مدى كفالة المشرع الجزائري للحق في التقاضي أمام قضائه الوطني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مدى كفالة المشرع الجزائري للحق في التقاضي أمام قضائه الوطني

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 19 يوليو 2017, 17:54

مدى كفالة المشرع الجزائري للحق في التقاضي أمام قضائه الوطني
في مسائل القانون الدولي الخاص
د. سعداوي محمد صغير
أستاذ محاضر "أ" ، قسم الحقوق،
كلية الحقوق والعلوم السياسية ، جامعة بشار(الجزائر)

ملخص :
يكون القضاء الوطني في أي دولة مختصا إذا كان النزاع المطروح عليه ناشئا عن علاقة كل عناصرها وطنية ، أما إذا كانت العلاقة ذات عنصر أجنبي – أي علاقة قانون دولي خاص - فان مسالة الاختصاص القضائي تتنازعها الجهات القضائية لأكثر من دولة .وعلى عكس تنازع القوانين - حيث أوجدت التشريعات قواعد ذات طبيعة دولية أدرجتها في قوانينها الداخلية تحدد القانون واجب التطبيق على النزاعات ذات العنصر الأجنبي– فان تنازع الاختصاص القضائي الدولي لم يحظ بوجود قواعد قضائية من طبيعة دولية تحدد الجهة القضائية المختصة. إلا أن الفقه والقضاء الدوليين قد أوجدا مجموعة من الحلول للتصدي للقضايا الخاصة ذات الطبيعة الدولية تتمثل أساسا في : قواعد الاختصاص القضائي الداخلية – المبادئ القضائية الثلاثة – الاختصاص المبني على أساس الجنسية .

ésumé:
The national law of any country can be specialist if there exists a conflict caused by an issue with relation to elements of national concern. However if there is a foreign issue, particular issue of international regulation, then the jurisdictional issue becomes subject to more than a jurisdiction of one country. Far from the conflicting laws, where legislations have found bases for rules of international interest, these are incorporated in the domestic laws to set the law to be applied in the conflicts of foreign issue. The conflict of international jurisdiction does not get judicial bases of international nature to specify the skilled judicial authority. However world scholars and jurists have found a set of ways to deal with private matters of international interest mainly in: home jurisdiction, the three judicial principles, jurisdiction with nationality basis.

مقدمة :
يراد بالاختصاص القضائي الدولي : "القواعد التي تحدد ولاية محاكم الدولة في المنازعات التي تتضمن عنصرا أجنبيا إزاء غيرها من محاكم الدول الأخرى ، وذلك بالمقابلة لقواعد الاختصاص القضائي الداخلية في كل دولة والتي ( تحدد اختصاص كل جهة قضائية إزاء غيرها من الجهات القضائية لتلك الدولة".( 1
ويذهب جانب من الفقه في فرنسا إلى تسمية الاختصاص القضائي الدولي للمحاكم الفرنسية بالاختصاص العام أي اختصاصها competence spéciale وذلك بالمقابلة للاختصاص الخاص لهذه المحاكم competence générale الداخلي وفقا لقواعد المرافعات .
وتستقل كل دولة بتحديد قواعد الاختصاص القضائي الدولي لمحاكمها الوطنية في المنازعات المشتملة على عنصر أجنبي ، بما يحقق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية لتلك الدولة التي ترمي إليها سياستها التشريعية و السؤال المطروح هنا : إلى أي مدى كفل المشرع الجزائري - كغيره من المشرعين - للوطنيين المقيمين في الخارج والذين تنشا بينهم نزاعات أو بينهم وبين الأجانب حق رفع دعاواهم أمام قضائه الوطني أم أنهم مجبرين على ؟ ( رفع دعاواهم أمام قضاء الدولة المقيمين فيها ؟ وإلى أي مدى كفل هذا الحق للأجانب ( 2
المطلب الأول: خصوصية قواعد الاختصاص القضائي الدولي
أولا : الخصوصية من حيث عدم وجود جهة قضائية عليا تنظم الاختصاص : يتميز مجال القانون الدولي الخاص عن القانون الدولي العام – "بعدم وجود هيئة عليا من شانها أن تتولى فض النزاعات الحاصلة وإيجاد قواعد إجرائية تحدد الاختصاص القضائي" ( 3)، ويعود ذلك إلى طبيعة العلاقات فيه ذلك أن أطرافه أشخاص طبيعيون عاديون ينتمون إلى دول مختلفة وليسوا دولا ذات سيادة .
على المستوى الداخلي : يتميز بوجود سلطة عليا من صلاحياتها تنظيم مسالة الاختصاص القضائي ، وبوجود مرفق القضاء وجدت حتما القواعد الإجرائية التي يشتغل بها ، فالقضاء مرفق عام لا يشتغل إلا وفق القواعد التي أنشأته . وهذا ما ليس موجودا على المستوى الدولي ( عدم وجود قواعد اختصاص قضائي دولي ).
التشريعات العالمية ومنذ القدم تجنح في مسائل القانون الخاص إلى إطلاق مبدأ سلطان الإرادة . وفي ظل عدم وجود قواعد إجرائية ذات طبيعة دولية هدفها بيان الجهة القضائية المختصة في النزاعات ذات العنصر الأجنبي اهتدى الفقه والقضاء الدوليين إلى ضرورة عودة كل قاض مطروح عليه النزاع إلى قواعد الاختصاص القضائي الداخلية في دولته وإعمالها على المستوى الدولي ، "فإذا قضت هذه القواعد باختصاصه كان مختصا وإذا لم تعقد له الاختصاص لم  يكن مختصا وهو ما يضفي على هذه القواعد صفة الأحادي". ( 4 )
ثانيا : الخصوصية من حيث طبيعة القواعد في حد ذاتها : تتميز قواعد الاختصاص القضائي الدولي بالخصائص التالية :
1-  قواعد الاختصاص القضائي الداخلية قواعد فردية : تحدد متى يكون القضاء الوطني مختصا ومتى لا ينعقد له الاختصاص . فمثلا قواعد الاختصاص القضائي الجزائرية الواردة في قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري تحدد متى تكون جهة قضائية ما – داخل النظام القضائي الجزائري – مختصة ومتى لا تكون مختصة والمعيار في ذلك كالأتي :
- بالنسبة لبيان الاختصاص الإقليمي استعمل المشرع الجزائري لكل نزاع ضابط اختصاص قضائي يتم من خلاله معرفة الجهة القضائية المختصة ومثاله : نزاعات الطلاق : ضابط الاختصاص القضائي فيها هو: مسكن الزوجية .
فمتى كان مسكن الزوجية واقعا على إقليم جهة قضائية جزائرية ما كانت مختصة إقليميا .
- بالنسبة للاختصاص النوعي : فان نوع وطبيعة النزاع هما اللذان يحددان الجهة القضائية المختصة : وقواعد  الاختصاص النوعي تتضمن فكرة ضمنية مفادها أن قضاة جهة قضائية ما هم على قدر أعلى من الكفاءة من قضاة جهة أخرى من نفس المستوى القضائي : مثلا يعهد المشرع أحيانا ببعض القضايا لقضاة المحكمة الابتدائية المنعقدة بدائرة المجلس ولا يعهد بها إلى غيرهم لافتراض الكفاءة الأعلى فيهم في مجال معين دون غيره .ونفس الفكرة موجودة في باقي المستويات القضائية فالقاضي رئيس القسم التجاري مثلا يفترض فيه المشرع انه أكفأ من غيره رؤساء الأقسام الأخرى في المسائل التجارية فقط وهكذا. ولذلك كان الاختصاص النوعي من النظام العام.
2-  قواعد الاختصاص القضائي الداخلية ليس من شانها – في حالة عدم عقدها الاختصاص للقضاء الوطني – أن تبين القضاء الأجنبي المختص لان القضاء مرفق عام يشتغل وفق القواعد التي أنشأته : "فلا يمكن عقد الاختصاص لقضاء دولة ما بناءا على القواعد الإجرائية لدولة أخرى ". ( 5)
3- قواعد الاختصاص القضائي الداخلية أوجدها المشرع للنزاعات المحتملة الوقوع على المستوى الداخلي ، فقواعد الاختصاص الإقليمي مثلا تنظم توزيع الاختصاص على الجهات القضائية الموجودة على الإقليم الجزائري ولا يمكن تصور وجود قطعة ارض من التراب الجزائري ليست داخلة في إقليم جهة قضائية جزائرية .
المطلب الثاني : ضمان حق التقاضي بناءا على القواعد العادية للاختصاص الإقليمي : من المتفق عليه لدى فقه القانون الدولي الخاص أن "القضاء الوطني ينعقد له الاختصاص اعتمادا على قواعد الاختصاص الداخلية والتي يتم ( تطبيقها لبيان الاختصاص القضائي الدولي له". ( 6
والقواعد التي يتم مدها إلى المجال الدولي هي قواعد الاختصاص الإقليمي وليست قواعد الاختصاص النوعي وذلك لسببين :
1-  أن قواعد الاختصاص الإقليمي تحدد قضاء أي إقليم هو المختص فهي تتناسب مع السؤال المطروح على المستوى الدولي : قضاء أي دولة هو المختص ؟
2- قواعد الاختصاص النوعي لو تم تشغيلها على المستوى الدولي ستتعارض مع مبدأ السيادة الدولية للدول فلا يمكن عقد الاختصاص لقضاء دولة معينة دون سواها على أساس أن قضاءها أعلى كفاءة من قضاءات الدول الأخرى ، إضافة إلى أن الاختصاص النوعي من النظام العام والنظام العام يختلف من دولة إلى أخرى وهو ما من شانه أن يحدث تصادما مع النظام العام للدول الأخرى .
أولا : ظهور عجز قواعد الاختصاص الإقليمي الداخلية أمام بعض القضايا ذات الطبيعة الدولية : تظهر قواعد الاختصاص الإقليمي عاجزة أمام بعض الحالات الموجودة على المستوى الدولي من ناحيتين :
- بعض القواعد موجودة لكن تطبيقها على المستوى الدولي يواجه صعوبة تحتاج إلى إيجاد حل لها ومثالها قاعدة تنازل محكمة موقع العقار الذي هو جزء من التركة لصالح محكمة مكان افتتاح التركة . تطبيق هذه القاعدة على المستوى الداخلي لا يثير اي اشكال لان نفس القانون القضائي في الاخير هو الذي سيطبق لكون الجهتين القضائيتين تنتميان الى نفسى الدولة لكن إعمال هذه القاعدة على المستوى الدولي يحتاج إلى إيجاد آلية تمكن من تنازل قضاء الدولة التي يقع بدائرة اختصه العقار موضوع التركة لصالح قضاء الدولة التي تم افتتاح التركة امام قضائها .
- المستوى الدولي يتميز ببعض القضايا التي لا توجد لها قاعدتها المناسبة على المستوى الداخلي ومثالها : أن يكون ضابط الاختصاص القضائي للنزاع ( معيار عقد الاختصاص الاقليمي ) واقعا على إقليم لا ينتمي لأي دولة لها سيادتها الكاملة ، فلو عرض هذا النزاع على القاضي الجزائري أو قاضي أي دولة أخرى لن يكون مختصا إقليميا وهو ما من شأنه أن يترك النزاع دون حل .
- وأمام هذا العجز كان لا بد من تدخل الفقه والقضاء وكذا التشريعات فيما بعد بإحدى الطريقتين :
1- تعديل قواعد الاختصاص القضائي الداخلية لجعلها تتلاءم مع المستوى الدولي : والمثال هنا قاعدة تنازل محكمة موقع العقار لصالح محكمة مكان افتتاح التركة ، ذلك أن اختصاص محكمة واحدة بالنزاع أفضل من اختصاص قضائين في نفس النزاع ، وقد لجأت الدول إلى حل هذا الإشكال عن طريق الاتفاقيات الثنائية خصوصا لأن تنازل محكمة لأخرى على الصعيد الداخلي لا يطرح إشكالا لكن على المستوى الدولي تشكل مسألة السيادة عائقا أمامه .
2- المسائل التي استأثر بها المجال الدولي ولا وجود لها في المجال الداخلي كوجود ضابط الاختصاص القضائي للنزاع على إقليمٍ لا ينتمي لأي دولة لها سيادتها الكاملة ، ففي هذه الحالة كان لابد من حل حتى لا يبقى النزاع دون فصل وهو ما تم حله من خلال مبدأ تفادي جرم انكار العدالة .
ثانيا : المبادئ التي عزز بها القضاء الدولي قواعد الاختصاص : في ظل العجز الذي بدا واضحا لقواعد الاختصاص الإقليمي ، عزز القضاء الدولي قواعد الاختصاص بمجموعة من المبادئ التي توجد حلولا للقضايا التي لا تستوعبها
قواعد الاختصاص المحلي ، هذه المبادئ هي :
1-  مبدأ تفادي جرم إنكار العدالة: هو عقد اختصاص للقضاء الذي عرض عليه النزاع لأول مرة رغم عدم اختصاصه الإقليمي ، وهو اختصاص تفرضه الضرورة في حالة ما إذا ثبت لهذا القاضي بناء على وقائع القضية أنه ليس هناك من قضاء آخر سينعقد له الاختصاص ، ومثاله : نزاع يكون فيه ضابط الاختصاص القضائي واقع في إقليم لا ينتمي لأي دولة ذات سيادة . فإذا لم يختص هذا القاضي المطروح أمامه النزاع بقي هذا النزاع دون نظر من أي جهة قضائية دولية أخرى .
والقاضي هنا ينعقد له الاختصاص بناءا على مبدأ تفادي جرم إنكار العدالة وإلا اعتبر مرتكبا لهذا الجرم . هذا المبدأ رغم وجاهته ورغم انه كان له وجود معتبر في السابق حينما لم تكن الدول قد وصلت إلى هذا الحد من التطور والسيادة على أراضيها ، إلا انه يشهد تراجع في الوقت الحالي لانحسار مبرر إعماله .
2- مبدأ إرادة الخصوم : ينعقد الاختصاص للقاضي رغم عدم اختصاصه الإقليمي بناءا على إرادة الخصوم ، ويعتبر هذا المبدأ من المبادئ التي ضمنته التشريعات في قوانينها ، ولعل المشرع الجزائري واحد من هذه التشريعات حيث جاء في نص المادة 46 قانون إجراءات مدنية وإدارية جزائري ما يلي : "يجوز للخصوم الحضور باختيارهم أمام القاضي ، حتى ولو لم يكن مختصا إقليميا .
يوقع الخصوم على تصريح بطلب التقاضي وإذا تعذر التوقيع يشار إلى ذلك . يكون القاضي مختصا طيلة الخصومة ويمتد الاختصاص في حالة الاستئناف إلى المجلس القضائي التابع له ".
وتعتبر هذه القاعدة واحدة من الضمانات الممنوحة من طرف المشرع للرعايا وللأجانب الذين لم تسعفهم قواعد الاختصاص القضائي الداخلية للتقاضي أمام القضاء الوطني والاستفادة من مزايا التقاضي أمامه ، فالجزائري مثلا الذي دخل في علاقة مع أجنبي وثار بينهما نزاع لا تعقد فيه قواعد الاختصاص القضا ئي الداخلية الاختصاص للقضاء الجزائري ويرغب هذا الطرف في الاستفادة من مزايا التقاضي أمام القضاء الوطني فله هذا الحل المشروط بالاتفاق مع الخصم على المثول أمام القضاء الوطني . كما أن الأجانب الذين يرغبون في التقاضي أمام القضاء الوطني يمكنهم ذلك ، وليس ذلك مقصورا على النزاعات التي يكون احد أطرافها جزائريا .
هذا وتجدر الإشارة إلى أن هذه القاعدة لا تلق القبول الكامل من الفقه والقضاء الدوليين ، ذلك أن جلب الاختصاص للقضاء الوطني بهذه القاعدة يقابله سلب الاختصاص منه بنفس الطريقة وهو ما قيدته بعض التشريعات  بالقيود التالية : ( 7)
- هناك من استثنى من سلب الاختصاص من القضاء الوطني المسائل التي يستأثر بها دون غيره وهي التي لا يتصور عقد الاختصاص فيها لغيره ومثالها : مسائل العقار .
- هناك من قصر القاعدة على المعاملات التجارية: وهنا يلاحظ أن المشرع الجزائري حينما أورد نص المادة 45 قال: "يعتبر لاغيا وعديم الأثر كل شرط يمنح الاختصاص الإقليمي لجهة قضائية غير مختصة إلا إذا كان بين التجار" . فهو يقصد كل شرط: والمعروف أن العبارة بهذا الشكل لا تتضمن الاتفاق. بينما في المادة 46 يتحدث عن اتفاق الخصوم.
3-  مبدأ حسن سير العدالة : والحالة هنا عندما تكون هناك دعويان واحدة أصلية والأخرى فرعية وي كون ضابط الاختصاص القضائي للأصلية واقعا في الجزائر معناه أن القضاء الجزائري مختص في الدعوى الأصلية لكنه غير مختص في الدعوى الفرعية لعدم وجود ضابط الاختصاص القضائي لها في الجزائر : فهنا ينعقد له الاختصاص بنظر الدعوى الفرعية بناءا على مبدأ حسن سير العدالة رغم عدم اختصاصه الإقليمي فيها.
المطلب الثالث : ضمان حق التقاضي بناءا على كون احد أطراف الدعوى حامل للجنسية الجزائرية وقت رفع الدعوى : إضافة إلى قواعد الاختصاص القضائي الإقليمي والمبادئ القضائية الثلاثة التي عززت نظرية الاختصاص . فان التشريعات أعطت اختصاصا امتيازيا لقضاءاتها مبني على أساس تمتع احد أطراف الخصومة بالجنسية الوطنية (Cool
 وهو ما جاءت به المادتان 41 و 42 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري ( 9): واردتان تحت عنوان : –  الدعاوى المرفوعة ضد أو من الأجانب:
المادة 41 : "يجوز أن يكلف بالحضور كل أجنبي حتى ولو لم يكن مقيما في الجزائر أمام الجهات القضائية الجزائرية لتنفيذ الالتزامات التي تعاقد عليها في الجزائر مع جزائري . كما يجوز أيضا تكليفه بالحضور أمام الجهات القضائية الجزائرية بشان التزامات تعاقد عليها في بلد أجنبي مع جزائريين ".
المادة 42 : "يجوز أن يكلف بالحضور كل جزائري أمام الجهات القضائية الجزائرية بشان التزامات تعاقد عليها في بلد أجنبي حتى ولو كان مع أجنبي" .
أولا : من حيث المعني بالجنسية : من خلال نص المادتين نستنتج ما يلي :
- ينعقد الاختصاص للمحاكم الجزائرية متى كان احد الطرفين جزائريا وقت رفع الدعوى سواء كان مدعيا أو مدعى عليه ويظهر أن المادة 41 تنظم الحالة التي يكون فيها الطرف الجزائري مدعي والمادة 42 الطرف الجزائري مدعى عليه .
- خروجا عن قواعد الاختصاص القضائي العادية وعن المبادئ الاستثنائية المكملة والمعززة لنظرية الاختصاص كفل المشرع الجزائري كغيره من المشرعين خصوصا للرعايا الجزائريين في الخارج إمكانية الاستفادة من التقاضي أمام القضاء الجزائري رغم عدم اختصاصه الإقليمي ورغم عدم اتفاق الخصوم على التقاضي أمامه .
- هذا النوع من القواعد ضمنه المشرع حلا للجزائريين الذين لم تسعفهم قواعد الاختصاص الإقليمي للتقاضي أمام القضاء الجزائري ، وهم يرغبون في ذلك لأنهم يدركون جيدا الفائدة التي يمكنهم أن يجنوها من التقاضي أمامه لكون النزاع مثلا مرتبط بمسالة غير معروفة في التشريعات الأجنبية بنفس الطريقة المعروفة بها في القانون الجزائري ومثاله :
امتناع زوج أجنبي عن نفقة زوجته الجزائرية حيث مسكن الزوجية في الخارج وإقامة كل منهما هناك .فهذه الزوجة تدرك أن القضاء الجزائري سيفهم معاناتها خصوصا أن القانون الجزائري سيكون هو واجب التطبيق لأنها كانت جزائرية وقت انعقاد الزواج ولا تزال جزائرية وقت رفع الدعوى .
- كما أن هذا الاختصاص لا ينعقد للقضاء الجزائري إذا لم يكن احد الطرفين حاملا للجنسية الجزائرية وقت رفع الدعوى ، حتى ولو كان جزائريا وقت نشوء الحق مثلا .
ثانيا : من حيث مجال هذا الاختصاص :
- وحينما ينعقد الاختصاص للقضاء الجزائري يستوي أن تختص أي محكمة جزائرية فيه لأن الهدف يكون قد تحقق باختصاص القضاء الجزائري.
- ويعتبر هذا الحل حلا احتياطيا لا يمكن عقد الاختصاص بناءا عليه إذا كان الاختصاص ينعقد أصلا للمحاكم الجزائرية بناءا على قواعد الاختصاص الإقليمي.
- تجدر الإشارة إلى انه وان كان المشرع الجزائري في المادتين 41 و 42 قانون إجراءات مدنية وإدارية يظهر من حيث صياغة المادتين انه قصر هذا الامتياز على الالتزامات التعاقدية فقط إلا أن المادتين لا تحتملان تفسيرا ضيقا لان "المقصود هو عقد الاختصاص بناءا على كون احد الطرفين حاملا للجنسية الجزائرية وليس بناءا على طبيعة النزاع" ( 10 ) ، وهو ما ذهب إليه القضاء الفرنسي الذي وسع من مفهوم المادتين 14 و 15 من قانونه وهما المادتان المقابلتان للمادتين 41 و 42 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري .
خاتمة :المشرع الجزائري يكون قد أوجد مجموعة من الحلول من شانها كفالة الحق في التقاضي للوطنيين الموجودين في الخارج وللأجانب في مسائل القانون الدولي الخاص أمام القضاء الجزائري بالوسائل التالية:
1-  قواعد الاختصاص القضائي الإقليمي الداخلية : إلا انه انطلاقا من خصوصية هذه القواعد خصوصا طابعها المحلي فقد ظهر عجزها أمام بعض القضايا ذات الطبيعة الدولية مما دفع بالفقه إلى البحث في كيفية مدها لتتناسب مع المستوى الدولي إضافة إلى تعزيزها بمجموعة من المبادئ المكملة .
2-  مبدأ إرادة الخصوم الذي يشترط فيه اتفاق الخصوم على التقاضي أمام القضاء الجزائري : يعتبر هذا المبدأ من المبادئ المكملة لقواعد الاختصاص القضائي المحلية ، ينعقد الاختصاص القضائي للقضاء الجزائري بناء عليه إذا ما اتحدت إرادة الخصوم في الالتجاء إلى القضاء الجزائري رغم عدم اختصاصه الإقليمي .
3-  الاختصاص المبني على امتياز الجنسية لأحد الأطراف : ويعتبر هذا الحل من أهم الحلول القانونية والقضائية التي تعقد الاختصاص للقضاء الجزائري بناءا على كون احد الطرفين حاملا للجنسية الجزائرية ، وتقوم هذه القاعدة بتوفير الحل القضائي للزوجة الجزائرية التي طلقها زوجها الأجنبي أو هجرها أو امتنع عن نفقتها وهي تعلم أن القضاء الأجنبي لا يتفهم معاناتها .
إلا أن هذا الحل تواجهه صعوبة تكمن في أن الأخذ به من شانه أن يؤدي إلى تعدد الأحكام الصادرة من جهات مختلفة في نفس الموضوع حيث يمكن أن تختص جهة قضائية لدولة معينة بناء على قواعد الاختصاص القضائي العادية وتختص جهة قضائية أخرى لدولة ثانية بناء على هذا الامتياز في نفس النزاع وهو ما يجعلنا أمام مشكل تنفيذ الأحكام الأجنبية وعد م إمكانية تنفيذها لسبق صدور حكم فيها من الجهات القضائية للدولة التي يراد تنفيذ الحكم فيها .
الهوامش :
1. هشام علي صادق – القانون الدولي الخاص – الكتاب الثالث :تنازع الاختصاص القضائي الدولي - دار المطبوعات الجامعية – الإسكندرية  ص 05 –  2004 .
2. الأصل أن حق الأجنبي في الالتجاء إلى محاكم دولة غير الدولة التي يحمل جنسيتها هو حق مقرر بمقتضى قواعد القانون الدولي العام والمبادئ المستقرة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وهو يعد ضمن مجموعة الحقوق التي تشكل الحد الأدنى لما يتعين على الدولة أن تخوله للأجانب المقيمين في إقليمها من حقوق ، على أن تأثر بعض الدول بالأفكار العتيقة التي كانت سائدة فيما مضى هو الذي يفسر اعتناقها لنظام الكفالة القضائية بالنسبة للأجانب حيث كانت تشترط للتقاضي أمامها دفع كفالة مسبقة ، إلا أن المشرع الفرنسي – الذي عرف بأخذه بنظام الكفالة – استفاد من الانتقادات الموجهة لنظام الكفالة فألغى هذا النظام سنة 1975 بحيث أصبح للأجنبي حق الالتجاء  إلى القضاء الوطني دون قيد كباقي الوطنيين . انظر - هشام علي صادق – المرجع نفسه - ص 26
. 3. هشام علي صادق – المرجع نفسه – ص 23
4. تعد صفة الأحادية التي تميز قواعد الاختصاص القضائي انعكاسا لتأثير السيادة على قواعد الاختصاص القضائي ، وتعني الأحادية : حصرية اختصاص محاكم الدولة حقها دون سواها بممارسة سلطتها على أراضيها دون أي سلطة أخرى ، وهذا ما يطلق عليه الفقيه فلا يمكن للدولة سوى تحديد نطاق اختصاص محاكمها دون سواها ولا يمكن لقواعدها الوطنية إعلان أو . chacun chez soi : باتيفول نفي الاختصاص المباشر للمحاكم الأجنبية لأنها غير مؤهلة لتوزيع الاختصاص بين محاكم الدول،. انظر د. سامي بديع منصور  وآخرون – القانون الدولي الخاص – الجزء 2 – المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع – لبنان – ط 1  ص 38 –  2009 .
5. Loussouan .Y. et Bourel .P. droit international prive – 3 ed . 1988 D alloz . p.684.n 638.
6. - H.Gaudemet.- Tallon. Encyclopedie Dalloz. V .competence civile et commerciale . 1998.. p. 5
7. Loussouan .Y. et Bourel .p709. n 454
8. أخذ بهذا الامتياز في الدول الغربية : المشرع الفرنسي في المادتين : 14 و 15 من قانونه المدني – المشرع الايطالي في المادة 02 من قانون المرافعات – وفي الدول العربية : اخذ به المشرع المصري في المادة 28 من قانون المرافعات – المشرع الكويتي في المادة 23 من قانون المرافعات – المشرع اللبناني : المادة 76 من قانون المرافعات . ومن التشريعات التي لم تاخذ به رغم ان القضاء في تلك الدول ياخذ له القانون السوري والقانون الاردني – انظر : هشلم حالد - الاختصاص القضائي الدولي للمحاكم العربية – دار الفكر الجامعي  الاسكندرية –  ص 110 الى 125 _2002.
القانون 08 - 09 المؤرخ في 25 فبراير 2008 المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية – الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية – - 9. . . العدد 21 لسنة 2008 .الصادر بتاريخ 23 ابريل 2008
. 10 . أعراب بلقاسم – القانون الدولي الخاص الجزائري – الجزء 2- دار هومة – الجزائر – 2003 - ص 41

تحميل كامل المقال من الموقع الأصلي===>> مدى كفالة المشرع الجزائري للحق في التقاضي أمام قضائه الوطني
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى