الطبيعة القانونية لقواعد حقوق الانسان

اذهب الى الأسفل

الطبيعة القانونية لقواعد حقوق الانسان Empty الطبيعة القانونية لقواعد حقوق الانسان

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 08 أغسطس 2013, 18:56


                                       الطبيعة القانونية لقواعد حقوق الانسان
         الكاتب أ: علاوة هوام. أستاذ مساعد أ، باحث بكلية العلوم الإنسانية و الاجتماعية و العلوم الإسلامية، جامعة باتنة.
  

ينصرف مفهوم قواعد حقوق الإنسان إلى تلك القواعد التي أقرتها وتعاملت بها الشعوب, على مر العصور بهدف تخفيف معاناة وآلام الإنسانية من الظلم والقهر والاضطهاد سواء في السلم أو وقت الحرب، وتشترك قواعد حقوق الإنسان مع قواعد القانون الدولي الأخرى بخصائص معينة وتنفرد عنها بخصائص أخرى نظرا لخصوصية موضوع حقوق الإنسان، وتأتي هذه الدراسة للبحث في الطبيعة القانونية لقواعد حقوق الإنسان، سواء من حيث الشكل أو الإلزامية، من خلال تتبع مسيرة تطور هذه الطبيعة من مرحلة الصفة المقررة إلى غاية الصفة الآمرة. هذه الصفة الأخيرة التي تثير مجموعة من الإشكالات القانونية على غرار التحلل من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.

Abstract:
The concept of human rights norms goes out to those rules adopted by the peoples who dealt with them over the centuries in order to alleviate the suffering and pain of humanity from injustice, oppression and persecution, whether in peace or in time of war. Certain characteristics are in common between the human rights norms and the rules of international law while some other characteristics are not because of the specificity issue of human rights. This study comes to look at the legal nature of the human rights rules, in terms of both shape and mandatory, by tracking the evolution of this nature from the stage of decisive character to the very peremptory character. This last character raises a range of legal problematic like the interruption from the international conventions on human rights.

مقدمة:
         ثمة حقيقة قد لا يختلف فيها اثنان، أن حقوق الإنسان أضحت حقيقة أكيدة على كل المستويات القانونية و السياسية وغيرهما، و لأدل على ذلك تلك المكانة التي باتت تشغلها على كل الأصعدة الرسمية منها و غير الرسمية،الوطنية منها و الدولية، فأصبحت تخصص لها حقيبة وزارية تكنى باسمها و أفردت لها مقررات دراسية ترافق المتمرس طوال دراسته، و أنشئت لها جمعيات تحمل على عاتقها إعلاء راية حقوق الإنسان في كل المحافل الوطنية، و قبل ذلك كله دسترة(1) حقوق الإنسان و تخصيص فصول من الدستور للتغني و الإشادة و حماية حقوق الإنسان، هذا على الصعيد الوطني.
         أما على الصعيد الدولي فقد أصبحت حقوق الإنسان شأنا دوليا، تم تقنينه و تجسيده في أهم الوثائق الدولية ابتداء من ميثاق الأمم المتحدة و مرورا بالوثائق الاتفاقية الأخرى المتخصصة بهذا الموضوع بالذات، ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد بل تجاوزته إلى إنشاء آليات اتفاقية و غير اتفاقية عهد إليها مراقبة تطبيق و تنفيذ ما تم تقنينه من قواعد ذات صلة، ورصد بؤر انتهاك هذه الحقوق و من ثم إنزال ما يلاءم على ذلك من جزاءات و عقوبات.
و بذلك يتم رصد مستويين من الاهتمام بحقوق الإنسان، فأما الأول فهو ذو جانب قانوني و فيه تم تكريس حقوق الإنسان في ثوب قواعد قانونية سواء أكانت دولية أم داخلية، اتفاقيات دولية أم قوانين داخلية، ابتداء من قيمة النصوص قوة و المتمثلة في الدساتير، أما المستوى الثاني فهو تتمة للأول و إعمال له، ويتمثل في إشراك كل الوسائل و المنابر من أجل النهوض بحقوق الإنسان و تعزيزها كالإعلام و المجتمع المدني و نحو ذلك.
         غير أن الإشكال الذي يستلزم إماطة اللثام عنه، وبيان حقيقته هو طبيعة تلك النصوص التي أفرغت فيها حقوق الإنسان، ولئن كان الإشكال يخف في النصوص الداخلية التي تعلم طبيعتها و وقيمتها، فإنه يطرح بشدة بشأن النصوص الدولية ذات الصلة، لا سيما إذا علمنا أنها جزء من منظومة قانونية دولية لا تزال تراوح مكانها من حيث الإلزام و توقيع الجزاء على المخالف لها وهو الذي لا زال في مرحلة النمو، مما فتح الباب على مصراعيه أمام رجال الفقه لتقديم أسباب كثيرة لتبرير ذلك، ليس المقام ذكرها.
         و تأتي هذه الدراسة للبحث في الطبيعة القانونية لقواعد حقوق الإنسان، سواء من حيث الشكل أو من حيث الإلزامية، فهل قواعد حقوق الإنسان قواعد ملزمة، أم أنها غير ذلك، ليصدق عليها قول القائل قواعد غير ملزمة لشيء ملزم، أم أنها قواعد ملزمة و ذلك نظرا للموضوع الذي تحويه، هذا من جهة، و من جهة أخرى تفرض علينا الإشكالية أيضا دراسة الجانب الشكلي للقواعد القانونية ذات الصلة باعتبارها قواعد مكتوبة أم أنها قواعد عرفية و إن تم وضعها في قواعد اتفاقية مكتوبة، ولا يخفى على أحد آثار ذلك من الناحية القانونية، سيما من ناحية قيام المسؤولية الدولية و عدمها كما سنرى بعد.
         و من أجل ذلك نحاول الإجابة على الإشكالية من خلال إتباع البنيان التالي:
- مفهوم قواعد حقوق الإنسان.
- الخلاف الفقهي حول قيمة القواعد القانونية لحقوق الإنسان.
- إلزامية قواعد حقوق الإنسان و الإشكالات القانونية التي تعترض ذلك.

أولا : مفهوم قواعد حقوق الإنسان :
         يتوقف الوصول إلى تعريف قواعد حقوق  الإنسان، حسبما أراه على تعريف حقوق الإنسان ذاتها لأن هذه الأخيرة هي الأصل الذي تنشئه أو تكشفه القاعدة القانونية، وهي المحل الذي تسعى إلى تنظيمه و حمايته، ولذا يكاد يكون من الضروري التعرض و لو بإيجاز إلى تعريف حقوق الإنسان، حتى يتسنى لنا الثبات على تعريف لقواعد حقوق الإنسان.
أ - تعريف حقوق الإنسان : يعتبر موضوع حقوق الإنسان و ثلة من المواضيع الأخرى من المواضيع التي لم تلق الإجماع بشأن تعريف لها، وهو ما تعكسه المئات من التعريفات المقدمة من رجال الفقه على اختلاف تخصصاتهم لحقوق الإنسان من جهة، وخلو الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان من الإشارة إلى تعريفها من جهة أخرى، وهو ما نعتبره مفارقة غريبة، كيف لا وحقوق الإنسان التي أصبحت في وقتنا الحالي حقيقة أكيدة لها أصل قديم و حاضر مسيج بسياج مقدس شرعا ثم قانونا، لم يستطع المهتمون بها و بدراستها الاتفاق على تعريف لها، و لا يزالون مختلفين حول موضوعها و طريقة دراستها، و لا شك أن هذا مدعاة للوقوف عند أسباب الاختلاف و المعوقات التي حالت دون الوصول إلى توافق عالمي، و اتفاق فقهي حول تعريف حقوق الإنسان وهي الأسباب التي نشير إلى بعض منها فيما يلي(2) :
أ - 1 : أسباب عدم التوافق العالمي حول مفهوم حقوق الإنسان
         يعزو الباحثون في مجال حقوق الإنسان عدم الاتفاق على تعريف لحقوق الإنسان إلى جملة من الأسباب منها :
- حداثة موضوع حقوق الإنسان و حداثة مصطلحه، بالرغم من قدم محله و قدم الاهتمام به، فقد اهتمت به فيما مضي الديانات السماوية و من بعد اجتهادات المفكرين و الفلاسفة، ومن بعد ذلك الدول و الأنظمة السياسية و الدستورية، وهو ما جعل لهذا الموضوع مفهوما يختلف باختلاف هذه الأنظمة و عقائدها(3).
- الاختلافات الإيديولوجية بين الشعوب، وهو ما يطلق عليه البعض بالخلافات المبدئية(4) فللعوامل الدينية و الثقافية دور كبير في تباين الرؤى و اختلاف الأفهام حول حقوق الإنسان فما يعتبره قوم حقا، قد لا يبدوا بالضرورة كذلك لقوم آخر.
- الاختلاف في المستوى المعيشي بين الدول، وما تعكسه من اختلافات حول أولويات الاهتمام بالحقوق، فتختلف بذلك سلوكات الدول في الاهتمام و الانشغال بطائفة من الحقوق على أخرى وهو ما يطلق عليه بالخلافات الظرفية(5)، فبينما تعطي الدول الشيوعية و الدول النامية الأولوية للتنمية الاقتصادية، و منه الاهتمام بالحقوق الإقصادية كالحق في العمل و الصحة و الضمان الاجتماعي و غيرها، نجد الدول الليبرالية تدندن حول الحقوق المدنية و السياسية، كالحق في الحياة و الحريات الدينية و غيرها، وهو ما تعتبره الدول الشيوعية و الدول النامية إعاقة لجهود التنمية و تثبيط لها.
- اعتبار حقوق الإنسان من المواضيع النسبية التي ترتبط بالفلسفة السياسية للمجتمع، وهو ما يظهر مثلا في الاختلاف بين الدول حول الاهتمام بفكرتي الأمن و الحرية، فمن الدول من تعطي الأولوية للأمن معتبرة أن ظروفها الخاصة تتطلب من سلطاتها ضبط بعض الحريات و تقييدها وتأجيل تطبيق بعض الحقوق إلى حين زوال المخاطر التي تحول دون تطبيقها، بينما ترى دول أخرى أن السبيل الصحيح لتحقيق الأمن هو التمتع الفعلي بالحقوق، لأن منغصات الأمن و مقوضاته تجد شراراتها في انتهاك الحقوق و مصادرتها.  هذه فقط غيض من فيض تلك العوائق و التي نجم عنها خلاف فقهي كبير بشأن حقوق الإنسان، و هو ما أثمر عدة تعريفات لحقوق الإنسان، حاول الفقع فيها بشكل أو بآخر الإحاطة بمفهوم حقوق الإنسان، وفيما يلي باقة من التعريفات المقدمة لحقوق الإنسان، منها ما اعتبر علم من العلوم أو فرع من فروع القانون الدولي، ومنه من ربطها بالطبيعة الإنسانية للفرد على النحو التالي:
أ - 2 : اعتبار حقوق الإنسان فرع من فروع العلوم: و هو الطرح الذي قدمه مجموعة من الأساتذة و المفكرين الغربيين و هم بصدد تعريف حقوق الإنسان، وهو ما تبينه التعريفات التالية:
- التعريف الأول: و هو للفقيه ( ريني كاسان ) و يرى هذا الأخير أن : ( حقوق الإنسان هي فرع خاص من فروع العلوم الاجتماعية، يختص بدراسة العلاقات بين الناس استنادا إلى كرامة الإنسان بتحديد الحقوق و الرخص الضرورية لازدهار كل كائن إنساني) 6.
التعريف الثاني: و هو تعريف ( كارل فازاك) ( و هو علم يتعلق بالشخص لا سيما الإنسان العامل الذي يعيش في ظل دولة، و يجب أن يستفيد من حماية القانون عند اتهامه بجريمة، أو عندما يكون ضحية حالة حرب عن طريق تدخل القاضي الوطني أو المنظمات الدولية، كما ينبغي أن تكون حقوقه لا سيما الحق في المساواة متناسقة مع مقتضيات النظام العام ) 7.
التعريف الثالث: و هو تعريف ( توماس برجونتال )، ويرى أنها هي : ( القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو القانون المتعلق بحماية الأفراد و الجماعات ضد انتهاكات الحكومات للضمانات الدولية المتعلقة بتلك الحقوق كما أنه يتعلق بترقية تلك الحقوق (Cool.

أ - 3: ربط مفهوم حقوق الإنسان بالطبيعة الإنسانية للفرد: و هي التي تربط مفهوم حقوق الإنسان بالمطالب البشرية و الحاجات الإنسانية التي لا يمكن للفرد العيش بدونها، مع الاختلاف في بعض النواحي كتسميتها و مصدرها و إعمالها و طريقة حمايتها، و عبر هذه التعريفات -كنماذج فقط- يتضح هذا المقال
- التعريف الأول : ( هي ما يثبت للإنسان باعتباره إنسانا دونما اعتبار آخر فهي تهدف للحفاظ على كيان الإنسان المادي و المعنوي من كل ما ينتقصه) (9).
- التعريف الثاني: ( تعني حقوق الإنسان حرفيا تلك الحقوق التي تؤول إلى الفرد لأنه بشر أي حقوقه كإنسان ) (10).
- التعريف الثالث : ( هي مجموعة الحقوق الطبيعية التي يمتلكها الإنسان و اللصيقة بطبيعته والتي تظل موجودة و إن لم يتم الاعتراف بها، بل أكثر من ذلك حتى لو انتهكت من قبل سلطة ما و بعبارة أخرى حقوق الإنسان هي حقوق لصيقة بالإنسان بوصفها حقا سياسيا طبيعيا، وبذلك لا يستطيع أحد أن يقيد هذا الحق، كما لا يؤثر انتهاكها في وجودها ) 11.
- التعريف الرابع: ( هي حقوق تولد مع الفرد و لا يحتاج في ممارستها إلى اعتراف الدولة، أو حتى تدخلها و إنما يتحدد دور الدولة بمجرد تنظيم استعمال هذه الحقوق من قبل الأفراد و رفع التعارض المحتمل بينها أثناء استعمال هذه الحقوق ) 12.
- التعريف الخامس : ( هي الإشارة إلى ما ينبغي الاعتراف به للأفراد من حقوق تحتمها الطبيعة الإنسانية كحد أدنى و تفرضها فرضا لازما، ضمانا لحرية الأفراد من تحكم الدولة واستبدادها)13
- التعريف السادس: ( هي الحقوق التي تتجاوز الإطار الوضعي و لا يحتاج إعمالها إلى تشريع وضعي وطني، لأنها من القواعد الأساسية في المجتمع الدولي، و كل دولة تتخلى عن هذه القواعد تعد في قائمة الدول الاستبدادية، وهو ما معناه أنها ما هي إلا تطبيق و انعكاس للقواعد الآمرة في المجتمع الإنساني)14
- التعريف السابع : ( هي تلك الحقوق المشتركة بين الناس لا يستأثر بها أحد على سبيل الاستئثار و الإنفراد، تعطي للأفراد سلطات معينة يسبغ عليها القانون حمايته من أي اعتداء يقع عليها ) 15.
- التعريف الثامن: ( هي حقوق طبيعية لا تعطى و لا تمنح و لا توهب من أحد لأحد، فهي حقوق أصلية متأصلة في طبيعة الإنسان يعلن أو يكشف عليها في الدساتير و العهود و المواثيق والإعلانات) 16
- أما مفهوم حقوق الإنسان في الإسلام17 فهو مفهوم كامل بتصور كامل لهذه الحقوق تأسيسا لها- الحقوق- من جهة و تقييدا للسلطة من جهة أخرى، في ظل نظام فريد متكامل و رؤية ثاقبة لنظام الدولة الخاضعة لأحكام الشرع، ومنه فإن مفهوم الحقوق في الإسلام يتجاوز حده ليصل إلى حد مرتبة الواجبات التي يؤثم من فرط فيها فالحقوق- حسبه -ضرورات إنسانية فردية و جماعية و لا مجال لحياة الإنسان من دون هذه الحقوق التي تعطي للحياة معناها الحقيقي، ولأدل على ذلك تلك الحقوق التي أحاطها الإسلام بتلك الضمانات و القواعد الواضحة و الصريحة و الملزمة كالحق في الحياة و الحق في الحرية، والحق في حماية العرض و الشرف،،،،، إلخ.
         و عليه يمكن القول أن حقوق الإنسان في الإسلام هي تلكم القواعد و المبادئ التي تتناولها مصادر التشريع الإسلامي من كرامة الإنسان و احترامه و المحافظة على الكليات الخمس التي جاءت بها الشريعة الإسلامية. 
        إن أول ما يستوقف من يدرس شأن حقوق الإنسان، -و التعريفات السابقة دليل على ذلك- كثرة المفردات المستعملة للإشارة إليها و منها : الحريات و الحقوق، الحريات الأساسية، الحريات العامة، الحق الإنساني، حقوق الإنسان، .....  إلخ، و إن كان لكل من هذه العبارات جذور في تاريخ تطور حقوق الإنسان و نموها على كل صعيد من الأصعدة الفلسفية و السياسية و القانونية و ضمن كل من الأطر الوطنية و العالمية، ولها مبرراتها في القواعد و المعايير الخاصة لكل منها(18)، فإن الشائع هو استعمال حقوق الإنسان باعتبارها تعم و تشمل جميع المفاهيم الأخرى
        انطلاقا من هذه التعريفات يمكن القول بأن اصطلاح حقوق الإنسان يستخدم للإشارة إلى تلك المطالب التي يتعين الوفاء بها لجميع الأفراد، دونما أي تمييز بسبب النوع أو الجنس أو اللون أو العقيدة أو الأصل و يجب أن تكفل للأفراد جميعا التمتع بهذه الحقوق بحكم كونهم بشرا و باعتبار أن وجودهم بهذه الصفة لا يتحقق إلا بذلك.
        غير أنه لا ينبغي تصور ارتباط توفير هذه المطالب بالوجود الإنساني للفرد، ذلك أن هذا الوجود الإنساني لا يعني مجرد البقاء فحسب، و هذا ما يؤكد أن مفهوم حقوق الإنسان يتجاوز مجرد الضمانات التي تكفل المحافظة على النوع البشري ليشمل أيضا إقرار الضمانات التي تتيح للفرد التمتع بحقوقه و حرياته باعتباره كائنا حيا متميزا عن باقي الكائنات الأخرى.
        و عليه فإنه يكون ضروريا الربط بين فكرة البقاء و الوجود، وبين مفاهيم الكرامة و الحرية، وهو الجوهر الأساسي الأخلاقي في مفهوم حقوق الإنسان، ومنه يمكننا القول أن حقوق الإنسان هي :" المطالب المتأصلة في فطرتنا و التي لا يمكن لنا الحياة و العيش بدونها عيشة البشر".
        إن الشيء الذي يمكن الخروج به مما سبق، وعلى لسان البعض (19) هو أن حقوق الإنسان شكلت علما تجاذبته النقاشات العقائدية و الفكرية، فهو علم حديث توليفي، تتلقى عنده سائر العلوم الأخرى، علم يستوعب الحريات العامة و غيرها و يستدعي من أجل تطوره الاستعانة بمختلف العلوم الأخرى، لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل علم حقوق الإنسان عن سائر العلوم الأخرى.
        فعلي الصعيد غير القانوني يتطلب الأمر توافر بيئة سليمة ملائمة لاحترام الشخصية الإنسانية، وتوافر مستوى معين من التنمية و التربية و تحقيق قدر من الوعي الراقي، أما على المستوى القانوني فيحتاج الموقف تقنين مبادئ حقوق الإنسان في ثوب شرائع و نصوص قانونية داخلية كانت أو دولية تتظافر جهود كل العاملين في هذا الحقل من أجل تنظيمها و حسن تنفيذها و الرقابة على ذلك و الأخذ بيد كل منتهكها، هذه النصوص و القواعد سنحاول تعريفها في العنصر الموالي

ب : تعريف قواعد حقوق الإنسان : يقصد بقواعد حقوق الإنسان عند بعض الفقهاء تلك القواعد التي أقرتها و تعاملت بها الشعوب على مر العصور بهدف تخفيف معاناة و آلام الإنسانية من الظلم و القهر و الاضطهاد سواء في وقت السلم أو وقت الحرب 20.
        هذا و يمكن أن نعتبر أن قواعد حقوق الإنسان هي النصوص و المبادئ التي تضمنتها الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان (21) و غيرها من مصادر القانون الدولي التي لها صلة بحقوق الإنسان والتي تهدف إلى تكريس الحقوق أو تعزيزها أو حمايتها أو تقرير المسؤولية الدولية بشأن منتهكها.
        و قد تطورت هذه القواعد بتطور القانون الدولي و العلاقات الدولية، عبر مراحله الفاصلة والهامة سواء باتفاقيات لاهاي الأولى عام 1899 و الثانية عام 1907، ثم بعد ذلك مؤتمرات جنيف سنة 1925 و 1929، ثم إقرار مبادئ ميثاق الأمم المتحدة ثم توالى الاهتمام بها في إطار حماية الحقوق الأساسية للإنسان فصدر عن الأمم المتحدة سلسلة من النصوص القانونية شكلت فيما بعد بما يسمى بالقانونين الدولي لحقوق الإنسان و بالقانون الدولي الإنساني (22)

ثانيا :الخلاف الفقهي حول الطبيعة القانونية لقواعد حقوق الإنسان  
        من المعلوم بالضرورة عند معشر الحقوقيين أن المقصود بالطبيعة القانونية و إن كان المصطلح محل خلاف و جدل، هو تحديد التكييف و الوصف القانوني للشيء محل الدراسة و لذلك فإن المقصود بالطبيعة القانونية لقواعد حقوق الإنسان هو البحث في الوصف و التكييف القانوني لهذه القواعد باعتبار كونها قواعد ملزمة أو غير ملزمة، أو كونها اتفاقية أو عرفية ففي هذا الإطار نجد أن الكتابات الموجودة بين أيدينا، قد حصرت إجمالا التطور التاريخي لقواعد حقوق الإنسان في أربعة مراحل، دمجت فيها التكييفين السابقين و المراحل هي :
1: مرحلة الصفة المقررة  2: مرحلة الصفة العقدية 3: مرحلة الصفة الشارعة 4: مرحلة الصفة الآمرة.
و فيما يلي دراسة لهذه المراحل ابتداء، ثم مناقشتها من الناحية القانونية على هدي ما استقر عليه العمل القضائي الدولي:

أ - الصفة المقررة لقواعد حقوق الإنسان :
        يعطي بعض رجال الفقه(23) هذا الوصف و الصفة لقواعد حقوق الإنسان، باعتبار هذه الأخيرة كاشفة ومقررة عن مبادئ قديمة استقر عليها المجتمع الإنساني عبر تطوره التاريخي الطويل وصاغها على هيئة قواعد قانونية احتوتها الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، لأن حقوق الإنسان موجودة منذ خلق الإنسان، وهي ليست وليدة التطورات الاجتماعية و الأحداث العالمية كما يراها البعض، بل هي ضرورات و قدرات لا يمكن العيش بدونها.
        لأن التدقيق حسب هذا الرأي في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان يوضح بأنها تضمنت نظاما أخلاقيا و إن كان غريبا، وجد نتيجة الاستجابة للضغوط الأخلاقية و الجهود التي بذلتها القوى المتنوعة المنتمية إلى العالم الثالث التي تعاطفت معها بعض القوى الغريبة، ومن هذه الحقوق نذكر الحق في تقرير المصير، الحق في التنمية و المحافظة على الموارد و الثروات و غيرها..
قد أصاب هذا الرأي الصواب باعتباره أن قواعد حقوق الإنسان الموجود الآن تعكس رحلة تطور موضوع حقوق الإنسان بتطور حياة هذا الأخير الذي استدعى التنظيم الذي وصل إليه، سن قواعد حقوق و إفراغها في قواعد مكتوبة، من خلال رحلة كشف قواعد كانت موجودة سلفا.
        و من بعد إنشاء قواعد جديدة تخص هذه القواعد اقتضت الضرورة وجودها، لكن لا يمكن إعمال هذه الصفة لوحدها، لأن حقوق الإنسان لا تتوقف عند مجرد الكشف و الوصف، بل تتعدى ذلك إلى بيان طبيعة التصرف الذي أوجدها، وهو ما نطلق عليه بطريقة التعاقد أو الاتفاق و هو السلوك الذي بانت به حقوق الإنسان إلى العلن من ناحية التنظيم الوضعي.

ب :الصفة العقدية(24) لقواعد حقوق الإنسان
        من الصيغ الأكثر استعمالا في المجتمع الدولي لمواجهة وقائع و متطلبات تطورات الحياة الدولية: استخدام الصيغ التعاقدية التي قوامها أتفاق إرادة الأطراف المتعاقدة و المعبرة عن سيادتها في العلاقات الدولية، لتنشأ بذلك المعاهدات الدولية(25) التي تعد النموذج الأفضل للصيغ التعاقدية و لتكون المصدر الأساسي للقانون الدولي العام(26).
        و عليه إن عرف هذا، عرف بأن اتفاقيات حقوق الإنسان هي تعاقدات جماعية لا تظهر فيها إرادات الدول المنفردة بصورة واضحة، و تبرز الصفة التعاقدية في اتفاقيات حقوق الإنسان بجلاء فيما يلي:
ب 1 - السلطة التقديرية الواسعة التي تتمتع بها الدول في مجال تحديد مضمون الحقوق الواردة في الاتفاقيات، بما يلاءم الإيديولوجية السائدة بها.
ب - 2: ما أقره مؤتمر الأمن و التعاون الأوروبي سنة 1975 بحق كل دولة  في اختيار وتطوير نظامها السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي، وتحديد قوانينها و نظمها الداخلية وهو ما ينعكس بالشيء الكبير على حقوق الإنسان لارتباط الأخيرة أشد الارتباط بالأولى.
ب - 3: طبيعة المجتمع الدولي في حد ذاته و المتكون من وحدات متباينة بشدة في مستوياتها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، ومن ثم تختلف قدرات الدول على أداء التزاماتها بشأن حقوق الإنسان، مما ينبغي لها أن تتمتع بسلطة في تقدير و تفسير مضامين اتفاقيات حقوق الإنسان.
ب - 4 : تحفظ لجنة حقوق الإنسان عام 1967 من اتخاذ أي عمل يتعلق بشكاوى حقوق الإنسان لأن مثل هذا التصرف ينبغي أن يستند على تعاهدات اتفاقية صريحة.
        صحيح أن طريقة تقنين قواعد حقوق الإنسان من جهة القانون الدولي، تم أساسا في صورة اتفاقيات دولية و عقود أبرمتها دول فيما بينها، وهو ما نعتبره أحد أوجه الطبيعة القانونية لقواعد حقوق الإنسان، فهي في الأخير قواعد اتفاقية عقدية بين الدول و بناء على إرادتها تحت ضغط جملة من العوامل
        إن الصفة العقدية التي سنت قواعد حقوق الإنسان، تفترض تحديد مدى قيمتها القانونية، فهل هي مصدر لالتزامات ثنائية تبادلية بين الدول قد تكون محلا للمعاملة بالمثل مثلا، أو أنها ذات نوع خاص تنأى عن ذلك و عن غير ذلك، أي أنها من النوع الشارع الذي ينشأ قواعد جديدة لا يقتصر أثرها على أطرافها فقط، مما يتعين القول معه أن هذه الصفة العقدية قاصرة على استيعاب تطور موضوع حقوق الإنسان، مما يستوجب إعطاءها صفة الاتفاقيات الشارعة و هو ما يتضح في العنصر الموالي. 

ج - الصفة الشارعة(27) لقواعد حقوق الإنسان(28)
تتمثل الصفة الشارعة لقواعد حقوق الإنسان في عالميتها، أي أنها شأن عالمي و هو ما عبر عنه الميثاق الأممي بوضوح في المادة 55- فقرة ج بالقول : " رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار و الرفاهية الضروريين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم المتحدة مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب و بأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، تعمل الأمم المتحدة على :
أ : تحقيق مستوى أعلى للمعيشة و توفير أسباب الاستخدام المتصل لكل  فرد و النهوض بعوامل التطور و التقدم الاقتصادي و الاجتماعي.
ب : تيسير الحلول للمشاكل الدولية الاقتصادية و الاجتماعية و الصحية و ما يتصل بها و تعزيز التعاون الدولي في أمور الثقافة و التعليم.
ج: أن يشيع في العالم احترام حقوق الإنسان و الحريات الأساسية للجميع بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين، و لا تفريق بين الرجال  و النساء و مراعاة تلك الحقوق و الحريات فعلا.
        و يؤيد ذلك وصف الإعلان الصادر في : 10/12/1948 بالعالمي و ليس الدولي، وهو ليس بالوصف العفوي، بل هو مقصود من أجل توسيع حملة تكريس و حماية حقوق الإنسان. 
        كما أن العالمية ليست تعبيرا عن سيطرة عقائدية تمارسها مجموعة من الدول على بقية دول العالم، وإنما هو فهم مشترك لمختلف المجموعات كما أن تزايد عدد الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان و كثرة الدول الأطراف فيها و المنظمة إليها بالرغم من أنها تتناول مواضيع إنسانية لا تتحدد و لا تتعلق بدول معينة يجعل هذه القواعد ذات بعد عالمي.
        تقتضي صفة الشارعية التي تتصف بها حقوق الإنسان، أنها تخص و تلزم الدول المشاركة في إبرام هذه الاتفاقيات، مما يعطي لها صفة الإلزامية، وهو الوصف الذي لا بد أن ينسحب حتى على الدول غير المشاركة و غير المصادقة على هذه الاتفاقيات و ذلك احتراما لتعريف صفة الشارعية في الاتفاقيات الدولية، بمعنى أن لقواعد حقوق الإنسان وصف آخر إلى جنب هذا الوصف بمعنى أنها من النوع الآمر أو على الأقل بعضها، و هو ما يحتم علينا أيضا دراسة هذا العنصر :

د - الصفة الآمرة لحقوق الإنسان(29)  

        إن الصفة الآمرة التي عليها قواعد حقوق الإنسان اليوم كانت حصيلة جهد إنساني متواصل منذ قرون عديدة، أسهمت في إرسائها و توطيدها الديانات السماوية ثم الحضارات المتعاقبة فتبلورت على شكل قواعد سلوك تليق بالإنسان و تجنبه الآلام و الاضطهاد و الممارسات التعسفية والاستعباد، وهو ما معناه عدم مخالفة هذه القواعد أو الاتفاق على مخالفتها، وتتحدد الصفة الآمرة لقواعد حقوق الإنسان بناء على هذا الرأي و بناء على المحددات التالية :
د - 1 عدم قدرة الدول على الانتقاص من القواعد المتفق عليها و لا الاتفاق على الانتقاص منها و هو بلا شك الطابع الخاص الذي تتميز به القواعد الآمرة في القانون الدولي، والذي يظهر أساسا في عدم جواز الإخلال بها أو الاتفاق على ذلك أو عدم إمكانية تعديلها إلا بقاعدة لاحقة من قواعد القانون الدولي تحمل نفس الصفة.
د - 2 الصفة الشاملة و الملزمة التي تحملها قواعد التعامل الإنساني في النزاعات المسلحة المختلفة، والتي تعكس الجانب الإنساني لها، وهو ملزم للدول كافة و كذا المنظمات الدولية.
د - 3 الصيغة القانونية القاطعة و الحاسمة التي جاءت بها بعض القواعد القانونية المتعلقة بحقوق الإنسان و التي تدل على شمولية قواعد حقوق الإنسان و إلزامي، ومن بين هذه النصوص نذكر مثلا:
- نص المادة الخامسة من العهدين الدوليين للحقوق المدنية و السياسية و كذا الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ليس في هذا العهد أي حكم يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على حق لأي دولة أو جماعة أو شخص بمباشرة أي نشاط أو القيام بأي عمل يهدف إلى إهدار أي من الحقوق أو الحريات المعترف بها في هذا العهد أو إلى فرض قيود عليها أوسع من تلك المنصوص عليها فيه.

2 - لا يقبل فرض أي قيد أو أي تضييق على أي من حقوق الإنسان الأساسية المعترف أو النافذة في أي بلد تطبيقا لقوانين أو اتفاقيات أو أنظمة أو أعراف، بذريعة كون هذا العهد لا يعترف بها أو كونه اعترف بها في أضيق مدى.
- ما جاء في إعلان طهران بشأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و اعتباره يشكل التزاما على الدول الأعضاء في المجتمع الدولي(30) وذلك بالنص صراحة: أن من الواجبات التي لا مفر منها أن يفي أعضاء المجتمع الدولي بالالتزامات التي أخذوها على أنفسهم أمام الملأ بالعمل والتشجيع على احترام ما للجميع من حقوق الإنسان و الحريات الأساسية دونما تمييز لأي سبب كالعنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا و غير سياسي.
- إقرار جانب من الفقه بالصفة الآمرة لقواعد حقوق الإنسان الواردة في شرعة حقوق الإنسان والاتفاقيات الإقليمية لحقوق الإنسان.
        إن الصفة الآمرة التي قد أصبحت تمتاز بها بعض قواعد حقوق الإنسان و التي تقتضيها طبيعة موضوع هذه القواعد، لا تشمل كل القواعد بل تمس طائفة فقط و هو ما يثير إشكالا آخر يحتاج إلى دراسة و هو معرفة الآمر من قواعد حقوق الإنسان من غير الآمر، وفيما يلي إطلالة على رأي القضاء الدولي فيما يخص الطبيعة الآمرة لقواعد حقوق الإنسان.

رأي القضاء الدولي في المسألة :
        من المفيد التذكير في هذا المقام أن محكمة العدل الدولية و بموجب نظامها الأساسي في مادته 34، لا يمكنها البحث في قضية ما إلا إذا وافقت أطرافها على ذلك، و هنا نسأل هل يمكن تصور قضية يمكن فيها لدولة الوقوف أمام هيئة المحكمة قبل دولة أخرى بشأن انتهاك أحدهما لحقوق الإنسان ؟ من النادر أن توافق دولة بشكل إرادي على تقبل الانتقاد بشأن عملها في مجال حقوق الإنسان إذ من قليل الحدوث أن تنتقد دولة أمام قاض سلوك دولة أخرى في مجال مماثل، وعليه يرى البعض أنه لم تسنح الفرصة للمحكمة لكي تحكم في مثل هذه السلوكات في منطوق أحكامها ولم تحاول تقويمها(31) لكن بالبحث العميق في الأحكام القضائية(32) بشأن أسباب هذه الأحكام نجد أنها أعطت رأيها حول مضمون و أبعاد حقوق الإنسان، بل أحيانا يكون أساسا ضروريا لمنطوق الحكم، لكنها تمثل في بعض الحالات طابع الحكم بالمناسبة obiter dicta. 
        و من بين القضايا التي أشارت فيها إلى ذلك قضية " برشلونة تراكشن " barcelona tractionسنة 1970(33) التي ميزت فيها المحكمة بين نوعين من الالتزامات الدولية : الالتزامات السامية " Erga Omnes" التي تفرض على الدولة وجوب احترامها اتجاه المجتمع الدولي في مجمله، و الالتزامات الدبلوماسية التي تنشأ من خلال علاقات الدول فيما بينها و التي تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل(34) و هي في ذلك تقر بضرورة التمييز بين نوعين من الالتزامات التي تقع على الدول، التزامات تتحمل المسؤولية الدولية بشأنها أمام الجماعة الدولية في مجملها والتزامات بين الدول في إطار الحماية الدبلوماسية(35).
        ومن بين الالتزامات السامية " Erga Omnes" التي لا يجوز انتهاكها بأي شكل من الأشكال : وجوب احترام مبادئ حقوق الإنسان، باعتبارها تهم الدول كافة و دون استثناء و تؤسس المحكمة رأيها هذا بكون أن هذا النوع من الالتزامات يحقق للدول مصالح قانونية هامة من جهة، ومن جهة أخرى دورها في صيانة و حفظ السلم و الأمن الدوليين(36)
        كما استطردت المحكمة أن الالتزامات الدولية السامية تأخذ مرجعيتها من القانون الدولي المعاصر، مقدمة في ذلك جملة من الحقوق التي تدخل في حيزها على غرار امتناع الدول عن ارتكابها للأعمال العدوانية، وجرائم الإبادة و احترام مبادئ الحقوق الأساسية، كحماية الإفراد من العبودية و جميع أشكال التمييز العنصري.
        يرى جانب من الفقه(37) أن حكم المحكمة الدولية في هذه القضية قد ربط الحماية الدولية لحقوق الإنسان بفكرة النظام العام في القانون الدولي، وهو ما أدى إلى إعطاء نوع من الدعم إلى الفعالية و القوة القانونية للالتزامات السامية، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الدولة المنتهكة للالتزامات الدولية السامية يشكل عملها ذلك مساسا خطيرا بالمصلحة العامة المشتركة للجماعة الدولية، وهو ما يرتب في الأخير مسؤوليتها الدولية و هذا ما أفصحت عنه المحكمة في حكمها بالقول: " بأن الدول تتحمل مسؤولية دولية أمام الجماعة الدولية في مجملها بشأن الامتثال للالتزامات الدولية المتعلقة بالحماية الدولية لحقوق الإنسان(38) ،    هذا و قد أكدت المحكمة في رأيها عام 1951 بشأن التحفظات على اتفاقية منع و معاقبة جريمة الإبادة : على أن المبادئ التي تضمنتها هذه الاتفاقية هي مبادئ تعترف بها الأمم المتمدنة كمبادئ ملزمة حتى في غياب التزامات تعاقدية، ولذلك فإن أي محاولة للاستناد إلى المبدأ القاضي بأن المعاهدات لا تلزم الطرف الثالث، كما نصت عليه المادة(34) من قانون المعاهدات(39) هي محاولة غير سليمة و تفتقد إلى السند القانوني.
        حيث جاء في رأي المحكمة الاستشاري : " هدف الأمم المتحدة من إدانة و ردع المذابح الجماعية كجريمة ضد حقوق الإنسان، تؤدي إلى رفض الحق في الوجود لمجموعات بشرية بأكملها رفض يهز الضمير الإنساني، ويتسبب في خسائر كبيرة للإنسانية، وهو مناقض للعقيدة و القانون الأخلاقي و لروح و أهداف الأمم المتحدة (40)  كما استخلصت المحكمة " إن المبادئ التي تشكل أساس المعاهدة مبادئ معترف بها من طرف أمم متحضرة، ومن شأنها أن تلزم الدول خارج إطار كل رباط تفرضه المعاهدات(41)
        لأن المسألة بحكم أهميتها و تعلقها بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة كاحترام السيادة و منع استخدام القوة و عدم التدخل في شؤون الدول و حق تقرير المصير، تجعلها قاعدة من القواعد الآمرة في القانون الدولي و بالتالي لا يمكن مخالفتها من قبل الدول غير الموقعة عليها أو التي لم تصادق عليها قبل دخولها حيز التنفيذ، أو الدخول في أي اتفاقية من شأنها التعارض مع تلك القواعد الآمرة و إن لم تكن اتفاقية مكتوبة، لأنها قواعد عرفية دولية قبل أن تغدو اتفاقية مكتوبة و لا يمكن تغييرها أو تعديلها إلا بقواعد عرفية لها نفس المكانة(42).
        و ينتج عن هذا الكلام : أن على الدول غير المصادقة على اتفاقيات حقوق الإنسان احترام هذه القواعد، لتعلقها بميثاق الأمم المتحدة، ولما لها من أهمية كبرى في حياة الدول و المجتمع الدولي حسبما أفصحت عليه ديباجة  اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات و ترجمه ميثاق الأمم المتحدة في الفقرة السادسة من المادة الثانية (43) ، وأكدته أحكام القضاء الدولي في مناسبات عديدة(44) ، و بعيدا عن لغة القضاء فإننا نجد أن معهد القانون الدولي قد تبنى هذا الطرح في توصيته المؤرخة في : 13/09/1989و المتعلقة بموضوع " حماية حقوق الإنسان و مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول " و التي تضمنت مجموعة من البنود ذات الصلة نذكر منها(45):
- إن الالتزام الدولي المتعلق بحماية حقوق الإنسان يأخذ طابع الالتزام السامي "Erga Omnes" الذي تتحمل فيه الدولة مسؤولية دولية أمام الجماعة الدولية في مجملها، ولكل دولة مصلحة قانونية في حماية الإنسان.
- تخول التوصية لأي دولة القيام برد فعل لمواجهة انتهاكات دولة أخرى لالتزاماتها المتعلقة بضمان احترام حقوق الإنسان.
        إضافة إلى هذه التوصية نجد أن مشروع لجنة القانون الدولي في أحد قراءاته قد اعتبر أن انتهاك حقوق الإنسان يشكل جريمة دولية، حسبما تبينه المادة 19 منه بقولها : " يشكل الفعل غير المشروع دوليا جريمة دولية حين ينجم عن انتهاك الدولة التزاما دوليا هو من علو الأهمية بالنسبة لصيانة مصالح أساسية للمجتمع الدولي بحيث يعترف هذا المجتمع كله بأن انتهاكه يشكل جريمة.
        مع عدم الإخلال بأحكام الفقرة الثانية - السابقة - و بناء على قواعد القانون الدولي النافذة يمكن للجريمة الدولية أن تنجم خصوصا:
أ - عن انتهاك خطير لالتزام دولي ذي أهمية جوهرية للحفاظ على السلم و الأمن الدوليين، كالالتزام بتحريم العدوان.
ب - عن انتهاك خطير لالتزام دولي ذي أهمية جوهرية لحماية حق الشعوب في تقرير مصيرها كالالتزام بتحريم فرض سيطرة استعمارية أو مواصلتها بالقوة.
ج - الانتهاكات الجسيمة للالتزامات الدولية المتعلقة بحماية الكائن البشري مثل التي تمنع الاسترقاق و العبودية و الإبادة الجماعية و التمييز العنصري.... "
و بمناسبة اعتبار أن قواعد حقوق الإنسان في أصلها قواعد عرفية و إن كانت في مظهرها الخارجي اتفاقية مكتوبة، فإننا سنحاول و لو بإيجاز التطرق إلى هذه النقطة.
                                                        .../... يتبع
Admin
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الطبيعة القانونية لقواعد حقوق الانسان Empty رد: الطبيعة القانونية لقواعد حقوق الانسان

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 08 أغسطس 2013, 19:02


الصفة العرفية لقواعد حقوق الإنسان: 
        من المفيد التذكير بأن العرف الدولي الذي يشكل أحد مصادر القانون الدولي هو مجموعة القواعد القانونية التي نشأت في المجتمع الدولي نتيجة اعتياد الدول على إتباعها أمدا طويلا حتى استقرت و اعتقدت الدول بأن هذه القواعد ملزمة وواجبة الإتباع(46) وحتى يعتد بالعرف الدولي يستلزم توافرعنصرين : الركن المادي و المعنوي، ويستلزم تكوين الركن المادي شروط منها تكرار السلوك و العلانية و العموم و مرور فترة زمنية يتكرر و يستقر خلالها تولد الاعتقاد بإلزامية هذا السلوك الذي تكون بهدوء و روية.
        بيد أن الواقع الدولي قد شهد في العقود الثلاث الأخيرة طريقة جديدة لنشأة العرف الدولي، لا تستلزم مرور فترة زمنية طويلة يتكرر خلالها، بل أصبح العرف ينشأ بطريقة سريعة و خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما جعل البعض يطلق على مثل هذا النوع من العرف الفوري أو المتوحش(47)، ومن أمثلته القواعد الخاصة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة، وقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان و قواعد القانون الدولي الإنساني(48).
        و يرى أصحاب هذا الرأي أن هذا النوع من العرف يتقدم فيه العنصر المعنوي و يسبق في التكوين العنصر المادي، وذلك تحت طائلة من الأسباب جعلت من العرف الفوري ضرورة منها ما هو ذو طابع سياسي يتمثل في رغبة الدول في تطوير النظام القانوني الدولي، ومنها ما هو قانوني و اجتماعي يتمثل في التطور السريع الذي عرفه المجتمع الدولي، ومنها ما هو فني يرجع إلى مساهمة المنظمات الدولية و التصرفات الصادرة عن الدول بإرادتها المنفردة(49).
        و يرد على هذا الطرح جانب من الفقه، باعتبار أنه لا فرق بين العرفين من حيث الأركان العامة غاية ما في الأمر أن الخلاف يكمن في سرعة التكوين و ليس في عناصر التكوين التي هي واحدة و يرجع السبب في سرعة تكوين العرف المتوحش وروده على حالات سريعة التكرار و الحدوث في الواقع الدولي تمس أمورا حيوية شبه يومية في الحياة الدولية، فالملاحة في المناطق البحرية أمر يومي تمارسه الدول، كما أن مسائل حقوق الإنسان ينطبق عليها ذات الأمر، خاصة بعد تدويلها و تزايد الاهتمام الدولي بها، نظرا لعلاقتها الحيوية بالأمن و السلم الدوليين.
                و لذلك فمن السهل تكوين قواعد عرفية دولية تتعلق بحقوق الإنسان ما دامت السوابق تتكرر وتعتاد عليها الدول و تستقر على إتباعها و تعتقد إلزامي، خاصة إذا علمنا أن فقهاء القانون الدولي يجمعون على أن العرف مصدر أساسي للقواعد الآمرة، و الأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها أن العديد من الجرائم الدولية كالقرصنةو الإبادة و التمييز العنصري و أخذ الرهائن تم تنظيمها بمعاهدات دولية جماعية ذات طبيعة آمرة لا يجوز مخالفتها. 
                في ظل عدم وجود ما يلزم بالتدرج بين مصادر القانون الدولي المذكورة في المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية(50) فقد تطبق قاعدة عرفية خاصة بحقوق الإنسان في غياب قاعدة اتفاقية، و قد تعلوا قاعدة عرفية آمرة خاصة بحقوق الإنسان على قاعدة اتفاقية، و قد تطبق قاعدة عرفية آمرة خاصة بحقوق الإنسان في وجود قاعدة اتفاقية غير مصادق عليها من قبل دولة ما.  ثالثا:ء الذي يمكن الخروج به من خلال ما تقدم أن قواعد حقوق الإنسان المشمولة بالذكر و الحماية في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان قواعد آمرة بل و أساسية تهم كافة البشرية لكن و موازاة مع هذا الطرح القانوني تبقى هنالك إشكالية أخرى قد تشكك في هذا الأخير باعتبار أن النصوص القانونية  نفسها سمحت للدول الأطراف في مخالفة هذه النصوص سواء بالقيود العادية أو الاستثنائية هذا وإن كانت القيود العادية أمرا طبيعيا و ينسجم مع المنطق القانوني، إلا أن الأمر يختلف عن القيود الاستثنائية، و التي من أبرز مظاهرها التحفظ عن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وكذا التحلل من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ونظرا لخطورة هذا الأخير، نرى أن نتناوله بالدراسة(51) إذ كيف يمكن أن ننادي بإلزامية قواعد حقوق الإنسان في وقت تسمح هذه الأخيرة بالخروج منها.

ثالثا: إلزامية قواعد حقوق الإنسان و الإشكالات القانونية التي تعترض ذلك.  
                تجيز و ترخص الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، للدول الأطراف فيها مخالفة الالتزامات التي تضعها على عاتقها في بعض الظروف و الأحوال الاستثنائية و يطلق عليه نظام التحلل من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، فما المقصود به ؟.

أ - تعريف التحلل من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. 
                عزفت الاتفاقيات الدولية عن تعريف هذا المصطلح، مفسحة المجال للفقه في تقديم تعريف له وعليه وقبل الوصول إلى تعريف التحلل نرى أنه يكون من الضروري أن نحدد النصوص الدولية التي أشارت إليه سواء أكانت عالمية أو إقليمية، ثم بعد ذلك الوقوف عند تعريف التحلل.
                ففيما يخص النصوص العالمية نجد المادة 4 (الفقرة 1) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية  تنص على أنه : " في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميا يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى العهد "
                أما النصوص الإقليمية فنجد أن المادة 15 (فقرة 1) من الاتفاقية الأوروبية تنص على أنه : " في حالة الحرب أو الخطر العام الذي يهدد الأمة يجوز لكل طرف سام متعاقد أن يتخذ تدابير تخالف الالتزامات المنصوص عليها في هذه الاتفاقية ".
و كذا الاتفاقية الأمريكية فنصت المادة 27 ( فقرة 1) : " في وقت الحرب أو الخطر العام، أو غير ذلك من حالات الطوارئ التي تهدد إستقلال أو أمن أية دولة طرف، يجوز لهذه الدولة أن تتخذ تدابير للتخفيف من التقيد بالتزاماتها الواقعة عليها بمقتضى هذه المعاهدة ".
و نفس الشيء نص عليه الميثاق العربي في مادته الرابعة (فقرة1) : " في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تهدد حياة الأمة و المعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا الميثاق أن تتخذ في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع تدابير لا تتقيد فيها بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى الميثاق ".
هذه أغلب النصوص الدولية التي تكلمت عن حق الدول، في مخالفة الاتفاقية أثناء إعلانها لحالة الطوارئ و الواقع أن هذه المواد ليست إلا تطبيقا لمبدأ الضرورة، ذلك أن حماية المجتمع تقتضي في بعض الظروف الاستثنائية مخالفة الاتفاقيات بشكل مؤقت، وذلك من أجل استمرار الدولة في القيام بوظائفها، لضمان حقوق الإنسان و انتظام سير المرافق العامة(52).
و عليه و تأسيسا على هذه النصوص فإنه يمكن تعريف التحلل بأنه : " خروج الدول عن أحكام الاتفاقيات الدولية و عدم التقيد بها، سواء أكان الأمر بمخالفة الالتزامات المنصوص عليها في هذه الاتفاقيات أو تعطيلها وذلك في حدود الضوابط و القيود التي فرضتها هذه الاتفاقيات " فالتحلل في جوهره إذن هو رخصة قانونية منحتها الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان للدول يتم بموجبها عدم التقيد بهذه الاتفاقيات الدولية متى توافرت الشروط القانونية المنظمة لهذه الرخصة.
إذا عرف أن التحلل في أساسه إجازة قانونية تضمنتها الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، فهل يعني ذلك أن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان في حكم القواعد غير الملزمة و منه ننسف كل ما توصلنا إليه سابقا، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد استثناء تطلبته الضرورة على غرار باقي القواعد القانونية سواء في القانون الدولي أم الداخلي ؟.
في اعتقادنا أن هذا السؤال هو تفريع عن الجدل القائم أساسا حول ضرورة و خطورة التحلل(53) فلئن كان التحلل من الاتفاقيات الدولية هو إجراء أكثر من ضروري، -حسب الرأي المؤيد له -باعتباره وسيلة لإعادة التوازن المفقود بين مصلحة الجماعة وحقوق الفرد أي بين حماية النظام العام من الخطر موجب التحلل و بين التمتع بالحقوق.
ضف إلى ذلك فإن إدراج التحلل في حد ذاته هو تقييد لسلطات الدول في الحدود الاستثنائية لأنه من المعروف أن مبدأ المشروعية العادي ينكمش في مثل هذه الظروف ليفسح المجال للمشروعية الاستثنائية المقننة دستورا و في باقي القوانين العادية الأخرى، وهو ما يسمح للإدارة أن تمد يدها طويلا عن طريق الضبط الإداري الذي حتما سيطال سلطانه حقوق الفرد، ولذلك كان النص على إمكانية الدول التحلل و مخالفة بعض الالتزامات الناجمة عن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان في صلب هذه الأخيرة خير من ترك الدول الأطراف في حرية من التقرير المنفرد، متى و كيف تمارس حالات التحلل و هذا لا شك أنه ضمان ضد إساءة استخدام هذه السلطات عند الممارسة.
هذا دون أن ننسى أن النصوص القانونية لم تترك أمر التحلل مطلقا للدول تتحلل تحت ذريعته من الاتفاقيات الدولية كلما أرادت ذلك، بل قيدته بضوابط و شروط محددة، لا يمكن للدولة تجاوز النطاق المرسوم لها وفق هذه الضوابط و الشروط بالرغم ما يقال حول غموض هذه الشروط و كونها فضفاضة تحتمل التأويل و التفسير الواسع، وعليه فإن تحديد شروط مسبقة هو تنظيم لسلطة الدولة في لجوئها للتحلل، وهو تقييد لها في استعمال هذه السلطة و ضمان لعدم انحرافها وعدم إساءة استعمالها، مما يترتب عليه حماية و ضمان حقوق الإنسان من أي انتهاك.
و بالمقابل فإن الرأي الذي ينادي بخطورة التحلل يتحجج بكون هذا الأخير جاء في نصوص قانونية يلفها الغموض و تشوبها الصيغ الفضفاضة، لا تعين على تحديد المفهوم القانوني لعبارات الظروف الاستثنائية محل التطبيق مما يفتح الباب واسعا للتفسير في مدلول كلمة الخطر أو الظروف الاستثنائية، باستخدام بعض المفاهيم التي لا تعكس أو لا تتساوى مع فكرة الخطر الذي يهدد حياة الأمة إضافة إلى ذلك كون رخصة التحلل تمس مساسا مباشرا بمبدأ المشروعية الذي يعتبر في نهاية المطاف ضمانا آخر من ضمانات حقوق الإنسان لكن بين هذا و ذاك فإننا نرى أن هذا الخلاف الفقهي لا يغني شيئا للوصول إلى الإجابة المباشرة عن التساؤل الآنف ذكره، كما نرى أن نقطة الانطلاق للإجابة عليه تتعلق بالشروط التي فرضتها النصوص القانونية التي تضمنت التحلل و بالصيغة التي جاءت بها.

شروط ممارسة التحلل من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان:
تضع النصوص الدولية شروطا معينة لا بد من توفرها حتى يمكن للدولة استخدام حق التحلل من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان(54)، ويمكن تقسيم هذه الشروط إلى شروط موضوعية، وأخرى شكلية و هي في مجملها ضمان لحقوق الإنسان من إساءة استخدام هذه الرخصة.

أ : الشروط الموضوعية
1 - وجود حالة استثنائية.
2 - كون تدابير المخالفة في الحدود التي يقتضيها الموقف.
3 - عدم تعارض تدابير التحلل مع الالتزامات الأخرى المقررة في القانون الدولي.
4 - حظر المساس ببعض الحقوق.
5 - حظر تدابير التمييز.
6 - حظر التدابير التي يكون لها هدف آخر خلاف المحافظة على حياة الأمة.
7 - حظر التدابير التي تمس بالحقوق المعترف بها في القانون أو المعاهدات الدولية الأخرى.

ب - الشروط الشكلية.
1 - الإعلان.
2 - التبليغ.
                إن ما يستوقفنا من هذه الشروط هو الشرط الرابع من الشروط الموضوعية، ألا و هو حظر المساس ببعض الحقوق، فلماذا يا ترى قصر النص على هذه الحقوق دون سواها، الإجابة تكون بعد معرفة هذه الحقوق.

ب -الحقوق و الحريات المشمولة بالحماية أثناء حالات الطوارئ
بموجب الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان و خاصة المواد التي تضمنت نصوص التحلل، فإن هناك عددا من الحقوق لا يجوز مخالفتها في أي حال من الأحوال و أيا كان السبب، وتتنوع هذه الحقوق كما يلي:
ب -1 : الحقوق المقررة بمقتضى المادة 4 من العهد الدولي : نص العهد في الفقرة الثانية من هذه المادة على جملة من الحقوق لا يجوز تقييدها و هي : الحق في الحياة، حظر التعذيب، حظر العبودية، حظر الاحتجاز بسبب الوفاء بدين حظر تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي، الحق في الاعتراف بالشخصية القانونية، حرية الفكر و الضمير و الدين و العقيدة.
ب - 2 : الحقوق المقررة بمقتضى المادة 15 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان :
نصت عليها الفقرة 2 و هي : الحق في الحياة، حظر التعذيب، حظر الرق والعبودية، حظر تطبيق القوانين بأثر رجعي.
ب - 3:الحقوق المقررة بمقتضى المادة 27 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان :
نصت الفقرة الثانية من هذه المادة : لا يجوز تعليق أي حق من الحقوق التالية  الحق في الشخصية القانونية، الحق في الحياة، الحق في المعاملة الإنسانية، التحرر من العبودية، حظر تطبيق القوانين بأثر رجعي، حرية الضمير و العقيدة، حقوق الأسرة، الحق في الحصول على إسم حقوق الطفل، الحق في الجنسية، الحق في المشاركة السياسية، الضمانات القضائية الأساسية لحماية هذه الحقوق.
ب - 4 :الحقوق المقررة بمقتضى المادة الرابعة من الميثاق العربي لحقوق الإنسان : نصت هذه المادة على مجموعة من الحقوق التي لا يجوز تقييدها، ويحظر المساس بها في أي ظرف كان و هي : الحق في الحياة، حظر التعذيب، عدم جواز إجراء تجارب طبية أو علمية أو استغلال أعضائه دون رضاه، التحرر من الرق و السخرة، ضمان المحاكمة العادلة، الطعن في إجراء الاعتقال، مبدأ الشرعية في الجريمة و العقوبة، عدم حبس شخص معسر عن وفاء دين ناتج عن التزام تعاقدي، عدم محاكمة شخص عن جرم مرتين، و لصاحبها الطعن فيها و البراءة الأصلية يوجب حكم التعويض، المعاملة الإنسانية للمسجون، الاعتراف بالشخصية القانونية، الحق في التنقل و الإقامة، طلب اللجوء السياسي، التمتع بالجنسية، حرية الفكر و العقيدة والدين، عدم تعليق الضمانات القضائية اللازمة لحماية تلك الحقوق.
إن الناظر إلى قائمة هذه الحقوق المشمولة بالحماية يستنتج أن هذه الحقوق من النوع الأساسي الهام التي لا غنى للبشر عنها و لا يمكن الحديث - ولو من باب الجدل - عن المساس بها ونظرا لأهميتها البالغة أطلق عليها إسم " الحقوق المقدسة " أو " النواة الصلبة " Noyau Dure" لحقوق الإنسان.  وهي الحقوق التي نقول أن القواعد القانونية التي تنظمها هي من النوع الآمر أما عدا هذه الحقوق، ولئن كانت مهمة للحياة الإنسانية إلا أن شأنها ليس كشأن النوع الأول، إذ يمكن تقييدها و الخروج عن القواعد التي تنظمها، وليس في ذلك ما يمكن أن يشكل خطرا على الإنسان ما دام الأمر يتعلق بمصلحة عليا يتم السعي للحفاظ عليها، مع الحفاظ على الأساسي من الحقوق و إن كان الأمر في حقيقته أن كل حقوق الإنسان أمر مهم و لا يمكن الاستغناء عنها.
إن رأينا في المسألة، وانطلاقا من الصيغ التي جاءت بها شروط التحلل، وخاصة الشرط السابق هو أن هذه الحقوق و بالأحرى النصوص القانونية التي تضمنتها في هذه الاتفاقية أو ما عداها من الاتفاقيات، هو من النوع الملزم الآمر بل و الأساسي الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال مخالفتها أو الاتفاق على ذلك، ومن قام بذلك قامت معه مسؤوليته الدولية، ونؤسس قولنا هذا بما يلي :
1 - طبيعة موضوع حقوق الإنسان الحساس و المهم، وذلك بتعلقه بالكائن الإنساني المكرم من قبل الشرائع السماوية و محل حماية النصوص الوضعية المختلفة، والمعلوم ألا إنسانية للإنسان و لا قيمة إلا بالتمتع بحقوقه كاملة في إطار ما أبيح له وشرع له، ولذلك نال موضوع حقوق الإنسان هذا الشرف و المكانة من شرف صاحبه و مكانته.
2 - العلاقة المتبادلة بين كل من موضوع حقوق الإنسان و موضوع السلم و الأمن الدوليين، فمن جهة نجد أن أحد مقاصد الأمم المتحدة المذكورة في المادة 1 فقرة 3 هو تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الإنسانية و على تعزيز احترام حقوق الإنسان و الحريات الأساسية للناس جميعا و التشجيع على ذلك إطلاقا بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين و لا تفريق بين الرجال و النساء و اعتبار أن انتهاك مقاصد الأمم المتحدة هو انتهاك للسلم و الأمن الدوليين، ومنه تلاحظ طبيعة العلاقة بين الأمرين، مما يجعل حقوق الإنسان بهذه الصفة و الأهمية و من جهة أخرى نجد أن السلم أمنية يطمح اليها البشر في العالم كله، وهو يشكل مع العدالة عاملين لا غنى عنهما لتحقيق التمتع الكامل بحقوق الإنسان و حرياته الأساسية.
3 - شعور الدول بإلزامية الموضوع، و هو ما يعكسه و يترجمه سلوكها تجاه الاتفاقيات الدولية التي تتزايد أعداد أطرافها من يوم فآخر.
إن الشيء الذي نقوله في الأخير : أنه مهما كانت المبررات القانونية المقدمة في سبيل حماية حقوق الإنسان، فهي عاجزة و قاصرة عن البلوغ إلى تلك المرتبة من القدسية التي صبغتها بها الشريعة الإسلامية باعتبارها جزء من عقيدة الإسلام، كشفتها النصوص الشرعية في واجبات يتحتم على المكلف أداؤها، وإلا تعرض للحساب و الجزاء في عاجل أمره أو آجله.

خاتمة:
               ما يمكن الخروج به من خلال هذه الدراسة هو ما يلي:
1 - أن موضوع حقوق الإنسان من المواضيع التي لم تلق بعد الإجماع على تعريف واحد نظرا لجملة من العوامل، إلا أننا يمكن أن نعرفها بأنها: تلك القدرات و المطالب التي لا يمكن أن نعيش بدونها عيشة البشر.
2 - أن موضوع حقوق الإنسان تطور تطورا كبيرا رافق تطور الجماعة الدولية، فانتقل ضمن رحلة التدويل من الوطنية إلى العالمية و ذلك في مظاهر عدة منها : تقنين حقوق الإنسان في شكل اتفاقيات دولية خاصة، تتضمن نصوصا و مبادئ تهدف إلى تكريس الحقوق أو تعزيزها أو حمايتها، وهي التي يمكن أن نطلق عليها قواعد حقوق الإنسان.
3 - تطورت قواعد حقوق الإنسان بتطور المجتمع الدولي، فبعد أن كانت في مرحلة أولى مقررة و كاشفة و منشئة أحيانا أخرى لمبادئ سامية عن طريق عقد الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، التي أخذت وصف الاتفاقيات الشارعة أضحت قواعد ملزمة و أحيانا آمرة نظرا لما رآه واستشعره المجتمع و الجماعة الدولية من أهمية لها، و ذلك لتعلقها بضمير ووجدان الجماعة الدولية فقرر القضاء الدولي في أكثر من مناسبة أنها قواعد أساسية تهم البشرية قاطبة، وليست مجرد التزامات ثنائية تبادلية بين الدول.
4 - قواعد حقوق الإنسان و قبل أن تكون اتفاقية، وخاصة في العصر الحديث، هي ذات طبيعة عرفية لاستجماعها أركان العرف، وذلك للكم الهائل من التراكمات التي كان مصدرها الشرائع السماوية و خاتمتها الإسلام، ثم إسهامات رجال الفكر و الفلسفة الذين نادوا بأهمية حقوق الإنسان  ومن ثم تشكل هذا الالتزام و الاعتقاد نتيجة تكرر سلوكيات الدول بشأن ذلك.
5 - إن زعم الدول غير المصادقة على اتفاقيات حقوق الإنسان أنها غير مسئولة تجاه الجماعة الدولية عن فعل يخالف الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، هو أمر غير مستساغ قانونيا، ولا يتماشى مع المنطق السليم، وذلك لأن عدم المصادقة على الاتفاقيات لا يعني الإعفاء من المسؤولية، وذلك للطابع العرفي العام لحقوق الإنسان الذي لا يمكن التنصل منه.
6 - يثير تقسيم حقوق الإنسان إلى أجيال و طوائف إشكالات تتعلق بمدى التفاضل بينها يزيدها - الإشكالات - حدة إجازة الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان للدول التحلل منها، وهو ما أثار الكثير من الجدل و أسال الكثير من الحبر لكن بعين الحكمة لا يعدو أن يكون الترخيص استثناء على قاعدة عامة، جيء به لمواجهة ظرف طارئ، مع المحافظة على الأساسي من الحقوق، حتى يستعيد المجتمع عافيته، و يتمتع الفرد بعدها بما تنازل به من حقوق لصالح الأمة، لأنه لا يمكن في الأخير القبول مطلقا بحرية مطلقة.  و لا يمكن أيضا القبول بهضم الحقوق باسم حماية الحقوق.
       و لكن قبل هذا و ذاك - و الحق أحق أن يقال - نرى أن كل محاولة لحماية حقوق الإنسان من كل انتهاك هي محاولة قاصرة، وستبوء بالفشل حتما ودوما، إن لم يتذكر الإنسان أنه و قبل كل شيء إنسان، وأنه المقصود بقول خالقه : ( و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )55.

الهوامش:
-----------------

1 - دسترة حقوق الإنسان، أي النص عليها في الدستور، بمعنى جعل قواعدها دستورية، ولا تخفى الفائدة التي تجنيها حقوق الإنسان من ذلك.    
2 - جغلول زغدود، علاوه هوام، حقوق الإنسان و إشكالية المفهوم، مجلة التربية، القاهرة، العدد 144، الجزء السادس، ديسمبر 2010 ص 641 و ما بعدها.  
3 - لمى عبد الباقي محمود العزاوي، القيمة القانونية لقرارات مجلس الأمن الدولي في مجال حماية حقوق الإنسان، الطبعة الأولى، لبنان : منشورات الحلبي الحقوقية، 2009 ص 25.
4 -  هادي خضراوي، أبرز قضايا السياسة الدولية المعاصرة، بيروت، دار الكتب الحديثة، 2002 ص 90.
5 - المرجع و الموضع نفسه.
6 - لبيب محمد، حقوق الإنسان في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية ( دراسة حالة التدخل في إقليم كوسوفو )، ( رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في العلوم السياسية و العلاقات الدولية )، جامعة الجزائر 2005 ص 5.
7 - محمد محي الدين، محاضرات في حقوق الإنسان ( ألقيت على طلبة الكفاءة المهنية للمحاماة ) جامعة الجزائر، 2003/2004 ص 13.
8 - المرجع نفسه، ص 14.
9 - رمضان أبو السعود، همام محمد، المبادئ الأساسية في القانون، الإسكندرية: منشأة المعارف 1996 ص 190.
10 - جاك دونللي، حقوق الإنسان العالمية بين النظرية و التطبيق، ترجمة : مبارك علي عثمان، القاهرة : المكتبة الأكاديمية، 1998 ص 14.
11 - لمى عبد الباقي محمود العزاوي، المرجع السابق ص 27.
12 - المرجع نفسه ص 28.
13 - المرجع نفسه ص 29.
14 - المرجع و الموضع نفسه.
15 - المرجع نفسه ص 30.
16 - المرجع و الموضع نفسه.
17 - سليمان بن عبد الرحمان الحقيل، حقوق الإنسان في الإسلام و الرد على الشبهات المثارة حولها، الطبعة 2، السعودية : 1997 ص 55 وما بعدها، محمد عبد الملك المتوكل و آخرون، حقوق الإنسان " الرؤى العالمية و الإسلامية و العربية " القسم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت : 2007 ص 83 و ما بعدها.
18 - المرجع نفسه ص 32.
19 - أحمد سليم سعيفان، الحريات العامة و حقوق الإنسان، الجزء الأول : لبنان : منشورات الحلبي الحقوقية، 2010 ص 39.
20 - لمى عبد الباقي محمد العزاوي، المرجع الأسبق ص 97.
21 - تعرف الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان بأنها هي تلك المعاهدات الدولية التي تتضمن أحكاما لتعزيز أو حماية واحد أو أكثر من حقوق الإنسان و الحريات الأساسية وائل أحمد علام، الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، مصر : دار النهضة العربية، 1999 ص 13 و إلى جانب هذا المصطلح يوجد الإعلان الذي يعرف بأنه نص دولي يتضمن مجموعة من المبادئ الأساسية المتعلقة بموضوع معين و يصدر بالإجماع إما في اختتام مؤتمر دولي خاص بموضوع معين أو عن الجمعية العامة للأمم المتحدة و ليس للإعلان قوة إلزامية بل يحوز قوة معنوية و أدبية ويمثل في بعض الحالات الخطوة الأولى للوصول إلى اتفاقية ثم إلى البروتوكول، أما البروتوكول فهو نوع خاص من الاتفاقيات يخضع إلى نفس قواعد إبرام الاتفاقيات و يهدف إلى تفعيل أحكام الاتفاقية التي تسبقه و التي تتعلق بنفس الموضوع و يهدف البروتوكول إلى تفعيل آليات حماية الحقوق التي كرستها الاتفاقية.
22 - من بين هذه الاتفاقيات الدولية نذكر على سبيل المثال :
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948.
- العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية لسنة 1966.
- العهد الدولي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لسنة 1966.
- البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية.
- البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية.
و تشكل هذه النصوص ما يسمى بشرعة حقوق الإنسان
و إضافة إلى هذه النصوص التالية، و هي نواة القانون الدولي الإنساني نجد:
- اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 و التي تتمثل في:
- الاتفاقية الأولى الخاصة بتحسين أحوال الجرحى و المرضى في الميدان.
- الاتفاقية الثانية الخاصة بتحسين أحوال الجرحى والمرضى و الغرقى في البحر.
- الاتفاقية الثالثة الخاصة بأسرى الحرب.
- الاتفاقية الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب.
- البروتوكولان الإضافيان الملحقان بالاتفاقيات السابقة عام 1977 و الخاصين ب:
- البروتوكول الأول الخاص بالنزاعات  المسلحة الدولية.
- البروتوكول الثاني الخاص بالنزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي، وهي نواة القانون الدولي الإنساني.
23 - لمى عبد الباقي محمود العزاوي، المرجع السابق ص 99.
24 - تعرف المعاهدات العقدية بأنها تلك المعاهدات التي تهدف لخلق الالتزامات على عاتق أطرافها، تطبيقا للقواعد القائمة، كما يعرفها جانب آخر بأنها معاهدات تبرم بين عدد قليل جدا من الأشخاص الدولية، ويمكن تشبيهها بالعقود التي تبرم بين شخصين أو عدد قليل من الأشخاص بخصوص صفقة ما، راجع أحمد أبو الوفا، الوسيط في القانون الدولي العام، القاهرة : دار النهضة العربية، 2004 ص 96 - 97، جمال عبد الناصر مانع، القانون الدولي العام، الإسكندرية : دار الفكر الجامعي، ص 68. 
25 - تعرف المعاهدات الدولية بأنها : كما جاء في 2 فقرة أ من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات بأنها : " عبارة معاهدة تعني اتفاقا دوليا يعقد بين دولتين أو أكثر كتابة و يخضع للقانون الدولي سواء أتم في وثيقة واحدة أو أكثر، أيا كانت التسمية التي تطلق عليه ".
26 - المرجع نفسه، ص 101.
27 - تكون المعاهدات شارعه إذا كان الهدف من إبرامها سن قواعد جديدة لتنظيم العلاقات بين أطرافها، حيث لا يقتصر أثرها على الأطراف المتعاقدة وإنما ينتقل إلى الدول الأخرى، لذا سميت بالشارعة لكونها مصدرا من مصادر القانون الدولي العام، راجع : جمال عبد الناصر مانع المرجع السابق، ص 68.
28 - المرجع نفسه، ص 102.
29 - المرجع نفسه ص 103 و للوقوف المستفيض حول موضوع القواعد الآمرة في القانون الدولي : راجع المقالة القيمة للأستاذ : حكمت شبر، القواعد الآمرة في القانون الدولي العام، مجلة القانون المقارن، السنة السابعة، العدد العاشر، بغداد، 1979 ص 33 و ما بعدها وانظر أيضا : عبد العزيز العشاوي، أبحاث في القانون الدولي الجنائي، الجزء الثاني، الجزائر : دار هومة 2006 ص 157 و ما بعدها.
30 - أصدره المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان في طهران رسميا في 13 أيار/مايو 1968.
31 - جيلبير كوم، حول محكمة العدل الدولية و حقوق الشخصية الإنسانية، ضمن المجتمع الدولي و حقوق الشخصية الأساسية، مؤسسة آل سعود للدراسات الإسلامية و العلوم الإنسانية المغرب : 2001 ص 124.
32 - أورد مؤلف المرجع السابق جملة من الأحكام، للإطلاع عليها، راجعه ص 124 و ما بعدها.
33 - تتلخص وقائع قضية برشلونة تراكشن في أن شركة برشلونة و هي شركة مساهمة، تكونت بكندا بموجب أحكام القانون الكندي، من مساهمين يحملون جنسيات مختلفة، إلا أن أغلب المساهمين فيها هم من ذوي الجنسية البلجيكية، وكانت تمارس هذه الشركة المختصة في ميدان الكهرباء جل نشاطها بإسبانيا و في 12/02/1948 و بناء على طلب ثلاث أشخاص من المكتتبين فيها أصدرت محكمة الدرجة الأولى بمدينة "رويس" الإسبانية حكما يقضي بإفلاس الشركة والحجز على كل أموالها، وابعاد مسيري مجلس إدارتها.
و بعد استنفاذ المساهمين البلجيكيين لكل طرق الطعن الداخلية التي يتيحها القانون الإسباني لجئوا إلى دولتهم بلجيكا، ملتمسين فيها ممارسة الحماية الدبلوماسية لصالحهم، فدخلت على إثر ذلك الحكومة البلجيكية في مفاوضات مع الحكومة الإسبانية، وبعد فشلها قامت بلجيكا برفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية، فصدر حكم في 5/2/1970 آخذا بدفع الحكومة الإسبانية بانعدام الصفة وقضت برفض حق الحكومة البلجيكية في ممارسة الحماية لصالح شركة برشلونة تراكشن وصرحت المحكمة في حيثيات الحكم بأنه حتى و إن كان أغلب مساهمي شركة برشلونة تراكشن هم بلجيكيون، وبما أن الشركة تكونت في كندا بموجب القانون الكندي، فالدولة الوحيدة التي من حقها ممارسة الحماية الدبلوماسية هي الدولة الكندية، وأضافت المحكمة بأن حكم المحكمة الابتدائية الإسبانية انصب على الشركة باعتبارها شخصا معنويا و لم تنصب على المساهمين فيها.
و قررت المحكمة ( يقوم القانون الدولي وإلى حد معين على قواعد مشابهة لتلك المنظمة لجنسية الأفراد، فالقاعدة المطبقة تقليديا في هذا الشأن، تتمثل في منح الحماية الدبلوماسية الممارسة لصالح الشركة الدولية التي تم بمقتضى قوانينها تكوين تلك الشركة، و التي جعلت من إقليم تلك الدولة مقرا اجتماعيا لها، و لا يوجد بالنسبة للحماية الدبلوماسية الممارسة لصالح الأشخاص المعنوية أي معيار يمكن تطبيقه بشكل مطلق و عام، فيما يتعلق بالروابط الفعلية التي تربط الشخص المعنوي بدولة ما ).
34 -  يوسف البحيري، حقوق الإنسان ( المعايير الدولية و آليات الرقابة ) مراكش : مطبعة الدوديات، 2010 ص 215.
35 - تعرف الحماية الدبلوماسية بأنها قيام الدولة المتضرر رعيتها من قبل دولة أخرى بالمطالبة بالتعويض بعد استنفاذ هذا الرعية لطرق الطعن المتاحة لدى الدولة صاحبة العمل غير المشروع.
36 - المرجع نفسه، ص 216.
37 - المرجع و الموضع نفسه.
38 - المرجع و الموضع نفسه.
39 - تنص المادة 34 : " لا تنشئ المعاهدة التزامات أو حقوقا للدولة الغير بدون رضاها ".
40 - جيلبر كوم، المرجع السابق ص 125.
41 - المرجع نفسه ص 126.
42 - نادى بهذا الطرح الفقيه " براونلي "، مشار إليه في مرجع حكمت شبر، المرجع السابق ص 73، ويؤيد طرحه هذا وجود اتجاه فقهي يرى بعدم وجود تدرج بين مصادر القانون الدولي وإن وجد فإنما يكون بين قواعد القانون الدولي، بمعنى سمو بعض القواعد أيا كان مصدرها على البعض الآخر كسمو القاعدة الآمرة، راجع في ذلك : حسين حنفي التعديل العرفي للمعاهدات والمواثيق الدولية، الطبعة الأولى ( القاهرة : دار النهضة العربية، 2007 ص 98 - 99.
43 - تنص المادة 2 فقرة 6: " تعمل الهيئة على أن تسير الدول غير الأعضاء فيها على هذه المبادئ بقدر ما تقتضيه ضرورة حفظ السلم و الأمن الدولي ".
44 - على سبيل المثال : نذكر حكم محكمة العدل الدولية في قضية ناميبيا، حول تفسير قرار مجلس الأمن رقم 276 لعام 1970، الذي جاء فيه : " أما بالنسبة للدول غير الأعضاء في المنظمة الدولية التي لا تخضع لأحكام المادتين (24، 25) من الميثاق، فهي مدعوة وفق الفقرتين 2 و 5 من القرار 276 لعام 1970 لإبداء المساعدة فيما يتعلق بالإجراءات التي اتخذتها الأمم المتحدة إزاء ناميبيا ".
45 - يوسف البحيري، المرجع السابق ص 219.
46 - حسين حنفي عمر، المرجع السابق ص 17.
47 - صاحب هذه التسمية هو الأستاذ: pierre mary Dupuy  مشار إليه لدى حسين حنفي عمر، المرجع السابق، هامش 1 ص 53.
48 - من قول صلاح الدين عامر، مشار إليه في المرجع السابق ص 53.
49 - المرجع نفسه ص 54.
50 - ذكرت المادة 38 من النظام الأساسي تعداد مصادر القانون الدولي، وبينت ما يكون مصدرا أساسيا و ما يكون احتياطيا، ولكنها لم تقل بوجود تدرج بين هذه المصادر، وأيهما يعلو و يفضل على الآخر في التطبيق عند التعارض وعليه إن كان لا يوجد تدرج بين مصادر القانون الدولي، فإنه من الممكن وجود تدرج بين قواعد القانون الدولي و ليس بين مصادره بمعنى سمو بعض القواعد أيا كان مصدرها على البعض، حول فكرة التدرج، راجع : مصطفى أحمد فؤاد، أصول القانون الدولي العام " النظام القانوني الدولي "، الجزء الثاني، الإسكندرية : منشأة المعارف 2008 ص 235 و ما بعدها.
51 - للوقوف المستفيض عن موضوع التحلل، راجع جغلول زغدود : التحلل من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان بين الضرورة و الخطورة، مجلة الحكمة، العدد الثالث، جويلية 2010 ص 132 و ما بعدها.
52 - و على العكس من الاتفاقيات الدولية السابقة، لم يتضمن الميثاق الإفريقي أي نص يتعلق بحالة التحلل، راجع في ذلك: Dr Rusen Ergec , Rusen Ergec
Les droits de l homme a l épreuve des circonstances exceptionnel.  Étude sur l’article 15 du la convention européenne des droits de l’homme.  Edition brylant, Belgique ,1987 p 24.
53 - للوقوف بالتفصيل حول هذا الجدل راجع : جغلول زغدود، التحلل من الاتفاقيات الدولية بين الضرورة و الخطورة، المرجع السابق ص 136 و ما بعدها.
54 - د.  محمد يوسف علوان، بنود التحلل من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، القسم الثاني، مجلة الحقوق، السنة التاسعة، عدد 2، 1985 ص 141 و كذا د.  سسي دي روفر، ( الخدمة و الحماية، حقوق الإنسان و القانون الإنساني ) دليل قوات الشرطة و الأمن، القاهرة : مطابع أنترنشيونل باريس، 2000 ص 199 و كذا د، ضاوية دنداني، ضرورة تدعيم الحماية الدولية لحقوق الإنسان، رسالة لنيل شهادة الدكتوراه، جامعة الجزائر، 1996 ص 115. 

Admin
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى