القاعـدة العامـة في الإثـراء بلا سبـب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

القاعـدة العامـة في الإثـراء بلا سبـب

مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء 10 نوفمبر 2009, 07:59


جزء من مذكرة التخرج للطالب القاضي :
طيلـب السعيــد دفعة 2005/2006
بعنوان :
الإثــراء بلا سـبـــــــب
أحكامـــــــــه وتطبـــيقاته
في القانون المدني الجزائري



المـقدمــة

إن من بين مصادر الالتزام غير الإدارية التي نصت عليها مختلف التشريعات الحديثة، الإثراء بلا سبب أو ما يعرف بالكسب غير المشروع أو الفعل النافع، فكما أن الفعل الضار يستوجب التعويض إذا أّلحــق ضرر بالغير، كذلك الإثراء بلا سبب إلى جانب التطبيقين الهامين له، وهما الفضالـــة والدفــع غير المستحق(1) .
ويقصد بالإثراء بلا سبب، أن كل من نال أو أثري من عمل الغير أو من شيء له منفعة، ولو بحسن نية ودون سبب قانوني فإنه يلتزم بأن يرد لهذا الغير قدر ما أثري به، وفي حدود ما لحقه من خسـارة.
وإن فكرة الإثراء بل سبب فكرة قديمة، ذات صلة بقواعد العدالــة والقانون الطبيعـي، إذ وجدت منذ العهـد الروماني، وكانت تكتسي طابعا أخلاقيا، غير أنها لم تصبح قاعدة مستقلة كمصدر من مصادر الالتزام، إلا بعد عدة تطبيقات غير متصلة الأجزاء.
أما في القانون الفرنسي القديم، فلم يكن لقاعدة الإثراء بلا سبب تطبيقا شامـلا بل اقتصر تطبيقهـا على بعض دعاوى استرداد غير المستحق، والفضالة من خلال المادتين (1371،1381) وفي القانون الفرنسي الـحديث فقـد وردت هـذه القـاعدة تـحت عنوان الأفعـال التـي تقــع بمحض إرادة الإنســان أو مـا يسمـى بأشباه العقود، (les faits purement volontaires de l'homme) وقد لعب فـي ذلك الفقيهين"أوبري" و" رو" (Aubry et Raw) دورا بارزا في بلــورة القاعدة، رغم بقائهـا مقيدة بقيـدي الدعوى الاحتياطية واشترط بقاء الإثراء قائما وقت رفع الدعوى.
أما الفقه الإسلامي، فإن كان أوسع ما يعترف به هو الدفع غير المستحق فإنـه كقاعدة عامة لا يقـرن بالإثراء بلا سبب إلا في حالات معينة، أما الفضالة فلا يعترف بها أصلا، على أساس أن عمل الفضولي لا يعد مصدرا للالتزام بل يعتبر من قبيل التبرع.
هذا ولقد اختلف الفقهاء في تأصيل قاعدة الإثراء بلا سبب، حيث تـم ربطها في البداية بنظرية الفضالـة.(le gestion d'affaires irrégulière) فاعتبرت أنها فضالة ناقصة فالفضولي يجب عليه أن يقصد تدبير شؤون رب العمل، فإذا انـعدم هذا القصد أو أنه تولى شؤون غيره رغم إرادته، اختل ركن من أركان الفضالة، ويترتب علــى ذلك أن المفتقر لا يسترد كالفضولي كل المصروفات النافعة والضروريـة، بل يسترد قيمتي الإثراء للغير وافتقـاره، غير أن هــذه المحاولة لم تنجح، لأن الأصل أن تكون الفضالة تطبيقا للإثراء بلا سبب وليس العكس.
كما حاول جانب من الفقه، رد قاعدة الإثراء بلا سبب إلـى العمل غير المشروع فاعتبر أن من أثري على حساب غيره، لا يجوز له أن يحتفظ بما أثري به، وإلا عّد مرتكبا لخطأ يجعله يسأل علــى أساس المسؤولية التقصيرية.
ــــــــــــــــــــــــ
(1)- أورد المشرع الجزائري،الإثراء بلا سبب، والدفع غير المستحق، والفضالة تحت عنوان شبه العقود، فأخلط بذلك بين المبدأ وتطبيقه والظاهر من النصوص تقول ذهبية حامق أنه يعتبر كل منهم كمصادر مستقلة من مصادر الالتزام.
ــــــــــــــــــــــــ
وقد ذهب فريق ثالث بزعامة الأستاذين "روبير" و "تسيير" إلـى إسناد قاعدة الإثراء بـلا سبب إلـى نظرية تحمل التبعة، التي مؤداها أن من كان نشاطه مصدرا لغرم تحمل تبعته، وأن الغنم المستحدث ما هو إلا الوجه الآخر للغرم المستحدث، بيد أن هذا الاتجاه لا يستقيم، ذلك أن الرجوع على الغير في هذه الحالة يكون بما أثري به، وليس بأقل القيمتين فيؤدي ذلك إلى عدم ضرورة شرط الافتقار بالنسبة للدائن.
ومهما يكن من خلاف فإن قاعدة الإثراء بلا سبب، قاعدة قائمة بذاتها وهـي مصدر مستقل من مصـادر الالتزام، تستند إلى قواعد العدالـة ويتفرع عنها الدفع غير المستحق والفضالة، وهو مـا ذهبت إليه جل التشريعـات الحديثة.
والمشرع الجزائري تأثر بما وصل إليه الفقه الحديث بشأن مصادر الالتزام، حيث أورد المصـادر الإرادية والمتمثلة في العقد، والالتزام بالإرادة المنفردة (1) ، وكذا المصادر غير الإرادية والتي تتمثل في الفعل المستحق للتعويض، والقانون كمصدر مباشر للإلتزام، وشبه العقود، غير أنه لم يوضح هذا التقسيم في تبويبه لها، فقد أورد في الفصل الرابع من القانون المدني شبه العقود ضمن ثلاثة أقسـام وهي الإثــراء بلا سبب ( م 141- 142 ق م) والدفع غير المستحق من ( م 143-
149ق م) والفضالة ( م 156 – 159 ق م) ، وذلك دون أن يفصل بين القاعدة في الإثراء بلا سبب وتطبيقها.
ولقد سلطنا الضوء لمعالجة هذا الموضوع لعدة أسباب موضوعية وذاتية نظرا لأهمية موضوع الإثراء بلا سبب، وتطبيقاته في القانون المدني الجزائري على ضوء الممارسة القضائيـة، والذي لــم يحظ بالدراسة الكافية وبالتطبيق اللازم أو السليم له، إذ طغت عليه الدعاوى الناشئة عـن مصـادر الالـتزام الأخرى وهو ما لاحظناه من خلال تربصاتنا الميدانية لدى الجهات القضائية، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإنه في ظل التطورات الحاصلة على الصعيد التشريعي و الاقتصادي بات إعطاء قاعدة الإثراء بلا سبب مكانتها أمر جد ضروري، إذ يلاحظ أنه لا تكاد تخلوا أغلب المنازعات المطروحة علـى القضاء من هذه القاعدة وتطبيقاتها، إلى جانب ذلك فإن النصوص المتعلقة بها تحتاج إلى تبيـان.
وبناءا عليه فإن دراسة هذا الموضوع تطرح أكثر من تساؤل سيما في إطـار مـا ذهب إليـه المشرع الجزائري عندما أخلط بين القاعدة وتطبيقها وأورد الكل تحت عنوان " شبـه العقود " الذي في حد ذاته لا يعد سليما، ورغم أنه استدرك الأمر بالنسبة للالتزام بالإرادة المنفردة، فأضافه في التعديل الجديد إلا انه لم يفعل ذلك بشأن الإثراء بلا سبب، إذ من المفروض أن مصادر الالتزام تتمثل في الواقعة القانونية والتي تنقسم إلى تصرف قانوني والى واقعة ماديـة(2)
والإشكالية التي تنبني عليها دراستنا هي ما مضمون القاعدة العامة للإثراء بلا سبب ؟ وما هي أحكامهـا وتطبيقاتها في ظل القانون المدني الجزائـري ؟
وفي إطار إجابتنا على الإشكالية المطروحـة ولمعالجة الموضوع سنعتمد في بحثنا على أسلوب استقراء النصوص القانونية، مع التحليل المدعم بالأمثلـة، وكـذا المقارنة من حين لآخر مع التشريعين الفرنسي والمصري لتقاربهما مع التشريع الجزائري، ولإمكانيـة الاستفادة من تطبيقاتهـا الـقضائية التي لا تتعارض مع نصوصنـا وموقف المحكمة العليا.
ولإعطاء أكثر تفاصيل حول الموضوع سنتناول دراستنا هذه في فصلين، نخصص الأول لدراسة القاعدة العامة في الإثراء بلا سبب والثاني لدراسة تطبيقاتها، ويتضمن الفصل الأول مبحثين نـعالج فـي الأول أركان الإثراء بلا سبب وفي الثاني أحكامه المتمثلة في الدعوى والتعويض، أما الفصل الثاني نقسمه أيضا إلى مبحثين نتناول في الأول الدفع غير المستحق، شروطه، وأحكامه وفي الثانـي نتكلم عن الفضالــة أركانها، وأحكامها، ونختم دراستنا بإبداء بعض الملاحظات.
ــــــــــــــ
(1)- أضاف المشرع بموجب القانون05-10 المؤرخ في 20/06/2005.الالتزام بالإرادة المنفردة تنطبق عليه أحكام العقد.واستبدل كلمة "عمل" بكلمة "فعل" بالنسبة للعمل المستحق للتعويض ولم يتغير في شبه العقود شيئا.
(2)- الأستاذ ملزي عبد الرحمان.الإثبات في المواد المدنية.محاضرات أّلقيت على الطلبة القضاة الدفعة 14-2004.
ـــــــــــــــ

القاعـدة العامـة في الإثـراء بلا سبـب.
(l'enrichissement sans cause)

إن فكرة الإثراء بلا سبب إن كانت عرفت منذ القديم فهي لم تتأصل كقاعدة مستقلة، أو كمصـدر من مصادر الالتزام، إلا بعد عدة تطبيقات غير متصلة الأجزاء عبر عدة مراحل تاريخيـة(1) .
ولقد توصل الفكر القانونـي الحديث، إلى اعتبار قاعدة الإثــراء بلا سبب قائمــة بذاتهـا، لا تحـتاج إلى غيرها، ولا تتفرع عنه. وهي بذلك مصدر من مصادر الالتزام، تستند إلى قواعــــد العدالـة، شأنها في ذلك شأن العقد، والعمـل غير المشروع، ويقتضـي ذلك أن كل مـن أثرى علـى حساب الغير ولـو بحسن نية ودون سبب قانونـي، فإنه يلتزم بأن يرد لهذا الغير قدر مـا أثرى بـه وفي حدود ما لحقه من خسارة.(2)
وفي هذا الاتجاه سار المشرع الجزائري، حيث أخذ بالإثراء بلا سبب كمصدر عـام، ومستقل عـن مصادر الالتزام. ولقد أورده في الفصل الـرابع من القانون المدني المتعلق بمصادر الالتزام، تحت عنوان "شبـه العقود"(3) (des quasi contrats). قــدوة بالتقسيــم التاريخي التقليــدي لمصادر الالتزام التي هي: العقد، شبه العقد، الجنحـة، شبه الجنحة، والقانون، وإلـى جانبه أورد تطبيقاتــه- وتحت نفس الفصل- والمتمثلـة في الدفـع غيـر المستحق والفضالة، وعنه أوردت المادتين 141 -142 من القانون المدني المبدأ العام وأحكامـه، كما أن المحكمة العليا طبقت قاعدة الإثـراء بـلا سبب كقاعدة أصليـة تقـوم على قواعد الـعدالــة. (Règles d'équité)
واعتبـرت أنـه إذا أثـرى شخص نتيجـة افتقار آخر بغيـر وجود مبرر قانونـي فإن الأول يلتزم بـأن يدفــع تعويضـا يسـاوي أقـل القيمتـين قيمـة الإثــراء، وقيمـة الافتقــار(une idemnitè praportionnelle) (4) .
ــــــــــــــ
(1)- انظر د/عبد الرزاق احمد السنهوري، نظرية الالتزام بوجه عام-مصادر الالتزام- ص 1248.
، بجدول من الماء يجري تحت الأرض فينبت من القواعد القانونية ما قاعدة الإثراء بلا سبب(Ripert) (2)- شبه الأستاذ روبير
يشهد بوجوده، ولكن الجدول لا يظهر فوق الأرض أبدا.
(3)- إن مصطلح شبه العقد غير سليم، ذلك أن العقد يتطلب توافق إرادتين على إنشاء التزام وهذا غير موجود في الإثراء بلا سبب أو الفضالة أو الدفع غير المستحق.
(4)- قرار المجلس الأعلى.غ.م.18/07/1969 .ن.ق 1972. 1.ص 45.
ــــــــــــــ
ويلاحظ في هذا الشأن أن عبارة " ليس لها ما يبررهـا" عبارة فضفاضـة تتسـع لعدة معانـي.(1)إذ نصت المادة 141 ق.م على أنه "كل من نال عن حسن نية من عمل الغير، أو مـن شيء له منفعة ليس لها ما يبررها، يلزم من وقع الإثراء على حسابه بقدر مـا استفاد من العمـل أو الشـيء." ولـم تذكـر الاصطلاح القانوني الذي ورد في النص الفرنسي الذي جاء بعبارة "بدون سبب" وهـي العبارة الأقرب إلى الصواب. كما أن النص ألزم المثري برد قيمة ما استفاد من العمل أو الشيء مخالفـا المبدأ الذي سـارت عليــه المحكمة العليا، وهو التزام من وقع الإثراء في جانبه برد أقل القيمتين، قيمة الإثراء و قيمة الافتقار استنادا إلى قواعد العدالة والإنصاف(2).
ولتفصيل أكثر في الموضوع سنتناول في هذا الفصل مبحثين نخصص الأول لدراسة أركـان الإثراء بلا سبب التي يقوم عليها، ونخصص الثاني لدراسة أحكامه المتمثلة في الدعوى والتعويض.


المبحث الأول
أركـان الإثـراء بلا سبـب.

أوجب المشرع الجزائري في نص المادة 141 ق.م. لكي يتحقق الإثراء بلا سبب، وينشأ عنه الحق في الدعوى لصالح المفتقر الذي وقع الإثراء على حسـابه، للمطالبة بالتعويض، أن يحصل إثـراء أي أن تحصل زيادة في الذمة المالية لشخص معين، مقابل افتقـار أو انتقاص في الذمـة الماليـة لشخص آخـر وقـع الإثراء على حسابه، إلى جانب أن ينعدم السبب القانونـي لهذا الإثراء،والذي يجعله مبررا كالعقد، أو حكم من أحكام القـانــون فيصبح بذلك الشخص الأول مدينـا (مدعى عليه) والثاني دائنـا (مدعـي).
وبناءا عليه فإن الإثراء بلا سبب يقوم على ثلاثة أركـان هي:
1- إثـراء المديـن حسـن النيـة (المدعى عليه).
2- افتقار الدائن بناءا على هذا الإثـراء (المدعي).
3- انعـدام السبـب القـانـوني لـلإثـــراء.
وتجدر الإشارة إلى أن المشرع الجزائري سكت عن اعتبـار بقاء الإثراء قائما إلـى وقت رفـع الدعوى، كركن رابع للإثراء، مخالفا بذلك ما ذهب إليه المشرعين الفرنسي والمصري، كمـا أنه اعتبر دعوى الإثراء دعوى أصلية وليست دعوى احتياطية (1).على غرار المشرع المصري في المادة 179 من القانون المدني التي نصت على أنه "كل شخص ولو غير مميز يثرى دون سبب مشروع على حساب شخص آخر، ملتزم في حدود ما أثري بـه بتعويض هـذا الشخص عما لحقه من خسـارة ويبقى هذا الالتزام قائما ولو زال الإثراء فيما بعد."
وسنتطرق للأركان الثلاثة السابقة الذكر-على التوالي- في ثلاث مطالب.
ــــــــــــــــ
(1)- يرى الدكتور علي علي سليمان ضرورة إعادة صياغة نص المادة 141 لتصبح كما يلي "كل من أثرى على حساب غيره دون سبب يلزم بتعويض من أثرى على حسابه بأقل القيمتين، قيمة ما أثرى به أو قيمة ما افتقر به المفتقر".
(2)- وهو الثابت من موقف المجلس الأعلى (المحكمة العليا) في قرار بتاريخ 16/12/1970.م.ق 1971 ص 9.
ــــــــــــــــ

المطلب الأول
إثراء المدين حسن النية.
(ENRICHISSEMET DU DEFENDEUR)

والمدين هو الشخص الذي يستفيد من واقعة الإثراء، فتنتقل إليه قيمة ماليـة تضاف إلى ذمته المالية مـن ذمة شخص آخر، ودون أن يكون لهذا الانتقال سبب قانوني أو مصدر يستند إليه.

الفرع الأول
المقصود بالإثراء.

يقصد بالإثراء كل منفعة مادية أو معنوية، يجنيهـا المدين متى أمكن تقويمها بمـال، حيث تضيف زيـادة في ذمته المالية كاكتساب جديد لمنقولات أو عقـارات، أو الانتفاع بها لوقت معين أو انقضـاء أو زيادة في ضمان، أو تجنب خسارة محققة(2)...الخ، والزيادة أو الإثـراء كواقعة مادية هي التي يترتب عليها نشـوء الالتزام بالرد، لأنه لو بقيت الذمة المالية كما هي أو نقصت، فلا يكون ثمة إثراء ولا محل معه للرد.
وفي هذا الشـأن اعتبرت محكمـة النقض الفرنسية أن تجنيب المثرى خسـارة، أو التوفير عليـه فـي مصروف يعد اثراءا بلا سبب يستوجب الرد.( م.ن.ف في 15/01/1866 ).

الفرع الثاني
وجوب تحقق الإثراء.
إن أول ركن لتحقق قاعدة الإثراء بلا سبب، هو ضرورة حصول غنم أو إثراء لفائدة المدين حسن النية، لأن مصدر الالتزام الذي يترتب في ذمته هو حصول واقعة الإثراء وتحققها إذ لا التزام بدونهـا، فالشخص الذي يقوم بالوفاء بدين شخص آخر، ثم تبين فيما بعد أن هذا الدين قد سبق
ــــــــــــــــ
(1)- استقر القضاء والفقه في فرنسا على أن دعوى الإثراء دعوى احتياطية متأثرين بأفكار الفقيهين "أوبري و ورو" والسبب هو حتى لا تستغرق دعوى الإثراء كل الدعاوى الأخرى التي تنشأ عن مصادر الالتزام –انظر د/بلحاج العربي- النظرية العامة للالتزام في القانـون المدنـي الجزائري -الجزء2- ص461.
(2)- حكم محكمة باتنة الصادر بتاريخ.30/12/96 قضية رقم 2267/1996-أنظر الملحق.
ـــــــــــــــ
الوفاء به أو أنـه لا وجود له أصلا لا يعد مفتقرا، لأنه لم يحصل إثراء للموفى عنه ولا يمكنـه الرجوع علـى هذا الأخيـر بدعوى الإثراء بلا سبب(1) بل يكون له في هذه الحالة الرجوع علـى من دفع عنه بدعوى استـرداد غير المستحق إذا ما توافرت شروطها.
والإثراء كما أسلفنا يتخذ عدة صور، رغم أن الأصل فيه أن يكون ماديا، فقد يكون ايجابيا أو سلبيا ماديا أو معنويا كما قد يكون مباشرا أو غير مباشر.

الفرع الثالث
صور الإثراء.

أ/ الإثراء الايجابي والإثراء السلبي.
يكون الإثراء ايجابيا إذا أضيفت إلى ذمة المدين قيمة مالية أو منفعة. كما لو بنى الدائـن في أرض غيره(2) فتسبب في إثراءه، أو أنه اكتسب حقا عينيا أو شخصيـا، أو منفعـة مـال. فالمستأجر الذي يقوم بتحسينات في العين المؤجرة بعد انفساخ عقد إيجاره يجعل المؤجـر يثـرى بصورة ايجابية(3) ، وكذلك إذا قام الراسي عليه المزاد بتحسينات في العين التي رسـى عليها المزاد ثـم نزعت منه، فإن ذلك يؤدي إلى إثراء من تؤول إليـه العين.
ويكون الإثراء سلبيا متى أمكن تجنيب المدين إخـراج قيمة مالية من ذمته، أو تجنيبه خسارة كانت ستلحق به كمن يوفي الدين عن شخص، أو كقيام المستـأجر بترميمات جسيمة واجبة على المؤجر، أو كالمشتري لعقار مرهون يقوم بدفع دين الـراهن.
ب/ الإثراء المباشر والإثراء غير المباشر:
يكون الإثراء مباشرا، إذا انتقل المال من المفتقر إلـى المثـرى مباشرة دون تدخـل شخص أجنبي ومثل ذلك الشخص الذي ينتفع بنقود مملوكـة لغيره دون عقد قرض. ويكون الانتقال إمـا بفعل الدائن المفتقر أو بفعل المدين المثرى نفسـه، كما في حالـة من يدفع عـن غيره الدين، أو يستولي على ماله دون وجه حق، أو يستهلك الميـاه، أو الـهاتف من قنوات وأسـلاك خفيـة(4).
__________________
(1)- كان الفقه في فرنسا يشترط في البداية أن يتحقق الإثراء عن طريق إضافة حق إلى مال المدين ثم تطور على يد "بلانيول" و"روبير" ليجيز أن يكون الإثراء ناتجا عن منفعة أو عمل.
(2)- انظر قرار المحكمة.ع.المؤرخ في 27/10/1987 ملف رقم 888. 50م.ق.1993.عدد2 ص9.
(3)- د/أنور طلبة.الوسيط في شرح القانون المدني-الجزء 2- ص 254.
(4)- انظر[ معوض عبد التواب-مدونة القانون المدني- الجزء الأول – ص 387.386 ].
ـــــــــــــــــ

أما الإثراء غير المباشر فهو الإثراء الذي يتدخل فيه أجنبي لنقله من مال المفتقر إلـى مـال المثرى(1) ويحصل هذا التدخل عن طريق عمل مادي أو عمل قانوني، فربان السفينة الذي يعمد إلى إلقـاء بعضا مما تحمله لإنقاذ الباقـي من الغرق يعد متدخـلا عن طريق عمل مـادي، وكذلك المستـأجر لأرض زراعيـة الذي يقوم بشراء سماد من تاجر دون أن يدفع ثمنه، وحصل أن حجـز المالك على زراعـة المستأجـر ورجع التاجر وهو المفتقر في هذه الحالة على مالك الأرض الذي يعد مدينا مثرى، بالقـدر الذي عاد به السمـاد على الأرض من نفع، وفي حدود ثمن البيع، فإنه يعد أجنبيا تدخل عن طريق عمل قانوني وهو شراء السماد.
وفي هـذا الشأن توجد عدة تطبيقـات في القضـاء المصري وهي صالحة للتطبيق عندنا أيضـا(2).
ج/ الإثراء المادي والإثراء المعنوي:
الأصل في الإثراء- كما سبقت الإشارة – أن يكون ماديا كما بيناه فـي الأمثلـة المذكـورة أعــلاه.
ويكون الإثراء معنويا أو أدبيا، إذا كان يعود على المدين بمنفعة عقلية، أو أدبية، أو صحية، أو نفسية.
ولقد لقي الإثراء المعنوي معارضة من جانب الفقه سيما في فرنسا، وعانى من الاعتراف به ماعاناه الضرر الأدبي أو المعنوي في نظرية المسؤولية التقصيريـة(3) غير أن الضرر الأدبـي قد أصبـح الآن معترفا به إلى حد أكبر من الاعتراف بالإثراء المعنوي.(4)
والحقيقة أنه أصبح لا فرق بين الإثراء المادي والإثراء المعنوي مـا دام يمكن تقويم الإثراء المـعنوي بالمال، فالطبيب يثري صحيا المريض بالشفـاء، والمعلم يثري الـتلميذ عندمـا يعلمـه إثراءا عقليـا والمحامي يثري المتهم بالدفاع عنه فيحكم ببراءتـه فيعد ذلك اثراءا أدبيا له، وهذه الضروب من الإثراء المعنـوي كلها يمكن اعتبارها ذات قيمة ماديـة.
والـجدير بالذكر أن المشـرع الجزائري اشترط فـي المـادة 141 ق.م أن يكـون المدين الـذي استفـاد من الإثراء، حسن النية، إذ أنه لو كان سـيء النيـة اعتبر مخطئا قام بعمـل غيـر مشـروع يستوجب تطبيــق أحكام المسؤولية التقصيرية عليه، وهو ما أكدته المحكمة العليا في القرار الصـادر في21/10/1987 جاء فيه "من المقرر قانونا أن كل من نـال عـن حسن نيـة من عمـل الغير أو من شيء له منفعة ليس لها ما يبررهـا يلزم بتعويض من وقع
___________________
(1)- [ يرى "دي باج" أن الإثراء في هذه الحالة يرتبط بانعدام السبب أكثر من ارتباطه بتوافر الإثراء ].
(2)- د/ السنهوري- المرجع السابق – ص 1284.
(3)- د/توفيق حسن فرج- الإثراء بلا سبب- الكسب غير المشروع كمصدر للالتزام ص 178.
(4)- نص المشرع الجزائري صراحة في القانون 05/10 المعدل للقانون المدني.عن التعويض عن الضرر المعنوي في المادة 182 مكرر.
ــــــــــــــــــ

الإثراء على حسابه بقدر مـا استفاد من العمل أو الشيء، ومن المقرر أيضا أنــه إذا أقام أجنبي منشآت بمواد من عنده بعد الترخيص له من مالك الأرض فلا يجوز لهـذا الأخيـــر أن يطلب إزالة المنشآت إذا لم يوجد اتفاق بشأنها وإنما يخير بين أن يدفع قيمة المواد وأجرة العمـــل، أو مبلغا يساوي ما زاد من قيمة الأرض....ولما كان من الثابت في قضية الحـال أن جهـة الاستئنـاف أيدت الحكم المستأنف أمامها، القاضي على الطاعن بالتخلي عن قطعة الأرض التي يحتلهـا بالرغـم من عرضه لثلاثة حلول وفقا للمادتين 141 و786 ق.م التي لـم تناقشها، فإنهـا بقضائها كما فعلت خـالفت القانـون وشابت قرارها بالقصور في التعليل..."(1).

المطلب الثاني
افتقـار الدائن سبب الإثراء.
(APPAURISSEMENT CORRELATIF
)
الافتقار هو الركن الثاني للإثـراء بلا سبب، والذي يترتب عليه إثراء المدين لعلاقة سببية مباشـرة تربطهما.وهو يلحق الدائن في ذمته المالية فيفقرها.
الفرع الأول
المقصود بالافتقار.
يراد بالافتقار الخسارة التي تلحق الدائن أو المنفعة التي تفوته بسبب النقص في مجموع محتويـات الذمة المالية له، أيا كان سبب هذا النقص سواء كـان بفعل المفتقر، أو بفعل المثرى، أو الغير، أو فعـل الطبيعة.والخسارة قد تكون مالا ينفقه الدائن، كما لو أنشأ بناءا على أرض يملكها المدين كمـا قد تكون منفعة تفوتـه، ومثل ذلك أن يؤدي عملا يستفيد منـه المدين، كالمهندس يـقدم تصميما، أو طبيبا يـقدم علاجـا، أو رساما يقدم لوحة فنية.فهؤلاء يفتقرون بما فاتهم من كسب وهو أجر عملهم(2) غير أنـه إذا حدث الافتقـار بفعل الشخص وبإرادته وكان ذلك لباعث فيه، ودون سبب فإنـه لا ينشأ له الحـق في دعوى الإثراء بـلا سبب، لأن عمله أو تصرفه في هذه الحالة يعد من قبيل التبرع(3) .
___________________
(1)- أ/عمر بن سعيد-الاجتهاد القضائي وفقا لأحكام القانون المدني-ص110.
(2)- د/ بلحاج العربي –المرجع السابق- ص 455.
(3)- ومن أمثلة ذلك[ قيام جدة باحتجاز أولاد ابنتها المتوفية أثناء دعوى الطلاق المرفوعة عليها من زوجها، ورغم صدور حكم بتسليم الأولاد فإنها ظلت تنفق عليهم ولم تسلمهم.فلا يجوز لها الرجوع على أب الأولاد بدعوى الإثراء طالما أن إنفاقها كان لباعث فيهـا فعملها يعد تبرعا وهو سبب افتقارها]- السنهوري-مرجع سابق- ص 1278.
ـــــــــــــــــــ

الفرع الثاني
وجوب تحقق الافتقار.

لكي يمكـن الرجوع بدعوى الإثراء بلا سبب فإنه يجب أن يقابل إثراء شخص افتقار فـي
جـانب الشخص الآخر، فلا التزام على المثرى بالتعويض إذا لم يتحقق الافتقار فعـلا. وقد اعتبرت محكمة النقض المصرية بأن"شرط افتقار المدعي هو شرط جوهري لدعوى الرجـوع استنادا لقاعدة الإثراء بلا سبب ولما كان الملتزم في دعوى الإثراء يدفع في تعويضـه أدنـى قيمتـي الإثراء والافتقار، فإنه إذا انعدم الافتقار انعدم معه الإثراء إذ أن هناك علاقة سببية تربطهما(1)" ومثال ذلك إذا أقامت شركة مصنعا في جهة معينة وتسبب ذلك في ارتفاع قيمة الأراضي المجــاورة ونتج عنه إثراء أصحابها، فإنه لا يحق للشركة الرجوع على المثرين بدعوى الإثراء بلا سبب طالما أن إثرائهم لـم يقابلـه افتقار في جانب الشركـة. وقد اعتبرت المحكمـة العليـا في القرار الصـادر في 18/07/1969 السابق الذكـر" أنـه يجب للرجـوع بدعوى الإثراء بلا سبب أن يقابـل افتقار شخص إثراء شخص آخر".

الفرع الثالث
صور الافتقـار.

يأخذ الافتقار نفس الصور التي يأخذها الإثراء، فقد يكون ايجابيا، أو سلبيا وقد يكون مباشرا أو غير مباشرا، كما قد يكون ماديا أو معنويا.ويلاحظ بشأن حسن النية أو سوءهـا أن المشرع في نص المـادة 141 ق.م لم يشر إلى حسن نيــة المفتقر أو سوء نيته ذلك أن الإثراء واقعة مادية رتب عليها القانون أثرا، ووجب أن يكون المثرى حسن النية ومن ثم فلا أهمية لكون المفتقـر حسن النية أو سيئـها.

الفرع الرابع
علاقة السببية بين الإثراء والافتقـار.

لا يكفي لتطبيق قاعدة الإثراء بلا سبب أن يتحقق الإثراء والافتقار بل يجب أن تربطهمـا علاقــة سببية مباشرة، فيكون افتقار الدائن هو الذي أدى مباشرة إلى إثراء المدين، فقيام المستأجر بترميمـات على العين المؤجرة، تكون واجبة على المؤجر، تعد واقعة ينشأ عنها إثراء الـمؤجر بزيادة قيمة العين وافتقار المستأجر بسبب ما أنفقه من مال، فتقوم عندئذ علاقة سببية مباشرة بين الافتقار والإثــراء، والسببية في هذه الحالة هي سببية مباشرة، لأن الافتقار والإثراء يردان إلـى واقعة واحدة وهي القيـام بترميمات غير واجبة كما ذكرنا، وكذلك الشأن بالنسبة لواقعة دفع الدين فهي واقعة واحـدة تِؤدي إلـى نشوء افتقار للدائن وإثراء للمدين، ومع ذلك ليس ضروريا أن تكون واقعة واحدة هي السبب المباشر في الإثراء أو الافتقار(2) بل يكفي أن يثبت أن إثراء المدين لم يكن ليحصل لـولا افتقار الدائـن ويرجـع ذلك لتقدير قاضي الموضـوع.
ــــــــــــــــــــ
(1)- د/محمد صبري السعدي-شرح القانون المدني- مصادر الالتزام- الجزء2.ص257.
(2)- د/رمضان أبو السعود- النظرية العامة للالتزام –مصادر الالتزام- ص 450.
ــــــــــــــــــــ

وقـد قررت المحكمـة العليـا في قرارهـا الصادر بتاريخ 16/12/1970 "بأنـه لا يكفـي للرجــوع بدعوى الإثراء بلا سبب أن يتحقق الإثراء فـي ذمـة والافتقار في ذمـة أخرى، بـل يجب أن تكـون هنـاك علاقـة سببية مباشرة بين الإثـراء والافتقار، وعليه فإنـه لا تقوم علاقـة السببية في حالـة التغير الطارئ فـي الظروف الاقتصادية أدت إلى اختلاف التوازن في الالتزامات بين الطرفين".
وقد قرر القضاء الفرنسي عدم وجود علاقة السببية المباشرة في حالـة ما إذا اقرض مصرف نقودا لشركة أقرضت بدورها المبلغ لأحد الأشخاص(2).
كما قضي في مصر بتوافر علاقة السببية بين تحسينات ذات قيمة كبيرة أحدثتها زوجــة في عقار لها ومجاوزة لكل ما تملك، وبين المبالغ التي اختلسها زوجهـا إضرارا بشركـة هو شريك فيهـا وأميـن صندوقهـا(3).
غير أنه إذا كان سهلا التدليل على قيـام السببية بين الإثراء والافتقار إذا كانـا ناجمين عن واقعـة واحـدة، فإنـه يصعب في الحالات التي تتعدد فيهـا الأسباب، ويمكن عندئذ الاستعانـة بنظرية السبب المنتـج فـي المسؤولية التقصيرية، وهو ما أخذت بـه المحكمة العليا فـي القرار الصـادر بتاريـخ 17/11/1964 السالف ذكره، وتطبق هنا القواعد العامة في الإثبات والتقدير يكون لقاضي الموضوع كون الـمسألة مسألة واقع.
كما يمكن الرجوع بدعوى الإثراء بلا سبب حتى ولو ثبت أن الافتقار راجـع إلـى خطـأ المفتقر(4).

المطلب الثالث
انعدام السبب القانوني للإثراء.

يشترط للرجوع بدعوى الإثراء بلا سبب، أن لا يستند الإثراء إلى أي سبب يجعله مبررا فوجود مثل هذا السبب يجعل للشخص الحق في الاحتفاظ بما تحقق له من إثراء.
ولقد ثـار جدال كبير في الفقـه حـول تحديد معنـى السبب القانوني للإثراء فمنهم من أعطـاه معنى أدبـي ومنهم من أعطاه معنى اقتصادي قانوني(5).
________________
(1)- المجلس الأعلى.غ.م.في 16/12/1970.ن.ق.1971. 1. 90.
(2)- نقض مدني فرنسي في 07/02/1905.سيري 1907. 1. 453
(3)- محكمة الاستئناف-الإسكندرية- في 23/04/1908. 20. 192.
(4)- د/رمضان أبو السعود-المرجع السابق- ص450.
(5)- راجع د/نبيل سعد،د/همام محمد محمود.المبادئ الأساسية للقانون.نظرية القانون-نظرية الحق-نظرية الالتزام.ص443
ــــــــــــــــ

ويقصد بالسبب المصدر القانوني الذي يولد حقا لمن استفاد من الإثراء للاحتفاظ بما أثرى به وهذا هو الرأي السائد في الفقه والقضاء، وأخذ به المشرع الجزائري فـي نص المادة 141 من ق.م، حيـث جعـل شرط قيام الالتزام الناشـئ عن الإثراء، هو أن يكـون هـذا الأخير بغيـر سبب مشــروع ومن ثم فلا يمكن قانونا للمفتقر مطالبة المثري بأي تعويـض طالمــا لهـذا الأخيـر حـق ثابت بموجب (sans une cause qui justifie le profit)سند قانوني يخوله هذا الكسب ويبرره، كما أنه متى انعدم السبب القانوني للإثراء، جاز للمفتقر الرجوع على المثرى بدعوى الإثراء بلا سبب وأن السبب الذي يجعل الإثراء مبررا يعد مفترضا وجوده، وعلى من يدعي العكس إقامة الدليل أمام القضاء على صحـة ما يدعيـه(1).
والسبب بالمعنى المتقدم قد يكـون مصدره العقد، أو يكون حكمـا من أحكام الـقانون، فإذا كـان سبب الإثراء تصرفا قانونيا فلا مجال لتطبيق قاعدة الإثراء بلا سبب لأن إرادة الطرفين اتجهت إلـى إحداث أثر قانوني معين فما يأخذه أحد الطرفين مثلا بحكـم بنود العقد لا يعد ذلك اثراءا على حساب الـطرف الآخر طالما أن العقد خول هذا الكسب وجعله مشروعا، فإذا تضمن عقد الإيجار شرطا يقضي بتمـلك المؤجر للتحسينات التي يقوم بها المستأجر على العين المؤجرة، عند نهاية عقد الإيجار فانه لا يسـوغ للمستأجر المطالبة بتعويض عن هذه التحسينات على أساس دعـوى الإثراء بـلا سبب لـوجود سبب قانوني وهو عقد الإيجار. وفي هذا الإطار قضت محكمة النقض المصريـة، في نفس اتجاه المحكمـة العليا عندنا بأنه "إذا كان الثابت أن علاقة الطاعن والمطعون عليه الأول يحكمها عقد إيجار مبرم بينهمـا فـلا مجال لتطبيق قواعد الإثراء لوجود رابطة عقديـة، وتكون أحكـام العقد هـي المرجع فـي تحديـد حقــوق وواجبات كـل من الطرفين قبل الآخـر"(2).
إضافة إلى أنـه لا يشترط أن يكـون العقد قائما بين المثرى والمفتقر، بل يكفي أن يكون بين الـمثرى والغير، فلو أن شخص سرقت منه سندات وتعاقد السارق مع شخص آخر حسن النية للحصـول علـى المبالغ الثابتة فيها، فلا يجوز لصاحب هذه السندات أن يرجع بدعوى الإثراء على الشخص الآخر، لأن العقد المبرم بين المثرى والسارق يعتبر سببا للإثراء(3)
كما أنه يمكن أن يكون العقد مبرما بين المفتقر والغير، دون أن يكون المثرى طرفا فيه ومثل ذلك أن يتعاقد شخص مع وكيل، لا باعتباره وكيلا ولكن باسمه الشخصي فلا يجوز لـه الرجوع على الموكـل بدعوى الإثراء لأن هناك عقد ابرم بينه (وهو المفتقر) وبين الوكيـل (وهو غير المثرى).
_________________
(1)- د/بلحاج العربي-المرجع السابق- ص459.
(2)- نقض مدني فرنسي في12/11/.1977
ـــــــــــــــــ

كذلك يمتنع على المفتقر الرجوع علـى المثرى بدعوى الإثـراء إذا استنـد المثري إلـى نص فـي القانون، فالعمل غير المشروع يعد سببا قانونيا يمنع من الرجوع بدعوى الإثراء، فـلا يلتزم مثلا من أخذ تعويضا عن ضرر أصابه برد هذا التعويض لأنـه قد كسبـه بسبب قانوني وهـو العمل غير المشروع، تماما كما لو اكتسب شخص ملكية الشيء بالتقادم، فـلا رجـوع للمالك الأصلي عليه بدعوى الإثراء، لأن التقادم هو سبب قانوني لاكتساب الحق العيني.
وقد يتبادر إلـى الذهن أن العقود الملزمة لجـانبين، يمكن أن تؤدي إلى افتقـار أو إثراء أحد الطرفين إذا كانت التزامات الجانبين غير متعادلة غير أن التعادل مفروض فيها قانونا، طالما انه لم يثبت وجـود مـا يبرر تطبيق أحكام الغبن أو أحكام الظروف الطارئة وفقا للقانــون، وكذلك الشأن بالنسبة للعقود الاحتمالية(1).ويتضح بناءا على ما أسلفناه أن انعدام السبب القانوني للإثراء، يخول للمدعي المفتقر حـق المطالبة بالتعويض من المدين المثرى.
كما انه تجدر الإشارة إلـى أن هناك مسألة سكت عنهـا المشرع الجزائري عند تنظيمـه لأحكـام الإثراء بلا سبب، وحسن فعل وهي المتعلقة بالصفة الاحتياطية لدعوى الإثراء وكذا شرط بقـاء الإثراء قائما وقت رفع الدعوى، وهو ما سوف نبينه في الفرعين الآتيين.

الفرع الأول
الصفة الاحتياطية لدعوى الإثراء.

يقصد بالصفة الاحتياطية لدعوى الإثراء أن الدائن المفتقر لا يجوز لـه أن يسلكها، إذا وجـدت دعوى أخرى إلى جانبها، ناشئة عن مصدر آخر من مصادر الالتزام يمكنه اللجوء إليها.
ولقـد استقـر الـقضـاء الفرنسـي الـقديـم علـى أن دعـوى الإثـراء هـي دعـوى احتيـاطيـة متأثـرا بأفكار الفقيهين "أوبري" و "ورو"، كمـا أن الخلاف حول انعدام السبب (action subsidiaire) القانوني للإثراء كرس هذا الاتجاه (2) وكذلك الشأن بالنسبة للقضاء المصري القديم.
والواقع أن القول بأن دعوى الإثراء بلا سبب، هـي دعوى احتياطية قـول لا يستند على أي أسـاس قانوني، وفيـه تناقض، ذلك أن انعدام السبب القانوني للإثراء هو ركن تقوم عليـه دعـوى الإثـراء.
وأن الدعاوى الناشئة عن مصادر الالتزام الأخرى هي دعاوى مستقلة، ومن ثم فدعوى الإثراء هي دعوى أصلية متى توافرت أركانها السابقة الذكر،فمن غير المنطقي أن ينعدم السبب ويتوافر في آن واحد(1) والمشرع الجزائري لم يقع في هذا التناقض عندما اعتبر أن دعوى الإثراء بلا سبب مثـل دعاوى العقـد ودعاوى المسؤولية- وهذا رغم قلة التطبيقات في إطـار الممارسة القضائية- تنشأ كلمـا توافرت أركانها القانونية،وبذلك يكون المشرع قد تجاوز ما استقر عليه القضاء والفقه في فرنسا والاتجاه القديم في مصر(2).

ــــــــــــــــــــ
_(3)-د السنهوري- المرجع السابق- ص1292.
(1)-ومن أمثلة ذلك عقد التامين.كأن تقوم شركة التامين بإعادة بناء منزل المؤمن عليه ضد الحريق فيكسب المالك بذلك قيمة الفرق بين المنزل الجديد والمنزل القديم، ولكن هذا الكسب ليس بدون سبب ولكن مصدره عقد التامين.انظر في هذا المعنى(د/سليمان مرقس. الوافي في شرح القانون المدني.في الالتزامات.الجزء3.ص 98.97 ).
). Naquet) (2)- نقض مدني فرنسي في 12/05/1941،سيري. 1919. 1. 41 تعليق
ــــــــــــــــــــ

الفرع الثاني
عدم اشتراط بقاء الإثراء قائما وقت رفع الدعوى.

لم يشترط المشرع الجزائري بقاء الإثراء قائما وقت رفع الدعوى كما فعل ذلك المشرع الفرنسـي وبحسبه إذا زال الإثراء قبل رفع الدعوى فإن ذلك لا يمنع المدين المثرى من تعويض الدائـن المفتقر.
والاتجاه السليم هو أن العبرة بوقت تحقق الإثراء، وهو وقت نشوء الالتزام، فلكل التزام محل ووقت تعيين المحل هو وقت نشوء الالتزام، وتلك هي القاعدة في جميع مصادر الالتزام الأخرى.
والإثراء كواقعة يقدر وقت حصوله، لا بوقت رفع الدعوى. أمـا قيمة الافتقار فتقـدر وقت النطـق بالحكم، قياسا على تقدير التعويض في المسؤولية التقصيرية(م131 ق.م)(3).وفي نفس الاتجاه سار القانون المصري عندما نص في المادة 179 على أنه "...ويبقى الالتزام قائما ولو زال الإثراء فيما بعد." فالقاعدة إذن في القانون المصري هي أن تقدير الإثراء يكون وقت تحققه، ولا عبرة بما يطرأ عليه بعد ذلك ومن زيادة أو نقص.










avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى