تأصيل لفكرة المرفق العمومي

اذهب الى الأسفل

تأصيل لفكرة المرفق العمومي

مُساهمة من طرف Admin في السبت 29 يوليو 2017, 17:52

ملتقى :المرفق العمومي في الجزائر ورهاناته كأداة لخدمة المواطن
يومي 22و23 أفريل 2015
جامعة الجيلالي بونعامة-خميس مليانة-
الاسم واللقب: مخانشة آمنة
مؤسسة الانتماء: كلية الحقوق بجامعة الحاج لخضر –باتنة-
الرتبة العلمية: أستاذة وطالبة دكتوراه تخصص قانون أعمال
المحور الأول: الإطار المفاهيمي والتاريخي للمرفق العمومي
عنوان المداخلة: تأصيل لفكرة المرفق العمومي
مقدمة   
         إن الإدارات العمومية لم تعد تلك المرافق ذات الدور العادي، بل أصبح دورها يزداد أهمية في علاقتها مع الحياة العامة ، حيث احتلت خدماتها مكانا مرموقا في الحياة اليومية للأشخاص والمجموعات، و ذلك من خلال علاقتها في تحديد  تتبع وظائف المرافق الاقتصادية والاجتماعية ، ومنه فإن هذا التطور الذي عرفته الإدارة لا يمكن أن ننظر إليه بصفة منفردة إنما هو لصيق بتطور المجتمع وحاجياته ،و منه فقد أصبح تحديث الإدارة أكثر من ضرورة من أجل أن تقدم خدمات تتلاءم و تتواكب مع تطلعات وتطورات الحياة العامة، كما أصبح عليها أن تراجع حساباتها لإعادة تقييم دورها وأنشطتها وتعيد النظر في هياكلها و تحدد مواقعه ، و هذا ما استدعى المسؤولين للقيام بإصلاحات تمس كل الجوانب سواء تنظيميا أو تسييريا ، و ذلك من أجل حل المشاكل الناجمة عن عدم التوازن الملاحظ بين حجم الخدمات ونوعيتها و عدد المنتفعين و تسوية الوضعية وتحسينها ، و تقريب المواطن من الإدارة و إعادة الثقة فيها .
       غير أن هذا المصطلح وجد تضارب في تحديد مفهوم دقيق له يمس كل جوانبه  وجدلا كبرا لوضع تعريف ضابط ومحدد له وكذا بحسب اختلاف تطبيقات الدولة لها و فلسفتها و نظرتها، والمهام المنوطة بها سواءا التقليدية أو المهام  الجديدة لها اقتصادية ، تجارية ، صناعية ، زراعية مما أدى إلى تعدد هذه المرافق وتنوعها.
لذا كانت اشكاليتنا هنا حول ماهية المرفق العمومي في التشريع الجزائري؟ وكذا كيفية ظهور فكرة المرفق العمومي وأهم التطورات الحاصلة له ما هو بالتحديد المقصود منه؟
وفيما يلي دراسة لفكرة المرفق العمومي في التشريع الجزائري خلال مبحثين تناولت في الأول دراسة لمفهوم المرفق العام والمبحث الثاني فقد خصصته لأنواع المرافق العمومية المختلفة، وأنهيت البحث بخاتمة ضمنتها بعض الاستنتاجات والتوصيات.
هذا واستعملت في بحثي المنهج التاريخي والتحليلي والوصفي وكذا المنهج المقارن نظرا لما يتطلبه الموضوع.

المبحث الأول: مفهوم المرفق العام

ينشأ المرفق من أجل هدف أصيل وهو تلبية حاجة عامة في إطار المصلحة العامة التي تدخل في صلاحيات الدولة وهي المحدد لوجود مرفق عام.
وهو ما أثار جدلا كبرا لوضع تعريف دقيق ومحدد من قبل العديد من الفقهاء و أساتذة القانون كل حسب نظرته ، ففي حين يعرف المرفق العام بأنه نشاط يمارسه شخص من أشخاص القانون العام بهدف تحقيق المصلحة ،و نجد جانب من الفقه نظر للمرفق العام أنه ليس فكرة قانونية مجردة ومحايدة فقبل تحديد مضمونه القانوني يجب تحديد مضمونه الاجتماعي و الاقتصادي و تحديد من يملك حق إنشائه (1)، ويمثل المرفق العام حسبهم " نشاطا عاما ذا مضمون اجتماعي و اقتصادي " و من الضروري أن تتدخل الدولة لكي تحقق المصالح العامة الاقتصادية و الاجتماعية و التي على ضوئها يتقرر النظام القانوني و الجهة المختصة في إنشائه ، وهذا راجع أيضا للخصوصية التي يتميز بها هذا المرفق العام.


المطلب الأول تعريف المرفق العام

يعرف المرفق العام لغة على أنه ما يرتفق وينتفع ويستعان به، ومنه مرافق المدينة وهي ما ينتفع بها السكان عامة كأجهزة النقل والشرب والإضاءة وجمعها مرافق.
أما اصطلاحا فقد أثار خلاف فقهي حول تعريف المرفق العام ومرد ذلك اختلاف الزاوية التي ينظر منها كل فريق، حيث عرفه الفقيه هوريو بأنه: "منظمة عامة تقدم خدمة عامة هامة باستخدام أساليب السلطة العامة."(2) أي أنه كل نشاط تقوم به هيئة عامة (كالدولة، المحافظة، البلدية) مباشرة أو تحت رقابتها وإشرافها بهدف تحقيق النفع العام وبغض النظر عن نوع المرفق أو طريقة إدارته.
 أما عن الفقيه دوجي فيعتبره بأنه: "نشاط يتحتم على السلطة القيام به لتحقيق التضامن الاجتماعي."(3)
أما عن رولون بأنه: "ذو نفع عام يخضع للحكام ويستهدف إشباع حاجة عامة يعجز النشاط الفردي عن القيام بها."(4)، إلا أن تعريف دولوباردر للمرفق العام:" كل نشاط يباشره شخص عام بقصد إشباع مصلحة عامة." وهذا الأخير هو تعريف جامع مانع للمرفق العام يضمن القواعد و المبادئ ، وحتى الأنواع و مميزات المرافق العامة.(5) إذا  حسب هؤلاء  فمفهوم المرفق العام يقترن بإشباع الحاجات العامة بقصد تحقيق الصالح العام فالمصلحة العامة هي الدافع من وراء انشاء المرفق العام.
في حين يعتبر جانب من الفقه الجزائري من خلال تعريف المؤسسة العامة إلى أنها جزء أو حصة من المال العام مخصص من الدولة لتمويل نشاط معين لإشباع حاجة عامة و يدار بالإدارة المباشرة (6)، وهو تعريف حتى و إن أنكر صفة المرفق العام عن المؤسسة العامة إلا أنه أورد عناصر المرفق العام و هي نشاط محقق للمصلحة العامة ، إدارة أموال عامة بواسطة السلطة العامة .
إن المرفق العام يعرف في الدول الاشتراكية بأنه " مشروع يستهدف أداء نشاط ذو مضمون اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي يحقق المصلحة العامة و يكرس التطبيق الاشتراكي و تتولى السلطة العامة إدارته و تتضمنه الخطة العامة للدولة " .
من خلال هذا التعريف و بما أن الجزائر دولة اشتراكية فيمكن أن نحدد عناصر المرفق العام في الجزائر إلى وجود نشاط اجتماعي و اقتصادي تقدر السلطة أن أداءه يحقق مصلحة عامة بالمفهوم الاشتراكي أي تحقيق الحاجيات العامة والاستقرار و ديمومة النظام الاشتراكي القائم أساسا على الملكية الجماعية ، إن مفهوم المصلحة العامة في الجزائر له نطاق واسع جدا و بالتالي يتناسب و يتغير معه مفهوم المرفق العام بالقدر الذي تتسع و تضيق فيه المصلحة العامة ، ومنه المرفق العام الجزائري يبقى محتفظا بمفهوم المرفق العام كمشروع يؤدي خدمة عامة لكنه أوسع حجما من نشاطات المرفق العام التقليدي ليشمل كل صور الأنشطة التابعة للدولة .
تولي السلطة العامة تحقيق النشاط المرفقي و المصلحة العامة و إقصاء النشاط الفردي و لا يختلف الأمر إن تولته
الإدارة مباشرة أو بأجهزة محلية .
غير أن الفقه والقضاء عادة ما يلجؤون لتحديد تعريف المرفق العام إلى استعمال معيارين هما المعيار العضوي والمعيار الموضوعي.


الفرع الأول التعريف العضوي

يقصد بالمرفق العام حسب المعيار العضوي الهيكل أو الهيئة أو المؤسسة المتكونة من مجموعة من الأشخاص والأموال والأشياء الذي ينشأ ويؤسس لإنجاز مهمة عامة معينة مثل: الجامعة، المستشفى ووحدات وأجهزة الادارة العامة.(7) وبمعنى آخر أنه المنظمة التي تعمل على أداء الخدمات وإشباع الحاجات العامة ويتعلق هذا التعريف بالإدارة أو الجهاز الإداري(Cool
وفي تعريف آخر للمدلول العضوي للمرفق العام فإنه يبحث في الجهة القائمة على تقديم الخدمة ولذلك يعرف المرفق العام استنادا للمدلول العضوي الهيئة أو المنظمة أو الجهاز الذي يرتبط بالإدارة عضويا ويزاول النشاط المقصود بالمعنى السابق.
فالوزارات المختلفة والمحافظات والبلديات وغيرها من الهيئات العامة التي تنشأها الدولة تباشر نشاط يهدف الى تحقيق الصالح العام، رغم اعتماد القضاء فترة وجيزة على المعيار العضوي في الاستدلال على المرفق العام.(9)
إلا أنه تخلى عنه بسبب ظهور مرافق عامة ترتبط بالإدارة عضويا، ولكنها تقوم بنشاط لا يستهدف الصالح العام وإنما مصالح مالية أو تجارية بحته، وفي الوقت ذاته اعترف القضاء الاداري بإمكانية تولي أشخاص القانون الخاص إدارة مرافق عامة،فإن النشاط الذي يقوم به يستهدف تحقيق الصالح العام، وهذا يرجع في الحقيقة إلى كون التطابق بين المدلولين يكاد يكونا متكاملين لأن على الهيئات التي تنشأها الدولة يؤول نشاطها الى تحقيق النفع العام بيد أن المشروعات الخاصة تتولى إدارة مرافق عامة فأدت إلى قصور المعيار العضوي والاتجاه نحو المعيار الموضوعي ، ولذلك أتجه أغلب الفقهاء الى الجمع بين المعيار الموضوعي والعضوي حتى يتم يتم تعريف المرفق العام على أنه مشروع أو تنظيم يمارس نشاطا معينا وهذه الصفة غالبا ما تجمع بين المعيار الشكلي والموضوعي في نفس الوقت.
ومهما يكن فإن الفقه الذي يعتبر المعيار العضوي في تحديد المرفق العام ينظر إلى الجهة أو الجهاز القائم على النشاط فإذا كان إدارة عامة فيعد مرفقا عاما.


الفرع الثاني: المعيار الموضوعي (المادي أو الوظيفي)

يقصد بالمرفق العام حسب هذا النشاط أو الوظيفة أو الخدمة التي تلبي حاجات عامة للمواطنين مثل التعليم، الرعاية الصحية، البريد والمواصلات...بغض النظر عن المنظمة أو الجهة أو الهيئة القائمة (10)، أي هو كل نشاط يباشر به شخص عام بقصد إشباع حاجة العامة. (11)
كما يعرفه دوجي بأنه نشاط يتحكم على السلطة القيام به لتحقيق التضامن الاجتماعي وكذا لوبادار على انه: كل نشاط يباشر به شخص معنوي عام أو تحت رقابته مستعملا لنظام معايير القانون المشترك(12)
إذا فالمقصود بالمرفق العام حسب المدلول المادي واستنادا لأراء الفقهاء بأنه النشاط الذي تقوم به الدولة أو إحدى الهيئات العامة وتتجه به الى تلبية الحاجات العامة وتحقيق المصلحة العامة، أخد به كثير من الفقهاء بإعتباره ينظر الى النشاط الذي يهدف الى تحقيق النفع العام ويقدم خدمة عامة ويلبي حاجات عامة للأفراد(13)
كما أن هناك من الفقه الذي دافع عن المعيار المادي للمرفق العام ، كالأستاذ ميلايل الذي أكد على إرتباط المعيار العضوي بالنظام الليبرالي و المعيار المادي بالنظام الاشتراكي، و نجد في فرنسا أيضا كبلد ليبرالي أخذت بالمعيار العضوي لكن عدم كفايته جعل هناك استعمال للمعيارين : المادي و العضوي .
فتعريف المرفق العام وفق الاتجاهات الحديثة يتضح لنا من العرض المتقدم أن المرفق العام هو نشاط الهدف منه تقديم خدمة عامة وقضاء حاجة عامة للأفراد والمرفق العام هو كذلك نشاط يستهدف تلبية شأن عام، وهو ما يقارب نوعا ما الاتجاه الإشتراكي الرأسماليكالولايات المتحدة الأمريكية التي تتدخل في العديد من المجالات الاقتصادية من أجل استقرار هذه المشروعات


المطلب الثاني: خصوصية المرفق العام

إن بانتهاج الجزائر للنظام الاشتراكي تكفلت الدولة بالمرفق بالمعنى الواسع فأصبحت المؤسسة الاشتراكية هي المعبرة عن المرفق العام (14) و ضمت كل من الشركة الوطنية والمؤسسة العامة و أوجدت المؤسسة الاشتراكية ذات الطابع الاقتصادي ومنه اكتسى المرفق العام مهما كان نوعه صفة المؤسسة الاشتراكية و لكن و رغم أن المرفق العام كان و لا يزال الأسلوب الرئيسي للنشاط الإداري ، إلا أن لا مفهومه و لا استعماله يلقى رواجا و أهمية في الجزائر ، حيث قل استعمال عبارة المرفق خاصة في الفترة الممتدة بين 1962-1976  سواء تعلق الأمر بالأنظمة أو القوانين ، و أن يعبر عنه بعبارات : آلة ، جهاز ، هيكل ، مؤسسة و قليلة هي المؤسسة العمومية التي يعبر عنها صراحة بمرفق عام ، و بالتالي لم يأخذ المرفق العام مكانه و لا مدلوله المؤسساتي و لا كأسلوب قانوني ، و حتى الميثاق الوطني 1976 لم يشر صراحة للمرفق العام إلا مرة واحدة و بصفة عرضية(15)) و ذلك من خلال هدفه لبناء دولة جديدة تعتبر كآلة للتسيير و جهاز للإكراه .
و أصبح من خلالها أسلوب يعبر عنه بأجهزة إدارة الدولة نتيجة الأخذ بالمعيار العضوي لتحديد الاختصاص القضائي ، و طبقت المادة 7 م ق.إ.م تطبيقا حرفيا ، فكلما كان شخص اعتباري خاضع للقانون العام طرفا في التراع كان التراع إداريا ، و لم يدخل ضمن تعدادها المؤسسة العامة الاقتصادية ، إذا فالتراع إداريا كلما وجد شخص اعتباري في التراع ، أي المرافق العامة بمعناها الضيق ، و منه المنازعات الإدارية هي منازعات الإدارة .
وظل الأمر على حاله حتى التسعينات أين تفطنت الإدارة لأهمية المرفق العام و بدأ المرفق يلاقي اهتماما معتبرا منها ، و بدأت تظهر تعاريف من خلال قانون الولاية و البلدية لسنة 1990 و بدأ المرفق العام يستعيد مكانته و ذلك لاحتفاظه
بأسلوب المؤسسة العامة كأسلوب لتسيير وهي في ازدهار و انتعاش مستمرين رغم أنها من الأسلوب الليبرالي  وهو ما أثر علىيه وميزه عن غيره من المفاهيم الأخرى و أتخد خصوصيات ينفرد بها.


الفرع الأول: المرفق العام واستجابته للحاجات العامة

إن أساس ومبرر وجود أي مرفق عام هو تلبية الحاجات العامة للجمهور حيث تقوم الإدارة العامة بإنشاء المرافق العامة التي تقتضيها الحياة العامة للمواطنين تحقيقا للمصلحة العامة.
ويرى الفقيه دوجي أن الحاجات العامة هي النشاطات والخدمات التي يقدر الرأي العام وقت من الأوقات وفي دولة معينة أن على الحاكم القيام بها نظرا لأهمية هذه الخدمات للجماعات واعدم تأديتها على أكمل وجه بدون تدخل الحكام.
ويترتب على ذلك أن المرافق العامة إنما تقوم بتقديم خدماتها أصلا بصورة مجانية رغم ما تعرضه من رسوم لا ترقى أبدا الى مستوى سعر تكلفة الخدمة المقدمة مثل الرسوم الاستفادة من خدمات المستشفيات العامة، أو الدراسة بالجامعات أو الدخول للمتاحف(9)


الفرع الثاني: المرفق العام كمشروع تنسيق عام

يقتضي وجود مرفق عام إقامة تنسيق وتنظيم بين مكوناته المختلفة البشرية والمادية بالشكل الذي يسمح له بأداء دوره في تلبية الحاجات العامة وذلك من خلال إحداث أجهزة دائمة به مثل:مدير مجلس إدارة لجان...إلخ (17)
ويجب أن لا يكون الغرض المباشر من مباشرة النشاط مجرد تحقيق الربح فلا يمكن اعتبار المشروع الذي ينشأ بهدف تحقيق الربح مرفقا، هذه القاعدة خاصة بالمرافق العمومية الادارية (18)، أما فيما يخص المرافق العمومية الصناعية والتجارية فالإشكال يبقى مطروح من خلال اختلاف الرأي حوله، وهناك أراء تؤيد فكرة حقيقة الأسعار وهناك ممن يساند فكرة السعر المعادل ولاسيما في المجالات الهامة لتجنب التبذير والإفراط في الاستهلاك مثل الماء و الطاقة... ويهدف المرفق العمومي الى ضمان التموين بالغاز والكهرباء غيرها تحولت الى شركة سونلغاز من مؤسسة عمومية صناعية تجارية الى شركة أسهم بموجب قانون 02/01.
إن التغير القانوني الذي طرأ على شركة سونلغاز لا يعني أنها  تخلت عن مهمتها في تأمين المرفق العام ، فإذا كان الهدف من المعارف العامة هو تحقيق النفع العام لا الربح فلا يترتب على ذلك حتما وجوب تأدية خدمة عامة للجمهور إذا لا تستطيع السلطة العامة تتبعها الدولة في توزيع الأعباء فتتحمل الدولة كل نفقات المرفق ومن ثم تجعل الانتفاع بالمرفق مجانا.


الفرع الثالث: المرفق العام ذو صلة بالإدارة العامة

يرتبط المرفق العام بالإدارة العامة المركزية واللامركزية سواءا من حيث انشاءه أو تسييره وإدارته إلغاءه، فالمرافق العامة الوطنية إنما ترتبط بالسلطات المركزية والمرافق العامة المحلية تتبع وحدات الادارة اللامركزية البلدية، الولاية) وتخضع لوصياتها.
وعلى الرغم من المساهمة الأشخاص الخاصة (الأفراد) أحيانا في إدارة المرافق العامة فإن ذلك يبقى تحت إشراف ومراقبة الادارة العامة (19)، أي أن المرفق يتصف بصفة تميزه عن غيره وهي خضوعه للدولة وهو ما يترتب عليه أن لهذه الأخيرة وهيئاتها ممارسة جملة من السلطات على المرفق و هي من تحدد له نشاطه وهيكلته أو من حيث نشاطه.
فالدولة هي من تنشأ المرفق وهي من تحدد له نشاطه وقواعد تسييره وعلاقته بالجمهور المثقفين، ومن حيث بيان سبل الانتفاع ورسومه (السلطة على نشاط المرفق) والدولة هي من تضع التنظيم الخاص بالمرفق وتبين أقسامه وفروعه وتعين موظفين وتمارس الرقابة على النشاط وعلى الأشخاص (السلطة على المرفق كهيكل).


الفرع الرابع: خضوعه لإطار قانوني استثنائي

تعتبر عملية خضوع المرفق العام لنظام قانوني استثنائي وغير مألوف في مجال النظم القانونية للمشروعات والمنظمات الخاصة من الانشاء والتنظيم والتسيير و الرقابة والتوجيه، ومن حيث الالغاء والرفض والمنازعات تعتبر هذه العملية ركن وعنصر أساسي وجوهري من أركان المرفق العام.
والمقصود بالنظام القانوني الخاص الاستثنائي الذي يحكم المرفق العام هو مجموعة الأحكام والقواعد والمبادئ القانونية التي تختلف اختلافا جذريا عن قواعد القانون الخاص بصفة عامة وعن قواعد النظام القانوني الذي يحكم المشروعات الخاصة بصفة خاصة.
مادامت فكرة المرفق العام تلعب دورا أساسيا وحويا في تأسيس وجود القانون الاداري كقانون مستقل فكرة عن مستقل عن قواعد القانون الخاص مادامت فكرة المرفق العام هي وسيلة وأداة السلطة العامة في الدولة لتحقيق أغراض المصلحة العامة بالمفهوم الإداري إذا يخضع المرفق العام للنظام قانوني مخصوص واستثنائي ليتلاءم وينطبق عليه في انشاءه وتنظيمه وفي الالغاء وفي الرقابة عليه.(20)


المبحث الثاني: أنواع المرافق العامة

لقد كان للدولة وظيفة تقليدية وكانت أنشطتها محددة فكان التميز بين المرافق العامة و الأنشطة الفردية الخاصة أمر سهل و يتم تحديد نطاق عمل المرافق بكل دقة ، ذلك أن لكل منها مجال خاص و معروف .
لكن مع تطور وظائف الدولة و زيادة حجم مجالاتها و تدخلاتها و تعدد أنشطتها –خاصة بعد ظهور النظام الاشتراكي بدأ التقارب و الاحتواء يتسع بين القطاعات العامة و الخاصة ، خاصة بعد اقتحام الدولة لكل المجالات و الميادين وتدخلها،مما أدى إلى تنوعها وتعدد المرافق العامة.
ومما توضح لنا أن المرفق العام يقوم على نشاط سواء مارسته الأشخاص العامة أو تم اسنادها الى هيئات أخرى لممارسته، أن الغاية من القيام بهذا النشاط هو تحقيق المصلحة العامة،  أن يسعى هذا النشاط الى اشباع حاجات عامة، أن السلطة العامة هي التي تملك إضفاء صيغة النشاء العام فتوليه الاهتمام سواء باشرت إدارته بنفسها أو تحت رقابتها وإشرافها ومن ثمة فهي القائمة على المرفق العام.


الفرع الأول: المرافق العامة الإدارية

هي مرافق قديمة نسبيا والتي قامت على أساسها نظرية القانون الاداري في مفهومها الخاص الضيق، تتولى أداء الخدمات وبصفة منفردة مقصية بذلك كل تدخل أو نشاط فردي لأدائها في كل الدول و مهما كان نظامها السياسي أو الاقتصادي – ونقصد هنا خدمات : الأمن ، القضاء ، الصحة ، الدفاع ، التعليم وهي خدمات متعلقة بالسيادة – وهي مرافق تخضع لقواعد القانون العام في إدارتها (21) ، ولا يحق للإدارة اللجوء لقواعد القانون الخاص ولو بصورة استثنائية ، ويمكن تعريف المرافق الادارية بأنها تلك التي تتولى نشاطا لا يزاوله الأفراد عادة أما لعجزهم عن ذلك أو لقلة أو انعدام مصلحتهم ومن أمثلة المرافق الادارية مرفق الدفاع ومرفق الضبط ومرفق الصحة ومرفق التعليم وهذه المرافق كانت تمثل الوظائف الاصلية للدولة في الماضي حيث كان دورها يقتصر على حفظ الأمن من جهتي الخارج والداخل وإقامة العدالة بين المواطنين وأداء بعض الخدمات الضرورية لهم مع تركهم أحرار في ممارسة ما يشاءون من أنشطة وأعمال وتبادل ما ينتج عنها من سلع أو خدمات، وتخضع المرافق العامة الادارية كقاعدة عامة لأحكام القانون الإداري بل أن هذه المرافق كانت الأساس الذي بناءا عليه قامت نظريات وقواعد القانون الاداري في فرنسا وهي مهد القانون الإداري وتتمتع الادارة في ممارستها لنشاطها المتعلق بهذه المرافق بما يسمى بوسائل وامتيازات القانون العام.(22)
وكتعريف أدق يقصد بالمرافق الادارية التي تنشئها الادارات العامة لممارسة وظيفتها والمتمثلة في النشاط التقليدي للدولة في مجالات التعليم، الصحة، الدفاع، الأمن...
ويقصد بالمرافق الادارية أيضا أنها المرافق العامة التي تمارس نشاطا إداريا بحثا يدخل في صميم الوظيفة الادارية هذا النشاط الاداري الذي يختلف اختلافا جذريا وجوهريا في طبيعته عن النشاط الخاص للأفراد الامر الذي يستوجب ويحتم خضوع هذه المرافق العامة الادارية لنظام مخصوص واستثنائي هو نظام القانون الاداري الذي يختلف في قواعده عن قواعد القانون الخاص اختلافا كبيرا.


الفرع الثاني: المرافق العامة الاقتصادية والاجتماعية

ظهرت المرافق العامة نتيجة ازدياد تدخل الدولة في الحياة العامة خاصة في الميادين الصناعية والتجارية والتي هي أصلا من شؤون القطاع الخاص في الميادين الصناعية والتجارية والتي هي من شؤون القطاع الخاص فبالإضافة الى المرافق العامة الادارية توجد مرافق عامة اقتصادية وأخرى اجتماعية.(23)
فالمرافق العامة الاقتصادية حديثة نسبيا، ظهرت نتيجة لتطبيق النظام الاشتراكي في كثير من الدول ،والذي يسمح بتدخل الدولة اقتصاديا ومزاولتها لأنشطة كانت حكرا للأفراد في المجالات التجارية و الصناعية هي المرافق التي تتخذ موضوع نشاط تجاري أو صناعي مماثلا لنشاط الأفراد ونظرا لطبيعة نشاط هذه المرافق فإنها تخضع لأحكام القانون الخاص في حدود كبيرة دون أن يمنع ذلك من خضوعها لأحكام القانون العام باعتبارها نوعا من أنواع المرافق العامة(24) حيث أن المرافق العامة الاقتصادية من المرافق التي تخضع لنظام قانوني مختلط متكون من قواعد القانون العام و قواعد القانون الخاص وفيها يظهر التنافس الشديد بين القانونين في تسيير هذه المرافق ؛ غير أن قواعد القانون الخاص هي الأكثر استعمالا و أهمية و تحتل مكانا عاليا ، خاصة فيما يخص إدارة قدر كبير من عمليات المرفق و تشغيله ككل،أما المرافق العامة الاجتماعية فهي المرافق العامة التي تقوم بنشاط عام اجتماعيا وتستهدف تحقيق أهداف عامة اجتماعية ومن أمثلة هذه المرافق العامة مرفق الضمان الاجتماعية وبالتأمينات ومرفق الحماية الاجتماعية في الدولة ...  ويخضع هذا النوع لخليط من قواعد القانون الإداري وقواعد القانون الخاص .(25)

ثالثا: المرافق العامة الوطنية والمحلية

المرافق الوطنية وهي المرافق العامة التي تنشئها السلطات الإدارية المركزية(الوزارات)حيث تماس نشاطها على مستوى كافة أرجاء إقليم الدولة مثل: المدرسة الوطنية للإدارة المكتبة الوطنية، المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي. (26) أو بعبارة أخرى هي مجموع المرافق التي يمتد نشاطها ليشمل جميع إقليم الدولة مثال: مرافق الدفاع والأمن و البريد والقضاء ونظرا لأهمية هذا النوع من المرافق فإن أدارتها تلحق بالدولة. (27)
أما المرافق العامة المحلية فهي تلك المرافق العامة التي تنشئها وحدات الإدارة المحلية (البلدية و الولاية ) حيث تمارس نشاطها في الحيز الجغرافي لإقليم الوحدة المحلية مثل: مرفق النظافة، البلدية، الديوان البلدي للرياضة ،مؤسسة للنقل ألولائي(28) وينتفع من خدمات هذا المرفق سكان الإقليم كما تتولى السلطات المحلية أمر تسييره والإشراف عليه لأنها أقدر من الدولة.وأكثر منها اطلاعا ومعرفة لشؤون الإقليم فمثلا المادة 136 من قانون البلدية تعترف للبلدية بحق إنشاء مؤسسات عمومية بلدية تتمتع بالشخصية المعنوية، وكذا المادة 9 من نفس القانون ترخص للبلديات وفي إطار التعاون بينها لإنشاء مؤسسات عمومية مشتركة تتمتع أيضا بالشخصية المعنوية. هذا وجاءت قواعد قانون الولاية أكثر وضوحا عندما أجازت هي الأخرى للولاية إحداث مؤسسات عمومية ذات طابع إداري أو صناعي أو تجاري (المادة 126 إلى 129). وتجدر الإشارة أن المرافق الوطنية والمرافق المحلية ليست منفصلة انفصالا تاما بل كثير ما يحدث بينهما التعامل بما توجيه مقتضيات المصلحة العامة وبما يحقق النفع لجمهور لمنتفعين.(29)


خاتمة:

حقيقة أن الجزائر بدأت تكشف مرافقها العمومية تطورا كبيرا وإصلاحات مهمة ؛ و ذلك من أجل المحافظة على التماسك الاجتماعي و التطور الاقتصادي والصراع ضد التهميش ، خاصة بعد نقص تدخل الدولة وضرورة انسحاها من المسرح الاجتماعي و الاقتصادي ، لكي لا تعرقل مبادرة الخواص ، غير أن هذا التراجع للدولة سوف يمس بالدرجة الأولى المساواة والعدالة الاجتماعية و يخلق الفروق بين الطبقات الاجتماعية من حيث أن القطاع الخاص يقوم على مبدأ الفائدة والربح و المنافسة كوسيلة لتقديم أحسن الخدمات و ظهور بالتالي الاحتكار في كل المجالات و يقوم أساسا على مبدأ " أعطيني – أعطيك ".
لذا كان من الاحسن عدم إلغاء المرفق العام وإنما محاولة عقلنته و إعادة الثقة له بعدم تردها في أخذ القرارات الشجاعة و الحاسمة والصارمة في كل مواضيعها والابتعاد عن التخطيط السيئ للمشاريع وكذا عقلنة المساعدات المالية والزيادات المتكررة وغير النافعة للخدمات وعن جعل المرفق العام وسيلة لامتصاص البطالة، كذلك أن عدم ضبطها لنظامها القانوني - المرافق العامة - أدى لوجود صراع بين هذه المرافق العامة و تسابقها بدون حدود قانونية للخدمة العمومية فمثلا الصراع بين إدارة البلدية و الوكالة المحلية لتسيير و تنظيم العقاريين في مجال تسيير الحظيرة العقارية أي الخدمة العقارية هل هو للبلدية أو للوكالة مع العلم أنها مؤسسة عامة اقتصادية، مع إعطاء فرصة للقطاع الخاص ليمارس أقصى دور ممكن يستطيعه من دون تقليص دور القطاع العام في التنمية أو تحويلها كليا للقطاع الخاص من دون توفر المناخ السياسي و الاجتماعي المناسب له.

التهميش

1- محمد فاروق عبد الحميد – نظرية المرفق العام في القانون الجزائري بين المفهومين التقليدي والاشتراكي – ديوان المطبوعات الجامعية – الجزائر 1987 ص05.
2- Duguit , Droit Constitutionel « Tome 3 » ,10eme ,edition ,1923, P 43
3- Duguit , Droit Constitutionel ,op ,cit,p44
4- Duguit , Droit Constitutionel,op ,cit,p44
5- De Laubadere ,Traite de Droit Administratif  «  Tome 1 » ,8eme edition ,1980,P 06.
6- سليمان الطماوي ، مبادئ القانون الإداري،نظرية المرفق العام وعمال الإدارة العامة – طبعة2،سنة 1973 ص 198
7- Rene Chapus ,Droit administratif generale « Tome 1 » , 4eme edition ,1988 ,P 377
8- محمد جمال الذنيباتي، الوجيز في القانون الاداري، عمان، دار النشر، 2003،ص 140.
9- بعلي محمد الصغير، الوجيز في القانون الاداري، دار العلوم، 2009،ص206.
10- مازن راضي ليلو، القانون الاداري والمؤسسات الادارية، منشورات الاكادمية العربية، 2008،ص73.
11- محمد جمال الذنيباتي، المرجع السابق، ص 140.
12- بعلي محمد الصغير، المرجع السابق، ص206.
13- عمار بوضياف، الوجيز في القانون الاداري، جسور للنشر، 2005،ص106.
14- طاهر أوي هاني علي، القانون الاداري"ماهية القانون الاداري"،عمان، دار الثقافة للنشر، 2009، ص79.
15- محمد فاروق عبد الحميد ، مرجع سابق، ص 124.
16- محمد أمين بوسماح ، المرفق العام في الجزائر سنة 1995 ، ديوان المطبوعات الجامعية –الجزائر  1995  ص 17
17- محمد جمال الذنيباتي، المرجع السابق، ص 141.
18- طاهر أوي هاني علي،المرجع السابق،ص 80.
19- بعلي محمد الصغير، المرجع السابق، ص 208.
20- بعلي محمد الصغير، المرجع السابق، ص209.
21- حماد محمد شطا ، تطور وظيفة الدولة، نظرية المرفق العام ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر، ص 290.
22- عمار عوابدي، القانون الاداري"النشاط الاداري"،ج2 الطبعة الثالثة، 2005،ص 61-62.
23- محمد جمال الذنيباتي، المرجع السابق، ص 103.
24- بعلي محمد الصغير، المرجع السابق، ص 209.
25- عمار عوابدي , المرجع السابق , ص 63
26 - د.بعلي محمد الصغير المرجع السابق ص 211
27- د.عمار بوضياف الوجيز في القانون الإداري ص 171
28 - د.بعلي محمد الصغير المرجع السابق ص 212
29- عمار بوضياف المرجع السابق ص 171 .









avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى