منازعات الصفقات العمومية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

منازعات الصفقات العمومية

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 19 يوليو 2017, 23:14



منازعات الصفقات العمومية
د/ بن بوزيد دغبار نورة .أستاذة محاضرة "ب" ،
كلية الحقوق و العلوم السياسية ، جامعة البليدة 2
مجلة دفاتر السياسة والقانون _العدد 15 _جوان 2016

ملخص:
تعتبر مادة الصفقات العمومية من أكثر المواد تعقيدا في مجال القانون الإداري، بالنظر إلى طابعها التقني الذي لم يشمل فقط عملية الإبرام و التنفيذ بل امتد أيضا إلى إجراءات التقاضي فيه بالنظر للخصوصية التي تميزها عن غيرها من المنازعات في المسائل الشكلية و الإجرائية.
الكلمات المفتاحية:الصفقات العمومية ، المنازعات القضائية ، الفسخ الانفرادي ، قضاء الاستعجال ، الاختصاص النوعي ، الاختصاص الإقليمي .

Summary:
Public procurement is one of the most complex materials in the field of administrative law, given the technical nature which not only includes making process and implementation, but also extended to litigation, given the specificity that distinguishes them from other conflicts in the formal and procedural issues.
Résumé
Les marchés publics est l’une des matières les plus complexes dans le domaine du droit administratif, étant donné la nature technique qui comprend non seulement le processus de conclusion et la mise en œuvre, mais aussi étendu à la procédure contentieuse, compte tenu de la spécificité qui les distingue des autres conflits dans les questions formelles et procédurales.

مقدمة:
يقصد بالمنازعات في مجال الصفقات العمومية تلك التي تنشأ بين المصلحة المتعاقدة و المتعامل المتعاقد بخصوص تفسير أو تنفيذ بنود الصفقة ، و هي بذلك لا تشمل المنازعات التي تكون النيابة العامة طرفا فيها و المتمثلة في قضايا الفساد في الصفقات العمومية التي يكون أحد أطرافها شخصا طبيعيا يحمل صفة الموثق العمومي طبقا للمادة 02 من 01/01 التعلق بالوقاية من الفساد و مكافحته.
و استثناء هذا النوع من المنازعات- التي يمكن للمصلحة المتعاقدة أن تتأسس فيها طرفا مدنيا، كما يمكن أن يكون فيها المتعامل المتعاقد متهما بالمشاركة في الجريمة أو الجرائم المنسوبة للشخص الطبيعي "الموظف العام" -ناجم عن طبيعتها المتميزة عن المنازعات العامة للصفقات العمومية، فهذه المنازعات تحمل طابعا جزائيا تخضع للقضاء الجزائي و لا ترتبط بالصفقات العمومية إلا بخصوص ارتكاب الجرائم محل المتابعة في إبرام أو تنفيذ الصفقة العمومية، و هو مجال للدراسة في العلوم الجنائية و القانون الجنائي و ليس في قانون الصفقات العمومية ذو المنازعة بين المصلحة المتعاقدة و المتعامل المتعاقد يمكن أن تنشأ حتى قبل إبرام الصفقة من خلال الطعون المخولة للمترشحين للصفقات من أجل المنازعة في المنح المؤقت للصفقة مثلا، كما يمكن أن تنشأ أثناء سريان الصفقة و هي الأهم بسبب عدم تنفيذ المتعامل المتعاقد لالتزاماته المحددة في الصفقة، أو رفض المصلحة المتعاقدة دفع مقابل ما تلقته من المتعامل المتعاقد.
كما أن المنازعة يمكن أن تنشأ أثناء تنفيذ الصفقة بسبب تنفيذها على غير النحو المتفق عليه أو خارج الأجل المتفق عليها أو حتى بعد غلق الصفقة بسبب العيوب الخفية، و يمكن أن تشكل الضمانات المقدمة في إطار الصفقات العمومية في مجال إعمالها أيضا موضوعا للمنازعة في الصفقات العمومية.
غير أن الإلمام بموضوع المنازعات في الصفقات العمومية يتطلب قبل الحديث عن موضوع المنازعة التعرض للمسائل الإجرائية و التي أهمها الاختصاص النوعي و الإقليمي، بالإضافة إلى قضاء الاستعجال في مادة الصفقات العمومية، و هو الأمر الذي يحتم تقسيم هذه الدراسة إلى قسمين يتعلق أولهما بالمسائل الإجرائية في منازعات الصفقات و يتعلق الثاني بالمسائل الموضوعية في منازعات الصفقات.

المطلب الأول: المسائل الإجرائية في منازعات الصفقات العمومية.
ترتبط المسائل الإجرائية، بالاختصاص المعهود للهيئات القضائية في نظر المنازعات التي تنشأ بخصوص الصفقات العمومية، سواء كان الاختصاص نوعيا أم إقليميا، كما يرتبط أيضا بقضاء الاستعجال المنظم بقواعد خاصة في تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية و كذا بالمسائل الشكلية المتعلقة برفع الدعوى.
الفرع الأول: الاختصاص النوعي بنظر قضايا الصفقات العمومية.
نصت المادة 800 من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية على أن المحاكم الإدارية هي صاحبة الاختصاص بنظر المنازعات الإدارية، و عرفت هذه المنازعات في الفقرة الثانية منها بقولها " القضايا التي تكون الدولة أو الولاية أو البلدية أو إحدى المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية طرفا فيها" ، و هي بذلك إنما تبنت بصورة قطعية المعيار "العضوي" أساسا لتحديد اختصاص القاضي الإداري.
و الحقيقة أنه و لغاية هذه المرحلة من الدراسة لا يوجد ما يثبت قانونا خضوع منازعات الصفقات العمومية للقضاء الإداري، فيما عدا الصفقات التي تكون أحد أطرافها الدولة أو الولاية أو البلدية أو مؤسسة عمومية ذات صبغة إدارية، و من ثمة و مقارنة بأحكام المادة 06 من المرسوم الرئاسي 247/15 المتضمن تنظيم الصفقات العمومية وتعويضات المرفق العام، فإن الصفقات العمومية التي تكون فيها المصلحة المتعاقدة مؤسسة عمومية خاضعة لأحكام القانون التجاري حتى و لو كلفت بإنجاز عملية ممولة كليا أو جزئيا بمساهمة نهائية أو مؤقتة من الدولة أو من الجماعات الإقليمية، لا تدخل في إطار المادة 800 من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية، و بالتالي لا يختص القضاء الإداري بالنظر فيها تمسكا بالمعنى الحرفي الوارد في المادة 800 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.
ثم أن المادة 801 في فقرتها 03 تنص على أن المحاكم الإدارية تختص أيضا بنظر القضايا التي تخولها إياها نصوص خاصة، الأمر الذي يدفع إلى البحث في قانون الصفقات العمومية متمثلا في المرسوم الرئاسي 15/247 عن أي نص يتضمن تخويل المحاكم الإدارية ولاية النظر في منازعات الصفقات العمومية، و هو البحث الذي يفضي في النهاية إلى الإحالة على التشريع المعمول به طبقا لنص المادتين 82 و 153 من المرسوم الرئاسي 15/247، و بالتالي تبقى الأحكام المحددة في تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية هي الفيصل في مجال تحديد الاختصاص النوعي للمحاكم الناظرة في قضايا الصفقات العمومية.
و في هذا الصدد نجد الفقرة 03 من المادة 804 من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية التي تنص على انعقاد الاختصاص الإقليمي للمحكمة الإدارية التي يقع في دائرة اختصاصها مكان إبرام العقد أو تنفيذه، و ذلك في مادة العقود الإدارية " مهما كانت طبيعتها " على حد تعبير المشرع.
و من ثمة فإن الأمر أصبح متعلقا بمدى اعتبار الصفقات العمومية عقودا إدارية أم لا في مفهوم القانون، و في هذا الصدد يذهب بعض المؤلفين (1) إلى دمج الصفقات العمومية في إطار العقود الإدارية، و هو أمر لا نتفق معهم فيه بصورة كلية، على اعتبار أن العقد الإداري بمفهومه العضوي يتطلب أن يكون أحد طرفيه هيئة عمومية إدارية، و بالتالي فإنه لا جدل في أن صفقات الدولة و الولاية و البلدية و المؤسسة العمومية ذات الصبغة الإدارية تعتبر عقودا إدارية، و لكن ليس لأنها صفقات عمومية بل لأن أحد أطرافها هو هيئة عمومية من طبيعة إدارية، و من ثمة نعود إلى الإشكال الأول المتمثل في الوضع القانوني لصفقات المؤسسات العمومية الخاضعة للقانون التجاري حينما تكلف بإنجاز عملية ممولة كليا أو جزئيا بصورة نهائية أو مؤقتة من ميزانية الدولة أو الجماعات المحلية.
و لا توجد إشارة تبعا لذلك في القواعد المنضمة للاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية إلى أن هذه الأخيرة تختص بنظر دعاوى الصفقات العمومية بحسب الموضوع، إلا ما هو وارد في نص المادة 946 من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية التي استعملت في نهاية فقرتها مصطلح " الصفقات العمومية " بما يوحي بانعقاد الاختصاص للقاضي الإداري بنظرها.و الحقيقة أن الإشكالية و خلافا للبساطة التي تناولها بها البعض(2) بقوله:" فإن الاختصاص يعود للمحكمة الإدارية للفصل في النزاع الناشئ عن تلك العملية، لأننا بصدد صرف للمال العام، إذ لا يعقل أن يمنح المشرع الرقابة بشأن ذلك للقاضي العادي.... " و هي على قدر كبير من التعقيد.
و الحقيقة أن المحكمة العليا قد أشارت إلى هذه المسألة في قرارها المؤرخ في 06/02/2008 تحت رقم 414667 بقولها " كان يجب على القضاة أن يتأكدوا من المساهمة النهائية من ميزانية الدولة ليأخذوا كما فعلوا بالعنصر الموضوع و ليس العضوي .... " (3).
و كان ذلك في ظل سريان تقنين الإجراءات المدنية القديم الذي كانت مادته 07 غير واضحة بخصوص المعيار المعتمد، و بالتالي لا يمكن التحجج به في ظل المادة 800 من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية الجديد الذي تبنى بموجبه المشرع بلا جدل المعيار العضوي.
و لعل عدم الوضوح بخصوص اختصاص القاضي الإداري بنظر دعاوى الصفقات العمومية يخص فقط المؤسسات العمومية الخاضعة للقانون التجاري، لأن الصفقات الأخرى تخضع لاختصاص القاضي الإداري إعمالا للمعيار " العضوي " و الذي لا يمكن تطبيقه على المؤسسات العمومية الخاضعة للقانون التجاري(4)، لذلك نجد بعض الأحكام القضائية سارت على النهج الصحيح و طبقت القانون صحيحا من خلال التمسك بالاختصاص من طرف القاضي التجاري معتبرة من يستندون إلى المعيار المادي إنما يستندون إلى معيار لم يعد محل تقدير قي قاعدة قانونية، ثم إنه في اعتقادنا فإن المادة 946 من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية و التي نصت على اختصاص قاضي الاستعجال في مادة الصفقات العمومية، يجب تفسيره في إطار نص المادة 800 من ذات التقنين، و من ثمة لا يختص القاضي الإداري ألاستعجالي إلا بنظر الصفقات التي يكون أحد أطرافها هو شخص من تلك المحددة بالمادة 800.
و خلاصة القول بالنسبة للاختصاص النوعي في نظر قضايا الصفقات العمومية أنه يجب التمييز بين:
$1ü   الصفقات العمومية التي تكون المصلحة المتعاقدة فيها دولة أو جماعة محلية أو مؤسسة عمومية إدارية، و هي من اختصاص القاضي الإداري ليس لأنها صفقات عمومية، و لكن لأن أحد أطرافها هو شخص معنوي عام من تلك المحددة بنص المادة 800 من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية.
$1ü   الصفقات العمومية التي تكون المصلحة المتعاقدة فيها مؤسسة عمومية خاضعة للقانون التجاري حينما تكلف بإنجاز مشاريع ممولة كليا أو جزئيا بصورة نهائية أو مؤقتة من ميزانية الدولة أو الجماعات المحلية، و هي من اختصاص القاضي العادي تطبيقا لصريح نص المادة 800 من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية.
$1ü   الصفقات العمومية التي تكون المصلحة المتعاقدة فيها مؤسسة عمومية خاضعة للقانون التجاري، حينما تنجز مشاريع من غير مساهمة ميزانية الدولة أو الجماعات المحلية، و هي أيضا خاضعة للقضاء العادي طبقا لنص المادة 800 من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية و يستند رأينا هذا إلى ما يلي:
$1·      أن المادة 800 واضحة لا تحتاج إلى تفسير و لا تأويل في اعتمادها المعيار العضوي فقط.
$1·      أن المرسوم الرئاسي 15/247 باعتباره النص الخاص خال من أية إشارة إلى اختصاص القاضي الإداري.
$1·      أن الصفقات العمومية ليست في مجملها عقودا إدارية و هو ما يستشف من نص المادة 02 من المرسوم الرئاسي 15/247 الذي يعتبرها عقودا فقط، و بالتالي تتحدد طبيعتها بالنظر إلى طبيعة أطرافها.
$1·      أن الاستناد إلى المعيار المادي ممثلا في مصدر التمويل بصريح نص المادة 6 من المرسوم الرئاسي 15/247 لا يخص سوى تحديد الإجراءات الواجب إتباعها في إبرام الصفقة، هل هي تلك المحددة في المرسوم أم تلك المحددة في الإجراءات الخاصة بالمؤسسة العمومية، و لا صلة له البتة باختصاص القاضي الإداري، و من ثمة فإن من يستندون إلى هذا المعيار يخالفون القانون صراحة.
الفرع الثاني: الاختصاص الإقليمي في منازعات الصفقات العمومية.
يجب التمييز في هذا المجال بين الصفقات العمومية التي تخضع المنازعات بشأنها للقاضي الإداري و تلك التي تخضع للقضاء العادي، فالمنازعات التي تخص الصفقات العمومية التي تخضع للقضاء الإداري يتحدد اختصاص نظرها الإقليمي طبقا لأحكام المادة 804 من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية، و التي عقدت الاختصاص في مادة الأشغال العمومية للمحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان تنفيذ الأشغال، و في مادة التوريدات للمحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان إبرام الاتفاق أو تنفيذه إذا ما كان أحد أطراف الدعوى مقيما به، بينما حددت الفقرة 03 من هذه المادة قاعدة عامة يمكن تطبيقها على كل الصفقات العمومية التي توصف بأنها عقود إدارية و عقدت الاختصاص بنظرها للمحكمة التي تم في دائرة اختصاصها إبرام الاتفاق أو تنفيذه.
أما المنازعات التي تخضع للقضاء العادي و هي تلك التي تكون المصلحة المتعاقدة فيها مؤسسة عمومية خاضعة لأحكام القانون التجاري، فإن الاختصاص الإقليمي بصددها محكوم بالمادة 39 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية، كل هذا يرتب نتيجة حتمية هي اعتبار الاختصاص الإقليمي في منازعات الصفقات التي تخضع للقضاء الإداري من النظام العام طبقا للمادة 807 من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية وحرية الأطراف في تحديد الاختصاص الإقليمي في منازعات الصفقات العمومية الخاضعة للقضاء العادي بالنظر إلى توافر صفة التاجر في كلا طرفي الصفقة  طبقا للمادة 45 من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية.
الفرع الثالث: الاستعجال في مادة الصفقات العمومية.
تم تنظيم الاستعجال في مادة الصفقات العمومية بنص المادة 946 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية، و التي يظهر من استقرائها ما يلي:
$1ü   أن المحكمة الإدارية تفصل في "الإخطار" بناء على دعوى وجاهية و ليس بناء على أمر على عريضة.
$1ü   أن مجال الاستعجال في مادة الصفقات ينحصر في الإخلال بالتزامات الإشهار أو المنافسة، و بالتالي يتم فقط بخصوص الإجراءات الأولية لإعداد الصفقات، و لا يدخل في إطارها (المادة 946) حالات الاستعجال في مرحلة تنفيذ الصفقة.
$1ü   أن صفة مقدم الإخطار تتحدد بثبوت المصلحة في إبرام الصفقة و ثبوت الضرر من الإخلال بالتزامات الإشهار و المنافسة، بمعنى أن المدعي يجب أن يثبت وجود مصلحة له في احترام إجراءات المنافسة، و كذلك تضرره من عدم احترام الإجراءات.
$1ü   أن صفة مقدم الإخطار تتوفر أيضا لدى ممثل الدولة على مستوى الولاية، بالصفة و دونما حاجة لأن يثبت المصلحة و الضرر المشترطان في صفة الغير.
$1ü   أن الإخطار يجب أن يتم قبل إبرام الصفقة، فإذا تم إبرام الصفقة يعلن قاضي الاستعجال عدم اختصاصه.
$1ü   أن الصفقة المراد إبرامها يجب أن يكون أحد أطرافها هيئة عمومية من تلك المحددة بالمادة 800 من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية.
$1ü   أن المحكمة مقيدة من حيث الآجال بالفصل في الطلبات في أجل 20 يوما من تاريخ إخطارها بالطلب طبقا للمادة 947.
$1ü   أن المحكمة و لغاية فصلها في الطلبات يمكنها أن تأمر بتأجيل الإمضاء على الصفقة و ذلك لمدة لا تتجاوز 20 يوما من تاريخ إخطارها، لأن الأمر بالتأجيل تصدره المحكمة في ذات يوم إخطارها، و هو الأمر الذي يستشف من الجمع بين الفقرة الأخيرة من المادة 948 و المادة 947.
$1ü   أن قاضي الاستعجال في المحكمة الإدارية في مجال الإخطار يفصل في مسألة موضوعية تمس أصل الحق.
$1ü   أن الاستعجال في مجال تنفيذ الصفقات العمومية لا يخضع لأحكام المادة 946، إنما يخضع لأحكام المادة 917 و ما بعدها من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية.
$1ü   أن الاستعجال في مجال الصفقات العمومية التي تكون المصلحة المتعاقدة فيها مؤسسة عمومية خاضعة لأحكام القانون التجاري يخضع لأحكام الاستعجال على نحو ما هي منظمة في تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية بالمواد 299 و ما بعدها.
الفرع الرابع: المسائل الشكلية المتعلقة برفع الدعوى.
يخضع رفع الدعاوى أمام القاضي الإداري في مادة الصفقات العمومية في المنازعات التي ينعقد اختصاصه فيها طبقا لما سبق بيانه في الفرع الأول من هذا المطلب للقواعد العامة المحددة بالمواد 815 و ما بعدها، و هي مسائل لا تثير إشكالا يذكر، فيما عدا مسألة التمثيل بمحام المنصوص عليه بالمادة 815 ذاتها، و كذا ضرورة إرفاق نسخة من القرار في الدعاوى الرامية إلى إلغاء مقررات الفسخ الانفرادي للصفقة الذي تصدره المصلحة المتعاقدة.
و الحقيقة أن المادة 827 من تقنين الإجراءات المدنية و الإدارية واضحة بخصوص إعفاء الأشخاص المعنوية العامة المحددة بالمادة 800 من وجوب التمثيل بمحام، و هو ما يعني حق هذه الهيئات في مباشرة الدعوى بنفسها خلافا للقاعدة العامة.أما بخصوص مسألة ضرورة تقديم نسخة من مقرر الفسخ، فان الإشكال لا يطرح ما دامت المصلحة المتعاقدة ملزمة بتبليغ المتعامل المتعاقد بمقرر الفسخ.

المطلب الثاني: المسائل الإجرائية و الموضوعية في منازعات الصفقات العمومية.
تعتبر المسائل الإجرائية في منازعات الصفقات العمومية بمثابة قيد على ممارسة المصلحة المتعاقدة في حقها للجوء إلى القضاء، فإذا ما لجأت إليه، طرحت إشكالات أخرى تتعلق بمسائل موضوعية.
الفرع الأول: المسائل الإجرائية في منازعات الصفقات العمومية.
قيدت المادة 153 من المرسوم الرئاسي 15/247 حق المصلحة المتعاقدة في اللجوء الى القضاء بسبق البحث عن تسوية ودية للنزاع الذي يربطها بالمتعامل المتعاقد، و أوجبت عليها البحث عن حل ودي للنزاعات، متى كان هذا الحل يسمح لها بـ:
$1ü   إيجاد التوازن التكاليف المترتبة على كل طرف من الطرفين.
$1ü   التوصل إلى انجاز أسرع للصفقة.
$1ü   تسوية نهائية و بأقل تكلفة.
و قبل إتمام الحديث عن مضمون هذه المادة، نود أن نعلق ابتداء على بعض المسائل الشكلية التي تثيرها، فقد تكرر ذكر "عند تنفيذ الصفقة" مرتين في الفقرتين الأولى و الثانية، بما يؤكد بأن التزام المصلحة المتعاقدة بالبحث عن الحل الودي محصور في المنازعات التي تثور أثناء تنفيذ الصفقة، ما يعني أن المصلحة المتعاقدة في حل من هذا الالتزام بمناسبة المنازعات التي تثور قبل إبرام الصفقة أو بعد غلق الصفقة، و لعل ما يؤكد هذا التفسير هو ما ورد في صلب المادة من أن هذا الإجراء يستهدف التوصل إلى انجاز أسرع للصفقة.
و الحقيقة أننا نعتقد بأن واجب إدراج ضرورة البحث عن تسوية و دية للنزاع في دفتر الشروط، من شأنه أن يوسع من المخاطبين بهذا الالتزام، بحيث لا ينحصر فقط في المصلحة المتعاقدة، إنما يمتد أيضا للمتعامل مادام دفتر الشروط هو وثيقة تعاقدية، بما يرتب تقييد حق المتعامل المتعاقد أيضا في اللجوء إلى القضاء و ضرورة البحث عن حل ودي للنزاع قبل ذلك.
و قد تم بموجب المادة 154 من ذات المرسوم إنشاء لجنة للتسوية الودية للنزاعات خاصة بالنزاعات التي تكون الدولة أو الهيئات العمومية الوطنية طرفا فيها، و أخرى تختص بمنازعات الجماعات المحلية و المؤسسات العمومية المحلية، كما تم تحديد تشكيلة اللجنة و سيرها بذات المادة، و هي هيئة ليست من طبيعة قضائية و لا من طبيعة تحكيمية، بالنظر إلى أن ممثل المتعامل يغيب عن تشكيلها.
كل هذا بخلاف ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 153 و التي تهم التسوية الودية للنزاعات التي يكون أحد أطرافها مؤسسة أجنبية و المتعلق بالتحكيم الدولي، و نعتقد بهذا الصدد أن هذا الاجراء لا يدخل ضمن اطار مساعي التسوية الودية، ما دام الحكم التحكيمي نافذا، و يظهر ذلك جليا من خلال استعمال المشرع تعبير:"...في اطار تسوية النزاعات عند تنفيذ الصفقات..."، بعكس ما كان يؤكد عليه في الفقرات الأولية للمادة 153، من أن الأمر متعلق بالتسوية الودية التي تسبق التسوية القضائية.
هذا و نشير أيضا إلى أن المادة 155 من ذات المرسوم حددت طريقة عرض النزاع أما لجنة التسوية الودية الذي يتم بواسطة تقرير مفصل مرفق بالوثائق يمكن أن يقدمه المتعامل المتعاقد او المصلحة المتعاقدة حسب الحالة، و بعد تمكين الأطراف من إبداء أوجه دفاعهم، تصدر اللجنة رأيا مبررا و لكن غير ملزم لأي من الأطراف خاصة للمصلحة المتعاقدة  التي تقدر وحدها مدى تحقيق الرأي الصادر عن لجنة التسوية الودية للغايات المحددة  في المادة 153، و بالتالي تقبل بالتسوية الودية أو ترفضها على أن تبلغ قرارها بخصوص ما صدر عن اللجنة للمتعامل المتعاقد بالرفض أو بالقبول في أجل 08 أيام من تاريخ تبليغها برأي اللجنة.
الفرع الثاني: المسائل الموضوعية في منازعات الصفقات العمومية.
يتحدد موضوع النزاع كما هو معلوم بطلبات الأطراف الواردة في عريضة افتتاح الدعوى و مذكرات الرد، و يتراوح موضوع النزاع في الصفقات العمومية بين منازعة المتعامل المتعاقد في قرار فسخ الصفقة و دعوى التعويض عن الأضرار المادية و المعنوية الناجمة عن إخلال المتعامل المتعاقد بالتزاماته العقدية، و أخيرا بخصوص تفعيل الكفالات البنكية.
و معلوم أن حق الفسخ الانفرادي الذي منحه المشرع للمصلحة المتعاقدة المكرس بالفقرة 02 من المادة 149، عادة ما يكون محل منازعة من طرف المتعامل المتعاقد، ليس بسبب إخلال المصلحة المتعاقدة بالتزاماتها الإجرائية المتمثلة في اعذار المتعامل المتعاقد، لأن المصلحة المتعاقدة لا يمكنها قانونا تقرير فسخ الصفقة قبل ذلك، و لكن لأن المتعامل المتعاقد يدعي عدم إخلاله بالتزاماته العقدية.
و الحقيقة أن نص المادة 152 من ذات المرسوم بأنه لا يجوز الاعتراض على قرار المصلحة المتعاقدة بفسخ الصفقة ينحصر في مجال تطبيقها للبنود التعاقدية المتعلقة بالضمان و إصلاح الضرر، و لا يمتد للمنازعة في ادعاء المصلحة المتعاقد بعدم تنفيذ المتعامل المتعاقد لالتزاماته العقدية، وبالتالي لا يمكن رفض دعوى المتعامل المتعاقد تأسيسا على ذلك.
فإذا ثبت للمحكمة بأن المتعامل المتعاقد ليس مخلا بالتزاماته العقدية، تنطق بإلغاء(5) مقرر الفسخ الانفرادي، و بالتالي بمواصلة تنفيذ الصفقة من طرف المتعامل المتعاقد، لأن الفسخ هو التصرف الذي يستهدف وضع حد للصفقة بصورة قبلية لتنفيذها النهائي(6).
كما يمكن أن تنصب المنازعة على مطالبة المصلحة المتعاقدة بالتعويض عن الأضرار التي لحقتها ماديا و معنويا من جراء عدم تنفيذ المتعامل المتعاقد للصفقة في الأجل و النحو المتفق عليه، و في هذه الحالة لا يجوز مناقشة مقرر الفسخ لأنه لا يجوز الاعتراض على قرار المصلحة المتعاقدة بفسخ الصفقة، و عادة ما تفضي هذه الدعاوى للاستعانة بالخبرة الفنية من طرف القاضي، لأن تقدير التعويض الذي يجبر الضرر هو مسألة تقنية و ليست قانونية.
و أخيرا تنصب أيضا المنازعات بخصوص الصفقات على تفعيل الكفالات البنكية المقدمة من طرف المتعامل المتعاقد، لأن البنوك عادة ما ترفض تفعيل الكفالات لمجرد طلب المصلحة المتعاقدة منها ذلك، و تطلب تقديم الدليل على إخلال المتعامل المتعاقد بالتزاماته العقدية، رغم أن ذلك يخالف صراحة بنود عقد الكفالة، و تكون المصلحة المتعاقدة ملزمة باللجوء إلى القضاء بغرض تفعيل الكفالات البنكية، و تكون البنوك في هذه الحالة طرفا أصيلا في الدعوى.
خاتمة:إن منازعات الصفقات العمومية على نحو ما تم التعرض له و لو بصورة موجزة في هذا البحث، تتسم ببعض الخصوصية، خصوصية متصلة بكون أن عقود الصفقات ذاتها لا تحمل دائما صفة العقد الإداري، و بالتالي يتوزع اختصاص نظرها بين القضاء الإداري و القضاء العادي.
و ما يكرس هذه الخصوصية بالإضافة إلى المسائل المتعلقة بالاختصاص هو الإجراءات الأولية للتسوية الودية التي تعتبر قيدا على ممارسة أطراف الصفقة لحقهم في اللجوء مباشرة إلى القضاء، و هي إجراءات فصلها المرسوم الرئاسي 15/247 أكثر من سابقه.
غير أن التعقيد الذي تكتسيه عملية إبرام الصفقات العمومية و كذا إجراءات المنازعة بخصوصها لا يخدم في الحقيقة الغايات المتوخاة من إقرار القانون في ذاته و هو تحقيق المصلحة العامة، أننا نعتقد بأن طول إجراءات الإبرام و الفسخ و التقاضي فيه هدر للوقت، و بالتالي للمال في ظل توجه نحو الحرية الاقتصادية مكرس دستوريا، و إذا كنا نميل إلى الحفاظ على المال العام، فإننا نعتقد جازمين بأن الثقة في الإطارات أهم من تعقيد الإجراءات، و منحهم حرية و حماية تمكنهم من المضي قدما بالمؤسسات التي يديرونها هو أكثر تحقيقا للمصلحة العامة.
الهوامش:
1- محمد الصغير بعلي، العقود الإدارية، دار العلوم للنشر و التوزيع، بدون رقم الطبعة، 2005، ص 07.
2- لحسين بن الشيخ آث مالويا، قانون الإجراءات الإدارية، دار هومة، بدون رقم الطبعة، 2013،ص 42.
3- منشور في جمال ساسي، الاجتهاد القضائي في المادة التجارية و البحرية، منشورات كليك، الجزء الثالث، بدون رقم الطبعة، بدون سنة النشر، ص 1167.
4- و هو ما أكده مجلس الدولة في قراره المؤرخ في 22/01/2001، مثلا بخصوص الوكالة العقارية ما بين البلديات حتى في ظل تقنين الإجراءات المدنية القديم، بقوله:"...كمؤسسات ليس لها الطابع الإداري و أنها تخضع للقضاء العادي في تصرفاتها..."،
منشور في لحسين بن الشيخ آث مالويا، المنتقى في قضاء مجلس الدولة، الجزء الثاني، دار هومة، بدون رقم الطبعة، 2004،ص 293.
5- في صورة تشبه دعوى الإلغاء، انظر في تفصيل هذه الأخيرة، الدكتور محمد الصغير بعلي، القضاء الإداري، دعوى الإلغاء، دار العلوم للنشر و التوزيع، بدون رقم الطبعة، 2007، ص 70 و ما بعدها.
6-Brahim BOULIFA, marchés publics, dictionnaire thématique, volume 02, Berti édition, 2013, page  588.

تحميل المقال الأصلي===>> منازعات الصفقات العمومية




.
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى