انعكاسات تدويل حقوق الإنسان على وضع الفرد في إطار القانون والعلاقات الدولية

اذهب الى الأسفل

  انعكاسات تدويل حقوق الإنسان على وضع الفرد في إطار القانون والعلاقات الدولية  Empty انعكاسات تدويل حقوق الإنسان على وضع الفرد في إطار القانون والعلاقات الدولية

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 08 أغسطس 2013, 21:44


                          انعكاسات تدويل حقوق الإنسان على وضع الفرد في إطار القانون والعلاقات الدولية
                                                   أ. د/ محمد محمد سعيد الشعيبي
                                                        أستاذ القانون الدولي
                                                     كلية الحقوق ـ جامعة تعز


المقدمة:
الحمد لله، والصلاة والسلام على البشير النذير المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد عليه أزكى الصلوات وأتم التسليم وبعد،،،
فإن من عناية الله بالإنسان وتكريمه له أن خلقه وعصم دمه وماله وعرضه، وأحاط كافة حقوقه بالصيانة، وضمنها بالأمن عليها.
ولقد أدرك عقلاء البشرية أهمية هذه الحقوق ودور حمايتها في استقرار الحياة، فكانت جهود المجتمع الدولي بعامة والدول بخاصة متجهة لخدمة هذا المجال والرقي به.
ولما كان الفرد محور كل تلك الجهود ثار إشكال حول وضع الفرد على المستوى الدولي، كما أثرت موضوعات حقوق الإنسان بزخمها الجديد على تلك المكانة , ولكل تلك التأثيرات ما يحيط بها نظرياً وواقعياً.
وفي هذا الإطار يسلط البحث أضواء على الموضوع انطلاقاً من عدة تساؤلات:
هل بالإمكان أن يستمد الفرد ما يتمتع به من حقوق وما يتحمله من التزامات مباشرة من القانون الدولي؟ أم انه يستمدها عن طريق غير مباشر عبر دولته؟
أي هل الفرد موضوع من موضوعات هذا القانون؟ أم انه شخص له من الحقوق وعليه من الواجبات ما يمكنه من التمتع بمزايا حقوقية على الصعيد الدولي؟
وبالمقابل هل يمكن اعتبار المد الجديد لحقوق الإنسان بمثابة تطور لمكانته القانونية؟ أي ما هو أثر تدويل حقوق الإنسان على الفرد؟
وللإجابة على تلك الأسئلة انتظمت الدراسة مبحثان رئيسيان الأول عن تطور مكانة الفرد في القانون الدولي، والثاني يتناول أثر تدويل حقوق الإنسان على وضع الفرد في القانون الدولي.

المبحث الأول: تطور مكانة الفرد في القانون الدولي
لا يزال الحديث عن وضع الفرد في القانون الدولي يثير إشكالاً لا يمكن تجاهله , ومع ذلك فكل الدول تسعى من خلال انتظامها في الحركة الدولية لضمان المزيد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتعلقة بها باعتبارها كياناً مستقلاً, وكل تلك المكاسب تعود على الفرد وتتمحور حول مصالحه وأهدافه في الحياة.
ولعل جانب الحقوق السياسية للفرد هو الأهم في هذا السياق, غير أن مما يجزم به أن هذا الجانب شهد تطوراً كبيراً فقد سعت الدول نحو توفير مناخات تحسن من دور الفرد, وبلغت مبلغاً حسناً في تهيئة الفرد للدفاع عن حقوقه وصيانتها, وأصبح الاستقرار السياسي للدول يرتبط مباشرة بمناسيب ممارسة الفرد لحقوقه وتوفير الضمانات الكفيلة بصيانتها([1]).
والإشكال يدور حول الوضع القانوني للفرد في مجال القانون الدولي والعلاقات الدولية وهل يعتبر موضوعاً من موضوعاته أو شخصاً من أشخاصه؟ وهو ما يعرضه البحث في المطلبين التاليين.

المطلب الأول : الفرد موضوع من موضوعات القانون الدولي

ترى المدرسة الوضعية أن الفرد واحد من موضوعات القانون الدولي, ولا يمكن اعتباره أحد أشخاصه, ومن أقطاب هذه المدرسة الفقيهان (أنزيلوتي) و ( ترييبل )([2]).
ويؤسس هذا التوجه على الفصل بين النظام القانوني الدولي وأشخاصه وهم الدول والنظام القانوني الداخلي وأشخاصه وهم الأفراد.
ويلزم من هذا الفصل إنكار اشتراك الفرد بشخصه في العلاقات الدولية, وبالتالي لا يمكن توجيه قواعد القانون الدولي للفرد حال التطبيق, وهذا ما يدعو لاعتباره أحد موضوعات القانون الدولي لا أشخاصه!! ([3])
ومن المسوغات التي يعتمد عليها هذ1التوجه أن الفرد لا يبرم معاهدة دولية ولا اتفاقية وليس له حق التمثيل الدبلوماسي والقنصلي وليس له ذلك بصفته , وهكذا كل أعمال الدولة على مستوى العلاقات الدولية.([4])
كما لا يعتبر انضمام الفرد إلى منظمة دولية مسوغاً لاعتباره شخصية دولية ؛ لندرة مثل هذا الحال على الصعيد الدولي.
ومن آثار هذا التوجه أن المعاهدات الدولية لا تخاطب الأفراد ولا تعنيهم، وهو ما يعني عدم ترتب الالتزامات والحقوق للفرد وعليه.
وفي حالة تعلق معاهدة دولية بوضع الأفراد فإن آثارها تقتصر على فرض التزامات على جميع أطرافها مستندة إلى القانون الداخلي لا الدولي.
ولهذا الرأي تأثير في القضاء، يمكن التمثيل له بما قررته المحكمة المالية في الرايخ الألماني بتاريخ 7/12/1926م أن القانون الدولي لا ينشئ حقوقاً ولا التزامات إلا بين الدول وأنه يخاطب الدول وحدها لا القضاة أو الأفراد فكلهم يخضع للقانون الداخلي، وأن المعاهدات الدولية لا يكون لها قوة القانون بالنسبة للمحاكم والمواطنين إلا بعد تحولها من جانب القانون الداخلي.
وأعربت محكمة العدل الدولية الدائمة عام 1928م عن نفس الموضوع حيث أكدت على "أن مصادر القانون الدولي لا تستطيع خلق حقوق وواجبات مباشرة للأفراد"، وهكذا يتأكد أن الاتفاقية الدولية لا تنشئ للأفراد حقاً بطريق مباشر، ويظل الفرد في دائرة القانون الداخلي وليس الدولي([5]).
ويقول (أنزيلوتي) مناصراً لهذا التوجه : "إن الفرد لم يوضع في اعتبار قواعد القانون الدولي وبالتالي فهو لا يستطيع أن يستمد منها أية حقوق، ولا توجد ثمة مسئولية تقع على الدولة في مواجهة الفرد طبقاً للقانون الدولي([6]).
وإزاء ما ذكرنا يخلص اتجاه المدرسة الوضعية إلى عدم الاعتراف بالشخصية القانونية الدولية للفرد, وأن ما يقرر له من حقوق والتزامات على المستوى الدولي إنما تقرر له بناءً على اتفاقيات دولية أطرافها الدول والمنظمات والهيئات الدولية وليس الأفراد.
ولنا في تقدير هذا التوجه أنه وإن كان ينطلق من ملاحظة الواقع الدولي إلا أنه يغفل عن الدور الكبير الذي يقوم به الفرد على المستوى الدولي, يعزز هذا الدور موضوع حقوق الإنسان بكل تجلياته على الصعيد الدولي ومحورية دور الفرد بصددها.

المطلب الثاني: الفرد شخصاً من أشخاص القانون الدولي
إن تطورات المجتمع الدولي وحاجياته الأساسية استدعت الاعتراف للفرد بذاتٍ مستقلة تطورت إلى درجة أن أصبح هو المخاطب الحقيقي بكل قواعد القانون الدولي، ووفقاً لذلك اعتبر الفرد شخصاً من أشخاص القانون الدولي استنادا إلى العديد من الحجج التي أبرزت للفرد مكانة متميزة من خلال: ([7])
§ التغيرات الجذرية التي مست بنيان القانون الدولي، والتي شكلت تطوراً مهماً في سيادتها القانونية عامة جعلت من الفرد الهدف الرئيسي من تلك الميادين والقواعد كونها تخاطب سلوكه بالحماية والتجريم([8]).
§ المبادئ المستحقة من عمل القضاء الجنائي الدولي والتي أكدت مبدأ السلوك الجنائي للفرد ذلك أنه من غير الممكن إسناد مثل ذلك السلوك إلى الدولة التي تستعصي طبيعتها ذلك.
§ الأحكام الصادرة عن القضاء الجنائي الدولي وبالذات محاكمة نورمبروج في حكمها الشهير الذي جاء في منطوقةSad أن الأفراد وحدهم هم الذين يرتكبون الجرائم الدولية ضد القانون الدولي وليست الكيانات المعنوية، ولا يتحقق تنفيذ قواعد هذا القانون إلا عن طريق معاقبة الأفراد الذين ارتكبوا تلك الجرائم([9]).
§ تأكيد معاهدة فرساي 1919م على أن جميع الأشخاص مهما علت منزلتهم يعتبرون مسئولين عن الجرائم المرتكبة بالمخالفة لقوانين وإعادته لحرب القوانين الإنسانية.
§ تأكيد الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن الكونت برناناندو على أن أشخاص القانون الدولي ليست متماثلين بالضرورة وإن منحهم هذه الشخصية مسألة نابعة عن احتياجات المجتمع الدولي وعليه فإذا كانت ضرورة متطلبات المجتمع الدولي قد اقتضت أن يمنح الأفراد بعض الحقوق وأن يتحملوا بعض الالتزامات فإنه يغدو من المحتم أن يتمتعوا بالشخصية القانونية الدولية.
§ تأكيد العديد من الاتفاقيات على مسائلة الفرد جنائياً مثل: القرصنة في أعالي البحار , وتجارة الرقيق والمخدرات والمطبوعات الممنوعة وأعمال الإرهاب وجرائم التمييز العنصري.
ويوقع العقاب على مرتكبي تلك الجرائم وأمثالها بواسطة الدولة التي وقعت الجريمة فوق إقليمها تطبيقاً لمبدأ إقليمية العقوبة.
ومن الاتفاقيات الدولية التي نصت على أفعال يسأل الفرد عنها دولياً ما يلي:
v اتفاقية إبادة الجنس لعام 1948م.
v اتفاقات جنيف الأربعة لعام 1949م وملحقاتها .
v اتفاقيات الاستيلاء غير المشروع على الطائرات لعام 1970م.
v اتفاقية قمع الأفعال غير المشروعة ضد سلامة الطيران المدني لعام 1971م.
v الاتفاقية الدولية ضد اتخاذ الرهائن لعام 1979م.
v اتفاقية قمع الأفعال غير المشروعة ضد سلامة الملاحة البحرية لعام 1988م.
v الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة لعام 1989م.
v اكتساب الفرد للحقوق بمقتضى الاتفاقيات الإنسانية.([10])
v الآثار المترتبة على إبرام المعاهدات الدولية التي تتجه نحو الفرد.
وإذا كان من المقرر دولياً أن آثار المعاهدات لا تسري إلا على أطرافها، بما يعني أن الفرد غير متأثر بها إلا أن الفرد يتأثر بها باعتباره مكوناً في كيان الدولة الموقعة على المعاهدة, ويستفيد من الحقوق التي ترتبها تلك المعاهدات وفي ذات الوقت يتحمل الالتزامات المترتبة على هذه المعاهدات([11]).
ـ ينص قانون حقوق الإنسان على أنه لا يضر بمحاكمة كل مرتكب لجريمة تعتبر كذلك وفقاً للمبادئ العامة للقانون المعترف به من مجموعة الأمم([12]).
وصفوة القول أن مجمل ما بيناه سواء من آراء الفقهاء أو ما أشارت إليه الاتفاقيات أو ما حسم في القضاء الدولي سواءً قضاء محكمة العدل الدولية أو القضاء الجنائي الدولي واستناداً على كل الاعتبارات التي بيناها فلا مناص من التأكيد على أن الفرد أهم شخص من أشخاص القانون الدولي.

المبحث الثاني : أثر تدويل حقوق الإنسان على وضع الفرد في القانون الدولي
مرت العلاقات الدولية بمراحل مهمة تميزت كل مرحلة منها بتقدم ملموس انعكس على مظاهر الحياة العامة للدول في نواحي اقتصادية واجتماعية وسياسية وعلمية.
ومن أبرز صور حضور الفرد على المستوى الدولي قيام عدد من المحاكم الدولية بالفصل في المنازعات ذات العلاقة بحقوق الإنسان ومنح الفرد الحق في أن يمثل طرفاً في هذه النزاعات أو الدعاوى([13]).
من أمثلة ذلك محاكم التحكيم المختلطة التي أنشأتها معاهدات الصلح عام 1919م, و1920, ولجان التحكيم المختلطة في أعقاب الحرب العالمية الثانية.([14])
يضاف إلى ذلك تمكين القضاء الدولي من تأسيس فقه متواتر يكفل فض المنازعات ورعاية الأمن والاستقرار عن طريق حماية الإنسان وضمان تنفيذ الالتزامات الواقعة على الدول في هذا الشأن([15]).
على أن التطور الأبرز يتمثل هنا بالتوقيع على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وشروع هذه الأخيرة في ممارسة اختصاصاتها تأسيساً على مبدأ المسئولية الجنائية للأشخاص الطبيعيين. وبذلك يمكن القول ان حقوق الإنسان احتلت مكان الصدارة في القانون الدولي العام (مطلب أول) وأولوية حقوق الإنسان في القوانين والأنظمة الوطنية (مطلب ثاني).

المطلب الأول: صدارة حقوق الإنسان في القانون الدولي العام
أصبحت حقوق الإنسان من أكثر المجالات أهمية في العلاقات الدولية, وسبقت الإشارة إلى انحسار الاتجاه التقليدي في أطراف العلاقات الدولية المنصب على الدولة, وتنامي دور الفرد من خلال حقوق الإنسان التي تشمل حق الفرد في الحياة وحقه في التعبير والتفكير والمعتقد, وكذلك حماية الحريات ومنع التمييز العنصري, وتجريم التعذيب والاستعباد والإبادة الجماعية. بل خطى المجتمع الدولي خطوات مهمة نحو إقرار العديد من الحقوق التي تمثل أجناس جديدة من حقوق الإنسان كالحق في التنمية والحق في السلام والحق في الأمن الإنساني. ([16])
والأكثر من ذلك كله أن مجمل تلك الحقوق أضحت محلاً للحماية الجنائية الدولية التي لم تعد تحول دونها الحصانات التقليدية([17]).
وهذا الحضور القوي للحماية الدولية لحقوق الفرد يدل على التوجه الجاد للخروج من النطاق الضيق الذي يحكم العلاقات الدولية إلى مجال أكثر سعة يكون الفرد محوراً مهماً من محاوره.
ولعل الانتهاكات التي يتعرض لها الفرد بصور مختلفة في أنحاء متفرقة من العالم كانت الدافع الرئيس لتحريك المجتمع الدولي للقيام بمزيد من الأعمال لإنقاذ الفرد من كل أشكال التجاوزات وصور الاستغلال.
وبالعودة إلى الجهود الدولية في مجال حقوق الإنسان وأثرها في الارتقاء بالوضع القانوني للفرد نذكر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948م, والعهدين الدوليين لسنة 1966م, الأول تضمن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, والثاني تضمن الحقوق المدنية والسياسية, هذا بالإضافة إلى صكوك أخرى خاصة بحماية حقوق الإنسان أهمها الاتفاقيات الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري, واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية مكافحة التعذيب، وإجمالاً يمكن القول إن أبرز مظاهر اطراد تقدم مكانة الفرد في القانون الدولي نتيجة لتدويل حقوقه والسماح له عبر أربع اتفاقيات دولية لتقديم شكاوى أمام محكمة حقوق الإنسان حول انتهاك تلك الاتفاقيات ليتعلق الأمر بالبروتوكول الاختياري الملحق بالعهد المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية القضاء على كل إشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية مكافحة التمييز العنصري.
وما ينبغي الإشارة إليه بهذا الصدد أن جل الاتفاقيات السابقة تضفى حماية للفرد من خلال تقارير الدول الأطراف وكذا آليات البلاغات والشكاوى، وهكذا فإذا كانت الدول ملتزمة بموجب تلك الاتفاقيات بأن تقدم تقارير سنوية أمام مجلس حقوق الإنسان حول وضعية تطبيق الاتفاقيات.
فانه يمكن لدولة طرف في اتفاقية معينة كاتفاقية مكافحة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة المهينة([18]). أن تبلغ لجنة حقوق الإنسان بانتهاكات لاتفاقية ارتكبت فوق إقليم دولة طرف أخرى تعرض لها الأفراد.
وفوق ذلك كله أصبح ممكن للفرد أن يتقدم بشكوى ضد دولته عند تعرض حقوقه للانتهاك وذلك وفقاً لعدة اتفاقيات أهما العهد الخاص بالحقوق المدنية السياسية واتفاقية مكافحة التعذيب واتفاقية التمييز العنصري واتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة بمعنى أنه وفقاً لاشتراطات هذه الاتفاقيات يمكن للفرد اليوم مقاضاة دولته أمام اللجان الدولية المعنية بحقوق الإنسان كمؤشر واضح للمكانة التي يحتلها الفرد في الفقه الدولي.
المهم في الأمر أن تكون الدولة المعنية قد وقعت وصادقت وقبلت اختصاصات اللجنة المعنية وحتى في حالات عدم التصديق من قبل الدولة على مثل هذه المعاهدات بشأن انتهاكها الصارخ والمستمر للحقوق التي تضمنتها مجمل الاتفاقيات الدولية يمكن الفرد من أن يتقدم بشكوى أمام لجنة حقوق الإنسان وذلك بموجب العديد من الإجراءات منها: الإقرار رقم (1503)([19]).
هذه المكانة التي يحتلها الفرد في القانون الدولي تبرز بشكل أكثر وضوحاً على المستوى الإقليمي إذ أن العديد من الاتفاقيات الإقليمية كالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان قد أنشأت بدورها اللجنة الأوروبية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
وهي آليات تمكن للفرد دوراً بارزاً في الدفاع عن حقوقه من خلال إحالة قضاياه إلى اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تقوم ببحثها ومحاولة التوصل إلى تسوية النزاع ودياً, وفي حالة إخفاقها تقوم اللجنة بإعداد تقرير تحيله إلى مجلس الوزراء, ومن ثم رفع النزاع إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان, إما بواسطة اللجنة أو بواسطة إحدى الدول الأعضاء([20]).
ومن المواثيق الإقليمية أيضاً الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان التي أنشأت محكمة للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان وكذلك الميثاق الأفريقي الأسيوي لحقوق الإنسان.
وحتى إن كانت فعالية الأجهزة المنبثقة من هذه المواثيق محل تساؤل فإن ما تحضى به كل الوثائق من قبول لدى الرأي العام العالمي والإقليمي يعزز من دور الفرد ومكانته في العلاقات الدولية, وتشير إلى صلاحيات دولية منحت للفرد كحقه في رفع الدعاوى للدفاع عن حقوقه, وحقه في المطالبة بالتعويض عن ضرر لحق به من طرف آخر, وهو ما لم يكن للفرد القيام به سابقاً حيث كان مقصوراً على المستوى الداخلي, وهو ما أصبح اليوم من الشؤون الدولية, ساعد على ذلك ثورة الاتصالات ,وفي هذا الظرف لا تتمكن دولة من الدول من انتهاك حقوق مواطنيها, ومثل هذا العمل يعد خرقاً للقانون والمواثيق الدولية.
ويرى البعض أن الحماية الدولية لحقوق الإنسان انعكاس للصراع بين الفرد والدولة, ومن الطبيعي ألا يترك الفرد فريسة لظلم الدولة وتعسفها من غير تدخل من الغير.
نخلص مما سبق إلى أن مقررات حقوق الإنسان مكنت للفرد دوراً بارزاً في العلاقات الدولية, وأصبح له حقوق دولية تقابلها التزامات حيث يسأل عن الجرائم الدولية التي يعاقب عليها, الأمر الذي يقود إلى ضرورة الاعتراف للفرد بالشخصية الدولية.
وبهذا يتضح لنا تطور مكانة الفرد على الصعيد الدولي, وذلك بعد أن أصبح مخاطباً رسمياً من قبل القانون الدولي من خلال تجريم بعض الأفعال التي يرتكبها الفرد ووضع عقوبات على الأفراد بواسطة محاكم منشأة خصيصاً لهذا الغرض, وبإمكان الفرد اللجوء إلى المحاكم الدولية في بعض الحالات من أجل المطالبة بحقوقه التي تكون قد تعرضت للانتهاك من قبل الدولة, وهنا يصبح الفرد في مواجهة مباشرة مع دولة معينة مما يجعل منه فاعلاً قادراً على لعب دور مهم في إطار العلاقات الدولية.
وأصبح من الواقع الملموس أن حقوق الإنسان قد دخلت حيز الإلزام على الصعيد الدولي وليس للدول التذرع بالضرورة لانتهاك حقوق الإنسان وهو ما يؤكد الاعتراف بالشخصية الدولية للفرد واعتباره عضواً في المجتمع الدولي المعاصر([21]).
ما يدلل على المكانة المرموقة التي أصبحت تحتلها حقوق الأفراد على المستوى الدولي.

المطلب الثاني : أولوية حقوق الإنسان في القوانين والأنظمة الوطنية
لم يقتصر القانون الدولي على الاهتمام بحقوق الإنسان على المستوى الدولي فحسب, بل سعت الدول من خلال التشريعات الوطنية والقوانين الكفيلة بحماية حقوق الأفراد بما يتواءم والتوجه الدولي في هذا السياق، إلى نقل الفرد إلى صدارة القوانين الوطنية ابتداءً بالدستور وانتهاءً بالقوانين اللصيقة، وهكذا فإذا كانت مختلف الدساتير تنطلق في منتصف القرن السابق من الحديث عن شكل النظام وكيفية تنظيم العلاقة بين السلطات أصبح الفرد اليوم جوهر هذه الدساتير ومرتكزها الأساس الذي تبدأ به وتنتهي إليه([22]).
الأمر الذي يحتم علينا تناول هذه الحقوق باعتبارها من الأولويات الأساسية لانعكاسات تدويل حقوق الإنسان.
وعليه فإن أولوية حقوق الإنسان في القوانين والأنظمة الوطنية يعد مؤشراً إيجابياً في هذا الصدد([23])، خصوصاً بعد أن أصبحت كثيراً من البلدان أطرافاً في معاهدات دولية موضوعها حقوق الإنسان, وهو ما يحمل هذه الدول التزامات قانونية لضمان حقوق الإنسان, ولتصبح هذه الحقوق واجباً وطنياً على الدولة, ولذلك يجب أن تعبر عنه التشريعات الوطنية([24]).
ووفقاً لذلك فالدولة التي تصادق على أحد صكوك حقوق الإنسان فإنها ملزمة بتنفيذ تعهدها بأن تدرج أحكامه مباشرة في تشريعاتها الوطنية أو تتعهد بالتزامها بالصك بطريقة ما.([25])
ومن مظاهر هذا الاهتمام إنشاء العديد من اللجان والمؤسسات الوطنية في كثير من البلدان لكفالة تطبيق القوانين واللوائح الخاصة بحماية حقوق الإنسان, وتعمل معظم هذه اللجان بشكل مكمل أو مستقل عن أجهزة الدولة. ([26])
إن دور مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية([27]) تعد بمثابة الرقيب على التشريعات الوطنية الصادرة من سلطات التشريع المحلية ذات العلاقة بقضايا حقوق الإنسان, ويمكن لها أن تقدم المقترحات اللازمة لتشريعات وطنية تحمل المزيد من التمكين لحقوق الإنسان في جانبها التشريعي المحلي([28]).
ولأهمية هذه المؤسسات دعمها المجتمع الدولي, إذ جاء في إعلان فيينا .." يشجع المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان إنشاء وتقوية المؤسسات الوطنية مع مراعاة المبادئ المتعلقة بمركز المؤسسات الوطنية والاعتراف بأن من حق كل دولة أن تختار الإطار الأنسب لاحتياجاتها الخاصة على الصعيد الوطني([29]).
يتبين من سياق هذا الإعلان أن الهدف من إنشاء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان توسيع المدى الثقافي لهذه الحقوق ثم رعايتها جنباً إلى جنب مع المؤسسات الرسمية, وأن من المهم مراعاة خصوصيات الدول في إقرار المبادئ والخطوط العامة لرعاية هذه الحقوق.
ونكتفي بمثال واحد للدلالة على الاهتمام بحقوق الإنسان من خلال المؤسسات والهيئات الوطنية وهو الحال في الجمهورية اليمنية حيث عبرت عن نهجها في حماية حقوق الإنسان من خلال الدستور والقوانين الفاعلة في هذا السياق, وقد خصصت وزارة باسم وزارة حقوق الإنسان تم تسميتها عام 2003م, وهي الجهاز الرئيسي المتخصص برعاية قضايا حقوق الإنسان بكل أبعادها, ومن الهيئات الفاعلة في هذا المجال: لجنة الحقوق المدنية والسياسية واللجنة الوطنية العليا لحقوق الإنسان, ولجنة القانون الدولي الإنساني, واللجنة الوطنية للنظر في أحوال السجون إضافة إلى مكتب رئاسة الجمهورية الذي يضم الإدارة العامة للحقوق والحريات والإدارة العامة للشكاوى إضافة إلى لجان تابعة لمجلس الوزراء وأخرى لمجلسي النواب والشورى, وكلها متخصصة في رعاية حقوق الإنسان, ويضاف إلى ذلك المنظمات غير الرسمية متعددة النشاطات.
الخاتمة:
على الرغم من الإشكالات التي اعترضت سبيل المجتمع الدولي بهيئاته ومنظماته من القيام بدور فاعل لاستقرار البشرية، وتنظيم شئون العالم إلا أن المجتمع الدولي قد خطى خطوات مهمة بهذا الجانب.
وإذا كان النظام القانوني الدولي التقليدي قائم على اعتبار الدولة هي شخصه الوحيد الأمر الذي أدى إلى بروز العديد من التجاوزات التي كان ضحيتها الإنسان بدرجة أساسية والتي وضعت عدة تساؤلات حول مكانة ودور الفرد في هذا النظام.
وانطلاقاً من التطورات التي عرفها القانون الدولي عموماً وبالذات ما يخص فيها مكانة الفرد فقد سعينا في هذا البحث المتواضع لتجلية كثير من الضبابية التي تلف الموضوع وخلصنا إلى عدة نتائج تدور حول مكانة الفرد في النظامين القانوني الدولي والوطني لعل أهمها:
1ـ إن حاجيات ومتطلبات المجتمع الدولي أدت إلى اعتبار الفرد شخص من أشخاص القانون الدولي.
2ـ أن الأبعاد الجديدة لمكانة الفرد في القانون الدولي قد وضعته في محل الصدارة على مستوى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، بل كرست جهدها على مستوى الأنظمة والقوانين الوطنية.
3ـ على الدول ان تبذل المزيد من الجهود محلياً في إطار تشريعاتها للرقي بمفاهيم حقوق الفرد وتوفير ضمانات أكيدة لحمايتها ورعايتها وعليها كذلك نشر ثقافة هذه الحقوق ودعم مؤسساتها الرسمية العاملة في هذا المجال.
آملين أن تكون النتائج التي توصلنا إليها حافزاً للباحثين لبذل كثير من الجهود لحلَّ كثير من المعضلات التي يواجهها المجتمع الدولي والتي يعد تلبية حاجيات الفرد أهم المقدمات الضرورية لتفعيل النظام القانوني الدولي.

قائمة المراجع :
1) اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ودورها في تفسير وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات, د/خير الدين عبد اللطيف محمد.
2) الوسيط في القانون الدولي العام, د/ أحمد أبو الوفا.
3) المدخل على القانون الدولي العام, د/ محمد عزيز شكري.
4) المدخل إلى القانون الدولي العام وقت السلم, محمد عزيز شكري.
5) قانون المجتمع الدولي المعاصر، د/ عمر سعد الله، ود/ أحمد بن ناصر.
6) المحكمة الجنائية الدولية، د. احمد الحميدي، رسالة دكتوراه، عام 2002م.
7) C.F r.elman. the low of wors adocumentary History 1972.
Cool اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ودورها في تفسير وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات, د/خير الدين عبد اللطيف محمد.
9) تطور القانون الدولي, ولفغانغ فريد مان.
10)الأمن الإنساني، مدخل جديد لحقوق الإنسان، د/ عاطف عطيات.
11)المحكمة الجنائية الدولية ـ الموائمات الدستورية والتشريعية (مشروع قانون نموذجي).
12)اتفاقية مكافحة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو الإنسانية أو المهينة، المادة (21)و(22)، ديسمبر 1984م.
13)قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي لسنة 1970م وهو أقدم آليات للشكاوى في نظام الأمم المتحدة.
14)قانون المجتمع الدولي المعاصر, د/ عمر سعد؛ ود/ أحمد بن ناصر.
15)دستور الجمهورية اليمنية.
16)دستور الجمهورية العربية اليمنية سابقاً.
17)الدليل الإرشادي إلى المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان في بالقانون اليمني والقانون الدولي, من إعداد د/ ياسين الشيباني ومراجعة د/ علي الشرفي.
18)العدد الرابع من سلسلة التدريب المهني ( مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية) الصادر عن مركز حقوق الإنسان ـ جنيف.
19)إعلان وبرنامج فيينا (الجزء الأول, الفقرة 36).
([1]) راجع: اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ودورها في تفسير وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات, د/ خير الدين عبد اللطيف محمد, 45.
([2]) راجع : الوسيط في القانون الدولي العام, د/ أحمد أبو الوفا, 563.
([3]) راجع : المدخل إلى القانون الدولي العام,د/ محمد عزيز شكري: 173ـ 174.
([4]) يرى د/ محمد عزيز شكري أن مثل هذه الخصائص ليست المقياس الوحيد للإقرار بمركز قانوني للفرد على الصعيد الدولي.
راجع : المدخل إلى القانون الدولي العام وقت السلم, محمد عزيز شكري, 174.
(5) راجع فيما سبق : قانون المجتمع الدولي المعاصر، د/ عمر سعد الله، ود/ أحمد بن ناصر، 211 وما بعدها.
(6) نقلاً عن المصدر السابق نفسه، 213.
([7]) راجع: اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ودورها في تفسير وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات, د/ خير الدين عبد اللطيف محمد,47.
(6) راجع: د. احمد الحميدي، المحكمة الجنائية الدولية، رسالة دكتوراه، عام 2002م، ص298.
(9) انظر :
- C.F r.elman. the low of wors adocumentary History 1972 V.O.L g22.
([10]) راجع: اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ودورها في تفسير وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات, د/ خير الدين عبد اللطيف محمد,47.
([11]) راجع : الوسيط في القانون الدولي العام, د/ أحمد أبو الوفا, 565.
([12]) راجع : الوسيط في القانون الدولي العام, د/ أحمد أبو الوفا, 567.
([13]) راجع: تطور القانون الدولي, ولفغانغ فريد مان, 145.
([14]) راجع: اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ودورها في تفسير وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات, د/ خير الدين عبد اللطيف محمد, 48.
([15]) المصدر السابق نفسه.
([16]) راجع: د/ عاطف عطيات، الأمن الإنساني، مدخل جديد لحقوق الإنسان.
(17) نقول ذلك مستندين من التطورات المتسارعة التي شهدها القضاء الجنائي الدولي وبالذات إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ومشروعيتها في ممارسة اختصاصاتها التي قد تطول زعماء، انظر في ذلك المحكمة الجنائية الدولية ـ الموائمات الدستورية والتشريعية (مشروع قانون نموذجي)، ص298.
(18) راجع نص المادة (22) من اتفاقية مكافحة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو الإنسانية أو المهينة، ديسمبر 1984م.
(19) راجع في هذا قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي لسنة 1970م وهو أقدم آليات للشكاوى في نظام الأمم المتحدة.
([20]) راجع: اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ودورها في تفسير وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات, د/ خير الدين عبد اللطيف محمد, 48.
([21]) راجع: قانون المجتمع الدولي المعاصر, د/ عمر سعد؛ ود/ أحمد بن ناصر, 219.
(22) على سبيل المثال ينص الدستور اليمني في المادة (4) الشعب مالك السلطة ومصدرها، ويمارسها بشكل مباشر عن طريق الاستفتاء والانتخابات العامة، كما يتداولها عن طريق الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعن طريق المجالس المحلية المنتخبة، على العكس من ذلك في الدساتير السابقة راجع: الدساتير الصادرة عام 1970م ، 1972م .
([23]) راجع على سبيل المثال: الدليل الإرشادي إلى المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان في بالقانون اليمني والقانون الدولي, من إعداد د/ ياسين الشيباني ومراجعة د/ علي الشرفي.
([24]) راجع العدد الرابع من سلسلة التدريب المهني ( مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية) الصادر عن مركز حقوق الإنسان ـ جنيف ـ17.
([25]) المصدر السابق نفسه، 17.
([26]) المصدر السابق نفسه، 25.
([27]) نوقشت مسألة مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية للمرة الأولى في المجلس الاقتصادي والاجتماعي في عام 1946مـ أي قبل سنتين من إعلان الجمعية العامة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان .
ثم قررت لجنة حقوق الإنسان تنظيم حلقة دراسية لتشكيل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وتشغيلها, وبناءً عليه عقدت الحلقة الدراسية المعنية بالمؤسسات الوطنية والمحلية لتعزيز حقوق الإنسان في جنيف.
راجع العدد الرابع من سلسلة التدريب المهني ( مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية) الصادر عن مركز حقوق الإنسان ـ جنيف ـ18.
([28]) راجع العدد الرابع من سلسلة التدريب المهني ( مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية) الصادر عن مركز حقوق الإنسان ـ جنيف ـ 57.
([29]) راجع: إعلان وبرنامج فيينا (الجزء الأول , الفقرة 36).



Admin
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى