ماهية العربون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ماهية العربون

مُساهمة من طرف Admin في السبت 07 نوفمبر 2009, 10:19 am



مــاهيــة الـعـربـون
نصت جل التشريعات و منها التشريع الجزائري على العربون ضمن أحكام القانون المدني، إلا أنها لم تهتم بتحديد مفهومه تاركة ذلك للفقه، في حين ركزت على تحديد دلالته أي وظيفته ،و أحكامه.
إن تحديد ماهية العربون يقتضي عرض مختلف الآراء الفقهية التي عرفته،ومعرفة معايير تحديد دلالته، و أخيرا تمييزه عن ما يشابهه كالشرط الجزائي، و خيار الشرط، إلا أنه لكي يتم التمييز على أحسن وجه وحتى تقوم التفرقة على أساس سليم فلا بد من معرفة الأحكام القانونية للعربون ، و التي ستكون من خلال دراسة أحكام العربون في الفصل الثاني.
بناءا على ماتقدم سأقسم هذا الفصل إلى مبحثن:في المبحث الأول أتناول فيه تعريف العربون لغة، و اصطلاحا، و في المبحث الثاني تحديد دلالة العربون.

المبحث الأول
تعريف العربون

لم يعرف المشرع الجزائري العربون شأنه شأن باقي التشريعات المقارنة حتى بعد تعديله للقانون المدني بموجب القانون رقم 05/10 المؤرخ في 20 جوان 2005، و إدراجه للمادة 72 مكرر و التي قننت التعاقد بالعربون ،و حددت دلالته و أحكامه، و حسنا ما فعل لأن هذه المسألة متروكة للفقه، ولهذا سنحاول في هذا المبحث تعريف العربون لغة، و اصطلاحا حتى يسهل علينا فيما بعد فهم أحكامه.
المطلب الأول
التعريف اللغوي للعربون

جاء في لسان العرب: « العربون، و العربون، و العربان: الذي تسميه العامة الأربون، تقول منه عربنته إذا أعطيته لك ، ويقال رمى فلان بالعربون إذا سلح. »(1).
و في القاموس المحيط:«و العربان و العربون بضمهما، و العربون محركة و تبدل عينهن همزة، ما عقد به المبايعة من الثمن. »(2)
ــــــــــــــــــــ
1) أبو الفضل محمد بن مكرم بن منظور : لسان العرب -دار إحياء التراث العربي ، بيروت ،لبنان الطبعة الأولى 1996م ،الجزء 9 ص 119.
2) مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي: القاموس المحيط ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، الطبعة الأولى – 1991 م ، الجزء الأول ص 253.

و جاء في الصحاح : « أنه عند العامة بلفظ أربون ، و هو عند العامة في بلاد الشام رعبون بتقديم الراء على العين دون حذفها ، يقال أعرب عن بيعه، و عرب ،و عربن إذا أعطى العربون. »(1)
أما في تاج العروس فقد جاء :« إن للعربون ثمان لغات هي الإعراب، و العربان كعثمان ، و العربون بضمها ، و العربون محركة العين ، و الأربون بإبدال العين ، و الربون بحذف العين ، و العربون بفتح فسكون فضم ، و ذكر لغة تاسعة حكاها إبن عديس قال أهل الحجاز يقولون أخذ مني عربان بضمتين و تشديد الباء .»(2).
في حين جاء في المصباح المنير: « العربون بفتح العين و الراء قال بعضهم هو أن يشتري الرجل شيئا، أو يستأجره، و يعطي بعض الثمن أو الأجرة ثم يقول إن تم العقد احتسبناه و إلا فهو لك و لا آخذه منك و العربون وزن عصفور لغة فيه و العربان بالضم لغة ثالثة و نونه أصلية وأعرب في بيعه بالألف أعطى العربون و عربنه مثله و قال الأصمعي العربون أعجمي معرب. »(3).
و ما نستنتجه من كل هذه التعاريف أنه لا توجد لغة واحدة للعربون، و كلها صحيحة و دارج استعمالها في البلدان العربية، أما في الجزائر فإننا نستعمل لغتان: العربون بضم العين ،و العربون بفتح العين.
ــــــــــــــــــــ
1) إسماعيل بن حماد الجوهري : الصحاح، دار العلم ، بيروت الطبعة الثالثة 1984 الجزء السادس ، ص 2164.
2) محمد مرتضى الزبيدي : تاج العروس ،الطبعة الأولى الجزء الثالث ، ص 372.
3) عبد الحكم فودة : الوعدو التمهيد للتعاقد و العربون و عقد البيع الإبتدائي، دار الفكر العربي القاهرة ، 1992 بدون طبعة ، ص 144 هامش 1.

المطلب الثاني
التعريف الاصطلاحي للعربون

إن العربون مصطلح درج على استعماله كل من فقهاء الشريعة الإسلامية، و فقهاء القانون الوضعي، و لكل منهما تعريفه الخاص به، و هذا ما سنتناوله فيما يلي:
الفرع الأول
العربون في اصطلاح فقهاء الشريعة الإسلامية

قال الإمام مالك في الموطأ: « و العربان: أن يشتري الرجل العبد أو الوليدة، أو يتكارى الدابة، ثم يقول للذي اشترى منه أو تكارى منه: أعطيك دينارا، أو درهما أو أكثر من ذلك أو أقل على أني إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك فالذي أعطيتك هو من ثمن السلعة أو من كراء الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة ،أو كراء الدابة فما أعطيته لك .»(1)
و جاء في الشرح الكبير: « و كبيع العربان إسم مفرد، و يقال أربان بضم أول كل، و عربون، و أربون بضم أولهما، و فتحه و هو أن يشتري أو يكتري السلعة، و يعطيه أي يعطي المشتري للبائع شيئا من الثمن على أنه أي المشتري إن كره البيع لم يعد إليه ما أعطاه، و إن أحبه حاسبه به من الثمن أو تركه مجانا .»(2)
أما في المغنى و الشرح الكبير:« العربون في البيع هو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهما، و غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، و إن لم يأخذها فذلك للبائع.»(3)
ــــــــــــــــــــ
1) الإمام محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني : شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك دار الكتب العلمية – بيروت الجزء الثالث ، ص 324.
2) محمد عرفة الدسوقي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ،مطبعة عيسى البابي الحلبي – سوريا.1373ه الجزء الثالث، ص 63.
3) الإمامين موفق الدين و شمس الدين إبن قدامة : المغنى و الشرح الكبير، دار الفكر لبنان 1994 بدون طبعة ، الجزء الرابع ، ص 312.

الفرع الثاني
تعريف العربون في اصطلاح فقهاء القانون

عرف العربون من طرف الأستاذ السنهوري بأنه: « عبارة عن مبلغ من المال يدفعه أحد المتعاقدين إلى الآخر وقت التعاقد، فإن تم التعاقد حسب المبلغ المدفوع من جملة ما هو متفق عليه، وإذا لم يتم التعاقد خسر من عدل قيمة العربون.»(1)
و قد عرفه الأستاذ محمد شريف أحمد بأنه: « مبلغ من المال، أو أي شيء مثلي آخر يدفعه أحد المتعاقدين للآخر وقت إبرام العقد، إما للتأكيد على أن لكل من الطرفين الحق في العدول عن العقد في مقابل تركه ممن دفعه، أو رده مضاعفا ممن قبضه، وإما للتأكيد على أن العقد الذي أبرماه أصبح باتا لا يجوز الرجوع فيه. »(2)
أما الدكتور رمضان أبو السعود فقد عرفه بأنه: « مبلغ من النقود يدفعه أحد المتعاقدين للآخر عند إبرام العقد، و يحدث ذلك غالبا في عقود البيع، و الإيجار فيدفع المشتري جزءا من الثمن، و ليس هناك ما يمنع أن يقوم كل طرف من أطراف العقد بدفع مبلغ عربون للمتعاقد الآخر . »(3)
في حين أن الأستاذ خليل أحمد حسن قدادة عرفه بأنه:«هو المبلغ الذي يدفعه أحد المتعاقدين إلى الآخر وقت إبرام العقد يكون الغرض منه إما جعل العقد المبرم بينهما عقدا نهائيا، وإما إعطاء الحق لكل واحد منهما في إمضاء العقد أو نقضه. »(4)
ـــــــــــــــــــــ
1) عبد الرزاق السنهوري : الوسيط في شرح القانون المدني ( الجزء الأول مصادر الالتزام) دار إحياء التراث العربي – بيروت ، بدون طبعة ، ص 259.
2) محمد شريف أحمد : مصادر الالتزام في القانون المدني – دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي، دار الثقافة للنشر و التوزيع لبنان، 1999 بدون طبعة ، ص 66
3) رمضان أبو السعود : الموجز في شرح العقود المسماة عقود البيع و المقايضة و التأمين (دراسة مقارنة في القانون المصري و اللبناني) الدار الجامعية للطباعة و النشر بيروت ، 1994 بدون طبعة ، ص 161 .
4) خليل أحمد حسن قدادة : المرجع السابق ، ص 50 .


وعرفه الفقيهان الفرنسيان بودري و سينيا بأنه :
«On donne le nom d'arrhes à une somme d'argent ( ou autre chose mobilière ) que l'une des parties remet à l'autre au moment ou l'accord se fait »(1)
و بناءا على كل التعاريف السابقة يمكن إيجاد تعريف موحد بينها: «العربون مبلغ من المال، أو أي منقول معين تحدد قيمته في العقد يسلمه أخد المتعاقدين للآخر وقت إبرام العقد، إما للدلالة على أحقية كل منهما في العدول أو للدلالة على نهائيته و البت فيه ،و تأكيده بالبدء في تنفيذه ،و دفع جزء من الثمن .»(2)
و من خلال هذا التعريف يمكن أن نستخلص بعض خصائص العربون:
1- قد يكون العربون منقولا كسيارة مثلا، إذ ليس هناك نص يحصر العربون في مبلغ نقدي، وإن كان جرى العرف على أن يكون مبلغا من النقود.
2- الغرض من تحديد قيمة المنقول في العقد هو درأ الخلاف بين الطرفين حول قيمة العربون إذ كان العدول ممن قبضه، حين يرد المنقول عينه و قيمته المقدرة في العقد.
3- يمكن أن يصاحب العربون أي عقد إذ أن أحكامه عامة تصدق على سائر العقود، و لكن شاع استعماله في عقدي البيع، و الإيجار.
4- يجب أن يدفع العربون وقت التعاقد لأنه إن دفع بعد ذلك اعتبر تنفيذا جزئيا للعقد.

ـــــــــــــــــــــــ
1) عبد الحكم فودة المرجع السابق ، ص 144 ،الهامش رقم 1.
2) عبد الحكم فودة المرجع السابق ، ص 144.


5- لا يكون العربون إلا في العقود الملزمة للجانبين (1)باعتباره وسيلة لنقض العقد،فإذا كان في عقد ملزم لجانب واحد كالوعد بالبيع(2)فلا يفيد خيار العدول، لأن أحد المتعاقدين و هو الموعود له ليس ملزما إبتداءا بتنفيذ الوعد. و مع ذلك يجوز للواعد دفع العربون، و اشتراط خيار العدول لنفسه إلا أن الموعود له لا يلزم في حالة عدم إستفاء الوعد برد ضعفه.
6- قد تكون للعربون دلالة تمام العقد و البدء في التنفيذ، وقد تكون له دلالة عدول عن إتمام التعاقد، و هذا ما سنتناوله بالتفصيل في المبحث الثاني.
ـــــــــــــــــــــــ
1) رمضان أبو السعود: المرجع السابق، ص 262 .
2) إن المادة 1590 ق م فرنسي نصت على العربون في الوعد بالبيع، و أعطت له دلالة عدول ويرى الفقيهان بودري و سينيا أنه لا يوجد إلا بالنسبة لعقد الوعد الملزم للجانبين.
عبد الحكم فودة : المرجع السابق ، ص 144 .

المبحث الثاني
تحديد دلالة العربون (وظيفته)

شاع استعمال العربون في عصر الإمبراطورية الرومانية السفلى(1) وفي العصر العلمي،(2) إذ كان يعد وسيلة من وسائل إثبات البيع عند قيام خلاف حوله فضلا عن أن أوراق البردي قد كشفت أن العربون كان يؤدي إلى جانب وظيفة الإثبات وظيفة الضمان ، فهو بمثابة ضمان يقدم إلى البائع حتى يتأكد أنه لن يفقد الثمن كله، فكان يعتبر جزءا من الثمن الواجب على المشتري دفعه. وفي عصر الإمبراطورية السفلى ظهرت الوظيفة الثالثة للعربون وهي أن العربون وسيلة للعدول عن الصفقة.
أما العربون في القفة القانوني المعاصر فهو أن يدفع أحد المتعاقدين مالا للآخر عند إبرام العقد على ذمة تنفيذ العقد أو علامة على إتمام التعاقد، فالعربون قد تكون له دلالة تمام العقد ،والبدء في التنفيذ، كما لو باع شخص لآخر شيئا فإنه قد يدفع من ثمنه جزءا كعربون. وقد تكون للعربون دلالة أخرى هي الرغبة في إتمام التعاقد بحيث إذا عدل المتعاقد عن هذه الرغبة خسر العربون ،أو مثله فيصبح العربون جزاءا للعدول عن إتمام التعاقد فإذا باع شخص لأخر شيئا، واتفقا على مبلغ كعربون لإتمام العقد النهائي ثم عدل المشتري عن الشراء خسر العربون وإذا عدل البائع عن البيع رد للمشتري العربون ومثله.(3)
فالعربون إذن له دلالتان، إما دلالة التأكيد، وإما دلالة العدول وتختلف التشريعات في الأخذ بهاتين الدلالتين فاتحة المجال إلى اتفاق المتعاقدين في تحديد هاته الدلالة لأن الأصل في تحديد وظيفة العربون هو إرادة المتعاقدين والحكم القانوني الخاص به مكملا لإرادتهما فقط وهذا ما سنتناوله في هذا المبحث ضمن مطلبين، نخصص الأول لتحديد الدلالة القانونية للعربون، أما الثاني فنخصصه لدور الإرادة المشتركة للمتعاقدين في تحديد هذه الدلالة.
ـــــــــــ
1) «يبدأ عصر الإمبراطورية السفلى بتولى الإمبراطور دقلد يانوس حكم الإمبراطورية الرومانية عام 284م وينتهي بوفاة امبراطور الشرق جوستينان عام 565م».صبيح مسكوني :القانون الروماني ، مطبعة شفيق بغداد 1968 ،ص 120 .
2) «يبدأ هذا العصر حوالي سنة 130م بصدور قانون إيبونا وينتهي بحكم الإمبراطور دقلد يانوس عام 284م وسمي بالعلمي لإزدهار القانون فيه».المرجع السابق ، ص 120.
3) عبد الناصر توفيق العطار: مصادر الالتزام ، دار الكتاب الحديث القاهرة ، بدون طعة ، ص48.
المطلب الأول
الدلالة القانونية للعربون

إن القوانين تختلف فيما بينها في الأخذ بدلالة دون أخرى من دلالات دفع العربون، فمن القوانين ما يعتبر دفع مبلغ العربون بمثابة تأكيد للعقد وبدء لتنفيذه، ومنها ما يعتبره أنه قد دفع بقصد تمكين المتعاقد الذي دفعه من العدول عن العقد وهذا ما سنتناوله في هذا المطلب ضمن الفرعين التاليين:
الفرع الأول
التشريعات التي تأخذ بدلالة البت (تأكيد العقد)

إن التشريعات الجرمانية(1)، ومعها القانون العراقي(2)، والتونسي(3) والقانون المغربي(4) ، تأخذ بدلالة التأكيد والبت(confirmation ) ، وفي هذه الحالة يعتبر العربون تنفيذا جزئيا لالتزامات المتعاقد، ولا يجوز لأي من المتعاقدين العدول عن العقد فإذا امتنع أحد المتعاقدين عن تنفيذ التزامه فإن القواعد العامة تجيز للمتعاقد الآخر التمسك بعدم التنفيذ، أو المطالبة بالتنفيذ العيني، أو الفسخ فضلا عن الحق في التعويض الذي يستقل عن العربون المتفق عليه فقد يزيد، أو ينقص عنه(5).
ــــــــــــــــ
1) محي الدين اسماعيل علم الدين : نظرية العقد مقارنة بين القوانين العربية و الشريعة الإسلامية ، دار الكتاب الحديث القاهرة ، بدون طبعة ، البند 136 .
2) المادة 92 من القانون المدني العراقي :« يعتبر دفع العربون دليلا على أن العقد أصبح باتا لا يجوز العدول عنه.»
3) المادة 303 من قانون الالتزامات التونسي
4) ينص الفصل 288 من تقنين الالتزامات والعقود المغربي على أن « العربون هو ما يعطيه أحد المتعاقدين للأخر بقصد ضمان تنفيذ تعهده .»
5) أحمد شوقي محمد عبد الرحمان :النظرية العامة للالتزام( العقد والإرادة المنفردة في الفقه وقضاء النقض المصري والفرنسي) منشأة المعارف مصر، سنة 2004 ، بدون طبعة ، ص68.

وهذا ما تضمنه تقنين الالتزامات والعقود المغربي إذ اعتبر العربون جزءا من قيمة العقد تم أداؤه، وإذا فسخ بالتراضي ولكن تنفيذه أصبح غير ممكن ،أو فسخ بسبب خطأ أحد الطرفين فإن لمن قبض العربون أن يحتفظ به، وعلى الطرف الآخر أن يلجأ إلى المحكمة لتقدير الضرر الحاصل لقابض العربون ،وتلزمه برد ما زاد على قيمة هذا الضرر.(1)
الفرع الثاني
التشريعات التي تأخذ بدلالة العدول

إن التشريعات اللاتينية ومنها القانون الفرنسي(2) ،ومعها القانون الجزائري(3)،و المصري(4)،و السوري(5)،و الليبي(6)،و الأردني(7)، تأخذ بدلالة العدول(Dédit).
إذ تنص المادة 72 مكرر من القانون المدني الجزائري:« يمنح دفع العربون وقت إبرام العقد لكل من المتعاقدين الحق في العدول عنه خلال المدة المتفق عليها... »
ويفهم من ذلك أن العدول في هذه الحالة استعمال لحق ناشئ عن العقد، والعربون مقابل لاستعماله وليس إخلال بالالتزام ليكون العربون شرطا جزائيا يجب لاستحقاقه وقوع ضرر.(Cool
كما أن العربون دليل للعدول لوقت معين فلا يجوز العدول بعد انقضاء هذا الوقت، أما إذا لم يعين وقت لجواز العدول فيجوز العدول إلى وقت التنفيذ لأنه ليس من المنطقي أن يترك استعمال حق العدول دون تقييده بوقت معين.
ــــــــ
1) أنظر الفصل 289، 290 من تقنين الإلتزامات والعقود المغربي
2) المادة 1590 من القانون المدني.
3) أنظر المادة 72 مكرر من القانون المدني.
4) المادة 103 من القانون المدني المصري.
5) المادة 104مدني سوري .
6) المادة 103مدني ليبي .
7) المادة 107مدني اردني .
Cool راجع السنهوري : المرجع السابق ، الجزء الأول ، ص277، هامش3.


والعدول هنا معناه تعبير المتعاقد عن رغبته في عدم تنفيذ الالتزام دون الغوص في مبررات هذا العدول لأنه حق إرادي(1) يمكن صاحبه من التحلل من العقد بإرادة واحدة، حيث يتم الاتفاق مقدما بين الطرفين على منح هذا الحق لأحد هما، أو لكليهما فيقوم بالخيار بين استعماله ،أو عدم استعماله خلال المدة المحددة. فالحق المنبثق عن العربون حق إرادي يعتمد على إرادة صاحبه بحيث تكون له مكنة القضاء على العلاقة التعاقدية بمقتضى تصرف إنفرادي، دون أن يكون للطرف الآخر المعارضة في ذلك و لا تكون لإرادته في رفض ذلك أي أثر قانوني.
وجدير بالملاحظة أن القانون اللبناني لم يتعرض للعربون بنص خاص ولكنه تعرض لخيار العدول بصفة عامة فقضى في المادة 84/2 من قانون الموجبات والعقود بأنه «... يحق للفريقين أو لأحدهما أن يحفظ لنفسه حق التصريح في مهلة معينة بأنه يريد البقاء على العقد أو فسخه » ويعد من هذا القبيل دفع العربون، و ذلك لأنه يعد مقابلا للحق في العدول.وخيار العدول قد يشترط لمصلحة الطرفين، وقد يكون لمصلحة أحدهما فقط وفي الحالة الأخيرة يكون العقد غير لازم بالنسبة لمن شرط خيار العدول لمصلحته ولازما بالنسبة للطرف الأخر.(2)
هذا ووفقا للفقرة الثالثة من المادة 84 المشار إليها أعلاه لا يصح اشتراط العربون،أو حق العدول في : الاعتراف بالدين، والهبة، وبيع السلم ، وهذا الأخيركما تعرفه المادة 487 من قانون الموجبات والعقود هو:« عقد بمقتضاه يسلف أحد الفريقين الآخر مبلغا من النقود، فيلتزم هذا الفريق مقابل ذلك أن يسلم إليه كمية معينة من المواد الغذائية أو غيرها من الأشياء المنقولة في موعد يتفق عليه الطرفان. » ولما كان الثمن يدفع كله إلى البائع وقت إنشاء العقد (م 488 موجبات) فقد رأى المشرع أنه لا مجال لخيار العدول في هذه الصورة من صور البيع.
ــــــــــــــ
1) «يعرف الحق الإرادي على أنه سلطة إحداث الأثر القانوني بمحض إرادة صاحبه ، أو أنه مكانة تعطى للشخص بسبب مركزه القانوني في ان يحدث أثرا قانونيا لمحض إرادته» . الأستاذ عمر زودة : طبيعة الأحكام بانهاء الرابطة الزوجية و أثر الطعن فيها مطبعة .ENCYCLOPEDIA الجزائر بدون طبعة ، ص22 ، الهامش رقم 17 ، 18 .
2) رمضان أبو السعود، المرجع السابق، ص164.


وقد نصت المادة 1590 مدني فرنسي على أنه « إذا اقترن الوعد بالبيع بدفع عربون كان لكل من العاقدين حق العدول عن العقد فإذا عدل من دفع العربون خسره، وإذا عدل من قبضه وجب عليه رد ضعفه »
«Si la promesse de vendre a été faite avec des arrhes, chacun des contractants est maître de s´en départir. Celui qui les a données,en les perdant . Et ce lui qui les reçues,en restituant le double »
معنى هذا أن القانون الفرنسي رجح إحدى دلالتي العربون على الأخرى، فأخذ بدلالة العدول، وقد رأى الفقه(1) ،و القضاء(2) أن هذا الحكم ولو أنه ورد في شأن الوعد بالبيع إلا أنه ينطبق على عقد البيع ذاته وأجاز البعض تعميمه على سائر العقود التي يصاحب عقدها دفع عربون.(3)
المطلب الثاني
دور الإرادة المشتركة للمتعاقدين في تحديد دلالة العربون

وفقا لنص المادة 72 مكرر من القانون المدني فإن دفع العربون يفيد الحق في خيار العدول عن العقد الذي أبرمه الطرفان، وهذه تعد قرينة بسيطة قابلة لإثبات عكسها بإقامة الدليل على اتجاه إرادة المتعاقدين الصريحة، أو الضمنية التي تتضح من ظروف التعاقد إلى غير ذلك بكافة طرق الإثبات كأن يثبت القاضي أن مبلغ العربون كبير مما يحمله على تفسيره بأن هذا المبلغ إنما دفع ليكون جزءا من الثمن، وما كان الطرفان ليقصدا من ورائه أن يكون لإثبات خيار العدول.(4)
ــــــــــــــــــ
1) يقول الفقيهان بودري و سينيا أن القانون لم يتناول العربون إلا بالنسبة لعقد الوعد الملزم للجانبين ، لكن ليس هناك ما يمنع من سريان المادة 1590 على كافة العقود الملزمة للجانبين القابلة بطبيعتها للعربون .
عبد الحكم فودة : المرجع السابق، ص 180 هامش رقم 1
2) «L'art 1590 du C civ , qui attribue aux arrhes le caractère d'un moyen de dédit , s'applique aux ventes comme aux promesses de vent , de sorte qu'il est sans intérêt de rechercher si les actes litigieux constituent une simple promesse de vente ou présent les caractères d'une vente »
Paris 2 mars 1964 : J C P 64 , 1V , 2d G 160
3) عبد الرزاق السنهوري الوسيط جـ1 ص 260
4) عبد الرزاق السنهوري الوسيط، جـ1 ص259.


وواضح من النص المتقدم أننا بصدد قاعدة مكملة ،وليست آمرة وبالتالي للأفراد أن يتفقوا صراحة، أو ضمنا على مخالفتها فقد يتفقان على أن يكون العربون لتأكيد العقد، كما يمكنهما الاتفاق على أن يكون العربون دلالة عدول، بل يمكنهما الاتفاق على حكم مخالف في حالة العدول لما ذكره المشرع كأن يتفقا على أن يرد البائع مثلا المبلغ الذي قبضه فعلا وليس ضعفه كما جاء في النص، أو أن المشتري إذا عدل لا يكتفي منه بفقد العربون الذي دفعه بل يدفع ضعفه، أو ضعفيه.
ومنه فإن تحديد دلالة العربون مرده الإرادة المشتركة لكلا المتعاقدين فقد يعتبر المتعاقد أن دفعه لمبلغ العربون لكي يثبت له الحق في العدول ومقابل ذلك فهو يترك الجزء المدفوع كعربون للمتعاقد الأخر فهو بمثابة ثمن دفعه للعدول. وقد يكون قصد المتعاقد من دفع مبلغ العربون لضمان تنفيذه وإظهار النية المؤكدة أمام المتعاقد الأخر، وهنا يعتبر العربون جزءا من تنفيذ العقد، وبالتالي لا يحق لأحد المتعاقدين أن يعدل عن تنفيذ العقد وإلا ترتبت مسؤوليته العقدية، وللقاضي السلطة التقديرية في الوصول إلى النية الحقيقية للمتعاقدين هل قصدا بالعربون دلالة بت أو دلالة عدول في حالة غياب الاتفاق الصريح للمتعاقدين سواء تضمن ذلك العقد الأصلي، أو كان في عقد مستقل، وعليه فالقاضي يستخلص النية الحقيقية للمتعاقدين من ملابسات التعاقد، أو ظروفه، ويشترط أن يبين الأسباب التي من أجلها توصل إلى قناعته في استظهار نية المتعاقدين فإذا لم تتمكن المحكمة من استظهار هذه النية سواء بالاتفاق الصريح، أو الضمني فقد اعتبرت المادة 72 مكرر أن دلالة العربون دلالة عدول.


عدل سابقا من قبل Admin في الخميس 24 ديسمبر 2009, 8:10 am عدل 1 مرات

Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ماهية العربون

مُساهمة من طرف ابن أريس في الأربعاء 23 ديسمبر 2009, 11:05 pm

السلام عليكم

بارك الله فيك أخي

جزاك الله خيرا

ابن أريس
عضو


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ماهية العربون

مُساهمة من طرف saidi1989 في الجمعة 29 يناير 2010, 9:16 pm

merci beaucoup

saidi1989
عضو


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ماهية العربون

مُساهمة من طرف zaoui في الثلاثاء 10 أغسطس 2010, 9:57 am

merci beaucoup .

zaoui
عضو


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى