الاطار التاريخي و المفاهيمي للمرفق العمومي

اذهب الى الأسفل

الاطار التاريخي و المفاهيمي للمرفق العمومي

مُساهمة من طرف Admin في السبت 29 يوليو 2017, 18:06


وزارة التعليم العالي و البحث العلمي
جامعة الجيلالي بونعامة خميس مليانة
كلية الحقوق و العلوم السياسة
قسم الحقوق 

الأستاذ: حميس معمر
أستاذ مساعد قسم "أ" بقسم الحقوق
جامعة خميس مليانة  
مداخلة للمشاركة في الملتقى الدولي المنظم من طرف
مخبر الحالة المدنية لجامعة خميس مليانة تحت عنوان
المرفق العمومي في الجزائر ورهاناته كأداة لخدمة المواطن
يومي 22و23 أفريل 2015
عنوان المداخلة  : الاطار التاريخي و المفاهيمي للمرفق العمومي
التطور التاريخي للمرفق العمومي،مفهومه،انواعه و المبادئ التي يقوم عليها المرفق العمومي 
مقدمة
  لقد ظهرت الدولة في بدايتها كشخص يتمتع دون سواه بامتيازات السلطة  العامة ، قادر بمفرده على رعاية و تنفيذ و تحقيق متطلبات الجمهور من خلال انشاء مرافق عامة تعود منافعه عليه ، إلا أنها  لعبت دورا رئيسيا فقط في تحقيق الأمن الداخلي والخارجي وإقامة العدل بين الناس دون أن يحق لها التدخل في باقي الشؤون ، و هذا ما عرف بمفهوم الدولة الحارسة  Etat gendarme  ، و الحقيقة أيا كانت وظائف الادارة و مهامها، فإن نشاطها ظل مرصودا لخدمة الجمهور و إلا لماذا عمدت السلطة العامة الى تزويد الادارة بالجانب البشري و الجانب المادي و احاطتها بترسانة قانونية لأجل القيام بهامها المنوطة بها.
 لكن و بسبب المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي برزت في أواخر القرن التاسع عشر ، تخلت الدولة عن دورها كدولة حارسة ، لأنها لم تستطع الوقوف موقف سلبي إزاء الأزمات التي يعاني منها المواطنين ، فبرز مفهوم دولة الرعاية Etat providence ، و كان لذالك تأثير على المفهوم التقليدي لفكرة المرفق العام والذي كان يقتصر على المرفق العام الإداري ويدار من طرف الشخص العام فقط ، و ظهر ما يعرف بالمرافق العامة الاقتصادية والاجتماعية والتي يجوز إدارتها عن طريق أشخاص القانون الخاص.
ان فكرة المرفق العام الذي تعد المظهر الايجابي لنشاط الادارة سواء تولته الادارة بنفسها او عن طريق الاشتراك مع الافراد فالهدف يبقى واحدا هو اشباع الحاجيات العامة للأفراد كما و ان فكرة المرفق العام تظل احد ابرز موضوعات القانون الإداري لذا وجب علينا البحث حول الاطار التاريخي و المفاهيمي للمرفق العمومي و حتى تتجلى فكرة المرفق العمومي بشكل جلي و نستطيع الخوض في اغوار المرفق العمومي من خلال اعتباره اداة لخدمة المنفعة العامة للجمهور .
  
المبحث الاول: التطور التاريخي لفكرة المرفق العام   
         لقد نشأت فكرة المرفق العام في العصور الوسطى ، وبدأت تتبلور خلال الفترة الممتدة من بروز النهضة وبداية الثورة الصناعية، وأخذت مفهومها التقليدي في ظل شيوع الدولة الحارسة، ثم عرفت مشاكل خلال مفهوم دولة الرعاية، لذا سيتم تقسيم الدراسة الى ثلاثة محطات تاريخية أساسية الأولى فكرة المرفق العام في العصور الوسطى، ثم في إطار الثورة الفرنسية، ثم في إطار مفهوم الدولة الحارسة ودولة الرعاية، لنسلط الضوء في الأخير على المرافق العامة في الواقع المعاصر.

المطلب الاول: فكرة المرفق العام في العصور الوسطى 

        انتشر في العصور الوسطى نظام الإقطاع، إذ أن رجال الإقطاع امتلكوا الأراضي وهيمنوا على الثورة الزراعية، وقد وجد في هذا النظام بعض المرافق العمومية البسيطة التي يحتاج اليها الفلاحون في حياتهم اليومية كالطواحين، والأفران التي كانت مملوكة من قبل رجال الإقطاع وقد كان رجال الإقطاع يمنحون هذه الخدمات للفلاحين مقابل رسوم، وسرعان ما عرف هذا الوضع تطورا مع بداية القرن الحادي عشر أين تجمعت تجمعات خارج هيمنة الإقطاعية، والتي أدركت ضرورة إنشاء المرافق العامة التي تحقق المصلحة العامة الجماعية مثل حراسة الأسوار وصيانة الطرق، وخضعت هذه المرافق للأعراف وبعض الأسس الفقهية المستمدة من أعمال القانونيين الروماني والكنسي، ومن أهم هذه الأسس فكرة ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة .
         ومع ظهور الدولة الملكية في القرن الخامس عشر تركزت النظرية السياسية في شخص الملك وخدمة الملك الذي كان سببا لإنشاء عدة مرافق عامة، كمرفق البريد من أجل تسهيل اتصال الملك مع مختلف الأقسام الملكية ، أما عن العالم العربي آنذاك برزت بعض المراق العمومية في العصور الوسطى كالصحة والتعليم .
وعليه فان العصور الوسطى عرفت المرفق العام كمفهوم سواء في إطار الإقطاع أو النظام الملكي، أو في بعض الدول العربية لكن ذلك كان بصفة محتشمة وليس بمفهومه الحديث.

المطلب الثاني: فكرة المرفق العام في إطار الثورة الفرنسية

         لقد كان أول ظهور لمصطلح المرفق العام عقب الثورة الفرنسية، وكان في البداية يدل على عدة مفاهيم، فتارة يعني الخدمة العامة، وتارة مهمة تهدف الى المصلحة العامة، وتارة أخرى هيئة تؤدي خدمة عامة الى المواطنين كالبريد .
      ولقد نتج عن الثورة الفرنسية الأسس الفقهية لفكرة المرفق العام، إذ أنه بدأ يبرز الفصل بين الحكام والدولة، فالحكام مجرد ممثلين للدولة، وما يمكن استنتاجه من خلال هذه المرحلة أن فكر الثورة الفرنسية رسخ الأفكار التي كانت سائدة في الأنظمة السابقة والمتعلقة بالمرفق العام، وأكد على أن فكرة المرفق العام لا يمكن فصلها عن الدولة الحديثة والقانوني الإداري .

المطلب الثالث: فكرة المرفق العام في إطار الدولة الحارسة ودولة الرعاية

          بعد الثورة الفرنسية تكرس مفهوم الدولة الحارسة، وتكرس معه تبلور المفهوم التقليدي لفكرة المرفق العام، فأصبح المرفق العام هو أساس القانون العام ومعيار تطبيقه، وقد أكد على ذلك العديد من القرارات القضائية وتبناه مجموعة من الفقهاء الذين أسسوا مدرسة المرفق العام، غير أنه سرعان ما عرف هذا الوضع تغييرا مع تطور مفهوم الدولة الحارسة، الشيء الذي أدى الى ظهور مفهوم جديد للدولة تمثل في مفهوم دولة الرعاية ، لذا من خلال هذه النقطة سنتناول أولا فكرة المرفق العام في إطار الدولة الحارسة، ليتم بعدها التطرق الى فكرة المرفق العام في إطار دولة الرعاية.


الفرع الاول: فكرة المرفق العام في إطار الدولة الحارسة

          اقتصر دور الدولة وفقا لمفهوم الدولة الحارسة على  تحقيق الأمن الداخلي الدفاع وإقامة العدل بين الناس ولا يحق للدولة أن تتدخل في المجالين الإقتصادي والإجتماعي، وعليه تترك الدولة للأفراد تدبيرهم بأنفسهم وينحصر دور الدولة في تنظيم سلوك الأفراد والحفاظ على النظام العام، وتقوم الدولة بوظائفها في هذا المجال من خلال إنشاء المرافق العامة كالشرطة والجيش والقضاء والسجون، وهذه المرافق تقوم بها الدولة بصفتها صاحبة سيادة ولا يمكن للأفراد القيام بها، كما أنه لا يمكن للدولة القيام بالأنشطة الإقتصادية والإجتماعية المتروكة للأفراد، وعليه فان المرافق العامة آنذاك اقتصرت على المرافق الإدارية التي تخضع للقانون العام وللقضاء الإداري . 
      ولقد كان لقرار "بلانكو" الشهير الصادر عن محكمة حل الخلافات الفرنسية الفضل في صياغة العديد من المبادئ في مجال القانون الإداري، إذ أن هذا القرار لا يعد قرارا يفصل في منازعة عادية، وإنما اعتمده مجموعة من فقهاء القانوني الإداري لاستخلاص عدة قواعد في مجال القانوني الإداري ، ولعل على رأس هؤلاء الفقهاء الفقيه "ديجي" والذي كان له الفضل في إنشاء مدرسة المرفق العام، واعتبرها معيارا في تحديد اختصاص القضاء ألإداري فالعميد "ديجي" يرى أن الدولة لا تفرض على المواطنين القواعد إلا بمقدار ما تتطابق مع القواعد الموضوعية، وعملها مقيد لأن سلطة الحكام محدودة بنشاط المرفق العام وكل عمل له هدف اخر لا قيمة له، وعليه فان المرفق العام هو كل نشاط يكون انجازه منظما وتحت رقابة السلطة، ولا يمكن تحقيقه إلا بتدخل السلطة، ولا ينشأ بقرار وإنما يستنتج بشكل موضوعي  ،ولقد سئل الفقيه "ديجي" عن النشاطات التي يمكن وصفها بالمرافق العامة فرد قائلا : أنه لا يمكن اعطاء جواب ثابت لأنه يوجد شيئ ما يتغير  بصورة اساسية ، كل ما يمكن قوله هو انه بقدر نمو المدنية يزداد عدد النشاطات القابلة لان تستخدم كأساس للمرفق وينمو بالتالي عدد المرافق.
وعليه ترى مدرسة المرفق العام أن المرفق العام نشاط يهدف الى تحقيق المصلحة العامة، ويدار من طرف شخص عام، ويخضع لقواعد القانون العام (القانون الإداري)، كما يخضع لاختصاص القاضي الإداري.
لكن سرعان ما تخلت الدولة عن دورها كدولة حارسة بسبب المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي برزت في أواخر القرن التاسع عشر، أين أصبح لا يحق لها التدخل في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، أين ظهر مفهوم جديد للدولة ألا وهو مفهوم الدولة الرعاية، والذي كان له تأثيرا على مفهوم المرفق العام  .


الفرع الثاني :فكرة المرفق العام في إطار الدولة الرعاية

         إن الظروف الاقتصادية التي سببتها الحرب العالمية الأولى حملت الدولة على التدخل، وبدأت المرافق العامة الاقتصادية بالظهور، وبعد الحرب العالمية الثانية تأكد ظهورها بصورة واسعة، وأديرت إما بطريقة مباشرة، وإما بإعطائها لأحد أشخاص القانون الخاص في شكل امتياز، وعليه أصبحت هذه المرافق تخضع لقواعد القانون الإداري والتي تحدد القواعد العامة والأساسية للمرفق العام الاقتصادي، وللقانون الخاص والذي ينظم العلاقات بين أفراد القانون الخاص، وكان لذلك أثرا على الاختصاص القضائي إذ عرفت المنازعات في هذا النوع من المرافق تنوع من حيث الاختصاص فمنها من اختصاص القاضي الإداري ومنها من اختصاص القاضي العادي، وهذا ما أكده قرار الصادر عن مجلس الدولة الفرنسي "Bac d’Eloka"   ، والذي قرر اختصاص القاضي العادي في منازعة متعلقة بمرفق عام إقتصادي، وعليه فقد تم العدول على الفكرة التقليدية والتي كانت تتضمن أن المرفق العام يدار من شخص القانون العام، وأنه يخضع بالضرورة للقضاء الإداري.

 المطلب الثالث: فكرة المرفق العام في إطار الدولة الحديثة

          في إطار الدولة الحديثة وبروز مفاهيم جديدة خاصة منها العولمة وانفتاح الدول على بعضها البعض، أصبحت الدولة ملزمة على تحيين المفهوم التقليدي لفكرة المرفق العام، أين أصبحت الدولة عاجزة عن تلبية كل متطلبات الحياة، لذا كان لا بد عليها من تحديث المرفق العام، وعليه ظهرت شراكة حقيقية بين القطاع العام والقطاع الخاص، أين حلت المشاريع الخاصة محل الجماعات العامة، وقد أصبح التمييز التقليدي بين المرفق العام الإداري الذي لا يجوز إدارته الا بطريقة مباشرة من طرف الدولة، والمرفق العام الاقتصادي أو الاستثماري الذي يمكن أن يدار من طرف أشخاص القانون الخاص، غير موجود وذلك لأنه أصبح للشخص المعنوي العام أن يستعين بأشخاص القانون الخاص من أجل إدارة مرفق عام إداري، وهذا ما برز من خلال قرار "Terrier"  ، أين اعترف مجلس الدولة الفرنسي بإمكانية التنازل عن إدارة مرفق عام إداري لفائدة الخواص، كما ظهرت وسائل حديثة في إدارة المرفق العام، وقد قامت الدولة أيضا بالتنازل عن بعض المرافق العمومية الاقتصادية لفائدة الخواص بموجب نصوص قانونية خاصة .
 
 المبحث الثاني: الاطار المفاهيمي للمرفق العمومي 
 المطلب الاول: تعريف المرفق العام

          لم يقدم فقهاء القانون الإداري تعريف محدد لفكرة المرفق العام، إذ أن الفقه قدم تعريفات عديدة للمرفق العام، فهناك من يركز تعريفه للمرفق العام على الجانب العضوي أو الشكلي، ويعرف هذا الجانب من الفقه المرفق العام على أنه إدارة أو مؤسسة محددة، والاتجاه الثاني يركز على الجانب المادي أو الموضوعي، ويعرف هذا الجانب من الفقه المرفق العام على أنه نشاط إداري يهدف الى تحقيق هدف أو مصلحة عامة ،  ولعل أرجع التعريفات هي التي تعتمد على المعيارين معا، إذ انه سواء كان نشاط أو إدارة فإذا كان يهدف للمصلحة العامة فانه يحمل مواصفات المرفق العام، ونظرا لعدم إمكانية وجود تعريف محدد سيتم خلال هذا الفرع دراسة عناصر المرفق العام والمكونة للتعريف والمتمثلة في العنصر الوظيفي، العنصر العضوي،  وسيتم تفصيل كل عنصر من هذه العناصر على الشكل التالي:

الفرع  الاول: العنصر الوظيفي- ممارسة نشاط يحقق المصلحة العامة-

           إن المرفق العام يعني ممارسة نشاط يحقق المصلحة العامة، وقد يستعمل مصطلح المرفق العام ليس للدلالة فقط على  النشاط أو المهمة المحققة وإنما للدلالة على الهيئة التي تتولى إدارته، وعليه فان المرفق العام يتضمن المعنى الوظيفي والمعنى العضوي معا، غير أن للمعنى الوظيفي أرجحيه على المعنى العضوي، لا سيما وأن الفقه والقضاء يستعملان بصورة متكررة عبارة (مهمة المرفق العام)، وهذا ما يجعل المرفق العام نشاط أكثر منه إدارة أو الهيئة المكلفة بالمرفق العام  .
      لذا فان المرفق العام يهدف الى إشباع الحاجيات العامة للأفراد عن طريق أداء خدمات تأخذ أشكال متعددة، يمكن أن تكون مادية كتوزيع البريد أو اجتماعية كصناديق الضمان الاجتماعي، أو تربوية كالتعليم، أو خدماتية كتوزيع الماء والكهرباء، وعليه فان المفهوم التقليدي للإدارة يشمل نشاطين الضبط الإداري الذي يشمل الأنظمة المتعلقة بالنظام العام، والمرفق العام يشمل الخدمات التي تؤدي الى اشباع الحاجيات العامة، وعليه فان كل نشاط مرفق عام يهدف الى تحقيق المصلحة العامة، وليس كل نشاط المصلحة العامة هو نشاط مرفق عام، لوجود بعض أشخاص القانون الخاص مثلا يهدفون للمصلحة العامة، لكن نشاطهم لا يعد مرفق عام، كما أن من شروط المرفق العام أن لا يهدف لتحقيق ربح لتعارض الربح مع فكرة المصلحة العامة  .
      من خلال ما سبق لا بد من تحديد مفهوم المصلحة العامة التي يهدف لها المرفق العام والتي لها مفهوم متغير، لارتبطاها بالتطورات الاقتصادية والسياسية للدولة، وهي تشكل الإطار الذي يحدد مشروعية الدولة ، ولقد تأثر مفهوم المصلحة العامة بتطور دور الدولة، ففي ظل مفهوم الدولة الحارسة مثلا كان مفهومها ضيقا ومتطابقا مع النظام العام، ويمكن تصنيف المصلحة العامة على أساس مجال نشاط الدولة الى ثلاثة أنواع: المصلحة العامة القومية التي ترتبط بوظائف الدولة الأساسية كالنشاط الدبلوماسي والأمن الداخلي والخارجي، والمصلحة العامة الإدارية والهي تلك التي لا تتطابق مع المصلحة القومية إلا أن السلطة العامة تعتبرها مصلحة بإرادتها وتسعى لتحقيقها كمكافحة البطالة، والمصلحة العامة المستحدثة وهي تلك التي ترتبط بالميدان الاقتصادي والاجتماعي  .

الفرع الثاني: العنصر العضوي-ارتباط المرفق العام بشخص عام-

          يوجد ارتباط ثابت بين المرفق العام من ناحية، وأحد أشخاص العام من ناحية أخرى، مهما كان نوع المرفق أو طريقة إدارته، وعليه فأي نشاط يوصف بأنه نشاط  عام يفترض وجود هذا الارتباط الذي ينبع من أي شخص عام، الذي يحدد الحاجات العامة ويجعل اشباعها نشاطا يحقق المصلحة العامة، وفي نهاية المطاف يجعل هذا النشاط موضوع المرفق العام، غير أن هذا الارتباط ارتباط نسبي يختلف باختلاف ادارة المرفق العام، فيكون مباشرا في حال إدارة المرفق العام من قبل شخص عام، ويكون غير مباشر في حال إدارته من قبل شخص أو هيئة خاصة . 
         على اية حال يبقى مفهوم المرفق العام يتراوح بين المعنيين العضوي و الوظيفي، و في المزج بين المعنيين نحدد التعريف الاتي:" المرفق العام هو نشاط نشاط تباشره سلطة عامة بقصد الوفاء بحاجات عامة للجمهور".   
  
المطلب الثاني: تصنيف المرفق العام  

      عرف المفهوم التقليدي للمرفق العام نوع واحد من المرافق العامة وهو المرفق العام الإداري، لكن مع التطور الذي شهده مفهوم الدولة ظهر نوع جديد من المرافق العمومية وهو المرفق العام الاقتصادي ثم ظهر المرفق العام الاجتماعي ، إذ سرعان ما اختفى هذا النوع من المرافق العمومية ، لذا سيتم خلال هذا الفرع التطرق أولا إلى المرفق العام الإداري، ثم المرفق العام الاقتصادي، ثم إلى ظهور وغياب التصنيف الاجتماعي للمرافق العامة، ليتم في الأخير التطرق إلى التمييز بين المرافق العامة الإدارية والمرافق العامة الاقتصادية.


الفرع الاول: المرفق العام الإداري  

         المرافق العام الإدارية هي المرافق المتصلة بوظائف الدولة السيادية، وهي تتضمن الأنشطة التي لا يمكن أن يتم مزاولتها من طرف الأفراد، ونظرا لأهمية هذه المرافق فلا معنى للدولة بدونها، كما أن الدولة تتولى تسييرها مهما كان النظام السياسي السائد في تلك الدولة ، ولم يتمكن الفقه من تعريف المرفق العام الإداري وقد عرفها عن طريق الاستبعاد على أنها المرافق العامة التي لا تقوم بنشاط له طابع تجاري وصناعي ولا تمول عن طريق موارد ناتجة عن بيع إنتاجها ولا تخضع لمبدأ التوازن المالي ، وتخضع المرافق العامة الإدارية لأحكام القانون الإداري ولاختصاص القاضي الإداري فيما يخص تنظيم المرفق، وهذا لا يعني أن القانون الخاص لا يطبق على مثل هذه العقود إذ أنه يمكن تصور تطبيقه على المستفدين من المرفق العام، الموظفون المتعاقدون الخاضعون لأحكام قانون العمل .

الفرع الثاني: المرفق العام الاقتصادي

          المرافق العامة الاقتصادية هي تلك المرافق التي تقوم بنشاط تجاري أو صناعي، وهي عادة تؤدي خدمات للأفراد لقاء أجر وهي تمارس نشاط مماثل لنشاط الذي تمارسه المنشآت الخاصة الصناعية أو التجارية، وقد ذهب مجلس الدولة اللبناني الى أنه يوجد استقرار على أنه لكي تعتبر مؤسسة عامة تجارية أو صناعية يجب أن تكون الأعمال التي تقوم بها مشابهة لتلك التي تجريها المؤسسات الخاصة، وأن تتقاضى بدلا عن الخدمات، وأن يراعى فيها العرف التجاري، وتحقق الربح ، كما أن إدارة المرفق العام من طرف شخص من أشخاص القانون العام لا يعني بالضرورة أن المرفق مرفق عام، بل يمكن لأشخاص القانون العام إدارة مرافق عامة اقتصادية .

الفرع الثالث: ظهور وغياب التصنيف الاجتماعي للمرفق العام

           لقد ظهر التصنيف الاجتماعي للمرفق العام في قرار "نالياتو" الصادر عن محكمة حل الخلافات الفرنسية في عام 1955، حيث اعتبرت التجمعات الترفيهية  المنظمة من قبل الدولة مرافق عامة بسبب هدفها الاجتماعي، وقد أخضعها للقضاء العادي، لكن فكرة المرفق العام الاجتماعي لم تعرف تطورا وسرعان ما عزل القضاء الفرنسي عنها، خاصة بموجب قرار "جامبيني" الذي تخلى صراحة على اعتماد فكرة المرفق العام الاجتماعي كمعيار لتطبيق القانون الخاص .
وفي ختام هذه النقطة نقول أن التصنيف الصحيح للمرفق العام هو تقسيمه لمرفق عام إداري ومرفق عام اقتصادي، وهذا لا يعني عدم وجود مرافق عامة اقتصادية أو ثقافية لكنها هذه المرافق العامة لا تشكل تصنيفا قانونيا متميزا، إذ أنها تخضع للقانون الخاص أو القانون العام حسب الحالة.
الفرع الرابع:  تمييز المرافق العامة الإدارية عن المرافق العامة الاقتصادية
         إن تحديد التمييز بين المرفق العام الإداري عن المرفق العام الاقتصادي أمر مهم وذلك لتحديد القانون الواجب التطبيق والقضاء المختص في حالة المنازعة، لكون المـــــرفق الإداري يخضع للقــــــــانون الإداري، ولاختصاص القاضي الإداري في حين تخضع المرافق العامــــــة الاقتصادية لأحكام القانون الخاص، ولاختصاص القاضي العادي، و عليه سنتطرق الى الى ثلاثة معايير شائعة لتحديد الفرق بين المرافق العامة الادارية و المرافق الاقتصادية و هي معيار النظام القانوني، معيار الغاية و معيار طبيعة النشاط.
أولا :معيارالنظام القانوني للمرافق العام  
         ويقصد بالنظام القانوني للمرافق العامة مجموعة القواعد والمبادئ التي تطبق على جميع المرافق العامة ويتضمن على وجه الخصوص إنشاء وإلغاء المرافق العامة والمبادئ العامة التي تخضع لها، كما  وأن خضوع المرافق العامة الادارية لقواعد القانون العام و خضوع المرافق الاقتصادية لقواعد القانون الخاص نتيجة طبيعية تترتب على الاعتراف بالطابع الاداري و الاقتصادي للمرفق، و من ثمة لا يمكن الاعتماد عليه كمعيار للتمييز بين المرفق الاداري و الاقتصادي .
ثانيا: معيار الغاية 
         رأى جانب من الفقه ان أداة التميز بين المرافق الادارية و المرافق الاقتصادية يكمن في أن هذه الأخيرة تبتغي في نشاطها تحقيق الربح خلافا للمرافق الإدارية، لكن اذا اخذنا معيار تحقيق الربح من عدمه هو نتيجة مترتبة على طبيعة المرافق الاقتصادية، كما وان المرافق الادارية تتقاضى رسوما لقاء قيامها بخدمة للجمهور لهذا اعتبر هذا المعيار قاصرا للتمييز بين المرفقيين الاقتصادي و الاداري.
ثالثا: معيار طبيعة النشاط  
       هو كثر المعايير شيوعا بالنظر لدقته ويقوم هذا المعيار على اساس طبيعة النشاط الذي يزاوله المرفق و مفاده هو انه اذا كان المرفق يمارس نشاطا يعتبره القانون التجاري عملا تجاريا كما لو قام به الأفراد عد هذا المرفق اقتصادية، وإلا فهو مرفق عام اداري و قد تبنى هذا الراي كبار فقهاء القانون الاداري. 
 
المطلب الثالث:إنشاء وإلغاء المرافق العامة   

        تقتضي القاعدة التقليدية أن إنشاء المرافق العامة يكون من اختصاص السلطة التشريعية، وقد أخض بهذا المبدأ فرنسا قبل صدور دستور الجمهورية الخامسة، وذلك على أساس أن إنشاء مرفق عام ما من شأنه فرض امتيازات السلطة العامة وبذلك الحد من حريات الأفراد، لكن سرعان ما عدل المؤسس الدستوري من موقفه أين سمح بإنشاء بعض المرافق العامة عن طريق السلطة التنفيذية، وهذا بموجب دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية،   و في ما يتعلق بالجزائر فإن السلطة التنفيذية هي التي تتولى إنشاء و تنظيم المرافق العامة أي أن الدولة في حد ذاتها هي التي تقوم بهذا الإنشاء و التنظيم من منطلق أن إنشاء المرافق العامة يدخل في إطار صلاحيات الدولة التي يخولها لها الدستور.
و ترتيبا على ذلك فقد تم إنشاء العديد من المرافق العامة عن طريق مراسيم و أوامر هذا على الصعيد الوطني، أما على المستوى المحلي فإن الجماعات المحلية تقوم بإنشاء المرافق العامة حسب النصوص الواردة في قانوني الولاية والبلدية  .
      وبخصوص إلغاء المرافق العامة فانه يخضع منطقيا لقاعدة توازي الأشكال فان الغاءه يتم وفقا لنفس طريقة الإنشاء، فبالنسبة للدول التي تعتمد على الإنشاء عن طريق قانون فان الالغاء يكون في شكل قانون في حين أن الدول التي تعتمد على الانشاء من طرف السلطة التنفيذية فان الالغاء يكون بنفس الشكل.

المطلب الرابع: المبادئ التي تحكم المرافق العامة

     تخضع المرافق العامة كافة لمبادئ عامة تهدف الى حسن سيرها، باضطراب وانتظام وتمكينها من إشباع حاجات المواطنين وتحقيق المصلحة العامة، من هذه المبادئ ما هو تقليدي كرسه القضاء الفرنسي منذ القدم ومنه ما هو حديث ولعل أهم المبادئ مبدأ المساواة، الاستمرارية، قابلية أنظمة المرفق العام للتغيير، والتوازن المالي كما تجدر الإشارة الى وجود مبادئ أخرى لم يتم التطرق لها من خلال هذه المذكرة لعدم وجدود علاقة بينها وبين موضوع المذكرة ويتم شرح هذه المبادئ كما يلي:


الفرع الأول: مبدأ المساواة

      لقد كرست مختلف دساتير العالم وإعلانات حقوق الإنسان العالمية، هذا المبدأ وهو مبدأ المساواة أمام المرافق العامة، وهذا المبدأ منبثق ومتفرع من مبادئ أخرى كمبدأ المساواة في تولي الوظائف العامة، ومبدأ المساواة أمام تحمل الأعباء العامة وهذا المبدأ هو الذي يهيمن على تشغيل المرافق العامة  .
ويقتضي هذا المبدأ المساواة بين المنتفعين بخدمات المرافق العامة وذلك بتمكين لمواطنين جميعا من الحصول على خدمات المرفق العام بالتساوي بينهم في الحقوق والواجبات، غير أن ذلك لا يقف حائلا في عدم المساواة بين الأشخاص الذين ليسوا في مراكز قانونية مماثلة، فمثلا تعرفة المياه لا تكون متساوية بين كل الأشخاص لان الاختلاف في التعريفة اختلاف كلفة التمديد بالماء، واختلاف شروط الاستثمار.

الفرع الثاني: مبدأ الاستمرارية

        أساس مبدأ الاستمرارية يكمن في تمكين المرفق العام من إشباع الحاجات العامة للمواطنين دون انقطاع وعلى السلطات الإدارية تأمين تشغيل المرافق العامة بصورة منتظمة، غير أن مبدأ الاستمرارية يختلف تطبيقه من مرفق لأخر فبعض المرافق تتطلب التشغيل الدائم والمتواصل كمرفق إطفاء الحرائق ومرفق الإسعافات الطبية، في حين أن بعض المرافق تتطلب الدوام المستمر خلال أوقات العمل، ويعود للقاضي السلطة التقديرية تحديد مضمون الاستمرارية بشكل يسمح للمواطنين من الحصول على خدمات المرفق العام  ،و لعل أن حظر الإضراب وتحديد من ممارسته بموجب القوانين الداخلية للدول مثل ما فعل المشرع الجزائري بموجب قانون الوظيف العمومي وقانون العمل وبعض القوانين الخاصة يجد مشروعيته من خلال هذا المبدأ، وهذا ما استقر عليه اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي في كثير من القرارات القضائية، واعتبر مجلس الدولة الفرنسي أن الحكومة مسؤولة عن حسن تشغيل المرافق العامة لذلك عليها أن تضع ضوابط ممارسة حق الإضراب بشكل يجنب الإساءة في استعماله والإضرار بالنظام العام  .
 
الفرع الثالث: مبدأ قابلية أنظمة المرفق العام للتغيير

        هذا المبدأ يعني إمكانية تعديل القوانين واللوائح التي تنظم المرافق العامة، بهدف تمكين المرفق العام من مواكبة التطورات العصر والوسائل والطرق الفنية المستحدثة، وكذلك لحماية المبادئ الأخرى التي يقوم عليها المرفق العام فكلما كانت ضرورة حماية مبادئ المرافق العامة، لا بد من التدخل لكي يتم حماية الاستمرارية أو المساواة مثلا، وهذا التعديل يكون في مواجهة كل المتدخلين في المرفق العام من منتفعين من المرفق،  وموظفي المرفق  ، كما أن هذا المبدأ يعطي المرفق العام مرونة يقتضيها تحقيق المصلحة العامة والتي من الصعب تحديدها مسبقا لأن مفهومها متغير بتغير المكان والزمان، وعلى السلطات الإدارية تشغيل المرفق العام وفقا لمقتضيات المصلحة العامة، وهذا يتطلب الاستجابة لمطالب المواطنين وإشباع حاجاتهم، وتعديل أنظمة المؤسسة بصورة دورية لتحقيق ذلك  .   

الخاتمة: 

 بعد استعراض اهم النقاط الاساسية التي استوجب ذكرها بشيء من التفصيل حول محور الاطار التاريخي والمفاهيمي للمرفق العمومي، نجد أنه بات من الضروري إيلاء كل الاهمية للمرفق العمومي سواء  الاداري أو الاقتصادي،  على الرغم فتوة فكرة المرفق العمومي التي لم تتجلي إلا في نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين ، فالمصلحة العامة لم تعد حكرا على الوظيفة الادارية فقط بل حتى المؤسسات التي تسيرها الدولة و تكون غايتها تجارية بحته كالمؤسسات الاقتصادية و حتى الوظائف التي يمارسها الاشخاص العاديون، المهم كيف نرتقي بخدمة و اشباع الحاجيات العامة للجمهور و نضمن استمرارية تقديم هذه الخدمة في ظل التحديات التي يواجها المرفق العام كأداة لخدمة العامة.

قائمة الهوامش


1 -مروان محي الدين قطب،طرق خصخصة المرافق العامة،دراسة مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الاولى،سنة 2009،لبنان، صفحة 15 .
2-J-f; O.raymundie: Le service public. Edition Le moniteur. Paris .2003. page 52.
   - مروان محي الدين قطب،المرجع السابق ،صفحة 16 .3
4- G.J. Guglielmi : Introduction au droit des services publics. Edition L.G.D.J.Paris.1994 . page 22.
5- مروان محي الدين قطب، المرجع السابق ،صفحة 18 .
6-مروان  محي الدين قطب، المرجع السابق ،صفحة 18 .
7-مروان محي الدين قطب، المرجع السابق، صفحة 19 .
8- J.Carbajo : droit des services publics .Dalloz.1997. pages 6. 
9-R-Mestre  : L’essentiel du droit d3u service public. Galion éditeur. Paris 2003 . pages 18.
-10مروان محي الدين قطب، المرجع السابق، صفحة 21 .
11- C.E. 13 janvier 1961 Magnier. Rec .pages 32.
12-C.E. 06 février 1903  terrier. Rec. leb .pages 64
-13 وليد حيدر جابر، طرق إدارة المرافق العمومية،منشورات الحلبي الحقوقية،الطبعة الاولى، سنة2009،لبنان، صفحة 11. 
-14سماعين نادية، مذكرة تخرج مدرسة عليا للقضاء، صفحة 25.
-15مروان محي الدين قطب، المرجع السابق، صفحة 30 .
-16A.De Laubadere : Traité Elémentaire De Droit Administratif L.G.D.J .Paris 1963. Pages 518.
17-مروان محي الدين قطب، المرجع السابق، صفحة 38 . 
18-D.Linotte. R.Romi :  Service publics et droit public économique . Litec . Paris 2003 . Pages 50.
19مروان محي الدين قطب، المرجع السابق،صفحة 28 . 
20- R . Chapus . Droit administratif général . Montchrestien delta . Paris 1995. Pages 515.  
-21مروان محي الدين قطب، المرجع السابق، صفحة 31 . 
22 -عبد الوهاب محمد رفعت، مبادئ وأحكام القانون الإداري، منشورات حلبي الحقوقية، بيروت 2003، صفحة 283.
23-G.Braibant. Le droit administratif francais . Dalloz . Paris1984. Pages 145 
24- F_P .Bènoit. . Le droit administratif français . Dalloz . Paris 1968. Pages 786 .
-25قرار مجلس شوري الدولة اللبناني رقم 400، تاريخ 12 ماي 1980، مجلة العدل، 1982، صفحة 36 .
-26مروان محي الدين قطب، المرجع السابق،صفحة 33 .
-27التجمعات الترفيهية: colonie de vacances  .
-28مروان محي الدين قطب، المرجع السابق ،صفحة 34
29- A.De Laubadere : Traité Elémentaire De Droit Administratif L.G.D.J .Paris 1963. Pages 34.  
30-عمار عوابدي، القانون الإداري، الجزء الثاني، النشاط الإداري، الطبعة الثالثة، الجزائر، 2005 صفحة 260. 
-31مروان محي الدين قطب، المرجع السابق ،صفحة 46 .
32-G. Dupuis et M – J .Guedon et P.Chrètien: Droit administratif . 9 ème edition . Armand colin. Paris 2004.page 540. 
-33 مروان محي الدين قطب، المرجع السابق، صفحة 47 . 
-34مروان محي الدين قطب، المرجع السابق ،صفحة 47 . 
 35- D . Linotte et A . Mestre et R . Romi : Service Public et droit  public èconomique.Litec. Paris 1995.page81.

avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى