، والدستور البحريني لعام 1973 ، والدستور العماني لعام 1996 .
وجدير بالذكر ، أن تعدد المصطلحات ، لا يعني وجود اختلاف وتباين في المعنى ، بل إن تلك المصطلحات حملت معنى واحد ، يفيد : إيقاف تطبيق الأحكام الدستورية صراحة في احوال معينة محددة بالدستور نفسه .
ويتحقق التعطيل الرسمي للدستور ، عندما يلجأ الحكام إلى مثل هذا الإجراء ، بغية معالجة مشكلة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية كحالة الحرب أو العصيان المسلح ، أو وجود خطر داهم يهدد الدولة ويعرقل سير عمل مؤسساتها الدستورية . وهذا الإجراء ليس من شأنه إلغاء الدستور ، أو إلغاء بعض نصوصه بل يؤدي إلى منح إحدى هيئات سلطة الدولة وغالبا ما تكون الهيئة التنفيذية متمثلة برئيس الدولة سلطات استثنائية ،من اجل معالجة تلك الظروف والأزمات، ويكون ذلك على حساب اختصاصات هيئات الدولة الأخرى .
ويمكن إجمال المبادئ التي تحكم سلطة رئيس الدولة في تعطيل الدستور على النحو الآتي :
- المبدأ الأول : حظر تعطيل أي حكم من أحكام الدستور السياسي والدستور الاجتماعي في الظروف العادية التي تحياها الدولة .
- المبدأ الثاني : جواز إيقاف تطبيق بعض نصوص الدستور الاجتماعي ( أي النصوص المتعلقة بالحقوق والحريات ) وبصفة مؤقتة في الظروف غير العادية التي تطرأ على حياة الدولة .
- المبدأ الثالث : التناسب بين مقتضيات الصالح العام مع متطلبات الصالح الخاص .
حيث إن الصالح العام قد يقتضي تحجيم الإطار الذي يتحرك فيه الأفراد لممارسة حقوقهم ، وتحقيق مصالحهم الخاصة ، بوضع بعض الحدود عليها أو حتى إيقاف العمل بها . و لا يحول ذلك دون تحقق التناسب بين الأمرين ، لأن النظام العام والصالح العام يعودان في النهاية بالفائدة والنفع على الجميع وعلى الأفراد ، أي على الكل والجزء ، وبهذا يتحقق التناسب .
ومن أمثلة تعطيل الدستور الرسمي ، هو ما نصت عليه ( المادة 16 )- ضمنيا - من الدستور الفرنسي لعام 1958 والتي منحت رئيس الجمهورية الفرنسية سلطات استثنائية في حالة الضرورة .
وكذلك المادة 96 الفقرة 1 – صراحة - من الدستور الجزائري 1996 اذ نصت: " يوقف العمل بالّدستور مدة حالة الحرب ويتولى رئيس الجمهورية جميع السّلطات " . وكذلك ( المادة 74 ) من الدستور المصري لعام 1971 والتي منحت هي الأخرى رئيس الجمهورية سلطات استثنائية . ورغم أن هذه الدساتير تهدف إلى تركيز السلطات إلى حد ما في أيدي رئيس الدولة إلى أن تنتهي الأزمة الخطيرة التي تتعرض لها الدولة فان الفقه يجمع على انه لا يجوز لرئيس الدولة أن يباشر إجراءات من شانها إلغاء أو تعديل الدستور أو بعض أحكامه ، وبالتالي لا يجوز له سوى وقف العمل ببعض أحكام الدستور . ويستند الفقه في تبرير موافقته على حق رئيس الدولة في إيقاف العمل ببعض أحكام الدستور إلى أن النصوص الدستورية تفترض مشروعية كل إجراء ضروري يتخذه رئيس الدولة للقضاء على الأزمة التي تتعرض لها الدولة حتى ولو اقتضى الامر هذا الاجراء المساس بالدستور . على ان وقف الدستور او بعض احكامه يجب أن يتحقق من تلقاء ذاته بمجرد اللجوء الى تلك السلطات الاستثنائية ، وانما ينبغي أن يصدر قرار صريح بوقف بعض احكام الدستور المحددة على سبيل الحصر .
2- تعطيل الدستور الفعلي : يعني تعطيل الدستور الفعلي وقف العمل ببعض احكام الدستور دون ان يعلن عنه بشكل رسمي ، بل يمكن ملاحظة ذلك من خلال دراسة الواقع السياسي للدولة ومقارنته بالواقع الدستوري فاذا كان هنالك اختلاف بين الواقع الدستوري و الواقع السياسي بشأن موضوع معين فهذا يعني أن هنالك تعطيل فعلي لنصوص الدستور التي تعالج ذلك الموضوع .

ثانيا:- إلغاء الدستور( انقضاء أو نهاية الدساتير ):
نقصد بنهاية الدستور الإلغاء الكلي لجميع أحكامه، و ليس الإلغاء الجزئي لبعض أحكامه و الذي يسمى بتعديل الدستور. و يميز الفقه الدستوري بين أسلوبين في إنهاء أو إلغاء الدساتير : الأسلوب العادي، و الأسلوب غير العادي أو الثوري.
1- الطريق العادي لإلغاء الدستور( الطرق القانونية ) : يراد بالطريق العادي أو الطبيعي أو الرسمي لنهاية الدستور إلغائه بطريق رسمي وإحلال دستور جديد آخر محله ينسجم مع التطورات المختلفة في المجتمع السياسي. والدستور، كما سبق بيان ذلك قد يكون مرناً وجامداً وذلك انطلاقاً من الإجراءات والشكليات المتبعة في تعديل أو إلغاء نصوصه وعلى هذا الأساس نجد أن الدستور المرن يعدل ويلغي بأتباع نفس الإجراءات والشكليات المتبعة في تعديل أو إلغاء القواعد القانونية العادية ومن قبل نفس المشرع العادي، وتعتبر أغلب القواعد الدستورية الإنكليزية المثال التقليدي للدستور المرن اذ يستطيع البرلمان الإنكليزي تعديلها أو إلغاءها بنفس الطريقة التي يتبعها في تعديل أو إلغاء القواعد القانونية العادية. وهذا وتأخذ القواعد الدستورية العرفية وهي في الغالب قواعد مرنة، حكم القواعد القانونية العادية من حيث التعديل أو إلغاء وذلك بنشوء أعراف دستورية جديدة مخالفة للقواعد الدستورية العرفية القائمة أو يكون الإلغاء بتدخل المشرع العادي (كما سبق تبيانه بالنسبة لإنكلترا) وذلك وفقاً للصيغة المتبعة في تعديل أو إلغاء القواعد القانونية العادية. أما بالنسبة للدستور الجامد فأن أمر إلغائه يثير في الواقع أشكالاً من بعض الجوانب. فالإلغاء الجزئي لهذا الدستور (أي التعديل) كما رأينا أمر مسلم به وتنص عليه عادة الدساتير الجامدة مبنية الإجراءات والشكليات الواجب أتباعها في هذا الخصوص وهي تختلف عن تلك المتبعة في تعديل القواعد القانونية العادية. أما التعديل الكلي أو الشامل (الإلغاء) فهو الذي يثير بعض الصعوبات فالدستور الفرنسي للجمهورية الثالثة الصادر في عام (1875) وهو دستور جامد. بين الهيئة المختصة والكيفية الواجب اتباعها في تعديله تعديلاً كلياً (أي الغاءه) بيد أن هذا الدستور يعتبر مثالاً نادراً أو يتيماً في هذا الخصوص ذلك لأن أغلب الدساتير الجامدة لا تنص على تعديلها تعديلاً كاملاً أو إلغاءها. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: هل يجوز للهيئة التي أعطاها الدستور الجامد حق تعديله جزئياً أن تقوم بتعديله كلياً وفقاً للإجراءات المنصوص عليها في؟ يجيب غالبية الفقه عن هذا التساؤل بعدم جواز منح الهيئة التي خولها الدستور حق تعديله جزئياً الحق في تعديله كلياً (أي إلغائه) ويعزو الفقه هذا المنع إلى أن هيئة التعديل الجزئي هي سلطة مشتقة (منشأة) وهي لا تختلف عن بقية الهيئات الأخرى الموجودة في الدولة فأن هي أقدمت على تعديل الدستور تعديلاً شاملاً أو حاولت حتى المساس بفكرته الأساسية، فأنها تكون بذلك قد تجاوزت حدود اختصاصها وجعلت من نفسها سلطة أصلية وهذا الحق لا تملكه أي سلطة منشأة، وانما حق خالص للسلطة الأصلية وهذا يعني إذا تمت إقامة دستور معين من قبل مجلس منتخب (طريقة الجمعية التأسيسية) أو من قبل الشعب مباشرة (طريقة الاستفتاء الدستوري) وأعطى هذا الدستور حق تعديله جزئياً إلى هيئة معينة (كالبرلمان مثلاً) فلا تستطيع هذه الهيئة إجراء تعديل شامل عليه (أي إلغائه) ويجب الرجوع في هذه الحالة إلى السلطة التي أقامت هذا الدستور (أي السلطة الأصلية) ولا يشترط أن تتولى السلطة الأصلية التي وضعت الدستور القديم وضع الدستور الجديد لأنه ليس الضروري أن يوضع الدستور الجديد بنفس الأسلوب الذي نشأ بموجبة الدستور الملغي. فقد يكون الدستور القديم قد تم وضعه بطريقة المنحة أو طريقة التعاقد، بينما يتم الدستور الجديد من قبل مجلس منتخب أو من قبل الشعب مباشرة. وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن الهيئة التي أعطاها الدستور حق تعديله جزئياً لا تمتلك حق تعديله كلياً (أي إلغائه) إلا إذا كانت هذه الهيئة هي نفس الهيئة التي أقامت الدستور. وهذا الكلام لا ينطبق بالضرورة على الدساتير المؤقتة والتي توضع عادة عقب الثورات والانتفاضات الشعبية، فأمر تعديلها أو إلغاءها يعود بطبيعة الحال الهيئة التي قامت بوضعها. هذا ومن الجدير بالذكر أن إلغاء الدستور قد يكون صريحاً أو ضمنياً ويراد بالإلغاء الصريح أن ينص الدستور الجديد بصريح العبارة على إلغاء الدستور القديم، أما الإلغاء الضمني فيعني أن الأحكام والمبادئ التي جاء بها الدستور الجديد تختلف أو تتعارض مع المبادئ والأحكام الواردة في الدستور القديم أو عندما يتناول الدستور الجديد كافة الموضوعات التي تضمنها الدستور القديم بالتنظيم. ومثال ذلك عندما أصدر مجلس قيادة الثورة الدستور المؤقت للجمهورية العراقية في 16/7/1970، وحل هذا محل دستور 21/9/1968، المؤقت دون أن يرد أي نص في الدستور الجديد يتعلق بإلغاء الدستور القديم.
واكتفى قرار مجلس قيادة (الذي صدر بموجب دستور 16/7/1970) بالقول (… إصدار الدستور الجديد ونشره في الجريدة الرسمية ) كما صدر الدستور السوفيتي الحالي في 7/10/1977، ولم يتضمن أي نص يلغي الدستور السوفيتي السابق الصادر في عام 1936.
وأخيراً فإن إلغاء الدستور يفترض وجود ذات الدول وبقاء شخصيتها القانونية. أما إذا قامت دولة جديدة نتيجة لاندماج دولتين في دولة واحدة جديدة، فتظهر نتيجة لذلك شخصية قانونية جديدة وتنتهي الشخصية القانونية للدولتين المندمجتين، ويترتب على ذلك إلغاء الدساتير التي كانت معمول بها، دون التقيد في إلغاءها بالأساليب التقليدية، ويتم وضع دستور جديد للدولة الجديدة وهو الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة التي صدر في 5/3/1958، وإلغاء الدستور المصري لعام (1956) والدستور السوري لعام (1950).
2- الطريق غير العادي لإلغاء الدستور( الطرق غير القانونية ) : إذا كان الإلغاء هو الطريق العادي لنهاية الدستور، فإن الثورة أو الانقلاب يعتبر الأسلوب غير العادي لإيقاف العمل بالدستور وإنهائه، وقد لعبت الثورات والانقلابات في العالم دوراً لا يستهان به إلغاء الدساتير وعلى سبيل المثال نجد أن جميع الدساتير الفرنسية، منذ الثورة الفرنسية وحتى الحرب العالمية الثانية، تم إلغائها بالطريق غير العادي باستثناء دستورين هما دستور عام (1793)، الذي لم يكتب له التطبيق، ودستور الجمهورية الثالثة لعام (1875) الذي الغي عام (1940) بعد احتلال فرنسا وتكوين حكومة (فيشي) برئاسة المارشال (بيتان).
المقصود بالثورة : يقصد بالثورة La Révolution التغيير الشامل و الجذري للنظام السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي للدولة. فالثورة تقوم بإحلال البنية أو الأساس السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي لنظام قانوني جديد في المجتمع، محل البنية أو الأساس السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي لنظام قانوني قديم لنفس المجتمع. و الثورة بهذا المفهوم تختلف عن الانقلاب Le coup-d'Etat[1]، الذي يهدف أساساً لا إلى القلب الجذري للأساس السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي للمجتمع و إحلال محله أساساً اقتصادياً و اجتماعياً و سياسياً كما في حالة الثورة، و إنما يهدف فقط إلى قلب فريق نظام الحكم القديم و إحلال محله فريق حكم جديداً. أي أن الانقلاب يهدف أساساً إلى الاستيلاء على السلطة[2]. و إذا كانت الثورة تختلف عن الانقلاب من وجهة النظر أو الأهداف السياسية، فإنّ الفقه الدستوري لا يميز بين المفهومين من حيث الآثار القانونية. فكل من الثورة و الانقلاب يعملان على تغيير الإطار القانوني القائم و لا سيما الدستوري منه[3].
أثر الثورة على الدستور القائم: لقد طرحت في الواقع عدة آراء فقهية حول الثورة على الدستور القائم، وفيما يلي عرض موجز لهذه الآراء مع الإشارة للرأي الذي نرجحه:
أ- السقوط التلقائي للدستور: يذهب الرأي الأول، ويمثله غالبية الفقه إلى أن نجاح الثورة واستلامها السلطة يؤدي إلى سقوط الدستور فوراً من تلقاء نفسه، ودون حاجة إلى تشريع ما يقرر هذا السقوط. فهدف الثورة أنما هو القضاء على نظام سياسي معين، ومعنى نجاح الثورة هو سقوط هذا النظام السياسي وفقدانه لقوته القانونية التي يستند عليها وهي الدستور. وإذا ما أعلن عن سقوط الدستور من قبل القائمين بالثورة، أو ورد نص في دستور النظام السياسي الجديد يعلن عن سقوط الدستور القديم، فهذا الإعلان أو ذلك النص لا يعتبر منشأ بل مقرراً وكاشفاً لحالة سبق وان وقعت فعلاً بقيام الثورة واستلامها للسلطة.
ب- بقاء القواعد الدستورية المتعلقة بحقوق الأفراد وحرياتهم: يذهب الرأي الثاني إلى أن الثورة لا تلغي النصوص الدستورية المتعلقة بحقوق الأفراد وحرياتهم، ويرى هذا الاتجاه أن هذه الحقوق وتلك الحريات لا تتصل بشكل مباشر بالتنظيم السياسي للدولة، وبالتالي يجب أن تكون واجبة الاحترام لأنها كما يقال، استقرت في ضمير الأفراد وأصبحت أسمى من النصوص الدستورية الوضعية، وهذه النصوص تكون في مجموعها ما يمكن أن يسمى بالدستور الاجتماعي الذي لا يتغير بتغير النظام السياسي في الدولة كما أنه قد نص على هذه الحقوق والحريات في وثيقة دولية وهي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 10/11/1948. وبذلك أصبحت مقررة في نصوص وضعية دولية تجعلها أسمى من الدستور، وغير مرتبطة بوجوده أو إلغائه. وعلى هذا الأساس فأن سقوط الدستور أثر نجاح الثورة يجب إلا يترتب عليه المساس بالنصوص المتعلقة بحقوق الأفراد وحرياتهم.
ج- التمييز بين النصوص الدستورية الموضوعية والشكلية: أما الرأي الثالث فيتميز بين نوعين من الدستورية، من حيث أثر الثورة على الدستور، وهما النصوص الدستورية الموضوعية والنصوص الدستورية الشكلية. فنجاح الثورة واستلامها السلطة يؤدي إلى سقوط النصوص الدستورية الموضوعية، وهي تلك النصوص المتعلقة بالتنظيم السياسي في الدولة. هذا ولا يترتب على نجاح الثورة إلغاء القواعد الدستورية الشكلية، وهي تلك القواعد التي حشرت في صلب الوثيقة الدستورية، لكي تكتسب قدسيتها وثباتها، والتي لا علاقة لها بالتنظيم السياسي في الدولة. وكل ما يترتب على نجاح الثورة بالنسبة لهذه القواعد هو تجريدها من صفتها الدستورية (أي نزع صبغتها الدستورية) وتصبح قواعد قانونية عادية، ومثال ذلك المادة الخامسة من الدستور الفرنسي لعام (1848) والتي كانت تنص على إلغاء عقوبة الإعدام في المسائل السياسة، فهذه المادة ظلت نافذة المفعول برغم من سقوط الدستور بعد الحركة الانقلابية في عام (1851)، ولكن باعتبارها قاعدة قانونية عادية بعد أن فقدت صفتها الدستورية.
ومثال ذلك المادة (75) من دستور فرنسا للسنة الثامنة والتي كانت تنص على أنه لا يجوز مساءلة الموظفين مدنياُ عن أعمال تتعلق بوظائفهم إلا بأذن من مجلس الدولة فقد أستمر العمل بهذا النص بالرغم من سقوط دستور السنة الثامنة الذي احتواه، وظل قائماً في ظل كافة الدساتير اللاحقة، إلى أن ألغي بمرسوم صدر في عام (1870) من حكومة الدفاع الوطني.
د- إلغاء الدستور يتوقف على أرادة القائمين بالثورة : أما الرأي الرابع والأخير فيذهب إلى القول أن فعل الاستيلاء على السلطة بحد ذاته لا يلغي الدستور، أنما الذي يلغي القواعد الدستورية هم الحكام الجدد. فعلى أرادتهم الصريحة أو الضمنية يتوقف مصير الدستور. وعليه لتحديد الثورة على الدستور لابد من الانطلاق من المبدأ القائل أن الدستور يبقى نافذ المفعول طالما لم يظهر الحكام الجدد أرادتهم الصريحة أو الضمنية لإلغاء الدستور كلا أو جزأ. وعلى هذا الأساس يكون تقدير تأثير الثورة على الدستور بعد قيام الثورة واستلامها للسلطة أي أن هذا التقرير يكون لاحقاً على الثورة، لأن هذا الاتجاه يعترف بأن الثورة لا تلغي الدستور بصورة تلقائية، بل أن النظام السياسي الجديد هو الذي يبت في إلغائه الكلي أو الجزئي أو في الإبقاء عليه. وقد تبنى هذا الاتجاه عدد من الفقهاء، منهم الفقيه (دكي) الذي يعتبر القوة الملغية للثورات تقتصر على النصوص التي تحكم شكل الحكومات، ويؤكد بأن هناك عدة مواد كانت موجودة فيما مضى في الدستور، استمرت متمتعة بقوة القانون بعد إلغاء النص الذي كان يحويها. والفقيه (جيز) يعتبر أن الثورة تلغي بالفعل نفسه وبحكم القانون، كل القواعد السياسية والإدارية المناقضة للنظام السياسي الجديد، بمعنى أن الثورة ليست هي التي تلغي القواعد السياسية والإدارية، بل هو النظام السياسي الجديد. وعمليه الإلغاء تقتصر على القواعد الدستورية التي تتنافى مع النظام السياسي الجديد دون غيرها. في الواقع نرجح الأخذ بهذا الاتجاه، الذي يذهب إلى أن النظام الجديد الذي يسود بعد نجاح الثورة هو، وليس الثورة، الذي يلغي النصوص الدستورية التي لا تتماشى ولا تنسجم مع اتجاهاته، وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن الثورة لا تعتبر بذاتها وسيلة لإلغاء الدستور، لأنه قد يحصل أحيانا نجاح حركة ثورية ولا يجد القائمون بها سبباً لإلغاء الدستور القائم طالما أنهم يستطيعون الالتفاف على أحكامه أو التحايل عليه لخدمة أهدافهم. فعندما قامت الحركة الفاشستية واستولى (موسوليني) على السلطة في إيطاليا عام (1922)، احتفظ نظامه بالملكية وبمجلس البرلمان، وتم أقامت المنظمات الفاشستية الجديدة بموجب الفاشستية الجديدة بموجب قوانين صادق عليها البرلمان، وقد تم كل ذلك وفقاً للإجراءات والشكليات المنصوص عليها في الدستور الإيطالي لعام (1848). وعندما قامت الحركة النازية في ألمانيا، قبل الحرب العالمية الثانية، واستلامها السلطة، تم البقاء على دستور (فايمر) الألماني لعام (1919)، الذي استمر تطبيقه (نظرياً) طيلة الحكم النازي لألمانيا.
هذا وهناك أمثلة كثيرة على ثورات أطاحت بأنظمة سياسية ولكنها لم تسقط دساتير تلك الأنظمة، وفي بعض الأحيان احتفظت الثورات ببعض الهيئات التي كانت من أدوات النظام السابق، وخاصة الهيئات ذات الطبيعة النيابية. فالبرلمان الفرنسي الذي كان قائماً قبل ثورة تموز من عام (1830) ظل باقياً بعد ثورة، لأن مجلس النواب هو الذي قاد الثورة. وكذلك الأمر بالنسبة لحركة الثورة التي قامت في بلجيكا عام (1952) وأدت إلى عزل الملك البلجيكي. وثورة 23/7/1952، المصرية لم تلغي دستور عام (1923)، وهو الدستور الذي كان قائماً قبل الثورة. ولقد جاء في بيان القائد العام للقوات المسلحة في يوم الثورة: … وأنني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور …، وفي 10/12/1952، صدر إعلان دستوري يقضي بإلغاء دستور عام (1923)لأنه أصبح لا ينسجم مع النظام السياسي الجديد.
هذا وأيا كان أسلوب إلغاء الدستور، عادياً أو ثورياً، صريحاً أو ضمنياً، لا يمس هذا الإلغاء القواعد القانونية العادية المطبقة في الدولة، كقواعد القانون المدني والتجاري والجنائي والقوانين المالية..الخ. وهناك اتفاق في فقه القانون الدستوري بأنه لا يترتب على نجاح الثورة أي مساس بتلك القواعد، وتبقى نافذة المفعول إلى أن يتم إلغاؤها أو تعديلها من قبل المشرع الجديد، سواء بطريق صريح أو بطريق ضمني. وهذا يتوقف بطبيعة الحال، على الفلسفة القانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي جاءت بها الثورة ومدى انسجام أو تعارض تلك التشريعات مع هذه الفلسفة. وبقاء هذه التشريعات وعدم تأثرها بالثورة يعتبر نتيجة منطقية لمبدأ مقرر ومسلم به وهو مبدأ استمرارية الدولة بالرغم ما يتتابع عليها من أنظمة سياسية.
- أثار الإنهاء أو الإلغاء.
1- بالنسبة للنظام السياسي: إن إلغاء أو إنهاء الدستور قد يضع حدا لنظام سياسي سابق مثل إلغاء دستور 1946 في فرنسا الذي و ضع حدا للجمهورية الرابعة، كذلك إلغاء دستور إيران ووضع أخــر محله سنة 1979 الذي كان له أثر على المستوى السياسي.
2- بالنسبة للدولة : إن إلغاء الدستور لا يمس و جود الدولة رغم تغيير النظام السياسي، و لكنه قــد يؤدي إلى تغيير شكل الدولة من بسيطة إلى مركبة، و هذا كاستثناء فقط ( وحدة مصــر و سورية.)، أما ما عدا ذلك فتبقى الدولة قائمة رغم تغيير النظام السياسي و هذا ما يبرز إلتزاماتها بالمعاهدات الدولية المبرمة في السابق ( إيران ) ، و عادة مــا يسارع الحكام الجدد الى إعلان التزامهم بذلك ( ما عدا في عهد الاتحاد السوفياتي سابقا.).
3 - أسلوب العرف:
وذلك أن العرف قـد يجـرى بعـدم تطبـيق الدستـور؛ نظرا لظروف تقتضي عدم تطبيقه، فالدستور موجود ولم يلغ، ولم يطالب أحد بإلغائه، ولكن يستقر العرف بعدم تطبيق نصوصه، وذلك مثل العرف الذي جرى بعـدم تطبيق الدستور الثـاني للثورة الفرنسـية الصـادر سنة 1793م، ويختلف الفقهاء في أثر العرف على الدستور القائم على رأيين: أحدهما يرى جوازه إذا توافرت أركان العرف المادية والمعنوية، والثاني يرى عدم الجواز، ويقولون: إن النصوص الدستورية لا تلغى بعدم التطبيق، وإنما بالطريقة نفسها التي وجدت بها
---------
[1]- يميز بعض الفقهاء بين الثورة و الانقلاب من حيث الجهة التي تعتبر مصدر الحركة : فالثورة برأيهم يقوم بها الشعب، أما الانقلاب فتقوم به فئة معينة من الهيئات الحاكمة ضد السلطة الحاكمة.
[2]- الأمثلة على الثورات في العالم كثيرة : الثورة الفرنسية عام 1789، و الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، و الثورة الصينية عام 1949، و ثورة 23 تموز 1952 في مصر، و ثورة 8 آذار 1963 في سورية، و الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979،…الخ. أما الانقلابات فالأمثلة عليها كثيرة فيكفي قراءة التاريخ السياسي المعاصر و الحديث لدول العالم الثالث و خاصةً في دول أمريكا اللاتينية، و الدول الأفريقية، و بعض الدول العربية، لتعداد العشرات منها.
[3]- يميز بعض الفقهاء بين الثورة الجزئية أو الصغرى La Révolution partielle ou mineure و الثورة الكاملة أو الشاملة La Révolution intégrale. فالثورة الجزئية هي الثورة التي تنحصر آثارها في تغيير النظام السياسي، و مثال ذلك الثورة الفرنسية لعام 1789، التي انحصر هدفها في تغيير النظام الملكي و إحلال النظام الجمهوري محله، دون أن يكون لها أية أهداف اقتصادية و اجتماعية. أما الثورة الكاملة، فهي التي لا تنحصر آثارها في الجانب السياسي و إنما تأتي شاملة لتغيير جميع الجوانب السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية للمجتمع كالثورة البلشفية في روسيا عام 1917، و الثورة الصينية عام 1949.


.../... يتبع

Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: القانون الدستوري - الجزء الرابع

مُساهمة من طرف Admin في السبت 05 يناير 2013, 7:06 pm



الفصل الثاني :
ضمانات حماية الدستور وتطبيقه
وبما أن الدستور الذي يحدد السلطات واختصاصاتها ويبين مختلف العلاقات في الدولة، كان لابد من إقرار ضمانات تكفل حسن تطبيقه وحمايته ، وتتوزع هذه الضمانات بين ضمانات قانونية و أخرى واقعية ، ومن بين أهم الضمانات التي يتناولها الفقه الدستوري الوضعي مبدأ سمو الدستور وتدرج القوانين ، والرقابة على دستورية القوانين والرقابة الشعبية ومبدأ الفصل بين السلطات.

المبحث الاول: - مبدأ سمو الدستوروالاستثناء الوارد عليه
أولا : مبدأ سمو الدستور
ويقصد بمبدأ سمو الدستور: علو القواعد الدستورية على غيرها من القواعد القانونية المطبقة في الدولة، وهذا يعني أن أي قانون تصدره الدولة يجب إلا يكون مخالفا للدستور، ولا فرق في كون الدستور مكتوباً أو عرفياً.
ويراد بسمو الدستور أيضاً إن النظام القانوني للدولة بأكمله يكون محكوماً بالقواعد الدستورية، إن آية سلطة من سلطات الدولة لا يمكن أن تمارس إلا السلطة التي خولها إياها الدستور وبالحدود التي رسمها. ويعتبر مبدأ السمو من المبادئ المسلم بها في فقه القانون الدستوري حتى في حالة عدم النص عليه في صلب الوثيقة الدستورية. تجد فكرة سمو الدستور، في الواقع أساسها في كتابات مفكري نظرية العقد الاجتماعي في القرنين السابع عشر والثامن عشر الأوربي (إلا إنها لم تتبلور كمبدأ في عالم الواقع والقانوني) إلا بعد انتصار الثورتين الأمريكية والفرنسية. وقد أعلن المبدأ لأول مرة في الدستور الأمريكي لعام 1787، حيث نصت المادة (6) منه على أن: (يكون هذا الدستور وقوانين الولايات المتحدة التي تصدر بموجبه، وجميع المعاهدات المبرمة أو التي ستبرم بموجب سلطة الولايات المتحدة، القانون الأعلى للبلاد، ويلزم بذلك القضاة في كل ولاية بغض النظر عما يناقض هذا في دستور أو قوانين أية ولاية). وبعد الثورة الفرنسية ساد مبدأ سمو الدستور في الفقه الدستوري الأوربي ومن الدساتير الأوربية التي نصت علية صراحة الدستور التشيكوسلوفاكي لعام 1920، وكذلك الدستور الإيطالي عام 1947، إذ نصت هذه الدساتير على أنها تتمتع بقوة تكون ملزمة لجميع السلطات العامة في الدولة. غير أن مبدأ سمو الدستور لم يقتصر فقط على دساتير الديمقراطيات الغربية، بل أمتد وشمل دساتير الدول الاشتراكية أيضاً ومنها دستور الاتحاد السوفيتي لعام 1977، إذ نصت المادة (173) منه على أن ( الدستور الاتحاد السوفيتي قوة القانون الأعلى – وجميع القوانين وسائر مقررات هيئات الدولة تصدر على أساس دستور الاتحاد السوفيتي ووفقاً له). وقد نصت الفقرة (3) من المادة (88) من دستور ألمانيا الديمقراطي الصادر في نيسان عام 1968، على أنه (لا يجوز للتعاليم القانونية أن تتعارض مع الدستور. ويقرر مجلس الشعب صحة دستورية التعليم القانونية في حالة الشك فيها). هذا وقد تبنت دساتير دول العالم الثالث مبدأ سمو الدستور ونصت عليه بعض دساتيرها، من ذلك دستور جمهورية الصومال الصادر في عام 1960، حيث أوجبت المادة (98) منه ضرورة مطابقة القوانين لأحكام الدستور وألزمت جميع الهيئات الحاكمة وجميع الأشخاص التابعين للدولة بالحفاظ على الدستور. وكذلك نصت المادة (3) من دستور السودان الانتقالي لعام 1985، على أن ( تسود أحكام هذا الدستور على جميع لقوانينه ويلغى من أحكام هذه القوانين ما يتعارض مع أحكام هذا الدستور بالقدر الذي يزيل ذلك التعارض).
- أما الدستور الجزائري 1996 : فقد نص صراحة على هذا السمو ، إذ جاء في ديباجة الدستور 1996 ( إن الدستور فوق الجميع ، وهو القانون الأساسي الذي يضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية، ويحمي مبدأ حرية اختيار الشعب، ويضفي الشرعية على ممارسة السلطات ويكفل الحماية القانونية ورقابة عمل السلطات العمومية في مجتمع تسوده الشرعية ويتحقق فيه تفتح الإنسان بكل أبعاده ). وجاء في المادة 182 من دستور 1996 انه "يصدر رئيس الجمهورية نص التعديل الدستوري الذي أقره الشعب، وينفذ كقانون أساسي للجمهورية".
- نتائج سمو الدستور
1- تكون قواعد الدستور أكثر ثباتا من القواعد القانونية العادية .
2- لا يمكن إلغاء القواعد الدستورية إلا بقواعد دستورية .
3- وجوب انسجام القواعد القانونية العادية مع القواعد الدستورية وعدم تعارضها معها .
وسمو الدستور قد يكون سموا موضوعياً (مادياً) وقد يكون سموا شكلياً:
- 1 السمو الموضوعي أو المادي للدستور: القواعد الدستورية تبين وتنظم من ناحية طريقة ممارسة السلطة في الدولة، وهي من ناحية أخرى تبين وتحدد الفلسفة والأساس الأيديولوجي الذي يقوم عليه النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة، ومن هذا المنطلق يجب أن يكون نشاط الحكام وهيئات الدولة المختلفة محكوماً بذلك الأساس في كل ما يصدر منه من قوانين وأنشطة مختلفة، لأن خروج الحكام وهيئات الدولة عن الأساس النظري للقواعد الدستورية يعتبر هدفاً لسند وجود تلك الهيئات وللأساس القانوني لاختصاصها وبالتالي يعتبر مساساً بجوهر الدستور وانتهاكا لسموه الموضوعي أو المادي. والملاحظ إن السمو الموضوعي للدستور لا يقتصر على الدستور الجامد، بل يظهر كذلك في الدستور المرن. ذلك لأن المشرع العادي وان كان يملك حق تعديل نصوص الدستور المرن بنفس إجراءات تعديل القانون العادي، إلا أنه ملزم دائماً باحترام الأساس النظري الذي يقوم عليه الدستور.
- نتائج السمو الموضوعي: ويترتب على مبدأ السمو المادي للدستور عدة نتائج مهمة، منها: أن القواعد الدستورية ملزمة لجميع هيئات الدولة وأن أي نشاط يكون مخالفاً لهذه القواعد لا يتمتع بأي أثر قانوني لأنه يمس مبدأ المشروعية الذي يعني وجوب احترام القوانين العادية الصادرة عن السلطة التشريعية والالتزام بها وضرورة مطابقة تلك القوانين للنصوص الدستورية. وبما أن الدستور هو مصدر جميع السلطات العامة في الدولة، فهذا يعني أن هذه السلطات (رئيس دولة، مجالس تشريعية إلخ…) لا تمارس حقاً شخصياً تتصرف به كما تشاء، وانما تمارس وظيفة تحددها النصوص الدستورية وتبين شروطها ومداها، وينتج عن ذلك ان هذه السلطات لا تستطيع تفويض غيرها في ممارسة اختصاصها إلا في حالة إباحة الدستور للتفويض بنص خاص وذلك عملاً بالمبدأ الذي يقول: (الاختصاصات المفوضة لا تقبل التفويض). هذا وان مبدأ سمو الدستور لا ينتج أثره القانوني ما لم تنظم وسائل تكفل احترامه، أي بتنظيم الرقابة على دستورية القوانين. ولا يمكن تنظيم هذه الرقابة ما لم يتحقق للدستور السمو الشكلي بجانب السمو الموضوعي.
2- السمو الشكلي للدستور:- يتحقق السمو الشكلي للدستور إذا كانت الإجراءات المتبعة في تعديله تختلف عن إجراءات تعديل القانون العادي، وهذه الإجراءات تكون أشد صعوبة واكثر تعقيداً من تلك المتبعة في تعديل القانون العادي. وعلى هذا الأساس لا يتحقق السمو الشكلي إلا بالنسبة للدساتير الجامدة فقط، لأن إجراءات تعديلها، كما ستمر بنا تختلف عن إجراءات تعديل القانون العادي. فصفة الجمود أذن هي التي تسبغ على الدستور سموا شكلياً على القوانين العادية إضافة إلى السمو الموضوعي. والسمو الشكلي يشمل جميع القواعد التي تتضمنها الوثيقة الدستورية سواء كانت قواعد دستورية موضوعية أو قواعد شكلية، ولا يمتد هذا السمو إلى القواعد القانونية العادية وان كانت هذه القواعد ذات طبيعة دستورية. (فالعبرة أذن في السمو بشكل القاعدة لا بمضمونها).
وتبعاً لذلك لا يتحقق السمو الشكلي للدساتير المرنة، بالرغم من تمتعها بالسمو الموضوعي، ولذلك بالنظر لعدم وجود فرق بين القواعد الدستورية المرنة والقانون العادي من الناحية الشكلية، لأن إجراءات تعديل الدستور المرن والقانون العادي واحدة. نخلص مما تقدم إلى أن الدساتير الجامدة وحدها تتمتع بالسمو الموضوعي والشكلي معاً أما الدساتير المرنة فلا تتمتع إلا بالسمو الموضوعي فقط دون السمو الشكلي.
- نتائج السمو الشكلي : يكون الدستور في قمة الهرم القانوني في الدولة ، بحيث لايمكن للهيئة التشريعية ان تسن قوانين تخالفه . يشمل السمو الشكلي جميع قواعد الدستور الموضوعية والشكلية ، لأن إجراءات التعديل تشملها جميعا . عدم تحقق السمو الشكلي للدساتير المرنة ، لأن الهيئة التشريعية تعدله بنفس إجراءات تعديل القانون العادي .

ثانيا :- استثناءات مبدأ سمو الدستور ( نظرية الضرورة )
تستند هذه النظرية على قاعدة : ( إن سلامة الشعب فوق القانون ) و (الضرورة تقدر بقدرها ) .
مفهوم حالة الضرورة وطبيعتها الاستثنائية وموقف الفقه منها ([1])
أصبحت نظرية الضرورة في الوقت الحالي جزءاً لا يتجزأ من النظام القانوني لأي دولة ديمقراطية، حيث أصبح من المستحيل على أي نظام ديمقراطي أن يعيش بغير وجود هذه النظرية بتطبيقاتها المتعددة.
إذ يصعب على أي نظام ديمقراطي يواجه أعباء السلطة ومشاكلها دون الاستعانة بهذه النظرية، وذلك باعتبارها آلية قانونية استثنائية تبيح للسلطة التنفيذية التصدي لما يطرأ على الساحة من حوادث وظروف غير عادية، تعجز القوانين القائمة عن مواجهتها. حيث تفترض هذه النظرية قيام خطر جسيم وحال يهدد كيان الدولة وأنظمتها، ولا تجدي القواعد القانونية التي وضعت للظروف العادية في مواجهته، ويعني هذا أن نظرية الضرورة تقوم على التعارض بين اعتبارين: المحافظة على كيان الدولة وسلامتها من ناحية، ووجوب احترام قواعد القانون من ناحية أخرى.
1- مفهوم حالة الضرورة: تقوم فكرة حالة الضرورة على أساس وجود ظروف استثنائية تستدعي تركيز كافة السلطات والاختصاصات في الدولة في أيدي جهاز أو شخص واحد، يقوم بتلك السلطات في ظل الظروف الاستثنائية العصيبة (غالباً ما يكون دفاعاً عن المصالح الحيوية التي تتهددها الأخطار في تلك الظروف). وفي هذا السياق، فقد استقرت غالبية فقه القانون على وجود خطر جسيم وحال يهدد كيان الدولة أو سلامتها، بحيث لا تجدي القواعد القانونية القائمة لمواجهته(3).
كما يمكن القول بأن نظرية الضرورة تفترض، بل تتطلب توافر حدث غير عادي ينذر بتهديد جاد ومؤثر على سير المؤسسات الدستورية، الأمر الذي يتطلب اتخاذ اجراءات عاجلة للمحافظة على كيان الدولة، والمواطنين، وصالح الأمة. وهو ما يفسر بالتالي إمكانية ممارسة السلطة التنفيذية لتدابير، أو لسلطات لا تندرج ضمن اختصاصاتها الأصلية الواردة في صلب الدستور. وفي اعتقادنا، إنه يمكن إدراج نظرية الضرورة الدستورية إلى اعتبارين أساسيين، أولهما: قانوني، ويرجع إلى نصوص الدستور، والثاني: عملي، ويمكن رده إلى وجوب مواجهة الأزمات الاستثنائية والمخاطر التي قد تهدد قيام الدولة ومؤسساتها ومصلحتها العليا واحتوائها. وقد حرص المشرِّع الدستوري الأردني على إقرار نظرية الضرورة وتطبيقها، وذلك كنوع من تقنين التطبيقات العملية للنظرية ووضع الضوابط الخاصة بها وشروط تطبيقها. وقد واجه الدستور الأردني لعام 1952 حالة الضرورة، فنص في المادة 124 منه على أنه "إذا حدث ما يستدعي الدفاع عن الوطن في حالة وقوع طوارئ فيصدر قانون باسم قانون الدفاع تعطى بموجبه الصلاحية إلى الشخص الذي يعنيه القانون لاتخاذ التدابير والاجراءات الضرورية، بما في ذلك صلاحية وقف قوانين الدولة العادية لتأمين الدفاع عن الوطن، ويكون قانون الدفاع نافذ المفعول عندما يعلن عن ذلك بإرادة ملكية تصدر بناءً على قرار من مجلس الوزراء. ويجب أن يكون الغرض من هذه الاجراءات هو تمكين السلطات العامة الدستورية من القيام بمهمتها في أقرب وقت". وقد تصدر لوائح الضرورة لمواجهة ما لا يحتمل التأخير من الأمور في فترة غيبة البرلمان، ويكون لها قوة القانون، ويطلق عليها الفقهاء تسميات متعددة، إذ يذهب الفقه في تحديد معنى لوائح الضرورة إلى مذاهب مختلفة:
فالبعض يرى أنه يمكن إطلاق مصطلح لوائح الضرورة على نوعين من اللوائح : أولها: لوائح الاستعجال، أما الثاني: فهي لوائح الطوارئ، ويطلق التعبير الأول على اللوائح التي يمكن للإدارة إصدارها، بغرض اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، فيما بين أدوار انعقاد البرلمان أو في فترة حله، إذا كان ذلك ضرورياً لمواجهة مقتضيات ما يمكن أن يسمى بحالة الاستعجال أو الإسراع، وذلك مع مراعاة ما يورده الدستور من قيود في هذا المجال(4)، ويقضي الدستور الأردني الحالي بتمتع السلطة التنفيذية بالحق في التشريع عن طريق إصدار قوانين مؤقتة تتمتع بقوة القانون بغية اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير فيما بين أدوار الانعقاد أو في فترة حله، إذا كان ذلك ضرورياً لمواجهة مقتضيات السرعة والاستعجال(5).
2- موقف الفقه من نظرية الضرورة: - نالت نظرية الضرورة اهتماماً من جانب فقه القانون الوضعي (وبخاصة فقه القانون العام المقارن)، إلا أنهم قد انقسموا إلى اتجاهين، لكل منهما أفكاره وأسانيده، وذلك قبل أن تستقر هذه النظرية في قضاء مجلس الدولة الفرنسي. ونعرض لهذين الاتجاهين فيما يلي:
الاتجاه الأول: نظرية الضرورة نظرية قانونية ( النظرية الألمانية ) ينسب للفقه الألماني الفضل في محاولة إسباغ الطابع القانوني على نظرية الضرورة،فالضرورة لدى هذا الفقه تعد مصدرا غير مشروط للقواعد القانونية، ومن ثم أطلق على هذه النظرية وصف "النظرية القانونية للضرورة"(6) ويستند الفقه الألماني في تأسيسه لهذه النظرية على أن يوجد إلى جوار القانون المكتوب قانون آخر غير مكتوب يعطي للدولة الحق في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للمحافظة على سلامتها ولو أدى هذا إلى مخالفة القوانين القائمة(7). والملاحظ، أيضاً، أن بعض الرواد في فقه القانون العام الفرنسي وعلى رأسهم العلامة دوجي Duguitنادى هو الآخر باعتبار أن نظرية الضرورة نظرية قانونية، ووفقا لرؤية العلامة (دوجي) فإنه يحق للسلطة التنفيذية إصدار لوائح لها قوة القانون. في الظروف الاستثنائية، وذلك بشرط ألا يكون البرلمان مجتمعا وأن يكون من الضروري اتخاذ إجراءات سريعة لمواجهة هذه الظروف دون انتظار لدعوة البرلمان للانعقاد، وأن تقوم الحكومة بعرض اللوائح التي تصدرها على البرلمان لمجرد أن يكون ذلك ممكنا(Cool. وفي ضوء ذلك، فإن رأي العميد "دوجي" وتصوره لنظرية الضرورة يقوم على اعتبارها نظرية قانونية تخضع لحكم الضرورات العملية، فترد استثناء على الجانب الشكلي لمبدأ المشروعية نزولا على مقتضى بعض الضرورات، ولكن هذا النزول يظل دائما محاطاً بالشروط والضوابط المحددة، وليس طليقا من كل قيد كما يرى الفقه الألماني.
وعليه، فإن الباحث يرى أن اللجوء إلى القوانين المؤقتة والعمل بها يستدعي توافر كافة الدواعي التي تتطلبها العلامة "ديجي"، وهي أن تكون هناك ضرورة قصوى تستدعي إصدار هذه القوانين المؤقتة، وإن عدم إصدارها يهدد الأمن الوطني،إضافة إلى ضرورة أن تكون تلك القوانين المؤقتة متناسبة مع الظروف الطارئة التي تواجه الوطن. ويترتب على ذلك :
- نظرية الضرورة حق لهيئات الدولة .
- الأعمال والإجراءات المتخذة من قبلها سليمة ومشروعة لأنها تحقق هدف النظام القانوني النهائي
- عدم تحميل هيئات الدولة مسؤولية تلك الأعمال المتخذة في الظروف الاستثنائية .
- لايحق للمواطنين المطالبة بالتعويض عما يلحق بهم من أضرار ناجمة عن تلك الأعمال الحكومية
الاتجاه الثاني: نظرية الضرورة نظرية سياسية ( النظرية الفرنسية ) :-
أما الاتجاه الثاني: في الفقه الفرنسي، والذي يجعل نظرية الضرورة نظرية واقعية وليس نظرية قانونية، فهو يرى أن الضرورة لا تخلق قواعد قانونية، ولا تحل محل القوانين القائمة،وأن الحكومة إذا اتخذت، تحت ضغط الضرورة، إجراءات تخالف الأنظمة القانونية القائمة فإن هذه الإجراءات تعد غير مشروعة، ولا تصبح مشروعة أبدا لأنها تكون باطلة بطلانا مطلقا لا يقبل الإجازة من أية سلطة كانت،فالدولة ينبغي أن تلتزم بمبدأ المشروعة، ليس فقط في الظروف العادية، وإنما كذلك في الأزمات والظروف الاستثنائية.
فقد ذهب الأستاذ Esmien إلى القول بأن الضرورة ليست نظرية قانونية يجوز الاستناد إليها للخروج على أحكام الدستور والقانون عندما يتهدد الدولة خطرا داهم لا يكون له دفع بغير هذا الخروج.كما يرى بأن المحافظة على سلامة الدولة واجب قومي يلتزم به الجميع ولا يستلزم التضحية بالشرعية القانونية، فالواقع هو الذي يفرض ذلك وليس القانون. وكل ما في الأمر أنه يمكن للحكومة أن تتجنب المسؤولية الناشئة عن مخالفتها للقانون بأن تعرض على البرلمان الإجراءات التي اتخذتها، وتطلب منه أن يعفيها من المسؤولية بواسطة قانون التضمينات(9). كما رفض الفقيهان Parttielemy et Duez الاعتراف بنظرية الضرورة كنظرية قانونية، وأكدا على أن مبدأ المشروعية هو الذي يجب أن يسود حتى في ظل الظروف الشاذة(10). وقد ساير نفس هذا الاتجاه الفقيه Carre de malberg حيث قرر أن قيام ظروف تؤدي إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لا يعني المساس بمبدأ سمو الدستور،كما لا يعطي للسلطة التنفيذية الحق في تعديل أو وقف الدستور(11).
ومع اضطراد أحكام مجلس الدولة الفرنسي على تطبيق نظرية الضرورة وأسباغه صفة المشروعية على الإجراءات التي تتخذها الحكومة لمواجهة الظروف الاستثنائية، فإن الفقه الحديث قد استقر على الاعتراف بهذه النظرية باعتبارها نظرية قانونية وليس مجرد نظرية واقعية، وباعتبارها جزءا من مبدأ المشروعية الذي يتسع في الظروف الاستثنائية ليشمل الاجراءات التي تتخذها الحكومة للمحافظة على سلامة الدولة(12).
ويذهب بعض الفقه(13) إلى تأييد غالبية الفقه الفرنسي الذي يرى أن نظرية الضرورة هي نظرية قانونية. فنظرية الضرورة، كما يقول الدكتور محمود حافظ، ليست نظرية سياسية،وإنما هي نظرية قانونية،وبعبارة أخرى لا تخرج الضرورة الإدارة من نطاق تطبيق مبدأ الشرعية،وذلك المبدأ الذي يجب أن يطبق بصفة دائمة، سواء في الظروف العادية أو في الظروف الإستثنائية(14). كما يذهب أصحاب هذا الرأي إلى التأكيد على الدور الهام الذي يؤديه القضاء من خلال رقابته على قيام حالة الضرورة وتوافر شروطها، ففي غياب هذه الرقابة يصبح لجوء السلطة التنفيذية إلى هذه النظرية سلاحا خطيرا، قد يؤدي إلى الشطط والاستبداد بحقوق المواطنين وحرياتهم(15). وبعد هذا العرض لمفهوم حالة الضرورة،فإن النهج الذي التزمته الدساتير الأردنية جميعها هو تخويلها للسلطة التنفيذية الاختصاص، باتخاذ التدابير العاجلة اللازمة لمواجهة أوضاع استثنائية، سواء بالنظر إلى طبيعتها أو مداها،وتلك هي حالة الضرورة التي عدَّ الدستور قيامها من الشرائط التي تطلبها لمزاولة هذا الاختصاص الاستثنائي،ذلك أن الاختصاص المخول للسلطة التنفيذية في هذا النطاق لا يعدو أن يكون استثناء من أجل قيام السلطة التشريعية على مهمتها الأصلية في المجال التشريعي، إذا كان ذلك وكانت التدابير العاجلة التي تتخذها السلطة التنفيذية لمواجهة الضرورة تابعة من متطلباتها،فإن انفكاكها عنها يوقعها في حومة المخالفة الدستورية. وهكذا، فإن حالة الضرورة، وإن كانت تتيح صلاحيات تشريعية استثنائية للسلطة التنفيذية إلا أن ذلك لا يعني بأي حال إهدارا لمبدأ الفصل بين السلطات، وإنما مجرد استثناء مقيد أساسه القانوني في نصوص الدستور،وأساسه الفعلي في تحقيق التوازن بين ما يقتضيه الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من تولي كل منهما لوظائفهما في المجال المحدد أصلا،وضرورة المحافظة على كيان الدولة إزاء ما قد تتعرض له من مخاطر تفسر حتمية هذا الاستثناء.
وعليه، فإن الباحث يرى أن اللجوء إلى القوانين المؤقتة والعمل بها يستدعي توافـر كافة الدواعي التي تم الإشارة إليها،وهي أن تكون هناك ضرورة قصوى تستدعي إصدار هذه القوانين.
يترتب على ذلك :
- بقاء تلك الإجراءات غير قانونية ومعدومة القيمة القانونية .
- يمكن للبرلمان إعفاء الحكومة من المسؤولية الناجمة عن تلك الإجراءات غير المشروعة .
- حق المواطنين في مطالبة الدولة بالتعويض عما لحق بهم من ضرر من جراء تلك الإجراءات الاستثنائية.
أمثلة دستورية :
1- الدستور الفرنسي لعام 1958
المادة ( 16 ) : “ إذا أصبحت المؤسسات الجمهورية او استقلال الأمة او سلامة أراضيها او تنفيذ تعهداتها الدولية ، مهددة بخطر جسيم وحال نشأ عنه انقطاع سير السلطات العامة الدستورية المنتظم ، يتخذ رئيس الجمهورية الإجراءات التي تقتضيها هذه الظروف بعد التشاور رسميا مع الوزير الأول ورؤساء المجالس النيابية ومع المجلس الدستوري ويخطر الشعب بذلك برسالة ... ”
2- الدستور الجزائري 1996
المادة 91 : يقرّر رئيس الجمهورية، إذا دعت الضرورة الملحّة، حالة الطوارئ أو الحصار، لمدّة معيّنة بعد اجتماع المجلس الأعلى للأمن، واستشارة رئيس المجلس الشعبي الوطني، ورئيس مجلس الأمة، ورئيس الحكومة، ورئيس المجلس الدّستوري، ويتخذ كل التّـدابير اللاّزمة لاسـتـتـبـاب الوضع.
ولا يمكن تمديد حالة الطوارئ أو الحصار، إلاّ بعد موافقة البرلمان، المنعقد بغرفتيه المجتمعتين معا.
المادة 93 : يقرّر رئيس الجمهورية الحالة الاستثنائية إذا كانت البلاد مهدّدة بخطر داهم يوشك أن يصيب مؤسساتها الدّستورية أو استقلالها أو سلامة ترابها.
ولا يتّخذ مثل هذا الإجراء إلاّ بعد استشارة رئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة والمجلس الدّستوري، والاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن ومجلس الوزراء.
تخوّل الحالة الاستثنائية رئيس الجمهورية أن يتّخذ الإجراءات الاستثنائية التي تستوجبها المحافظة على استقلال الأمة والمؤسسات الدّستورية في الجمهورية.
ويجتمع البرلمان وجوبا.
تنتهي الحالة الاستثنائية، حسب الأشكال والإجراءات السالفة الذّكر التي أوجبت إعلانها.
المادة 96 : يوقف العمل بالّدستور مدة حالة الحرب ويتولى رئيس الجمهورية جميع السّلطات.
وإذا انتهت المدّة الرئاسية لرئيس الجمهورية تمدّد وجوبا إلى غاية نهاية الحرب.
في حالة استقالة رئيس الجمهورية أو وفاته أو حدوث أي مانع آخر له، يخوّل رئيس مجلس الأمة باعتباره رئيسا للدّولة، كل الصّلاحيات التي تستوجبها حالة الحرب، حسب الشروط نفسها التي تسري على رئيس الجمهورية.
في حالة اقتران شغور رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الأمة، يتولى رئيس المجلس الدّستوري وظائف رئيس الدّولة حسب الشروط المبينة سابقا.
3- الدستور العراقي لعام 2005
المادة ( 58 - تاسعاً ) :
أ ـ الموافقة على إعلان الحرب وحالة الطوارئ بأغلبية الثلثين، بناءاً على طلبٍ مشترك من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء.
ب ـ تُعلن حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوماً قابلة للتمديد، وبموافقةٍ عليها في كل مرة.
ج ـ يخول رئيس مجلس الوزراء الصلاحيات اللازمة التي تمكنه من إدارة شؤون البلاد خلال مدة إعلان الحرب وحالة الطوارئ، وتنظم هذه الصلاحيات بقانونٍ، بما لا يتعارض مع الدستور.
د ـ يعرض رئيس مجلس الوزراء على مجلس النواب، الإجراءات المتخذة والنتائج، خلال مدة إعلان الحرب وحالة الطوارئ، خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتهائها.
---------
(3) راجع في هذا المعنى على سبيل المثال: متولي، عبد الحميد، القانون الدستوري والأنظمة السياسية، منشأة المعارف، الإسكندرية، ص 324، 1989م. الجمل، يحيي، نظرية الضرورة في القانون الدستوري وبعض تطبيقاتها المعاصرة، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة ص9، 1974م.
(4) الحلو، ماجد راغب، القانون الإداري، الإسكندرية، دار المطبوعات الجامعية، ص 532، 1994م.
(5) المادة 94 من الدستور الأردني لسنة 1952م.
(6) الجمل، يحيي، مرجع سابق، ص 32-33.
(7) حافظ، محمود، التفويض التشريعي في فرنسا ومصر، القاهرة، ص 164، 1956م.
(Cool عبد المنعم، محمد أحمد، شرط الضرورة أمام القضاء الدستوري، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 20، 2002م.
(9) Esemien, Elements de Droit Corit Constit utonet, Fracias, I. II. 1921, p.q2 ets.
أشار إليه: يحيي الجمل، مرجع سابق، ص24
(10) Partelemy et Duez " trait de droit Constitutonnel " Paris, 1933, p. 240 ets.
أشار إليه: هشام عكاشة، مسؤولية الإدارة عن أعمال الضرورة، دار النهضة العربية القاهرة، 1998م.
(11) Carre De Malbery, Contribution a theorie generale de I'etat, t I, Paris, 1920, p, 610 ets.
أشار إليه: يحيي الجميل، مرجع سابق، ص 24.
(12) حلمي، عمر، 1980م، الوظيفة التشريعية لرئيس الدولة في النظامين الرئاسي والبرلماني، دار الفكر العربي، القاهرة، ص 276، وص 291.
(13) علي، أحمد، 1977 م، نظرية الظروف الاستثنائية، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، ص 332.
(14) حافظ، محمود، 1987م، القضاء الإداري في الأردن، منشورات الجامعة الأردنية، عمان، ص134.
(15) أبو زيد، مصطفى فهمي، 1969م، القضاء الإداري ومجلس الدولة، الإسكندرية، ص 209.
--------
[1] - الرقابة على مشروعية القوانين المؤقتة في الأردن ، فيصل شطناوي ، مجلة المنارة، المجلد 13، العدد 8، 2007. ص 329 الى 334 .

.../... يتبع

Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: القانون الدستوري - الجزء الرابع

مُساهمة من طرف Admin في السبت 05 يناير 2013, 7:57 pm



المبحث الثاني : مبدأ تدرج القوانين *
مضمون مبدأ تدرج القواعد القانونية : تأسيسا على مقتضيات مبدأ المشروعية، ولكفالة احترام السلطات العامة للقانون، استقر الأمر على ضرورة ترتيب القواعد القانونية التي تكون عناصر المشـروعية في مراتب متعددة متتالية، بحيث يسمو بعضها على البعض الأخر، في تدرج يشمل كافة هذه القواعد التي تمثـل التنظـيم القـانوني للدولة، فتخضع القاعدة الأدنى مرتبة للقاعدة الأعلى منها مرتبة، فلا تستطيع مخالفتها و إلا عدت غير مشروعة ([1])، ويتفق الفقه والقضاء أن تدرج القواعد القانونية هو تدرج شكلي من ناحية، وهو تدرج للمرتبة الإلزامية لتلك القواعد:
- التدرج الشكلي للقواعد: والذي يرتكـز على مرتـبة السلطـة التي أصـدرت القـاعدة القانونية، والإجراءات المتبعة في ذلك.
- تدرج المرتبة الإلزامية للقواعد القانونيةSad تدرج موضوعي ) والذي يعني أن بعض القواعد يتمتع بقوة إلزامية أعلى مما تتمتع به القواعد الأخرى التي تليها في المرتبة.
والحقيقة أن مظاهر التدرج تقتصر حقا على القوة القانونية للقـاعدة، أو قـوتها أو مرتبتها الإلزامية([2])، ومقتضى ذلك أن مبدأ تدرج القواعد القانونية يشمل كافة القواعد القانونية، سواء منها ما كان مدونا أو كان غير مدون ،ذلك أن مبدأ تدرج القواعد القانونية يتضمن تدرج التشريعات إلى جانب تدرج القواعد القانونية الأخرى.

أولا - تدرج القواعد القانونية المكتوبة
تمثل القواعد القانونية المكتوبة أو المسنونة من طرف السلطة المعهود إليها بسن القوانين، المصدر الأول للمشروعية في الدولة، والمستقر عليه فقها وقضاء أن ثمة ثلاثة أنواع من القواعد القانونية المكتوبة، وذلك بالنظر إلى السلطة التي قامت بسنها:
- القواعد الدستورية: التي تضعها السلطة التأسيسية.
- والقواعد التشريعية: التي تتولى السلطة التشريعية سنها.
- والقواعد اللائحة: التي تتولى السلطة التنفيذية وضعها.
- ونظرا لاعتراف الدستور في المادة 132 منه بسمو المعاهدات على القانون ، فمعنى ذلك إدراج القواعد الاتفاقية الدولية ضمن التنظيم القانوني للدولة.
1- القـــواعــد الدســتورية : تقوم دولة القانون على وجود نظام دستوري يحمي حقوق الإنسان وما ينبثق عنه من حقوق وحريات من جهة، ووجود ضمانات فعالة تكفل التكريس الفعلي لهذا النظام الدستوري، بحيث تخضع له السلطات العامة خضوع المحكومين له، ويأتي (مبدأ سمو الدستور)على رأس هذه الضمانات، إذ لا يتصور قيام دولة القانون دون هذا السمو.
وقد سبق وأن تطرقنا لموضوع سمو القواعد الدستورية ومرتبتها ضمن هرم القواعد القانونية.
2- القـواعـد الاتفاقـيـة الدولـية : لقد أخذت المعاهدة مبكرا مكانا مميزا في النظم الداخلية كأحد مصادر المشروعية فكان لها ذات قوة القانون بل سمت عليها حسب بعضها الآخر، و الحقيقة أن الدساتير لم تفعل أكثر من تقنين فكر القضاء و رؤيته لوضع المعاهدة في النظام القانوني الداخلي فقبل المشرع الدستوري كرس القضاء أن "المعاهدة ليست عقدا خاصا و لا قانونا و لكنها تتميز بقوة القانون" إذ جاء في حكم محكمة النقض الفرنسية الدائرة المدنية المؤرخ في 24/06 /1839 ([3]) :
« les traites passes entre les nations ne sont pas de simple actes administratifs et d’exécution… ils ont le caractère de loi »
و هو ما تم تكريسه في دساتير العديد من الدول، إذ اعترفت للمعاهدات الدولية بقوة القانون أو جعلتها أسمى منه، و بالتالي أدرجتها ضمن مصادر و عناصر المشروعية. و في نفس الاتجاه قرر الدستور الجزائري هذا المبدأ إذ نصت المادة 132 من دستور 1996 على أن : "المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور تسمو على القانون".
وطبقا لنص هذه المادة ، فإن هذا الأخير لم يعترف بالقانون الدولي بمختلف مصادره، إذ لم ينص إلا على المعاهدات الدولية، و أهمل باقي المصادر كالعرف الدولي و القضاء الدولي، وعلى ذلك فلا يمكن إدماج قواعد القانون الدولي ماعدا القواعد الواردة في المعاهدات ضمن القانون الداخلي الجزائري، على أن الدستور وضع شروطا حتى تجاور القواعد الاتفاقية الدولية عناصر النظام القانوني الداخلي كمصدر للمشروعية فيه.
- إدراج المعاهدة في القانون الداخلي: رغم التكريس الدستوري للمعاهدات باعتبارها أسمى من القانون فإن المشرع الدستوري لم يعتبرها قانونا و ذلك بالنظر بخصوصية وضعها و أدوات إنشائها المختلفة عن تلك التي تنشيء القانون، و تبعا لذلك اشترط الدستور إجراءات تدخل بها المعاهدة في النظام الداخلي إعلانا بأن قدومها هو بإذن السيادة الوطنية و ليس مفروضا مباشرة للقواعد الدولية([4])، فما هي هذه الإجراءات؟
1- اتخاذ مرسوم التصديق على المعاهدة الدولية: لقد فرض الدستور على رئيس الجمهورية احترام الإجراءات السابقة على إصدار مرسوم التصديق، وذلك قصد توزيع الاختصاص بين رئيس الجمهورية والبرلمان في مجال المصادقة عل المعاهدات الدولية، وفي ذلك دلالة عن تطبيق مبدأ فصل السلطات بمعناه المرن، لوجود تعاون بين السلطات في مجال المعاهدات الدولية، على أنه يجب التمييز بالنسبة لهذه الإجراءات بين حالتين:
الحالة الأولى: و تتعلق بالمعاهدات المنصوص عليها بالمادة 131 من الدستور، ففي هذه الحالة بعد أن يوقع رئيس الجمهورية على هذه المعاهدات يتوجب عليه عرضها على البرلمان بغرفتيه، و يشترط أن تصدر منه موافقة صريحة عليها، و معنى ذلك أنه يجب على رئيس الجمهورية قبل إصدار مرسوم المصادقة أن يحصل على قانون الموافقة من البرلمان، و بالنسبة لاتفاقيات السلم و الهدنة فيجب قبل عرضها على البرلمان أن يخطر المجلس الدستوري، للفصل في مدى دستوريتها طبقا لنص المادة 97 من الدستور.
الحالة الثانية: و يتعلق الأمر بالمعاهدات الأخرى و التي يمكن لرئيس الجمهورية المصادقة عليها دون اتخاذ الإجراءات سالفة الذكر.
2- نشر المعاهدة المصادق عليها: لم يشر الدستور إلى إجراء النشر كشرط لسمو المعاهدة على القانون، وهو ما يثير التساؤل عن مدى إلزامية شرط النشر لنفاد المعاهدة واندراجها ضمن القانون الوطني الجزائري؟
بالرجوع إلى المرسوم المؤرخ في 10/11/1990 الذي يحدد صلاحيات وزير الخارجية، نجد أن المادة 10 منه تنص على أنه: " يسعى وزير الخارجية إلى المصادقة على الاتفاقيات والاتفاقات والبروتوكولات واللوائح الدولية التي توقع عليها الجزائر أو التي تلتزم بها كما يسعى إلى نشرها" فهذا النص جعل وزير الخارجية يسعى لنشر المعاهدات، وهو المصطلح الذي يثير مشاكل تتعلق بطبيعة الالتزام الملقى على عاتق وزير الخارجية في هذا المجال، والملاحظ أن صياغة المادة توحي بأن الأمر لا يرقى إلى درجة الالتزام وإنمـا هو مجرد اختيار لا أكثر، خصوصا مع وجود فقرة "لا يشمل النشر كل المعاهدات التي أبرمتها الجزائر" كمـا أن مصطـلح (يسعى) لا يفـيد الإلزامية أو الجبر([5]). ولكن المجلس الدستوري تدخل من خلال قراره المؤرخ في 20 أوت 1990 ([6]) أي قبل صدور المرسوم المشار إليه أعلاه ليصرح: "ونظرا لكون أية اتفاقية بعد المصادقة عليها ونشرها تندرج في القانون الوطني وتكتسب حسب المادة 123 من الدستور – لسنة 1989 المقابلة للمادة 132 من دستور 1996- سلطة السمو على القوانين ويمكن كل مواطن جزائري أن يتذرع بها أمام الجهات القضائية" فنص على وجوب نشر المعاهدة المصادق عليها كشرط أولي لاندراجها ضمن القانون الجزائري، وعلى ذلك فالمعاهدة لا تكتسب طابعها الإلزامي على الواجهة الداخلية ولا تطمح إلى التطبيق إلا بعد نشرها. ومهما يكن فبعد اتخاذ إجراءات إدراج المعاهدة في التنظيم القانوني الوطني تصبح مصدرا من مصادر القانون، باعتبار أن القواعد التي تتضمنها المعاهدة هي قواعد قانونية ملزمة بذاتها، وهو ما يفرض التساؤل عن مكانتها بين القواعد القانونية الأخرى طبقا لمبدأ تدرج القواعد القانونية؟
- مرتبة القواعـد الاتفاقية الدوليـة: لم تترك المادة 132 من دستور 1996 مجالا للتردد حول مكانة القواعد الاتفاقية الدولية ، بنصها على مبدأ "سمو المعاهدات الدولية المصادق عليها وفق الشروط الدستورية على القانون" و هو المعنى الذي أكده المجلس الدستوري في قراره سالف الذكر، إذ قرر أنه: "ونظرا لكون أية اتفاقية بعد المصادقة عليها و نشرها تندرج في القانون الوطني و تكتسب حسب المادة 123 من الدستور- لسنة 1989 المقابلة للمادة 132 من دستور 1996 – سلطة السمو على القوانين.
- ونفس الحال بالنسبة لفرنسا ، ذلك أن المادة 55 من الدستور الفرنسي 1958 تعتبر الاتفاقيات الدولية التي تمت المصادقة أو الموافقة عليها والمنشورة طبقا للإجراءات القانونية الجاري العمل بها، لها سلطة أعلى من سلطة القوانين الداخلية ولكن شرط تنفيذها من قبل الطرف الآخر كذلك، أما المادة 54 من ذات الدستور، فتمنع المصادقة أو الموافقة على الاتفاقية الدولية التي أعلن المجلس الدستوري مخالفتها للدستور، وهذا ما يجعل الاتفاقية الدولية تقع في مترلة أدنى من الدستور.
- لكن هل يمكن تصور وجود اعتراف بسمو قواعد القانون الدولي على القواعد الدستورية للدولة ؟.
إن الدول التي تضع قواعد القانون الدولي في مرتبة أسمى من الدستور نادرة جدا إن لم نقل أنها تنعدم ، فالدستور الهولندي مثلا لعام 1922 المعدل في 1963 يجعل من القانون الدولي أسمى منه، إذ يمكن للاتفاقية الدولية التي تبرمها هولندا أن تخالف الدستور، كما يمتنع على المحاكم الهولندية أن تعلن عدم دستورية الاتفاقية التي تسمو على التشريعات الداخلية اللاحقة لها والسابقة عليها، لكن المادة 63 من الدستور الهولندي تعتبر سمو القانون الدولي محدودا فهي تربطه بضرورات الحياة الدولية.
3- القـواعـد التشـريعيـة : يقصد بالقواعد التشريعية: القوانين التي تسنها السلطة التشريعية في الدولة([7])، أي البرلمان بغرفتيه المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة هذا من حيث الأصل، ورئيس الجمهورية في إطار التشريع بأوامر([8])،
I- مجال القواعد التشريعية: يتوجب على السلطة التشريعية وهي تسن القواعد القانونية، أن تقررها على مقتضى أحكام الدستور، فإذا تجاوزت فيما تسنه من قوانين حدود المبادئ الدستورية المقررة في الدولة، عد ذلك انحرافا منها في أدائها لوظيفتها، واعتبر تشريعها غير دستوري، ومن القيود الدستورية على سلطة التشريع ،التحديد الحصري لمجال التشريع، وذلك كما يلي:
1- تحديد المسائل التي يشرع فيها البرلمان: وهي المسائل الواردة في المادتين : 122 و123 من دستور 1996، وما خرج عن هذه المسائل يخرج عن مجال التشريع، ويندرج ضمن مجال التنظيم، إذ تنص المادة 125 من دستور 1996 على انه: "يمارس رئيس الجمهورية السلطة التنظيمية في المسائل غير المخصصة للقانون".
2- اقتصار دور البرلمان على وضع المبادئ أو القواعد العامة:([9]) بالرجوع للنص الدستوري نجد أنه ألزم السلطة التشريعية بسن القواعد القانونية بطريقتين:
الأولى: وضع القانون بقواعده العامة والتفصيلية، كمثل مسألة القواعد المتعلقة بالتنظيم القضائي وإنشاء الهيئات القضائية، وقواعد قانون العقوبات، والإجراءات الجزئية، والنظام الجمركي ..الخ.
والطريقة الثانية: وضع المبادئ العامة أو القواعد الأساسية فقط، ويترك المجال للسلطة التنفيذية لتكملها بمقتضى سلطتها التنظيمية، ومنها القواعد العامة المتعلقة بالبيئة وإطار المعيشة والتهيئة العمرانية، ففي هذا النوع الأخير نلاحظ أن الدستور ضيق مجال القواعد التشريعية، لصالح القواعد التنظيمية.
3- اقتصار دور البرلمان على التنظيم دون المنع: لقد كرس المؤسس الدستوري حقوقا وحريات للإنسان والمواطن، بحيث لا يمكن للسلطة التشريعية المساس بها، فلا تملك إلا سلطة تنظيمها دون تجاوز دلك إلى منعها، لكون المنع من اختصاص المؤسس الدستوري، ومثال ذلك ما تنص عليه المادة 32 من دستور 1996: "الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والموطن مضمونة" فلا يجوز المساس بها بالمنع وإنما يجوز تنظيمها، والمادة 36 من نفس الدستور: "لا مساس بحرمة حرية المعتقد وحرمة حرية الرأي" وغير ذلك من الحقوق والحريات.
II- درجات القواعد التـشريعـية: يختص بسن القواعد التشريعية البرلمان بغرفتيه، وذلك بموجب قوانين عادية أو قوانين عضوية، كما يجوز لرئيس الجمهورية استثناء وضع هذه القواعد بموجب أوامر، فنكون أمام ثلاثة أنواع من القواعد التشريعية يتوجب تحديد مرتبة كل نوع منها في التدرج القانوني.
إن المعيار الشكلي هو المعتمد في ذلك، وهو يجعل القانون بنوعيه العضوي والعادي أسمى من الأوامر التشريعية، بحكم أنها صادرة عن السلطة المختصة أصلا بالتشريع، فتكون أسمى من القواعد الموضوعة من طرف جهة أخرى بحكم الاستثناء لا الوضع الطبيعي، وتكون للقوانين العضوية سموا على القوانين العادية نظرا للإجراءات الخاصة بالتصويت عليها وبالرقابة عليها قياسيا بالإجراءات المعتمدة بشأن القوانين العادية، وعلى ذلك فالقوانين العضوية أسمى من القوانين العادية، وهي بدورها تسمو على الأوامر التشريعية :
1-القانون العضوي: وهذا النوع ابتدعه دستور 1996 وميزه عن القانون العادي في موضوعاته وإجراءاته، ([10]) فالموضوعات التي تندرج ضمن القانون العضوي تتعلق بمسائل تقترب من المسائل الدستورية، كالحريات وتنظيم السلطات العامة، وهو ما دفع بالبعض للقول بكون القوانين العضوية تحتل مكانة وسط بين ما هو أساسي (الدستور) وعادي من القوانين، والإجراءات الخاصة بها تختلف عن الإجراءات الخاصة بالقوانين العادية، إذ تتم الموافقة عليها بالأغلبية المطلقة من طرف غرفتي البرلمان، وتخضع للرقابة الإلزامية لمدى مطابقتها للدستور قبل صدورها، خلافا للقوانين العادية التي تخضع للرقابة الاختيارية على دستوريتها.
2-القانون العادي: ويتحدد مجاله حصرا بالمسائل المذكورة بالمادة 122 من دستور 1996، ويوافق عليها البرلمان بالإجراءات العادية ،أي الأغلبية البسيطة، ولا تخضع لرقابة المطابقة الإلزامية، بل تخضع لرقابة الدستورية، والتي قدي تكون سابقة أولا حقه، ورقابة الدستورية محددة المسائل فيما رقابة المطابقة شاملة، وهي رقابة اختيارية.([11])
3- الأوامر التشريعية: أجـاز دستور 1996 لرئيس الجمهورية التشريع عن طـريق أوامر رئاسية،([12]) أثناء غيبة البرلمان، أو في الظروف الاستثنائية، واشترط عليه أن يعرض هذه الأوامر على البرلمان في أول دوره له، للموافقة عليها بالنسبة للأوامر الصادرة أثناء غيبة البرلمان، أي بين دورتيه أو أثناء شغوره، ولم يشترط ذلك بالنسبة للأوامر المتخذة في الظروف الاستثنائية، أو الأوامر التشريعية المتعلقة بقانون المالية، ونظرا لهذا التمييز يرى بعض الفقهاء أن الأوامر المتخذة أثناء غيبة البرلمان تبقى مجرد أعمال تنظيمية إدارية، والموافقة البرلمانية عليها هي التي تضفي عليها الطابع التشريعي، وخلافا لذلك يرى اتجاه آخر في الفقه، أن هذه الأوامر لها قيمة القانون ولو لم تعرض على موافقة البرلمان، فبمجرد صدورها ونشرها تصبح نافذة باعتبارها قوانين، إذ تصدر في المجال المخصص للتشريع، وأما الأوامر الصادرة في الظروف الاستثنائية، أو المتعلقة بقانون المالية، فلا جدال في كونها قوانين بمجرد صدورها ونشرها إذ لا تعرض على الموافقة البرلمانية.
مرتبة القواعـد التـشريعـية: يرى اتجاه في الفقه أن القواعد التشريعية تمتـاز بالسيادة والسمو([13])، لصدورها عن السلطة التشريعية، أي عن ممثلي الشعب، وبالتالي فلا يوجد ما يميز الدستور عن القانون الصادر عن البرلمان في المرتبة، أو في القوة، إذ لكل منهما صفة القاعدة القانونية الملزمة، ولكن من الناحية العملية تعتبر السيادة للقانون، مادام أنه صدر وفقا للإجراءات القـانونية عندما يتضمن أحكـاما تعـارض الدستور، بحيث ليس هناك من وسيلة لإزالة هذا التعارض. ولكن هذا الطرح منتقد فقها وقضاء وقانونا، ذلك أن سمو الدستور مبدأ مسلم به في مختلف الأنظمة القانونية، ويستتبع ذلك أن القانون يأتي في المرتبة التالية بعد الدستور، ولا يعتبر منتجا لآثاره إلا إذا جاء موافقا للدستور شكلا وموضوعا، ويترتب على ذلك أيضا أن تكون القـواعد الاتفـاقية الدولية أسمى من القـواعد التشريعية، وذلك إعمالا للنص الدستوري الذي كرس سمو المعاهدات المصادق عليها على القانون.
والخلاصة أن القواعد التشريعية الصادرة عن البرلمان تترتب بعد القواعد الدستورية والقواعد الاتفاقية الدولية، طبقا لمبدأ سمو الدستور ومبدأ سمو المعاهدات على القانون.
4- القـواعـد اللائحيــة : يقصد بالقواعد اللائحية([14]) تلك القواعد التي تجد مصدرها في النصوص الصادرة عن السلطة التنفيذية، في شكل مراسيم أو قرارات أو تعليمات أو منشورات أو مقررات، ويسميها الفقه (اللوائح) باعتبارها قرارات إدارية تتضمن قواعد عامة ومجردة وغير شخصية، تصدرها السلطة التنفيذية باعتبارها تمارس السلطة العامة، ولذلك فإن اللوائح تعد عملا تشريعيا، لكون القواعد القانونية التي تتضمنها هي قواعد عامة مجردة شأنها في ذلك شأن أي قاعدة قانونية أخرى، وهو ما يجعلها أحد عناصر البناء القانوني في الدولة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن اللوائح تعد عملا إداريا طبقا للمعيار العضوي المعتمد فقها وقضاء([15]). وعلى ذلك فالقرارات الفردية والأعمال المادية للإدارة تخرج عن مضمون اللوائح التي تمثل قواعد عامة مجردة و ملزمة لجميع الأشخاص المخاطبين بها([16])، تماما مثل القواعد التشريعية، وتوجد ثلاثة أنواع للوائح.
I- اللوائح التنظيمية: مكن المؤسس الدستوري رئيس الجمهورية من الإنفراد بمباشرة الاختصاص التنظيمي، وهو ما جاءت به المادة 125/1 من دستور 1996، والتي تقرر أنه: "يمارس رئيس الجمهورية السلطة التنظيمية في المسائل غير المخصصة للقانون"، فالسلطة التنظيمية الممنوحة لرئيس الجمهورية لها صبغة تشريعية و اختلفت عن السلطة التشريعية التي يملكها استثناء، و يباشر ها بمقتضى أوامر تشريعية، إذ تندرج هذه الأخيرة في إطار المجال المخصص للبرلمان، فيما يخرج اختصاصه التنظيمي عن ذلك المجال و يباشـره رئيس الجمهورية معتمدا على السند الـدستوري وحده، وهو ما يجعل ما يصدره رئيس الجمهورية في هـذا الإطـار ليس في وسع البرلمان تعديله أو إلغاءه، لعدم اندراجه في مجال القانون المخصص للبرلمان.
II- اللوائـح التنـفيـذية: إن المادة 125/2 من دستور 1996 منحت لرئيس الحكومة السلطة للتدخل في الإنتاج التشريعي للبرلمان باعتباره الواقف على تنفيذ القوانين طبقا للمـادة 85 من دستور 1996، ولذلك فرئيس الحكومة يختص بإصدار مراسيم تنفيذية لكي يحدد بمقتضاها الشروط والضوابط لتطبيق القوانين الواردة في صياغة غير قابلة للتنفيذ، فيتطلب إكمالها بمراسيم أو قرارات إدارية، وعلى ذلك فاللوائح التنفيذية هي تلك اللوائح التي تتضمن الأحكام التفصيلية أو التكميلية اللازمة لتيسير تنفيذ القوانين ([17])، وهي بهذا المعنى اختصاص طبيعي للسلطة التنفيذية بحكم وظيفتها المتمثلة في تطبيق وتنفيذ القانون .
III- لوائح الضبـط الإداري: ويقصد بها تلك اللوائح التي تصدرها السلطة التنفيذية بقصد المحافظة على النظام العام بعناصره المختلفة، فهي قواعد قانونية تضعها السلطة التنفيذية للمحافظة على الأمن العام والسكنية العامة والصحة العامة والآداب العامة، دون أن تستند في ذلك إلى قانون فتجئ لتنفيذه بل هي لوائح مستقلة([18])،غرضها صيانة النظام العام كلوائح تنظم المرور، ومراقبة الأغذية، وغيرها، وتصدر هذه اللوائح من رئيس الجمهورية أو رئيس الحكـومة أو من الـوزراء أو المديرين أو الولاة أو رؤساء البلديات كل في مجال اختصاصه.
- مرتبـة القـواعـد اللائحيـة: إن اللوائح احد عناصر المشروعية، مما يوجب إدراجها في التنظيم القانوني للدولة، كما تمثل من زاوية أخرى أعمالا إدارية تخضع لمبدأ المشروعية وحدوده وقيوده، وخصوصا ما يترتب على تدرج القواعد القانونية من نتائج، سواء صدرت هذه اللوائح في الظروف العادية أم في الظروف الاستثنائية .
I - مرتبة اللوائح في الظروف العادية: رغم اتصاف القواعد اللائحية بميزات القاعدة القانونية، إلا أنها تعد وفقا للمعيار العضوي أعمالا إدارية، فلا تتساوى مع القواعد التشريعية، فهذه الأخيرة أقوى منها، لكونها تسري على السلطات الإدارية ذاتها طبقا لمبدأ المشروعية في الظروف العادية، التي تقتضي خضوع السلطة اللائحية للقواعد القانونية الأسمى منها، سواء كانت دستورية أو اتفـاقية دولية أو تشريعية، وهذا الطرح مسلم به في الفقه والقضاء، إلا بالنسبة للوائح التنظيمية الصادرة عن رئيس الجمهورية، فإن البعض حاول وضعها في نفس المرتبة الإلزامية مع القواعد التشريعية الصادرة عن البرلمان، لكون تلك اللوائح مستقلة عن القانون، ولا يمكن للبرلمان وضع قواعد في المجال المخصص لها ولا تعديلها ولا إلغاءها، لكنه طرح منتقد، إذ لا علاقة بين استقلالية رئيس الجمهورية في وضعها عن القانون وبين مرتبتها الإلزامية، وعلى ذلك فاللوائح الصادرة في الظروف العادية مهما كان نوعها تقع في مرتبة أدنى من القواعد التشريعية ([19]).
II- مرتبة اللوائح في الظروف الاستثنائية: يترتب على وقوع الظروف الاستثنائية قيام حالة الضرورة التي تبيح للسلطة التنفيذية أن تتخذ الإجراءات الاستثنائية اللازمة لمواجهة هذه الظروف، ويطلق الفقه عليها (أعمال الضرورة) هذه التي يندرج ضمنها (لوائح الضرورة) تأسيسا على صدورها إبان قيام حالة الضرورة، وتتبلور آثار نظرية الضرورة في ارتفاع القوة القانونية لتدابير الضرورة، بما فيها لوائح الضرورة التي تصبح لها قوة القانون في تدرج القواعد القانونية، ويترتب على ذلك انه يجوز للسلطات الإدارية مخالفة القانون في إصدارها، بل لها إمكانية إلغاء أحكام القانون أو تعديلها لكونها في جوهرها أعمالا تشريعية، وتتمتع بقوة القانون في الظروف الاستثنائية([20]). على انه ليس معنى ذلك أن السلطة التنفيذية تتحرر من كل قيد أثناء الظروف الاستثنائية، بل أخضعها الدستور إلى بعض الضوابط التي لا يمكن الخروج عنها استنادا لهذه الظروف، وتلك الضوابط يسميها الفقه (المشروعية الاستثنائية) التي تصدر في نطاقها اللوائح الاستثنائية([21]).

ثانيا - تدرج القواعد القانونية غير المكتوبة
من المستقر عليه في الفقه والقضاء، أن مبدأ المشروعية يعني (سيادة حكم القانون)، وهو في الحقيقة تعريف مناسب تماما لمبدأ المشروعية، خاصة وان المؤسس الدستوري قد اعتنقه في دستور 1996 إذ جاء في ديباجته أن الحكم في الدولة أساسه سمو القانون، ويشمل هذا القانون كافة القواعد القانونية السارية في الدولة أيا كان مصدرها وشكلها، فتندرج فيها القواعد القانونية المكتوبة أي الصادرة عن السلطات العامة المختصة بسن القواعد القانونية، سواء كانت دستورية أو اتفاقية دوليـة أو تشـريعية أو لائحية، كما تندرج فيها قواعد أخرى تم تعريفها بطريقة سلبية بالقول بكونها (غير مكتوبة) أي خلاف تنلك القواعد الموضوعة من طرف السلطات العامة. ولا شك أن هذه القواعد الأخيرة أي غير المكتوبة، تعتبر قواعد قانونية، سواء بالنسبة لمبادئ الشريعة الإسلامية أو القواعد العرفية أو مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة وكذلك المبادئ العامة للقانون وهذه القواعد القانونية غير المكتوبة ذكرتها المادة 01 من القانون المدني، باستثناء المبادئ العامة للقانون فقد غفلت عنها رغم الاتفاق الفقهي والقضائي بشأنها([22]).

ونكتفي بالتعرض لمبادئ الشريعة الإسلامية فقط دون التطرق لباقي القواعد التي يمكن دراستها ضمن مقياس النظرية العامة للقانون أو في غيرها من المراجع التي تتناول هذا الموضوع .
مبادئ الشريعة الإسلامية : تعددت المواضع التي أشار فيها دستور 1996 على المرجعية الأساسية للشعب الجزائري والمتمثلة في (الإسلام) ففي ديباجته جاء أن: " الإسلام من المكونات الأساسية لهوية الشعب الجزائري" وأن "الجزائر أرض الإسلام " كما قررت المادة 02 منه أن "الإسلام دين الدولة "وحددت المادة 08 منه أن إحدى غايات المؤسسات التي يختارها الشعب هي المحافظة على الهوية بما فيها الإسلام، ومنعت المادة 06 منه هذه المؤسسات من إتيان السلوك المخالف للخلق الإسلامي، ويلتزم رئيس الجمهورية في اليمين التي يؤديها بأن "يحترم الدين الإسلامي ويمجده" وفي المادة 176 منه جاء انه: " لا يمكن لأي تعديل دستوري أن يمس الإسلام باعتباره دين الدولة "واستنادا إلى كل ذلك نصت المادة الأولى من القانون المدني على انه: "وإذا لم يوجد نص تشريعي حكم القاضي بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية" وهي النصوص التي تقرر أن الشريعة الإسلامية مصدرا للقانون الجزائري ، وعنصرا من عناصر المشروعية فيه. إن التسليم بالطبيعة القانونية لمبادئ الشريعة الإسلامية، والاعتراف لها بكونها احد عناصر المشروعية، يفرض التساؤل عن مرتبتها بين مصادر القانون الأخرى طبقا لمبدأ تدرج القواعد القانونية؟. وقد تولد عن هذا التساؤل اتجاهان:
I -الاتجاه الأول: مبادئ الشريعة الإسلامية مصدرا احتياطيا للقانون: يرى جانب من الفقه أن مبادئ الشريعة الإسلامية تعتبر مصدرا رسميا احتياطيا للقانون يأتي بعد التشريع، وهو ما يفرض على القاضي أن لا يلجأ إليها إلا عندما يعوزه النص التشريعي الذي يفصل به في النزاع، ويستدل على ذلك بأمرين:
الأمر الأول: مدلول المادتين01 من القانون المدني و 222 من قانون الأسرة، فالمادتين تحيلان القاضي إلى مبادئ أو أحكام الشريعة الإسلامية إذا عازه النص التشريعي.
الأمر الثاني: مدلول النصوص الدستورية، فالدستور في ديباجته أو المادة 02 منه وجه المشرع للاقتباس من الإسلام واستلهام أحكامه وهو يسن التشريعات، فلا إلزامية لمبادئ الشريعة الإسلامية لا بالنسبة للمشرع ولا بالنسبة للقاضي، ومعنى ذلك أن النص الدستوري في المادة 02 لا يخاطب القاضي بل المشرع، وبالتالي فلا تأثير لهذا النص الدستوري على مكانه مبادئ الشريعة الإسلامية التي تبقى مصدر احتياطيا للقانون طبقا لنص المادة الأولى من القانون المدني. ويضيف أصحاب هذا الرأي أن النص الدستوري ليس أكثر من تأكيد لإحدى الحقائق الاجتماعية، وهي أن ديانة الشعب الجزائي هي الإسلام، وبالتالي يرشد ويوجه السلطة التشريعية إلى استلهام أحكام هذه الديانة في تشريعاتها، لا على سبيل الإلزام بل الاختيار.
الاتجاه الثاني: مبادئ الشريعة الإسلامية مبادئ دستورية: يرى طائفة من الفقهاء وعلى رأسهم الأستاذ عبد الرزاق السنهوري وكمال عبد الواحد الجوهري والدكتور سامي جمال الدين وغيرهم كثير، أن النصوص الدستورية تكرس الطابع الدستوري لمبادئ الشريعة الإسلامية([23])، وبالتالي فهي مبادئ عامة للقانون بل تأتي على رأس تلك المبادئ، وهو ما يجعلها تـأتي في الترتيـب بعد الدستور، وقبل باقي مصادر القانون الأخرى، ويستند الفقه الجزائري المناصر لهذا الاتجاه إلى الحجج التالية:
الحجة الأولى: المدلول الحقيقي لنص المادة 02 من دستور 1996، والذي جاء فيه أن: "الإسلام دين الدولة" فهذا النص لا يقصد به الجانب الديني العقيدي باعتباره يشير إلى ديانة الشعب الجزائري، بل هو يشير إلى النظام التشريعي في الإسلام، باعتباره النظام الملزم لكل السلطات والمؤسسات في الدولة، ومما يؤكد هذا الرأي أن مصطلح الدين في اللغة والمصطلح القرآني لا يقصد منه العقيدة والعبادات، وإنما التشريع والقانون، ويكفي للتدليل على ذلك قوله تعالى: "ومَا كَانَ لِيَأخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ المَلِك " ([24])أي في نظامه وقانونه، وقوله تعالى : "الزَانِيَةُ والزَانِي فَاجلِدُوا كُل وَاحد مِنهُمَا مَائة جَلدَة ولاَ تَأخُذْكُم بِهِمَا رَأفَة فِي دِين الله.."([25]) ودين الله هنا تشريعه الجنائي بتحريم الزنا والمعاقبة عليه، فصار الدين بمعنى الأحكام أو المبادئ المشكلة لما يطلق عليه الشريعة الإسلامية، وأما العقيدة فيطلق عليها في المصطلح القرآني الإيمان لا الدين، وأن الدولة في المصطلح الدستوري لا يقصد بها الشعب، بل ما تظهر به الدولة بعد تكونها من مظـاهر سياسة أي السلطات الثلاث، ومظـاهر قانونية أي النظام القانوني، فالدولة بهذا المعنى هي تعبير عن نظام أو بناء قانوني ومؤسساتي، وعلى ذلك فالمقصود من المادة 02 من الدستور هو أن النظام التشريعي الإسلامي هو القانون الأعلى،والمشروعية العليا التي تنبثق منها كافة القواعد القانونية في الدولة، فتكون أحكام الشريعة الإسلامية مصدرا رسميا شكليا للقانون، وتأخذ مرتبة المبادئ الدستورية، فلا يعلوها إلا الدستور، بينما تكون أسمى من القواعد الاتفاقية الدولية والتشريعية واللائحية([26]) ، ولا شك أن الخطاب موجها لكافة سلطات الدولة، فالمادة 08 من الدستور تلزم المؤسسات العامة بان تجعل إحدى غاياتها المحافظة على الإسلام، باعتباره إحدى مكونات هوية الشعب الجزائري، والمادة 09 منه قررت أنه لا يجوز لهذه المؤسسات أن تقوم بالسلوك المخالف للخلق الإسلامي، والمادة 76 منه تفرض على رئيس الجمهورية في اليمين التي يؤديها أن يلتزم بحماية الدين الإسلامي وتمجيده، وفي نفس الاتجاه ألزمت المادة 178 المؤسس الدستوري أثناء تعديله أحكام الدستور أن لا يمس الإسلام باعتباره دين الدولة، ومعنى ذلك أن الخطاب بنص المادة 02 من دستور 1996 هو خطاب موجه للدولة بكافة مؤسساتها وسلطاتها، بأن تجعل من أحكام الشريعة الإسلامية قانونها الأعلى، وتأكيدا على ذلك يضيف أصحاب هذا الاتجاه أن المادة 02 وردت في باب الأحكام العامة، وهذه الأحكام لا تخاطب المشرع وحده كما يقول أصحاب الاتجاه الأول، بل توجه الخطاب لكافة سلطات الدولة بما فيها القضاء، وخصوصا إذا نظرنا إليها بالموازاة مع النصوص الدستورية سالفة الذكر .
الحجة الثانية: الطبيعة القانونية لنص المادة 02 من دستور1996: إن القول بان النص الدستوري المتمثل في المادة 02 قد ورد على سبيل الإرشاد والتوجيه، وليس الإلزام مردود عليه، لكون نصوص الدستور بطبيعتها لا تحمل هذا المحمل إلا بقرينة، وان المادة 02 وردت في صدر أحكام الدستور، مما يجعلها نصا آمرا لكل السلطات العامة في الدولة، وان هذه المادة وردت في باب المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري ،وهو ما بجعلها تأتي في قمة المبادئ العامة للقانون، والتي يعترف لها الفقه بالطابع الدستوري، ويجعلها من النظام العام، ومعنى ذلك أن النص الدستوري الوارد في المادة الثانية لا يقدم توجيهات بل يفرض التزامات لا سبيل إلى مخالفتها لكونها من النظام العام، وتتمثل هذه الالتزامات في ضرورة الرجوع إلى مبادئ الشريعة الإسلامية عند سن القواعد القانونية أو عند تطبيقها، ومعنى ذلك أن هذه المبادئ أسمى من القواعد القانونية الأخرى بما فيها القواعد الاتفاقية الدولية والقواعد التشريعية، وبالتالي فعلى المشرع أن يرجع إليها عند سنه التشريعات أو الموافقة على الاتفاقيات الدولية، وإذا خالفها عد ذلك مخالفا للدستور.
وبالتأكيد فإن النص الدستوري رتب ذات الالتزام على القاضي مثله مثل المشرع تماما، باعتبار أن مبادئ الشريعة الإسلامية تمتاز بالطابع الدستوري، وبالتالي فإن القاضي وهو يراقب مدى مطابقة النص التشريعي لمبادئ الشـريعة الإسلامية، فإنه يقوم بذلك إعمالا لنص دستوري، فيكون كأنه يطابق بين النص التشريعي والدستور([27]).
----------------------------
* - مقتبس من مذكرة تخرج بعنوان "مبدأ تدرج القواعد القانونية و آثاره على الوظيفة القضائية" للطالب القاضي أحمد حميودة الدفعة 14 ، 2006
[1] - انظر: سامي جمال الدين، تدرج القواعد القانونية و مبادئ الشريعة الإسلامية، ص 16. و . طعيمة الجرف، المرجع السابق، ص 62 وما بعدها .و د. كمال عبد الواحد الجوهري، القصور التشريعي وسلطة القاضي الجنائي، المرجع السابق، ص 153.
[2] - ويضيف الدكتور طعيمة الجرف أن التدرج المادي أيضا له دخل في ترتيب القواعد القانونية – المرجع السابق ص 83 وما بعدها .
[3] - cass. Ch , cas, 24 juin 1839 – Napier et autres : S 1839 , I . 579
نقلا عن محمد فؤاد عبد الباسط، مدى اختصاص القاضي الإداري بتفسير المعاهدات الدولية، دار الفكر الجامعي ص 07 في الهامش .
[4] - محمد عبد الباسط، المرجع السابق، ص 06 وما بعدها . و جبار عبد المجيد، تأملات حول قرار المجلس الدستوري الأول فيما يتعلق ببعض القضايا المرتبطة بالعاهدات الدولية، مجلة العلوم القانونية السياسية الاقتصادية الجزائر، عدد 01 /1996 ، ص 164 و 165 .
[5] - جبار عبد المجيد، تأملات، المرجع السابق، ص 148 - 149.
[6] - المجلس الدستوري، قرار رقم1، ق.ق، مد مؤرخ في 20 غشت سنة 1989 يتعلق بقانون الانتخابات، الجريدة الرسمية رقم 36- 20، غشت 1989، ص 1049 (ملحق 1).
[7] - سامي جمال الدين، المرجع السابق، ص 42. وسليمان مرقس، المرجع السابق، ص 175. و طعيمة الجرف، المرجع السابق، ص 97
[8] - حسين صغير، المرجع السابق، ص 117. و موسى بو دهان، الفصل بين السلطات في النظام الجزائري مجلة النائب السنة 01 2003 عدد02، مجلة فصلية يصدرها المجلس الشعبي الوطني الجزائري، ص 33 و ما بعدها.
[9] - عبد اللة بوقفة، نفسه، ص 329 و ما بعدها. و أوصيف سعيد، تدهور المعيار التشريعي في النظام القانوني الجزائري، بحث لنيل شهادة الماجستير فرع الإدارة و المالية، جامعة الجزائر، 2001-2002، ص 75 و ما بعدها.
[10] - انظر المجلس الدستوري ، رأي رقم 01 / ر ق ع /04 مِؤرخ في 05/02/2004 يتعلق بمراقبة مطابقة القانون العضوي المعدل والمتمم للأمر رقم 97/07 المؤرخ في 06/03/1997 والمتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات الدستور (ملحق 06) . وانظر:عبد الله، بوقفة، المرجع السابق، ص 192 و ما بعدها. و Francis Hamon et Michel Troper , Droit constitutionnel, Op.Cit, P 49
[11]- Francis Hamon et Michel Troper , Droit constitutionnel, Op.Cit, P 51
[12] - عبد الله بوقفة، المرجع السابق، ص 251 و ما بعدها.
[13] - خليل جريج، المرجع السابق، ص 64 و ما بعدها.
[14] - إسحاق إبراهيم منصور، نظريات القانون و الحق، الطبعة الثانية، ص 150 و ما بعدها. وحسين صغير، المرجع السابق، ص 117. وسليمان مرقس، الوافي، المرجع السابق، ص 177.
[15] - سامي جمال الدين المرجع السابق، ص 50. و سليمان مرقس، نفسه، ص 178.
[16] - إسحاق إبراهيم منصور، نفسه، ص 54. و سامي جمال الدين، نفسه، ص 56.
[17] - عبد الله بوقفة، المرجع السابق، ص 321 و ما بعدها. حسين الصغير، المرجع السابق، ص 118.
[18] - محمود سعد الدين الشريف، النظرية العامة للضبط الإداري، مجلة مجلس الدولة المصري السنة 11، 1962، ص 82 و ما بعدها.
[19] -. سامي جمال الدين، المرجع السابق، ص 68. و حسيني بوديار، الوجيز في القانون الدستوري، دار العلوم ، ص 25.
[20] -. سامي جمال الدين، نفسه، ص 68 و ما بعدها.
[21] -. سامي جمال الدين، نفسه، ص 89 و ما بعدها.
[22] -. سامي جمال الدين، نفسه، ص 68 و ما بعدها.
[23] - كمال عبد الواحد الجوهري، المرجع السابق، ص 58 وما بعدها .
[24] - سورة يوسف: الآية 76.
[25] - سورة النور: الآية 02.
[26] - أبو الأعلى على المودودي، المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم، 1941، ترجمها إلى العربية الأستاذ محمد كاظم سباق، 1955 ، ص116 وما بعدها .
[27] - كمال عبد الواحد الجوهري، المرجع السابق، ص 78 وما يليها . و سامي جمال الدين، المرجع السابق، ص 148.و سمير عبد السيد تناغو، النظرية العامة للقانون، منشأة المعارف بالإسكندرية، 1974، ص 262.

.../... يتبع

Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: القانون الدستوري - الجزء الرابع

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 06 يناير 2013, 11:34 am



المبحث الثالث : مبدأ الفصل بين السلطات *
من المؤكد أن مبدأ الفصل بين السلطات قد غدا منذ الثورة الفرنسية أحد المبادئ الدستورية الأساسية التي تقوم عليها النظم الديمقراطية الغربية بوجه عام ، ويحتم هذا المبدأ أولاً قيام حكومة نيابية Représentative Gouvernement ، لأنه لا يسود إلا في ظل النظام النيابي ، حيث تتضح فيه الضرورة إلى توزيع السلطات Distribution of Powers . وينسب أصل هذا المبدأ إلى الفلسفة السياسية للقرن الثامن عشر ، حيث ظهر في ذلك الوقت كسلاح من أسلحة الكفاح ضد الحكومات المطلقة ـ التي كانت تعمد إلى تركيز جميع السلطات بين يديها ـ وكوسيلة أيضاً للتخلص من استبداد الملوك وسلطتهم المطلقة.
وتتلخص الفكرة الأساسية التي يقوم عليها مبدأ الفصل بين السلطات في ضرورة توزيع وظائف الحكم الرئيسية : التشريعية والتنفيذية والقضائية على هيئات منفصلة ومتساوية تستقل كل منها عن الأخرى في مباشرة وظيفتها حتى لا تتركز السلطة في يد واحدة فتسيء استعمالها, وتستبد بالمحكومين استبداداً ينتهي بالقضاء على حياة الأفراد وحقوقهم. وإذا كانت تلك الفكرة هي جوهر مبدأ الفصل بين السلطات ، فإن هذا هذا المبدأ ليس معناه إقامة سياج مادي يفصل فصلاً تاماً بين سلطات الحكم ، ويحول دون مباشرة كل منها لوظيفتها بحجة المساس بالأخرى ، ومن ثم فإن مقتضى مبدأ الفصل بين السلطات أن يكون بين السلطات الثلاث تعاون ، وأن يكون لكل منها رقابة على الأخرى في نطاق اختصاصها بحيث يكون نظام الحكم قائماً على أساس أن " السلطة تَحُدّ أو توقف السلطة " Power should be a check to power ، وهو ما يعبر عنه بالفرنسية بـ " Le pouvoir arrête le pouvoir " ، فيؤدي ذلك إلى تحقيق حريات الأفراد ، وضمان حقوقهم ، واحترام القوانين ، وحسن تطبيقها تطبيقاً عادلاً وسليماً ، فهذا ما يتفق وحكمة الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات التي هي تحقيق التوازن والتعاون بين السلطات ، وتوفير الحيدة لكل منها في مجال اختصاصها .ولا يذكر مبدأ الفصل بين السلطات إلا مقترناً باسم الفقيه والفيلسوف الفرنسي ذائع الصيت البارون تشارلز لويس سيكوندات مونتيسكيو Montesquieu ، وذلك لما أبرزه من أهمية لهذا المبدأ ، وما حدده له من صياغة وأسلوب في التوضيح ، وذلك كله على النحو المبين في مؤلفه المشهور " روح القوانين" The Spirit of Laws/L'Esprit des Lois "الصادر سنة 1748 . وموضوع سلطات الدولة ووظائفها سبق أن تناوله العديد من الفلاسفة والفقهاء من قديم, وبخاصة أفلاطون وأرسطو ، كما أن موضوع الفصل بين هذه السلطات تلقى اهتماماً ظاهراً من الفقيه الإنجليزي جون لوك John Locke في أعقاب ثورة سنة 1688م ، وذلك في مؤلفه عن " الحكومة المدنية " Civil Gouvernement الصادر سنة 1690 . لقد كان لأفكار " مونتيسكيو" حول فصل السلطات صدىً كبير ، وأثر بالغ ، حيث تداولها المفكرون ، ونادى بها الفقهاء ، إلا أن خلافاً قد نشأ بين فقهاء القانون العام حول حقيقة مفهوم هذا المبدأ ومدلوله الصحيح ، فالبعض فهمه على أنه يعني الفصل المطلق بين السلطات ، وأن هذا هو السبيل الوحيد لتحقيق غاية المبدأ الأساسية في منع التعسف والاستبداد بالسلطة ، إلا أن الغالبية العظمى من الفقهاء ، قد فهمت المبدأ على نحوٍ آخر ، وهو أنه يعني الفصل المرن بين السلطات ، أي فصلاً مع التعاون بين السلطات ، ومع تبادل الرقابة فيما بينها .
ولكن ، وأياً ما كان الخلاف حول مفهوم مبدأ الفصل بين السلطات ومدلوله ، فمن الثابت أن المبدأ قد غدا منذ الثورة الفرنسية تياراً جارفاً ، ونشيداً عالمياً ، واعتبره الجميع أحد الأعمدة أو الأركان الرئيسة لقيام الحكم الديمقراطي. ورغم المزايا العديدة التي يتسم بها مبدأ فصل السلطات ، والفوائد التي يحققها ، فإنه ـ شأنه شأن غيره من المبادىء السياسية والقانونية ـ لم يسلم من النقد ، فقد عاداه بعض الفلاسفة والفقهاء ، ووجهوا إليه الكثير من سهام النقد ، وإن كانت لم تحظَ كما سنرى ـ بتأييد الفقه لها ، وذلك لأن مردها كان نتيجة تفسيرهم الخاطىء للمبدأ ، وعدم فهمهم لمضمونه الحقيقي كما تصوره " مونتسكيو " ؛ وأمام هذه الحقيقة ، فإن أوجه النقد التي ساقها مناهضي هذا المبدأ ، تفقد كل قيمة لها ، في حين أن المبدأ يبقى قائماً بمعناه الصحيح ، ويعتبر أفضل حماية لحقوق وحريات الأفراد ، ووقاية لهم من عسف الحاكم وتسلطه . وبناء عليه ، سنعالج هنا مبدأ الفصل بين السلطات من خلال تتبع نشأة هذا المبدأ وجذوره التاريخية ، ثم ننتقل بعد ذلك لبيان مدلوله الصحيح ، والمبررات التي قام على أساسها ، وأهم الانتقادات التي وجهت إليه والرد عليها ، وذلك من خلال الفروع الثلاثة التالية : الفرع الأول : نشأة مبدأ الفصل بين السلطات الفرع الثاني : مدلول مبدأ الفصل بين السلطات الفرع الثالث : مبررات مبدأ الفصل بين السلطات والانتقادات الموجهة إليه .

1- نشأة مبدأ الفصل بين السلطات :
ارتبط مبدأ الفصل بين السلطات باسم الفيلسوف السياسي الفرنسي " مونتيسكيو " الذي كان له الفضل في إبرازه كمبدأ أساسي لتنظيم العلاقة بين السلطات العامة في الدولة ، وكوسيلة لتفتيت السلطة ، ومنع تركيزها في يد واحد على نحوٍ يهدد حريات الأفراد ويعرض حقوقهم للخطر ؛ وإذا كان فضل مونتسكيو في ذلك لا ينكر ، إلا أن جذور المبدأ ترجع إلى زمن بعيد ، قبل القرن الثامن عشر بقرون عديدة ، فقد كان لأعلام الفكر السياسي الإغريقي أفلاطون وأرسطو دور مهم في وضع الأساس الذي قام عليه مبدأ الفصل بين السلطات .
كما كان " جون لوك " أول من أبرز أهمية هذا المبدأ في العصر الحديث ، في مؤلفه عن " الحكومة المدنية " الذي صدر سنة 1690 ، وكان ذلك بعد الثورة السياسية التي قام بها البرلمان الإنجليزي سنة 1688 ، والتي أدت إلى إعلان " وثيقة الحقوق " Bill of Rights سنة 1689 ؛ بيد أن مبدأ الفصل بين السلطات لم يأخذ الأهمية الكبيرة التي نالها ، ولم يتضح مضمونه ، وتتبلور معالمه وحدوده إلا بعد أن نشر " مونتسكيو " مؤلفه الشهير " روح القوانين " سنة 1748 ، حيث قام هذا الفيلسوف بدراسة آراء من سبقوه ، ثم صاغها صياغة جيدة ، وعرضها عرضاً واضحاً ودقيقاً ، ولذلك كان من حقه في الفكر السياسي أن ينسب إليه هذا المبدأ ، ويرتبط باسمه. وبناء عليه ، سوف نتناول بالدراسة فيما يلي نشأة مبدأ الفصل بين السلطات, من خلال الحديث عن نشأة هذا المبدأ قبل ظهور نظرية مونتسكيو ( أولاً ) ، ثم نتكلم بعد ذلك ـ وبشيءٍ من التفصيل ـ عن نظرية " مونتسكيو " ذاتها في الفصل بين السلطات ( ثانياً )

أولاً ـ مبدأ الفصل بين السلطات قبل ظهور نظرية مونتسكيو :
1- مبدأ الفصل بين السلطات في الفكر السياسي الحديث :
أ ـ كرومويل Cromwell ومبدأ فصل السلطات : إن التطور الحديث لمبدأ الفصل بين السلطات يرجع في الواقع إلى المدرسة الإنجليزية والتجربة الديمقراطية الإنجليزية ، حيث تطورت الملكية في انجلترة ـ نتيجة ثورة الأساقفة ـ من الملكية المطلقة إلى ملكية مقيدة تقوم على فصل السلطات ، ففي القرن السابع عشر صدر في انجلترة دستور كرومويل على أساس مبدأ فصل السلطات ، وكان هذا أول تطبيق عملي للمبدأ ، فقد أراد أوليفر كرومويل القضاء على الاستبداد الذي نشأ عن البرلمان الطويل ، فعمد إلى فصل السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية ، كما كان حريصاً على استقلال القضاء ؛ وعمل كرومويل في أنظمته المختلفة المتوالية على مراعاة ذلك ، على أنه بانقضاء عهده وعودة الملكية ، ألغي الدستور الجمهوري وعدل عن نظام الفصل بين السلطات ، فتلاشت أعمال هذا الرجل ، واندثرت بحيث لم يبقَ لها أي أثر لا في انجلترة ولا في البلاد الأجنبية.
ب ـ جون لوك John Locke ومبدأ فصل السلطات ( 1632 ـ 1704:(يعتبر جون لوك أول من كتب عن نظرية فصل السلطات في ظل النظام النيابي الذي تأسس في انجلترة عقب ثورة 1688, وتأثر " لوك " في نظريته هذه بالخلاف الذي كان قائماً بين الملوك من جانب والبرلمان الإنجليزي من جانب آخر ، فوضع نظريته بهذا الصدد على أساس أن كل نظام صحيح يجب أن يحكمه مبدأ الفصل بين السلطات؛ ووضح لوك آراءه في كتابه " رسالتان ( أطروحتان ) عن الحكومة " Two Treatises of Government ، وذلك في الأطروحة الثانية منه حول الحكومة المدنية Civil Government الذي نشر عام .1690
وتتلخص أفكار " جون لوك " بخصوص فصل السلطات في الآتي:
1- تقسيم السلطات العامة في الدولة : ذهب " لوك " في مؤلفه عن " الحكومة المدنية " إلى أن الفرد في حياة الفطرة السابقة على إبرام العقد الاجتماعيSocial Contract المنشيء للجماعة السياسية, كان يملك سلطتين : الأولى ـ هي سلطة اتخاذ الإجراءات التي يراها كفيلة بالمحافظة على نفسه وعلى الآخرين ضمن ما يرخص به قانون الطبيعة Law Of Nature . والثانية ـ هي سلطة توقيع العقاب على الجرائم التي تشكل خرقاً أو انتهاكاً لذلك القانون . وحين انتقل الفرد من حياة الفطرة إلى حياة الجماعة ، تنازل عن هاتين السلطتين للجماعة عند إنشائها, وهكذا نجد أن الجماعة السياسية Political Community بوصفها وارثة للأفراد الطبيعيين ، تملك سلطتين هما :
1 ) السلطة التشريعية Legislative Power ، وبموجبها تتولى وضع القواعد اللازمة لحفظ الجماعة وأفرادها
2 ) السلطة التنفيذية Executive Power ، وتقوم بموجبها بتنفيذ القوانين الوضعية في الداخل.
ولما كان على الجماعة أن تظهر كجسم واحد أمام بقية البشر الذين مازالوا في حالة الفطرة The State of Nature كان لابد من وجود سلطة خاصة تمثل الدولة في علاقاتها مع الخارج ، وهذا ما دعا لوك إلى القول بوجود سلطة ثالثة أسماها " السلطة الاتحادية أو الفيدرالية " Federative Power ، ومهمتها إعلان حالتي الحرب والسلم وعقد المعاهدات والتحالفات ومباشرة العلاقات الخارجية. ومع أن " لوك " سلم بفصل السلطة التنفيذية عن السلطة الاتحادية ، إلا أنه رأى أن اتحادهما طبيعي ، إذ " مادام أن كلاً منهما يحتاج في ممارسته لاستخدام سلطان الجماعة ، فإنه يغدو من غير الممكن عملاً وضع سلطان الدولة في أيدٍ مختلفة وغير خاضعة إما للسلطة التنفيذية وإما للسلطة الاتحادية ، لأن معنى ذلك أن السلطة العامة تستخدمها إرادات مختلفة ، وذلك يؤدي إلى التسبب في الفوضى والخراب ". غير أن ذلك لا يعني أن " لوك " يرى أن السلطتين التنفيذية والاتحادية مظهران مختلفان لسلطة واحدة ، إنهما في نظره سلطتان متميزتان ، حيث تتخصص كل منهما في عمل محدد لا يختلط بمجال عمل الأخرى ، فالسلطة التنفيذية تتخصص في الإشراف على تنفيذ القوانين المدنية أو المحلية Municipal Laws في مواجهة الرعايا ، بينما تتخصص السلطة الاتحادية في حماية أمن الدولة الخارجي ، والعمل على تحقق مصالحها العامة في الخارج. ويرجع السبب في اعتبار " لوك " السلطة الاتحادية منفصلة عن السلطة التنفيذية مع وجوب اتحادها في الوقت نفسه ، إلى ما كان عليه الحال في النظام الإنجليزي ، إذ كانت السلطة الاتحادية من اختصاص الملك الذي هو كذلك رئيس السلطة التنفيذية. وتجدر الإشارة إلى أن تقسيم " لوك " للسلطات العامة لا يتضمن أية إشارة إلى السلطة القضائية, وهو ما يعني أن " لوك " لم يكن يراها سلطة مستقلة ومتميزة عن السلطات الأخرى . والواقع أن لوك فيما ذهب إليه في هذا الصدد كان واقعاً تحت تأثير الوضع السائد في انجلترة في زمانه, فقد كان القضاة قبل ثورة 1688 خاضعين للتاج خضوعاً تاماً ، يتلقون منه الأوامر, وتهددهم باستمرار سلطته في عزلهم ، أما بعد هذه الثورة ، فقد تحرر القضاة من التبعية للتاج ليقعوا في قبضة البرلمان, الذي نجح في ترويض التاج, واستلم زمام السلطة السياسية ، وهو ما أفقدهم الاستقلال ، وحكم عليهم بالخضوع الكامل للأغلبية الحزبية المسيطرة في البرلمان.
2- وجوب الفصل بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية : ذهب " لوك " بخصوص العلاقة بين السلطات المختلفة التي تباشر وظائف الدولة إلى ضرورة الفصل بين السلطة التي تباشر وظيفة التشريع والسلطة التي تباشر وظيفة التنفيذ, ونبّه إلى خطورة جمع هاتين الوظيفتين في يد هيئة واحدة ؛ و برّر " لوك " وجهة نظره باعتبارين ، أحدهما عملي والآخر نفساني وفني :
* الاعتبار العملي : ويتمثل في أن عمل السلطة التنفيذية يتطلب بقاءها بصفة دائمة للسهر على تنفيذ القوانين وإجبار الأفراد على احترامها ، أما السلطة التشريعية فهي على العكس من ذلك ليست في حاجة إلى الانعقاد والاجتماع بصفة دائمة ، ذلك أن مهمتها مقصورة على سن القوانين ( أي وضع القواعد اللازمة لحفظ الجماعة وأفرادها ) ، ومثل هذه المهمة يمكن أداؤها في وقت قصير أو على فترات متقطعة ، فلا يستلزم الأمر أن تكون السلطة التشريعية في حالة انعقاد دائم ، إذ إن الدولة لا تحتاج إلى قوانين كل يوم ، ولكنها في حاجة إلى سلطة دائبة العمل تسهر على تنفيذ القوانين التي وضعتها السلطة التشريعية ، وإجبار الأفراد على احترامها.
* الاعتبار النفساني والفني : ويتحصل في أن منح سلطة تشريع القوانين وسلطة تنفيذها لنفس الأشخاص ، من شأنه أن يؤدي إلى التحكم ، ويغري بالاستبداد ، وذلك لأن النفس البشرية ـ بسبب ضعفها أمام قوة الإغراء ـ تجنح إلى الهوى ، وتميل إلى حب السلطة والتعلق بها ، وفضلاً عن ذلك ، فإنه من الممكن لأولئك الأشخاص ـ الذين يركزون في أيديهم سلطتي التشريع والتنفيذ ـ أن يعفوا أنفسهم أو يتحللوا من الخضوع للقوانين ، سواء عند وضعها أو عند تنفيذها ، ويجعلوها متلائمة مع مصلحتهم الذاتية الخاصة ، وينتج عن ذلك ظهور مصلحة مختلفة ومتميزة عن مصلحة الجماعة ، ومخالفة لها وللغرض من وجود الحكومة.
وعلى ذلك ، يجب في كل دولة منظمة يكون الصالح العام Public Good هدفها ـ كما هو المفروض ـ وضع السلطة التشريعية في أيدي أشخاص مختلفة ، يكون لهم ـ عندما يجتمعون بشكل قانوني ـ حق عمل القوانين بمفردهم أو بالاشتراك مع غيرهم ، وعندما ينتهون من وضع هذه القوانين ، ينفضون ويخضعون هم أنفسهم لها ، وهذا ما يجعلهم يضعون القوانين بعناية ودقة ، بقصد خدمة الصالح العام .
وحاصل القول ، أن " جون لوك " في كتابه عن " الحكومة المدنية " استطاع أن يوضح فائدة تقسيم السلطات ، ولكنه لم يتوصل إلى تحرير نظرية واضحة المعالم كما فعل من بعده مونتسكيو ؛ ومع ذلك ، فإنه لا جدال في أن نظرية " لوك " في فصل السلطات هي الأساس الذي أقام عليه " مونتسكيو " نظريته الخاصة بهذا المبدأ ، والتي تضمنها كتابه المشهور " روح القوانين ", إلا أن مونتسكيو حوّر عناصر نظرية الفيلسوف الإنجليزي وأنشأ منها خلقاً جديداً ، أو على حد تعبير الفقيه اسمان Esmein أوجد من النطفة مخلوقاً كامل النمو تام التكوين
2- مبدأ الفصل بين السلطات في الفكر السياسي القديم :
أ ـ أفلاطون ومبدأ الفصل بين السلطات ( 427 ـ 347 ق . م ) : - رأى أفلاطون Plato ـ منذ العهد القديم ـ ضرورة فصل وظائف الدولة ، وفصل الهيئات التي تمارسها عن بعضها ، على أن تتعاون كلها على الوصول إلى الهدف الرئيسي للدولة ، وهو تحقيق النفع العام للشعب ، وفي سبيل عدم انحراف هيئات الحكم عن اختصاصاتها وأهدافها ، تتقرر لها في مواجهة بعضها وسائل للرقابة ، يراد بها منع الانحراف ، ووقف كل هيئة عند حدود اختصاصها المحدد لها .وذهب أفلاطون في كتابة " القوانين " إلى توزيع وظائف الدولة وأعمالها المختلفة على عدة هيئات بحيث تمارس كل هيئة وظيفة معينة ، وبيّن هذه الهيئات على النحو التالي :
ـ مجلس السيادة ، ويتكون من عشرة أعضاء ، وهذه المجلس هو الذي يهيمن على مختلف الشؤون العامة في الدولة .
ـ جمعية تضم كبار الحكماء والمشرعين ، ومهمتها حماية الدستور من عبث الحكام ، و الإشراف على سلامة تطبيقه .
ـ مجلس شيوخ منتخب من الشعب ، ومهمته القيام بالتشريع ، أي سن القوانين اللازمة للدولة .
ـ هيئة قضائية تتكون من عدة محاكم على درجات مختلفة ، ومهمتها الفصل في المنازعات .
ـ هيئة البوليس " الشرطة " للمحافظة على الأمن داخل الدولة ، وهيئة الجيش للدفاع عن سلامة البلاد من الاعتداءات الخارجية . وبهذه الطريقة تتولى كل هيئة الإشراف على عمل معين ، وتسأل عنه ، وتتعاون جميع الهيئات على تحقيق المصلحة العامة ، وبهذا الأسلوب في الحكم تستقر الأوضاع في الدولة ، ويمكن تفادي الاستبداد الذي قد ينجم إذا ما ركزت جميع الأعمال في يد واحدة .
ب ـ أرسطو ومبدأ الفصل بين السلطات ( 384 ـ 322 ق . م ) : قرر الفيلسوف والمفكر العظيم أرسطو" Aristotle " في مؤلفه السياسة " Politics " أن السلطة لا تنبع إلا من الجماعة ، وبالتالي لا يجوز أن تسند إلى فرد أو أقلية من الشعب ، وإنما إلى الجماعة كلها ، وما دام القانون هو في الحقيقة تعبير عن إرادة هذه الجماعة ومظهراً لها ، فيجب أن يحكم تصرفات هذه الجماعة, وبذلك تكون السيادة في حقيقة الأمر لهذه الجماعة, أو بمعنى آخر للشعب. إلا أن تعدد وظائف الدولة وتنوعها وتشعبها ، يستلزم تقسيم تلك الوظائف إلى عدة وظائف فرعية ، نظراً لان الجماعة ـ صاحبة السيادة الحقيقية في الدولة ـ لن تستطيع لن تقوم بها مجتمعة ، وفضلاً عن ذلك فإن اجتماع السلطات كلها في يد شخص واحد كفيل بإفساد نظام الحكم من أساسه ، وتحويل ذلك الشخص إلى سلطة استبدادية غير صالحة للاستمرار؛ ومن هنا كان لابد من تقسيم وظائف الدولة إلى ثلاث وظائف رئيسية هي :-
1- المداولة ( الفحص والتشاورDeliberation ):- وهذه الوظيفة أناطها أرسطو بسلطة أسماها السلطة التداولية The Deliberative Power ويتولاها " المجلس العام " Public Assembly ، ومهمته فحص المسائل والقضايا العامة Public affairs ومناقشتها .
2- الأمر (وظيفة الحكم وإصدار الأوامر [u]Command) : [/u] وهذه الوظيفة يتولاها الحكام Magistrates وكبار الموظفين ، ومهمتها تنفيذ القوانين
3- القضاء أو العدالة ( [u]Justice ) :[/u] وهذه الوظيفة تناط بالسلطة القضائية Judicial Power التي تتولاها المحاكم بكافة أنواعها ودرجاتها, وتكون مهمتها الفصل في الخصومات والجرائم . وإذا كانت وظيفة ( الأمر ) ووظيفة العدالة تطابق في مفهوماتنا الحديثة السلطتين التنفيذية والقضائية ، فإن وظيفة المداولة ) لا تطابق )وظيفة التشريع ) التي نعرفها الآن ، وذلك أن ( المداولة ) تتسع عند أرسطو لأكثر من مجرد عمل القوانين ، بحيث يدخل فيها فضلاً عن ذلك كل ما يتصل بـ : السلم والحرب ، والمعاهدات ، وأحكام الإعدام ، والمصادرة ، والنفي ، وانتخاب الحكام ، والتدقيق على حساباتهم, وهو ما حمل " أرسطو " في خاتمته إلى اعتبار وظيفة المداولة ) بمثابة العنصر الأسمى في الدول ) . والواقع أن دعوة " أرسطو " لم تكن دعوة إلى الفصل بين السلطات ، بل كانت دعوة إلى تقسيم وظائف الدولة حسب طبيعتها القانونية ، غير أنه يجب ألا يغرب عن البال أن الفصل بين السلطات لا يمكن أن يتحقق ما لم يكن هناك تقسيم لوظائف الدولة ، ومن ثم فإن دعوة أرسطو ـ وإن لم تتضمن الدعوة إلى مبدأ الفصل بين السلطات ـ إلا أنها مهدت السبيل له ، وبالتالي فإنها تكون قد أسهمت في نشأته وتكوينه.

ثانياً ـ نظرية مونتسكيو في الفصل بين السلطات :
تعتبر نظرية مونتسكيو في فصل السلطات مرحلة من تطور فكري طويل ، حيث قام هذا الفيلسوف بدراسة أفكار من سبقوه حول هذا المبدأ، مستفيداً من إقامته بانجلترة لمدة عامين، ومتأثراً بالنظم الإنجليزية المعمول بها حينذاك، إلا أنه تعدى حدود هذه النظم، ولم يتأثر بالواقع العملي للحكومات السائدة في عصره ، ووضع نظرية عامة مثالية مقرونة باسمه, وعرضها عرضاً واضحاً ورائعاً في كتابه " روح القوانين " الذي ظهر عام 1748 م ، ولا تزال الأفكار التي طرحها تمثل حجر الزاوية في دراسات القانون الدستوري ، بل يمكن القول أنها تعد أساساً لكل حكومة منظمة ، وعنواناً لكل دولة مثالية بغض النظر عن الزمان أو المكان الذي توجد فيه هذه الحكومة أو تلك الدولة ، ولذلك كان من حقه في الفكر السياسي أن تنسب إليه هذه النظرية وترتبط باسمه.
1- عرض النظرية : عرض مونتسكيو نظريته في كتابه الشهير " روح القوانين " في الفصل السادس من الكتاب الحادي عشر منه ، وذلك تحت عنوان " دستور انجلترة " بادئاً القول بأنه : " يوجد في كل دولة ثلاثة أنواع من السلطة : وهي السلطة التشريعية ، والسلطة المنفذة للقانون العام ، والسلطة المنفذة للمسائل التي تعتمد على القانون المدني؛ فبموجب السلطة الأولى, يشرع الأمير أو الحاكم القوانين لمدة مؤقتة أو على سبيل الدوام ، كما له أن يعدل أو يلغي القوانين المعمول بها ، وبواسطة السلطة الثانية ، يقر السلم أو يعلن الحرب, ويرسل السفراء إلى الدول الأجنبية, ويستقبل سفراءها ، ويوطد الأمن في الداخل ، ويحتاط ضد كل اعتداء أو غزو من الخارج ، وأخيراً يستطيع الحاكم بموجب السلطة الثالثة أن يعاقب المجرمين, ويفصل في منازعات الأفراد, ويطلق على هذه السلطة الأخيرة " السلطة القضائية ", بينما تسمى الثانية ـ ببساطة ـ " السلطة التنفيذية للدولة ". وبعد أن ميز " مونتسكيو " السلطات الثلاث المذكورة ، وفصّل المهام التي تتولاها كل سلطة ، رأى ضرورة فصلها ، ووجوب توزيعها على هيئات مستقل بعضها عن بعض ، وذلك لأن اجتماع هذه السلطات الثلاث وتركيزها في يد واحدة يؤدي إلى فساد السلطة واستبدادها ، وتجاوزها للحدود الدستورية والقانونية ، والإضرار بحقوق الأفراد وتعريض حرياتهم للخطر. وفي هذا المعنى يقول مونتسكيو :« إذا اجتمعت السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية في يد شخص واحد ، أو تركزت في هيئة واحدة ، فلن تكون هناك حرية ، لأنه يخشى في هذه الحالة أن يقوم ذلك الشخص أو تلك الهيئة ) الحاكم نفسه أو مجلس الشيوخ ) بسن قوانين استبدادية جائرة Tyrannical Laws, وتنفيذها بطريقة ظالمة .
مرة أخرى ، لن تكون هناك حرية ، إذا لم تكن السلطة القضائية منفصلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ، لأنها إذا كانت متحدة أو مجتمعة مع السلطة التشريعية ، فإن حياة المواطن وحريته تصبحان عرضةً للتحكم والسيطرة الاستبدادية Arbitrary Control, لأن القاضي في مثل هذه الحالة سيكون هو مشرّع القانون ؛ وإذا كانت السلطة القضائية متحدة أو مجتمعة مع السلطة التنفيذية ، فإن القاضي قد يتصرف بعنف وقسوة Violence ويمارس الظلم والاضطهاد Oppression ». وباختصار, فإن كل شيء مهدد بالضياع عند مونتسكيو إذا ما اجتمعت السلطات الثلاث في قبضة شخص واحد أو هيئة واحدة, حتى ولو كانت قبضة الشعب ذاته, وعبَّر مونتسكيو عن ذلك بقوله « إن كل شيء سيضيع إذا مارس نفس الشخص أو نفس الهيئة ، سواء كانت مكونة من وجهاء البلاد ونبلائه أو من الشعب نفسه, هذه السلطات الثلاث : السلطة التي تسن القوانين, وتلك التي تعمل على تنفيذ القرارات العامة, والفصل في الجرائم والمنازعات الفردية. ويعطي " مونتسكيو " تعليلاً فلسفياً لهذه النتيجة التي توصل إليها ، يعتمد على أسس تاريخية وبشرية في آن واحد ، إذ يقول : « إن الحرية السياسية لا يمكن ضمانها إلا في الحكومات المعتدلة ، على أنها لا توجد دائماً في تلك الحكومات ، فهي لا تتحقق إلا عند عدم إساءة استعمال السلطة . فلقد أثبتت التجارب الأبدية أن كل إنسان يتمتع بسلطة يميل إلى إساءة استعمالها ، ويتمادى في استعمالها حتى يجد حدوداً توقفه . إنه ليس غريباً ـ من خلال هذه الحقيقة ـ أن نقول بأن الفضيلة نفسها في حاجة إلى حدود . ولكي نمنع أو نتفادى إساءة استعمال السلطة ، فإنه من الضروري ـ بطبيعة الأشياء ـ أن يكون النظام قائماً على أساس أن السلطة توقف أو تحد السلطة. ولكن لا يكفي لكي "توقف السلطة السلطة" أن يكون هناك فصل بينها ، أو أن يعهد ببعض من الاختصاصات إلى كل منها تباشره استقلالاً عن الأخرى ، وإنما يجب بالإضافة إلى ذلك ، أن تكون علاقاتها متكافئة ، أي أن يكون لكل سلطة من السلطات الثلاث ثقلاً ووزناً ، تستطيع بواسطته أو من خلاله أن تقاوم السلطات الأخرى.
والواقع أنه بغير ذلك لا تبدو أية فائدة من الأخذ بمبدأ فصل السلطات ، إذ ما الفائدة من فصل الوظيفة التنفيذية عن الوظيفة التشريعية إذا لم يتمكن صاحب التنفيذ أن يعمل إلا بإرشاد صاحب التشريع ؟ وما الفائدة من فصل القضاء إذا كان رجال السلطة القضائية يتبعون السلطة التنفيذية ؟ ويبدو من ذلك أن نظرية مونتسكيو لا ترمي إلى توزيع الوظائف من الناحية القانونية فقط ، بل إلى استقلال كل هيئة في ذاتها كذلك ، وقد عبر مونتسكيو عن ذلك بقوله : " يتحتم لإيجاد حكومة معتدلة تنسيق السلطات ، وتركها تعمل دون اندفاع ، أو بعبارة أخرى ، إعطاء كل منها ثقلاً تستطيع أن تقاوم به الأخرى ... " . ونخلص من هذا العرض لوجهات نظر " مونتسكيو " بخصوص مبدأ فصل السلطات إلى النقاط الجوهرية التالية : أ ـ قسّم " مونتسكيو " السلطات العامة في الدولة إلى ثلاث سلطات أساسية هي : التشريعية ، والتنفيذية ، والقضائية ، وبيّن المهام التي تضطلع بها كل سلطة. ب ـ أكد " مونتسكيو " أن توزيع السلطات وفصلها بهذه الصورة أمر ضروري ، فليس أخطر على الحرية ، وأقرب إلى الطغيان والاستبداد من جمع السلطات الثلاث في يد واحدة ، ولو كانت هذه اليد هي قبضة الشعب نفسه ، أو مجلس منبثق عنه ، فطبيعة النفس البشرية عبر القرون أثبتت أن الاستبداد قرين الاستئثار بالسلطة . ج ـ لم يتوقف " مونتسكيو " عند حد الفصل بين السلطات العامة في الدولة ، وإنما قال بضرورة رقابة السلطة ، أي أن تقوم السلطة بالحد من السلطة ، ومن هنا يمكن القول بأن" مونتسكيو " كان يعلن مبدأ من مبادىء فن السياسة ، وليس مبدأ من مبادىء القانون ، ذلك أنه لم يقترح تنظيماً للدولة ، وإنما قال بوسيلة تجنب السلطة صفة الكلية أو الشمولية. د ـ أكد مونتسكيو على حاجة السلطات العامة وبخاصة التشريعية والتنفيذية منها إلى تبادل الرقابة فيما بينها ، بحيث يكون للسلطة التشريعية إمكانية قيد السلطة التنفيذية والحد من غلوها وكبح جماحها, وأن يكون للسلطة التنفيذية ذات الإمكانية تجاه السلطة التشريعية ، فقد أوضح مونتسكيو مقدماً أنه لا فائدة من فكرة القيد الذاتي للسلطة ، ولذلك ينبغي أن يكون هذا القيد خارجياً عنها.
2- أثر نظرية مونتسكيو : كان لأفكار " مونتسكيو " أثرها الواضح على رجال الثورة في فرنسا وأمريكيا ، فذهبوا إلى أن فصل السلطات هو شرط الحكومة الدستورية الحرة ، وأعلنت الثورة الفرنسية ذلك صراحة في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في 26 أغسطس / آب عام 1789 ، فنصت المادة السادسة عشر منه على أن : " أي مجتمع لا تكون فيه الحقوق مكفولة ، أو فصل السلطات محدداً ، هو مجتمع ليس له دستور على الإطلاق ".غير أن الثوار في فرنسا ، قد انتهوا في تفسير فصل السلطات إلى أبعد مما كان يستهدفه مونتسكيو ، فقد كانت الفكرة الأساسية التي تدور حولها نظرية مونتسكيو أن تركيز السلطات Concentration of Powers في قبضة شخص واحد أو هيئة واحدة يعرّض حريات الأفراد العامة إلى الضياع ، وأنه تأسيساً على ذلك ، فإن فصل السلطات لا يعدو أن يكون قاعدة سياسية تفيد توزيع سلطات الدولة على هيئات عامة مستقلة ، يمكن لكل منها أن توقف الأخرى؛ وهو ما يعني أن مونتسكيو ما كان يتصور فصل السلطات فصلاً مطلقاً أو نهائياً يؤدي إلى استقلال الهيئات العامة استقلالاً كلياً ينتهي بها إلى نوع من العزلة ، وهو ما لم يفهمه الثوار في فرنسا ، فقد فسروا المبدأ بما يؤدي إلى الفصل المطلق أو التام ، بحيث تنتفي كل علاقة أو تداخل بين الهيئات القائمة على مباشرة هذه السلطات .

.../... يتبع

Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: القانون الدستوري - الجزء الرابع

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 06 يناير 2013, 11:42 am



2- مدلول مبدأ الفصل بين السلطات :
نشأ خلاف بين فقهاء القانون العام حول مفهوم أو مدلول مبدأ الفصل بين السلطات ، فالبعض فهمه على أنه يعني الفصل المطلق بين السلطات ، وأن هذا هو السبيل الوحيد لتحقيق غاية المبدأ الأساسية في منع التعسف والاستبداد بالسلطة . وهذا التفسير ـ رغم خطئه ـ ذاع وانتشر زماناً غير قصير ، وساد وطبق في غير قليل من الدساتير ، إلا أن الغالبية العظمى من الفقهاء قد فهمت المبدأ على نحو آخر ، وهو أنه يعني الفصل المرن أو النسبي ، أي فصلاً مع التوازن والتعاون بين السلطات ، وهذا هو التفسير الصحيح والسليم لذلك المبدأ ، والذي يأخذ به اليوم أساتذة فقه القانون العام .
وإذا كان الأمر كذلك ، فما هو مدلول كل من هذين التفسيرين ؟ وما هي الحجج التي ساقها كل منهما لتبريره ؟ ومن ناحية أخرى ، إذا كان بعض الفقهاء المعاصرين يرون أن " مونتسكيو " لم ينادِ بالفصل المطلق ، بل نادى بالفصل النسبي ، فما هي الأدلة التي يسوقها أنصار هذا الرأي لتبريره ؟ وما هو المدلول الصحيح لأفكار مونتسكيو حول هذا الموضوع ؟
وبناء عليه ستكون دراستنا لمدلول مبدأ الفصل بين السلطات مقسمة على النحو التالي :

أولاً ـ التفسير التقليدي لمبدأ الفصل بين السلطات (فكرة الفصل المطلق):
1- مضمون فكرة الفصل المطلق :سادت هذه الفكرة في الحقبة التي أعقبت الثورة الفرنسية French Revolution مباشرة, فقد فهم رجال تلك الثورة ومن عاصرهم من الفقهاء مبدأ الفصل بين السلطات على أنه فصل جامد ومطلق, أي أن كل سلطة من سلطات الدولة الثلاث يجب أن تباشر اختصاصاتها استقلالاً, ولا تتدخل في اختصاصات السلطات الأخرى . واستند رجال الثور الفرنسية في تفسيرهم إلى أن الأمة صاحبة السيادة تملك ثلاث سلطات ، وكل سلطة تمثل جزءاً منفصلاً ومستقلاً من أجزاء السيادة التي تملكها ، وعندما تختار الأمة ممثليها فإنها تفوض كلاً من هذه السلطات إلى هيئة عامة مستقلة ومتخصصة ، فتفوض إحدى هذه الهيئات الأمة في ممارسة السلطة التشريعية ، والأخرى في ممارسة السلطة التنفيذية ، والثالثة في ممارسة السلطة القضائية ؛ وهذه الوظائف الثلاث ليست مجرد اختصاصات مختلفة تصدر عن سلطة واحدة ، ولكنها سلطات مستقلة تعبر كل منها عن جانب من جوانب السيادة ، وتمارس نشاطاً متميزاً ومستقلاً .
ويترتب على ذلك ، قيام فصل مطلق بين هذه السلطات الثلاث ، وحصر كل سلطة منها في نوع معين من النشاط ، وأمام ذلك ، ذهب أنصار هذا الاتجاه إلى القول بأن مبدأ الفصل بين السلطات يقوم على قاعدتين تكمل إحداهما الأخرى : فهو يقوم أولاً على قاعدة التخصص الوظيفي fonctionnelle La règle de la spécialisation ، فتتعدد الهيئات العامة بقدر تعدد سلطات الدولة ، وتختص كل منها بأعمال سلطة معينة من هذه السلطات ؛ ويقوم ثانياً على قاعدة الاستقلال العضوي La règle de l’indépendance organique ، فتعد كل هيئة من هذه الهيئات مساوية لغيرها ومستقلة عنها, ولا يجوز أن تتدخل إحداها في أعمال الأخرى.
2- تطبيقات فكرة الفصل المطلق : أخذ أول دساتير الثورة الفرنسية الصادر في 3 سبتمبر سنة 1791 بهذا التفسير " الخاطىء " لمبدأ الفصل بين السلطات ، حيث جعل كل سلطة من سلطات الدولة في عزلة تامة عن بقية السلطات, وهو ما سار عليه أيضاً دستور السنة الثالثة الصادر في عام 1795 ، ويتبين ذلك ( أولاً ) من كون الوزراء إنما يجري تعيينهم وعزلهم بمعرفة رئيس السلطة التنفيذية وحده ، و ( ثانياً ( من أن الوزراء يجب أن يختاروا من غير أعضاء البرلمان ، و ( ثالثاً ) ليس للسلطة التنفيذية أي سلطان على السلطة التشريعية ، فليس لها أي تأثير على نظام عمل المجلسين ، فالمجلسين يمكنهما أن يجتمعا دون حاجة إلى سابق دعوة من السلطة التنفيذية ، وليس لهذه السلطة الحق في حل أي مجلس من المجلسين ، وفضلاً عن ذلك ، فإن السلطة التنفيذية لا تقوم بأي دور فيما يتعلق بالوظيفة التشريعية ، فليس لها مثلاً حق اقتراح القوانين ، وإنما كل ما لها هو مجرد توجيه نظر السلطة التشريعية إلى العناية بإصدار تشريع في مسألة معينة ، وكذلك ليس للسلطة التشريعية أي سلطان على السلطة التنفيذية. وقد كان الهدف من تلك العزلة أو الفصل المطلق بين السلطات هو منع الاستبداد وحماية الحرية, غير أنه سرعان ما تبين أن ذلك الفصل المطلق قد أدى إلى الاستبداد والطغيان وقمع الحريات ، وإقامة أبشع صور الإرهاب ، وذلك لأن انفراد كل هيئة من الهيئات الثلاث بسلطة من السلطات دون أن تشاركها فيها هيئة أخرى ، ودون أن تكون خاضعة لرقابة أو تدخل غيرها من الهيئات ، يفتح المجال أمام تلك الهيئة للاستبداد والتحكم ، لأنها لن تجد أمامها هيئة أخرى تقف في طريقها أو تحول بينها وبين الطغيان ، ومن أجل ذلك ، فقد عدلت الدساتير الفرنسية عن فكرة الفصل المطلق بين السلطات ، وانتهجت التفسير الحقيقي للأفكار التي نادى بها دعاة مبدأ الفصل " أمثال جون لوك و مونتسكيو " ، فأخذت بالفصل النسبي المرن الذي يسمح بوجود قدر من التعاون بين الهيئات العامة المختلفة ، دون أن يؤدي ذلك إلى حد إلغاء الفواصل بينها أو تمكين إحدى الهيئات من السيطرة على باقي الهيئات وإخضاعها لإرادتها.

ثانياً ـ التفسير الحديث لمبدأ الفصل بين السلطات ( فكرة الفصل المرن ) :
لم تعمر فكرة الفصل المطلق بين السلطات طويلاً ، وذلك لتعارضها مع وحدة السلطة في الدولة ، فالسلطات العامة في الدولة هي في الحقيقة جملة اختصاصات ترتد جميعاً إلى أصل واحد ، ومن ثم لا يمكن ممارستها بطريقة استقلالية كلاً منها عن الأخرى ، بل يلزم أن تقوم بين الهيئات التي تمارسها علاقات تعاون و تداخل ، تنسق بينها ، وتوجه نشاطها جميعاً إلى الهدف المشترك ؛ لذلك كانت النظرية التي سادت إبان الثورة الفرنسية ، والتي نادت بالفصل المطلق بين السلطات ، نظرية قصيرة العمر ، سرعان ما هجرت واستعيض عنها بمبدأ الفصل النسبي أو المرن بين السلطات.
ا - مضمون فكرة الفصل المرن : تقوم فكرة الفصل النسبي أو المرن بين السلطات العامة على أساس أن " سلطة الدولة تمثل وحدة لا تتجزأ " The state power forms a unity ، and is indivisible ، غير أن للدولة وظائف ثلاث هي الوظيفة التشريعية والوظيفة التنفيذية والوظيفة القضائية، وهذه الوظائف الثلاث يجب أن توزع على هيئات ثلاث ، بحيث تكون هناك هيئة تختص بممارسة التشريع، وهيئة تختص بممارسة أمور التنفيذ، وهيئة تباشر الوظيفة القضائية؛ غير أن تلك الهيئات عندما تباشر تلك الوظائف لا تباشرها باعتبارها سلطات منفصلة يمثل كل منها جانباً من جوانب السيادة ، بل باعتبارها مجموعة من الاختصاصات تصدر من سلطة موحدة هي سلطة الدولة ، وهذه الاختصاصات لا يمكن الفصل بينها فصلاً مطلقاً لسببين:
السبب الأول : أن هذه الاختصاصات جميعاً إنما تمارس لأجل تحقيق الصالح العام ، وبناء عليه فإنه يجب أن يقوم تعاون وتنسيق بين الهيئات التي تباشرها, وذلك لأجل تحقيق تلك الغاية .
السبب الثاني : مفاده أن هذه الاختصاصات يتداخل بعضها مع البعض الآخر لدرجة لا تسمح بالفصل بينها فصلاً مطلقاً ، وبناء عليه يجب أن تكون هناك درجة معينة من المشاركة في ممارستها بين الهيئات العامة المختلفة ، شريطة ألا تؤدي تلك المشاركة إلى إلغاء الفواصل القائمة بينها ، أو تركيز السلطة في يد واحدةٍ منها .
ب- تطبيقات فكرة الفصل المرن : عدلت أنظمة الدول الليبرالية عن فكرة الفصل المطلق بين السلطات كونها تمثل نظام خيالي لا يمكن أن يتم له التطبيق في العمل ، وانتهجت التفسير الصحيح للمبدأ ، والمتمثل في فكرة الفصل النسبي المرن ، فهذه الفكرة هي التي أمكن تطبيقها على صعيد الواقع ، كما أنها هي الفكرة السائدة في الفقه المعاصر ، وعلى أساسها ـ كما سنرى في المطلب الثاني ـ يجري تصنيف الأنظمة النيابية في الدول الديمقراطية الليبرالية .
ثالثاً ـ المدلول الصحيح لأفكار مونتسكيو حول مبدأ الفصل بين السلطات :
ذهب معظم فقهاء القانون العام إلى أن المفهوم الصحيح لمبدأ فصل السلطات ـ كما تصوره مونتسكيو ـ هو الفصل المتوازن بين السلطات العامة الثلاث في الدولة ، مع قيام قدر من التعاون فيما بينها ، لتنفيذ وظائفها في توافق وانسجام ، ووجود رقابة متبادلة بينها لضمان وقوف كل سلطة عند حدودها ، دون أن تجاوزها أو تعتدي على سلطة أخرى. وإذا كان الثوار في فرنسا ، ومن عاصرهم من الفقهاء ، قد انتهوا في تفسير فصل السلطات على أنه يعني الفصل المطلق أو التام ، فإن هذا التفسير خاطىء ، ويتجاوز حدود نظرية مونتسكيو ، وذلك لأن هذا الأخير لم يخطر على ذهنه مطلقاً أن يقيم فصلاً كاملاً بين الهيئات الحاكمة ، وإنما أقام بينها نوعاً من الاعتدال والانسجام في الحركة, وهذا ما أشار إليه مونتسكيو نفسه في معرض حديثه عن العلاقة بين البرلمان والحكومة في النظام الإنجليزي بقوله :« إن هذه السلطات الثلاث ستنتج حالة من الرقاد والكسل والتراخي ، ولكن نظراً لطبيعة الأشياء ، فإن عليها أن تتحرك ، وستجد نفسها مضطرة للحركة والتعاون بانسجام وتوافق »؛ ولا شك أن الإشارة إلى تنسيق الجهود والتعاون يعني أن الفصل بين السلطات ليس جامداً أو مطلقاً ، وإنما هو فصل مرن. وهذا الرأي يحظى ـ كما قلنا في البداية ـ بتأييد عدد كبير من الفقهاء المعاصرين ، نظراً للحجج القوية التي ساقها أنصاره لتبريره ، ويمكن إجمال تلك الحجج في الآتي :
1- إن الغاية الأساسية التي تغياها مونتسكيو من فصل السلطات هي تفادي إساءة استخدام السلطة وحماية حقوق المواطنين وحرياتهم ، بيد أنه يكفي لتحقيق هذه الغاية توزيع السلطات بين هيئات متعددة تستطيع كل منها أن تمنع الأخرى من الاستبداد بالسلطة ، بل إن هذه الغاية المنشودة لا تتحقق على الوجه الأكمل في نظام يقوم على الفصل المطلق بين السلطات, فالفصل المطلق يجعل من كل هيئة سلطة منعزلة تماماً Utterly Isolated عن باقي السلطات ، وتمارس اختصاصاتها بطريقة استقلالية قد تمكنها من إساءة استعمالها لأن السلطة المستقلة لا تجد أمامها عائقاً يمنعها من الاستبداد ، فالسلطات الأخرى لا تستطيع أن تتدخل في ممارستها لاختصاصاتها ، وبالتالي لا تستطيع أن تحول بينها وبين ممارسة الطغيان ، ومن ثم ، بدلاً من أن يكون هذا الفصل المطلق ضمانة ضد التحكم والاستبداد ، يهيئ الفرصة للتحكم والاستبداد.
ولعل ما وقع من استبداد وقمع للحريات ، وممارسة أبشع صور الإرهاب في ظل دستور 1791 الفرنسي ، ودستور السنة الثالثة 1795 من قيام الثورة الفرنسية كذلك ، أوضح دليل على أن الفصل المطلق لا يحقق حريات الأفراد ولا يحميهم من التحكم والاستبداد .
2- كما أن مونتسكيو درس مبدأ فصل السلطات تحت عنوان دستور إنجلترة وذلك في الفصل السادس من الكتاب الحادي عشر من مؤلفه "روح القوانين"؛ ومن الثابت أن إنجلترة لم تعرف في أية لحظة من لحظات تاريخها السياسي فكرة الفصل المطلق بين السلطات . ومعلوم أيضاً أن مونتسكيو كان من المعجبين جداً بالدستور الإنجليزي ، والمحبذين للأسس التي قام عليها.
3- وفضلاً عن ذلك ، فإذا ما رجعنا إلى الفصل السادس من الكتاب الحادي عشر من مؤلف مونتسكيو " روح القوانين " لوجدنا كثيراً من الفقرات يعترف فيها مونتسكيو للسلطة التنفيذية بحق المشاركة أو التدخل في بعض أعمال السلطة التشريعية ، فيعترف للسلطة الأولى بحق دعوة البرلمان إلى الانعقاد ، والحق في فض دورات انعقاده ، والاعتراض على القوانين ، وفي مقابل ذلك يقر بحق الهيئة التشريعية في مراقبة أعمال الهيئة التنفيذية والإشراف على كيفية تطبيقها للقوانين ؛ مما يعني بالتالي أن " مونتسكيو " لم يذهب إلى حد القول بالفصل المطلق بين السلطات بل قدّر دائماً وجود علاقة مستمرة بينها ، حيث يقول في ذلك : " إذا لم يكن للسلطة التنفيذية الحق في أن تقيد أو تكبح تجاوزات الهيئة التشريعية ، فإن هذه الأخيرة ستغدو مستبدة ، لأنه من الممكن أن تدعي لنفسها الحق في أي شيء ترغب فيه ، وبذلك ستدمر باقي السلطات الأخرى ؛ لذا فإن السلطة التنفيذية يجب أن يكون لها دور في مجال التشريع عن طريق سلطتها في المنع ( أي حق الاعتراض التوقيفي ) ، وبغير هذه السلطة لا تلبث أن تُسلب منها امتيازاتها .. وإذا لم يكن لدى السلطة التشريعية ـ في دولة حرة ـ الحق في أن توقف السلطة التنفيذية ، فإن لها الحق في أن يكون لديها الوسائل والإمكانيات لفحص طريقة تنفيذ القوانين التي تضعها " .

3- مبررات مبدأ فصل السلطات والانتقادات الموجهة إليه :
عرف مبدأ الفصل بين السلطات مجداً لم يلقه أي مبدأ آخر ، حيث وجد هذا المبدأ حظوة كبيرة لدى فقهاء القانون العام ، فأخذوا يتحمسون له ويدافعون عنه ، وذلك من خلال إبراز مزاياه وشرح مبررات الأخذ به وتطبيقه ؛ ولكنه شأنه شأن غيره من المبادىء السياسية والقانونية لم يسلم من النقد والهجوم عليه ، فقد عاداه بعض الفلاسفة والفقهاء ، ووجهوا إليه سهام نقدهم ، وشكّكوا في أصالته وفي جدواه .
وبناء عليه ، سنتناول بالدراسة مبررات مبدأ فصل السلطات ، ثم بعد ذلك نتناول الانتقادات الموجهة إلى هذا المبدأ ، وذلك وفقاً لما يلي :

أولاً ـ مبررات مبدأ الفصل بين السلطات :
أيد معظم رجال الفقه مبدأ الفصل بين السلطات ودافعوا عنه بحرارة ، حيث قام هؤلاء بتعزيز دفاع مونتسكيو المؤسَّس على أنه ضرورة لمنع الاستبداد وضمان الحقوق والحريات وسيادة القانون ، فضلاً عن أنه يحقق للهيئات المنفصلة أسباب التخصص والخبرة والإجادة.
وعلى ذلك ، فإن المبررات التي أدت إلى الأخذ بهذا المبدأ وتطبيقه تتلخص فيمايلي:
1- منع الاستبداد وصيانة الحريات : بيّنا من قبل أن الغاية الأساسية التي تغياها مونتسكيو من فصل السلطات هي تفادي إساءة استخدام السلطة ، وحماية حقوق المواطنين وحرياتهم, وبمعنى آخر ، فإن مونتسكيو قد نادى بمبدأ فصل السلطات كوسيلة لتفتيت السلطة ، ومنع تركيزها في يد واحدة على نحوٍ يهدد حريات الأفراد ويعرض حقوقهم للخطر. وقد عبر " ماديسون " عن هذا الفهم بوضوح في كتاب " الفدراليست " حيث يقول : " إن تَجَمّع ( تَكَدّس ) السلطات كلها ، التشريعية والتنفيذية والقضائية في يد واحدة ، سواء كانت تلك اليد هي يد حاكم فرد أو مجموعة من الحكام ، وسواء وصل أولئك الحكام إلى مناصبهم بالوراثة أو الانتخابات أو بفرض أنفسهم على المجموع, هذا التجمع الخطير هو أخص خصائص الاستبداد ، بل هو الاستبداد بعينه ".
وهذه الحقيقة غير خافية على أحد ، فطبيعة النفس البشرية أثبتت عبر القرون ، ومن خلال التجارب المستمرة ، أنها تجنح إلى الاستبداد إذا ما استأثرت بالسلطة ، وتنزع إلى إساءة استعمالها ؛ وقد عبر عن ذلك اللورد آكتون1834– 1902أحد كبار الساسة والمؤرخين البريطانيين السالفين بقوله : « إن كل سلطـة مفسدة ، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة ». وإذا كان الجميع متفق على أن السلطة ذات طبيعة عدوانية جشعة Power is of an encroaching nature ، وأنه يتوجب بالتالي تقييدها كيلا تتجاوز الحدود المقررة لها ، فإن الطريقة المثلى لمجابهة هذا الخطر تنحصر في توزيع السلطات ، حتى توقف كل سلطة عند حدها بواسطة غيرها بحيث لا تستطيع واحدة أن تسيء استعمال سلطتها أو تستبد بالسلطة.
2- تأكيد مبدأ المشروعية في الدولة : يعتبر مبدأ الفصل بين السلطات من الضمانات المهمة التي تكفل قيام دولة القانون Lawful State ، فهو وسيلة فعالة لكفالة احترام القوانين وتطبيقها تطبيقاً عـادلاً وسليماً؛ وقد أوضح مونتسكيو الصلة بين الحرية الواردة في الحجة السابقة ، وبين صفة الشرعية Legality في الدولة ، وذلك على أساس أن وجود هذه مرهون بصيانة تلك . وبيان ذلك ، أنه إذا جُمع التشريع والتنفيذ بيد واحدة زالت عن القانون صفته الأساسية, وهي كونه قواعد عامة مجردة توضع للمستقبل دونما نظر إلى الحالات الخاصة التي قد تؤثر في حيادها وعموميتها ، فتجنح بها إلى الجور أو المحاباة ؛ هذا الصفة في القانون لا تتحقق إن كان المنفّذ في نفس الوقت مشرّعاً, إذ يستطيع أن يعدّل القانون في لحظة تنفيذه على الحالات الفردية التي يحوطها الغرض, ويخشى بصددها الجور أو المحاباة ، وبهذا تنتفي عن القانون عموميته وحياده, وتنتفي عن الدولة تبعاً لذلك صفة حكم القانون بمعناه الصحيح ، ليسودها حكم الجور والأهواء ، فيضع المشرع قوانين جائرة ، وينفذها هو نفسه ـ باعتباره سلطة تنفيذية ـ تنفيذاً جائراً كذلك .
وهذا ما عبر عنه مونتسكيو بقوله : « إذا اجتمعت السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية في يد شخص واحد ، أو تركزت في هيئة واحدة ، فلن تكون هناك حرية ، لأنه يخشى في هذه الحالة أن يقوم ذلك الشخص أو تلك الهيئة - الحاكم نفسه أو مجلس الشيوخ - بسن قوانين استبدادية جائرة ، وتنفيذها بطريقة ظالمة » . وينطبق هذا القول تماماً على حالة الجمع بين سلطتي التشريع والقضاء ، أو الجمع بين التنفيذ والقضاء ، لأن من شأن هذا الجمع أن يحول القاضي إلى طاغية ، وهو ما أشار إليه مونتسكيو بقوله : « مرة أخرى ، لن تكون هناك حرية ، إذا لم تكن السلطة القضائية منفصلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ، لأنها إذا كانت متحدة أو مجتمعة مع السلطة التشريعية ، فإن حياة المواطن وحريته تصبحان عرضةً للتحكم والسيطرة الاستبدادية ، لأن القاضي في مثل هذه الحالة سيكون هو مشرّع القانون ؛ وإذا كانت السلطة القضائية متحدة أو مجتمعة مع السلطة التنفيذية ، فإن القاضي قد يتصرف بعنف وقسوة ، ويمارس الظلم والاضطهاد .
3- تحقيق الفوائد المترتبة على مبدأ تقسيم العمل : يتفق مبدأ الفصل بين السلطات مع مبدأ إداري مهم ، ويعتبر تطبيقاً سليماً له ، ألآ وهو " مبدأ التخصص وتقسيم العمل " Division and Specialization of Work الذي أصبحت تسير عليه كافة المشروعات الناجحة.
وإذا كان ذلك المبدأ يطبق في كافة المشروعات العامة والخاصة على حد سواء ، ويعتبر شرطاً أساسياً من شروط نجاحها ، فإنه من باب أولى واجب التطبيق على الدولة ، باعتبارها أكبر الأنشطة حجماً ، وأكثرها أهمية ، وأشدها تنوعاً ، وبالتالي أحوجها إلى التخصص وتقسيم العمل.
ويؤدي منطق مبدأ الفصل بين السلطات ـ كما سبق ورأينا ـ إلى توزيع وظائف الدولة الثلاث : التشريعية والتنفيذية والقضائية على هيئات أو سلطات ثلاث ، فتمارس الأولى مهمة التشريع ، والثانية مهمة التنفيذ ، في حين أن السلطة الثالثة تمارس مهمة القضاء ؛ وتقسيم الوظائف على هذا النحو يؤدي إلى تخصص كل سلطة من هذه السلطات بالمهام الموكلة إليها ، وإتقان كل سلطة لعملها ، وقيامها به على خير وجه ، مما يحقق في النهاية حسن سير العمل في كافة المجالات الرئيسية في الدولة : التشريعية والتنفيذية والقضائية.

ثانياً ـ الانتقادات الموجهة إلى مبدأ الفصل بين السلطات :
لم يسلم مبدأ الفصل بين السلطات ، رغم مزاياه الواضحة, من الانتقادات, شأنه في ذلك شأن أي مبدأ آخر, وإن كان بعض هذه الانتقادات له مبرراته المقنعة إلى حد ما ، إلا أن بعضها الآخر لا نؤيده ، وكلاهما لا يبرر العدول عن ذلك المبدأ المهم ، لما له من مزايا وفوائد عديدة أشرنا إليها آنفاً ، خاصة وأنه يمكن التخلص من مساوئه دون القضاء على المبدأ ذاته .ويمكن حصر أهم الانتقادات التي وجهت إلى مبدأ فصل السلطات في الآتي :
1- قيل إن تطبيق المبدأ غير ممكن ، فمباشرة خصائص السيادة بواسطة هيئات مستقلة عن بعضها أمرٌ غير مستطاع ، لأن هذه الخصائص كأعضاء الجسم البشري متصلة اتصالاً طبيعياً, والدولة كالآلة تماماً ، فكما أن سير الآلة يتطلب محركاً واحداً واتصالاً بين أجزاء الآلة المختلفة, كذلك وظائف الدولة المختلفة تحتاج إلى قيادة واحدة مركزة ، فلا يمكن فصلها وإسنادها إلى هيئات مختلفة مستقلة ، حتى لا يقضي هذا الفصل على وحدة الدولة ويؤدي إلى تعطيل أعمالها وتعريضها للخطر ، خصوصاً في أوقات الأزمات التي تحتاج إلى تجميع القوى وتركيز السلطات ، حتى يمكن التغلب عليها والتخلص منها. من الواضح أن أنصار هذا القول اعتقدوا أن المبدأ يقيم سياجاً منيعاً وحواجز صماء بين السلطات العامة في الدولة ، أي أنه يفصل بينها فصلاً مطلقاً ، ويمنع كل اتصال أو تعاون فيما بينها ؛ وهذا الاعتقاد ـ كما سبق ورأينا ـ هو اعتقاد خاطىء ، ويتجاوز حدود نظرية مونتسكيو حول هذا المبدأ ، حيث إن هذا الأخير لم يخطر على ذهنه مطلقاً أن يقيم فصلاً كاملاً بين الهيئات الحاكمة ، وإنما أقام بينها نوعاً من الاعتدال والانسجام في الحركة ، أي أنه قدّر دائماً وجود علاقة تعاون مستمرة ورقابة متبادلة فيما بينها . وأمام هذه الحقيقة ، فإن هذا الانتقاد يفقد كل قيمة له ، ويصبح غير ذي جدوى وجدير بالإطراح .
2- وقيل أيضاً ، إن الفصل بين السلطات يؤدي إلى تعدد الهيئات تعدداً يضعف من سلطة كل منها ، فتصير عاجزة عن أداء دورها ، وتشيع المسؤولية بينها على نحو يصعب تحديدها ، الأمر الذي يؤدي بكل سلطة إلى التهرب منها ، وإلقاء عبء المسؤولية على غيرها ، في حين أن تركيز السلطة يجعل الهيئة قادرة على تحقيق رسالتها ومسؤولة عن مباشرتها. ويمكن تفادي هذا الانتقاد أو على الأقل التقليل من شأنه ، إذا ما قامت الدساتير والتشريعات بتحديد اختصاصات ومسؤوليات وواجبات كل سلطة من السلطات الثلاث تحديداً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض ، وكذلك بتشديد الرقابة على كل سلطة بما لا يسمح لها بتجاوز اختصاصاتها ، وبما يكفل وقوفها عند حدها فيما لو حاولت تجاوز هذه الاختصاصات ، وعندئذٍ ينتفي تمزّق المسؤولية أو تجهيلها ، ويكون من السهل حصرها وتحديدها.
3- إن مبدأ الفصل بين السلطات أصبح الآن غير ذي موضوع ، فلقد كان الغرض منه في أول الأمر هو انتزاع السلطة التشريعية من يد الملوك للحد من سلطانهم المطلق ، أما وقد تحقق هذا الغرض ، فإن مبدأ الفصل بين السلطات في وقتنا الراهن يكون غير ذي جدوى أو فائدة.
ويرد على ذلك ، بأنه وإن كان هذا المبدأ قد ظهر إلى الوجود في بادىء الأمر كسلاح من أسلحة الكفاح ضد السلطة المطلقة للملوك ، فإنه لا يزال له في العصر الحديث جدواه ، فما زال الكثيرون يؤمنون بضرورته الأصلية وبفائدته الذاتية ، لأن تركيز السلطة يؤدي دائماً وأبداً إلى الشر والمفسدة والطغيان ، ولو وضعت في يد الهيئات الشعبية ؛ ولذلك ، فإن هذا المبدأ ـ بمفهومه الصحيح ـ يعتبر عماد الديمقراطية التقليدية ، بحيث إذا زال المبدأ انهدم أساس الديمقراطية ، وفي تجاهله تجاهل للديمقراطية ذاتها ؛ إن النظام الديمقراطي عدو لتركيز السلطة في يد واحدة ، ولا شك أن مبدأ الفصل بين السلطات يحقق هدف الديمقراطية ، وهو من خير الضمانات لحقوق الأفراد وحرياتهم ، وعقيدة جمهور الفقهاء وغيرهم ـ وهي عقيدة سليمة ـ أنه لا ديمقراطية بدون مبدأ الفصل بين السلطات .
4- إن مبدأ الفصل بين السلطات هو مبدأ وهمي غير مستطاع التحقيق ، فإذا كان مبدأ الفصل بين السلطات يستهدف أن تكون كل سلطة على قدم المساواة مع السلطتين الأخريين ، بحيث يكون لكل سلطة منها ثقلاً ووزناً تستطيع بواسطته أو من خلاله أن تقاوم السلطات الأخرى ، وتقف عقبة في سبيل استبدادها ، فإنه من الملاحظ عملاً ، وفي جميع الدول ، أنه لا بد وأن تطغى إحدى السلطات على باقيها ، فالميزان إما أن يميل إلى جانب السلطة التنفيذية ( حكومة الوزارة ) كما في إنجلترة ، وإما إلى جانب البرلمان كما كان الشأن في عهد الجمهوريتين الثالثة والرابعة في فرنسا ، وإن كان ميزان القوى قد مال مرة أخرى إلى جانب السلطة التنفيذية في ظل الجمهورية الخامسة في عهد الجنرال شارل ديغول ، وهو ما أظهرته كذلك التجربة الدستورية في الإتحاد الأمريكي . ويرد على ذلك ، بأن طغيان إحدى السلطات الثلاث وتفوقها على غيرها من السلطات الأخرى ليس عيباً يوجه إلى مبدأ الفصل بين السلطات ذاته ، بل يوجه إلى التطبيق العملي لذلك المبدأ ، وإلى القائمين على كل سلطة من السلطات الثلاث. ومن ناحية أخرى ، فإن رجحان إحدى السلطات وتفوقها على غيرها ، لا يحوّل مبدأ الفصل بين السلطات إلى وهم أو سراب ، أو كما يقال مجرد حبر على ورق ، وذلك لأن إحدى السلطات قد تعلو في فترة ما ولظروف معينة ، ثم لا يلبث الوضع أن يتغير بالنسبة إليها ، فتعلو سلطة أخرى مؤقتاً ، أو يعود التوازن من جديد ، وهذا ما أظهرته التجربة الدستورية في الولايات المتحدة ، حيث تناوبت كل سلطة من السلطات الثلاث التفوق ورجحان الكفة في إدارة دفة الحكم في البلاد دونما إهدارٍ للمبدأ ، حتى أصبح من المعروف أن هناك ثلاثـة نظم مختلفة وجدت في فترات مختلفة:
أ - حكومة الكونجرس Le Gouvernement Congressionnel وهي الفترة التي تميزت بهيمنة الكونجرس الأمريكي وتفوقه الواضح على سائر السلطات.
ب - حكومة القضاة Le Gouvernement des Juges وهي الفترة التي مارست فيها المحكمة الإتحادية العليا الأمريكية دوراً سياسياً واضحاً ، خاصة في الفترة ما بين الحربين العالميتين .
ج - الحكومة الرئاسية Le Gouvernement présidentiel أو كما يطلق عليها بعض الفقهاء " الرئاسة الإمبراطورية " Le Présidence Impériale وهي الفترة التي تميزت بتفوق نفوذ رئيس الجمهورية وتزايد سلطاته إلى حد كبير ، خاصة خلال الحرب العالمية الأولى.
أما إذا كان المقصود بعلو إحدى السلطات وتفوقها على غيرها ، هو طغيانها وسيطرتها تماماً على أعمال السلطات الأخرى ، لدرجة تصل فيها هذه الهيمنة إلى حد الخلط أو الاندماج ، فإنه في مثل هذه الحالة نخرج عن دائرة فصل السلطات ، ونكون بصدد مذهب تركيز السلطة ، ولا يكون هذا النقد عندئذٍ موجهاً للمبدأ المذكور ، وإنما نقداً موجهاً إلى الخروج على أحكام الدستور التي حددت اختصاصات كل سلطة من السلطات الثلاث في الدولة, وهذا الأمر ـ بهذه الصورة ـ لم يحدث مطلقاً في مجال تطبيق النظام الرئاسي في الولايات المتحدة الأمريكية, فالتاريخ الأمريكي يشهد بعدم انهيار الفصل بين السلطات ، أو انهيار الرقابة المتبادلة بين السلطات في حال تفوّق إحدى السلطات على غيرها ، فالرؤساء الأمريكيون في جميع الأوقات والفترات التي توالت على الولايات المتحدة لم يتوقفوا قط عن استخدام حقهم في الاعتراض على مشروعات القوانين التي يقرها الكونجرس ، وكذلك فإن القضاء الأمريكي لم يتوانَ لحظة عن التصدي لدستورية القوانين التي يسنها الكونجرس ، وتقريره لعدم دستوريتها إذا ما ثبت له ذلك ، كما أن الكونجرس بدوره لم يتوقف في أي وقت عن أداء واجباته الدستورية. ونخلص مما سبق إلى القول ، بأن الانتقادات الموجهة إلى مبدأ الفصل بين السلطات إنما ترجع إلى سوء فهمٍ لذلك المبدأ ، فهي لا تنصب عليه في ذاته ، وإنما تنصب على الإسراف في تطبيقه ، فهي تخص في الحقيقة بعض النتائج السيئة التي تنجم عن ذلك الإسراف, أما تطبيق المبدأ في حدوده المعقولة ، فإنه يجعله بريئاً من معظم ما وجه إليه من انتقادات, ويظل من أنجح الوسائل التي تكفل الحرية ، لأنه يهيء جواً من الاعتدال في شؤون الحكم, وهذا الجو هو الذي يمكن أن " تتفتح فيه وتنمو زهرة الحرية " .


[b]البقية في الجزء الخامس ====>> اضغط هنـــا[/b]

Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى