المعيار العضوي وإشكالاته القانونية في ضوء قانون الإجراءات المدنية والإدارية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

المعيار العضوي وإشكالاته القانونية في ضوء قانون الإجراءات المدنية والإدارية

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 30 يوليو 2017, 19:17

المعيار العضوي وإشكالاته القانونية في ضوء قانون الإجراءات المدنية والإدارية
أ/د:عمار بوضياف
جــامعـة تـبســة
( الجزائر)   
مجلة دفاتر السياسة و القانون العدد 05 سنة 2011

تحميل الموضوع من المصدر الأصلي :====>> اضغط هنا


Résumé
      La constitution du 28.11.1996 a institué un conseil d’ état en tant qu’ organe régulateur de  l’ activité des juridictions administratives c ’est à dire qu’ elle a réintroduit la dualité de juridictions dans l’ organisation judiciaire algérienne  comme elle a institué un tribunal des conflits. art 152 de la constitution.
     Le critère organique selon l’ article 800 du code de procédure civile et administrative loi  08/09 du 25 février 2008   représente un élément de répartition des règles de compétence juridique entre les deux organes l’ une de l’ ordre judiciaire l’ autre de l’ ordre administratif.
Mais selon l’ article 800 ce critère pose sur le  plan pratique beaucoup de problème en vue la nature juridique de certains établissement publiques crées par des textes réglementaires. Il pose aussi un problèmes concerne les contentieux  en matières des marchés publiques.  
مقدمة:
إن المتتبع لحركة تطور القضاء الإداري في الجزائر خاصة بعد الاستفتاء الدستوري لشهر نوفمبر 1996 يلاحظ أن الدولة  ومنذ هذا التاريخ دخلت في مرحلة الازدواجية القضائية،ولازالت تشهدها إلى الآن ، حيث تم على شاكلة النظام القضائي الفرنسي فصل جهات القضاء الإداري عن القضاء العادي ، ومن أجل هذا الغرض تم تنصيب مجلس للدولة ومحاكم إدارية ومحكمة لتنازع الاختصاص. وامتدت هذه المرحلة من 1998 ولا زالت مستمرة إلى الآن. وبالموازاة قدمت الحكومة مشروعا لقانون الإجراءات المدنية والإدارية، بهدف تكريس فكرة الازدواجية الإجرائية تماشيا مع الازدواجية في الهياكل، ولقي هذا المشروع المصادقة عليه من قبل البرلمان وصدر بموجب القانون 08/09 المؤرخ في 25 فبراير 2008.
وبالرجوع لقانون الإجراءات المدنية والإدارية نجده من حيث الأصل كرس المعيار العضوي كأداة لتوزيع الاختصاص بين جهة القضاء العادي والإداري من جهة، وبين جهات القضاء الإداري ذاتها .ومن هنا توزعت قواعد الاختصاص النوعي بين قوانين أساسية تمثلت أساسا في قانون مجلس الدولة الصادر بموجب القانون العضوي98-01 المؤرخ في 30 مايو 1998 المتضمن اختصاصات مجلس الدولة وتنظيمه وعمله ، والقانون 98-02 المؤرخ في 30 مايو 1998المتضمن المحاكم الإدارية واللذين تضمنا تحديد قواعد اختصاص كل من مجلس الدولة واختصاص المحاكم الإدارية.
وتأسيسا على فكرة توزيع قواعد الاختصاص النوعي بين التشريع الخاص  أي القانون العضوي المتعلق بمجلس الدولة والقانون المتعلق بالمحكمة الإدارية، وقانون الإجراءات المدنية والإدارية نطرح الإشكالية التالية: إلى أي مدى وفق المشرع الجزائري واعتمادا على المعيار العضوي في ضبط قواعد الاختصاص وتوزيعها بين جهتي القضاء العادي والإداري وهذا من خلال القوانين الأساسية من جهة ومن خلال القانون الإجرائي من جهة أخرى.
ويتفرع عن  هذه الإشكالية الرئيسية العديد من الأسئلة منها: هل المعيار العضوي معيار حاسم في ضبط وتحديد قواعد الاختصاص النوعي؟ وهل من الممكن الاستغناء عنه واستبداله بالمعيار الموضوعي مثلا؟ وهل اتسم المعيار العضوي بالوضوح بين القوانين الخاصة من جهة وقانون الإجراءات المدنية والإدارية؟.
إن هذه الأسئلة وغيرها تستمد أهميتها أن قواعد الاختصاص من النظام العام لا يجوز مخالفتها، ويثيرها القاضي من تلقاء نفسه، كما يثيرها الخصوم في أي مرحلة من النزاع. وهي على أهميتها هذه تطرح العديد من التساؤلات تدور كلها حول مدى توفيق المشرع في رسم وضبط قواعد الاختصاص النوعي بين جهة القضاء العادي وجهة القضاء الإداري.
إن أهمية طرح هذه الأسئلة وغيرها تعود بالأساس أن قواعد الاختصاص تتميز بجملة من الخصائص يمكن حصرها في نقاط ثلاث:
1-  إن قواعد الاختصاص طبقا للمادة 122 من الدستور هي عمل من أعمال المشرع فهو وحده من يرسم قواعد الاختصاص ويحددها.
2-  إن لقواعد الاختصاص صلة وثيقة بالنظام العام بما يضمن لها مكانة خاصة فلا يجوز مخالفتها أو الاتفاق على خلاف مضمونها.
3-  وجب أن تتسم قواعد الاختصاص بالوضوح وعدم الغموض أو الإبهام لتكون معروفة لدى القاضي والمتقاضي وأعوان القضاء، ونتفادى بهذا الوضوح ظاهرة تنازع الاختصاص.
هذا ما سنحاول معرفته من خلال مبحثين أحدهما نخصصه لقواعد  الاختصاص النوعي لمجلس الدولة طبقا للقانون العضوي 98/01 وقانون الإجراءات المدنية والإدارية. وثانيهما  قواعد  الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية طبقا للقانون 98/02 وقانون الإجراءات المدنية والإدارية .
ومن المفيد الإشارة أن دراستنا هذه لا تقتصر على القواعد التي تضمنها قانون مجلس الدولة والمحاكم الإدارية وقانون الإجراءات المدنية والإدارية، بل تمتد أيضا لتشريعات وتنظيمات أخرى سنذكرها في سياق الدراسة للاستدلال على مدى توفيق المشرع في ضبط قواعد الاختصاص النوعي اعتمادا على المعيار العضوي.

 المبحث الأول : الاختصاص النوعي لمجلس الدولة بين القانون العضوي 98-01 وقانون الإجراءات المدنية والإدارية
طبقا للمواد 9 و10 و11 من القانون العضوي 98-01 المذكور عهد المشرع لمجلس الدولة القيام بوظيفة قضائية تتمثل في الفصل في المنازعات الإدارية سواء باعتباره جهة للقضاء الابتدائي والنهائي أوجهة لقضاء الاستئناف في المادة الإدارية أوجهة لقضاء النقض نبين ذلك كله فيما يلي:

 أولا الاختصاص الابتدائـي النهائـي:
نصت المادة 9 من القانون 98-01 سالف الذكر :" يفصل مجلس الدولة ابتدائيا ونهائيا في:
أ‌-الطعون بالإلغاء المرفوعة ضد القرارات التنظيمية أو الفردية الصادرة عن السلطات الإدارية المركزية والهيئات العمومية الوطنية والمنظمات المهنية الوطنية .
ب‌-   الطعون الخاصة بتفسير ومدى شرعية القرارات التي تكون نزاعاتها من اختصاص مجلس الدولة."
من النص أعلاه نستنتج أن المشرع فرض عرض منازعات السلطات المركزية للدولة كالوزارات والهيئات العمومية الوطنية كالمجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي وغيرها من الهيئات الوطنية  والمنظمات المهنية الوطنية مثل المنظمة الوطنية للمحامين والغرفة الوطنية للموثقين والغرفة الوطنية للمحضرين وغيرها من الهيئات العمومية ذات الطابع الوطني على مجلس الدولة باعتباره جهة للقضاء الابتدائي والنهائي أي كأول وآخر درجة سواء فيما تعلق بدعاوى الإلغاء الموجهة ضد القرارات الفردية والتنظيمية أو دعاوى فحص المشروعية بالنسبة للقرارات الصادرة عن ذات الجهات المذكورة أو دعاوى التفسير.
وعليه أخرج المشرع من ولاية مجلس الدولة كجهة للقضاء الابتدائي والنهائي فقط دعاوى التعويض التي ترفع أمام المحاكم الإدارية الابتدائية كما سنوضح ذلك عند التطرق للاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية.
ولعل سر إخراج قضاء التعويض عن ولاية واختصاص مجلس الدولة يعود إلى طبيعة النزاع في حد ذاته كون الفصل في قضايا التعويض أمر يمارسه القاضي المدني التجاري والشخصي والعقاري والاجتماعي، و لا ينطوي هذا النوع من القضاء على مخاطر ولا يحتاج إلى خبرة ومؤهلات قضائية عالية كقضاء الإلغاء أو فحص المشروعية أو التفسير1. لذا عهد به المشرع للبنية القضائية التحتية  ممثلة في المحاكم الإدارية ولو تعلق بأحد الأشخاص المذكورين أعلاه كالوزارات والهيئات العمومية الوطنية .
وبالرجوع للمادة 901 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية والتي صدرت تحت عنوان "في الاختصاص" الباب الثاني الفصل الأول نجدها صيغت بشكل يؤكد على الاختصاص الابتدائي والنهائي لمجلس الدولة من حيث المبدأ بما يحدث نوعا من الملائمة بين النص التأسيسي لمجلس الدولة أي القانون العضوي 98-01 و بين النص الإجرائي أي قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
غير أن قراءة متأنية لنص المادة 901 نجدها قد احتوت على العبارة التالية: "يختص مجلس الدولة كدرجة أولى وأخيرة بالفصل في دعاوى الإلغاء والتفسير وتقدير المشروعية في القرارات الإدارية الصادرة عن السلطات الإدارية المركزية." وهذا يعني بالصياغة اللفظية أن اختصاص مجلس الدولة الابتدائي والنهائي تم حصره عضويا فقط في القرارات الفردية والتنظيمية الصادرة عن السلطات المركزية دون سواها.بما يعني بالنتيجة إقصاء القرارات الفردية والتنظيمية الصادرة عن الهيئات العمومية الوطنية والمنظمات المهنية الوطنية.
وبالعودة للقانون العضوي 98-01 المذكور وتحديدا المادة 9 منه نسجل ملاحظة نراها في غاية من الأهمية أن المادة المذكورة أدخلت في نطاق اختصاص المجلس إلى جانب القرارات التنظيمية والفردية الصادرة عن السلطات المركزية القرارات الصادرة عن الهيئات العمومية الوطنية والمنظمات المهنية الوطنية، بما يوسع من نطاق المنازعة الإدارية الواجب عرضها على مجلس الدولة من حيث الجانب العضوي. بينما المادة 901 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية اكتفت بعبارة السلطات الإدارية المركزية بما يضيق من نطاق المنازعة الواجب عرضها على مجلس الدولة، و بذلك أحدث قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تغييرا في قواعد الاختصاص من حيث الجانب العضوي فذكر هيئة واحدة أشار إليها القانون العضوي 98-01 وهي السلطات الإدارية المركزية مستبعدا الهيئات الوطنية والمنظمات المهنية الوطنية.
وبالجمع بين مقتضيات المادة 9 من القانون العضوي 98-01 والمادة 901 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية نسجل الملاحظات التالية:
1-  إن قواعد الاختصاص النوعي لمجلس الدولة أقرت بقاعدتين، الأولى بموجب قانون عضوي وتحديدا المادة 9. أما الثانية أقرت بقانون ألا وهي المادة 901.
2-    المادة 9 أكثر امتدادا من حيث الجانب العضوي  وبالتالي أكثر امتدادا من حيث مجال المنازعة الإدارية إذ شملت:
أ‌-     القرارات الصادرة عن السلطات الإدارية المركزية.
ب‌-القرارات الصادرة عن الهيئات العمومية الوطنية.
ج-  القرارات الصادرة عن المنظمات المهنية الوطنية.
بينما اكتفت المادة 901 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية بالقرارات الصادرة عن السلطات الإدارية المركزية دون سواها وبذلك ضيقت عضويا من مجال المنازعات الواجب عرضها على مجلس الدولة.
القانون العضوي أعلى درجة من القانون لاتصال الأول بالقواعد الدستورية، ثم أن المادة153
من الدستور جاءت صريحة وواضحة أن اختصاص مجلس الدولة يحدد بقانون عضوي وليس بقانون.
3-  إذا ما نحن طبقنا قاعدة الخاص يقيد العام صار القانون العضوي 98-01 المذكور هو النص الخاص بمشمول المادة 153 من الدستور، وقانون الإجراءات المدنية والإدارية هو النص العام بما يجب إبعاده وعدم الاعتداد به.
وبالنتيجة فإن مقتضيات المنطق القانوني يفرض استبعاد منطوق المادة 901 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية حين تطبيق قواعد الاختصاص النوعي لمجلس الدولة بما يتعارض مع مقتضيات المادة 9 من القانون العضوي 98-01 والقول بامتداد المنازعة الإدارية الواجب عرضها على مجلس الدولة لتشمل :
أ‌-        القرارات الصادرة عن السلطات الإدارية المركزية.
ب‌-  القرارات الصادرة عن الهيئات العمومية الوطنية.
ج - القرارات الصادرة عن المنظمات المهنية الوطنية.
دون محاولة حصر قواعد الاختصاص النوعي في مجال القضاء الابتدائي والنهائي على قرارات السلطات المركزية للأسباب المذكورة.
وكم كان أفضل بنظرنا وتفاديا لأي مخالفة لنصوص دستورية، وكذلك مخالفة لقوانين عضوية والمحافظة على حجيتها ومكانتها وقدسيتها أن يقتصر المشرع في قانون الإجراءات المدنية والإدارية على إعادة صياغة المادة 9 من القانون العضوي حرفيا و دون تغيير وهو يرسم قواعد الاختصاص النوعي لمجلس الدولة.
ولا تفوتنا الإشارة  أن الاعتراف لمجلس الدولة الجزائري بسلطة الفصل في بعض المنازعات الإدارية بصفة ابتدائية ونهائية طرح جملة من الإشكالات القانونية يأتي على رأسها انتهاك مبدأ التقاضي على درجتين في المادة الإدارية، وإحداث وضع غير منسجم بين جهات القضاء العادي وجهات القضاء الإداري.
لا شك أن قواعد الاختصاص الابتدائي النهائي لمجلس الدولة المقرر بموجب المادة 9 من القانون العضوي 98-01 والمادة 901 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية لها بالغ الأثر من الناحية السلبية على مبدأ التقاضي على درجتين والذي يعد من المبادئ التي يقوم عليها النظام القضائي الجزائري2، ذلك أن الاعتراف لمجلس الدولة بالاختصاص الابتدائي والنهائي سيحجب طريقا عاديا من طرق الطعن مكرسا في قانون الإجراءات المدنية  و الإدارية هو طريق الاستئناف3بما يفرض على المتقاضي استعمال طرق الطعن الغير عادية وهي التماس إعادة النظر والنقض.
ولا شك أن تقنيات الدفاع تختلف حسب طبيعة الطعن ، فهي كثيرة ومتنوعة في الطعن بالاستئناف ضيقة ومحددة في الطعن بالتماس إعادة النظر أو بالنقض ، والدليل أن المشرع حدد أوجها للطعن بالتماس إعادة النظر رسمته المادة 967  من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية، و أوجها للطعن بالنقض رسمته المادة 358  من ذات القانون ولم يفعل ذلك بالنسبة للطعن بالاستئناف.
وبهذا ننتهي إلى القول أن الدور القضائي الحالي لمجلس الدولة باعتباره جهة للقضاء الابتدائي النهائي ينتهك طريقا من طرق الطعن التي كفلها قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  هو طريق الاستئناف ويبعث حالة من عدم تكافؤ الفرص بين المتقاضين في مجالي القضاء العادي والقضاء الإداري .
إن إعفاء مجلس الدولة بالنظر في القضايا ابتدائيا ونهائيا وإناطة ذات النزاع للمحكمة الإدارية بالجزائر العاصمة لتفصل فيه بقرار ابتدائي قابل للاستئناف أمام مجلس الدولة من شأنه أن يخفف العبء على هذه الهيئة القضائية العليا، ونقترح أن تفصل المحكمة الإدارية في هذه المنازعة بتشكيلة خاصة ومميزة تضم غرفا مجتمعة لهذه المحكمة مثلا وتجتمع تحت رئاسة رئيس المحكمة الإدارية شخصيا ومشاركة محافظ الدولة.
 إن هذا الإصلاح من شأنه أن يعيد الأمور لنصابها الطبيعي. إذ من غير المعقول أن تهتم وتنشغل هيئة الحكم في هذه الجهة القضائية العليا بالقضاء الابتدائي النهائي بما يكفله من سلطة واسعة للجهة الفاصلة في النزاع و تسليط الضوء على الوقائع وبما يتطلب ذلك من جهد إضافي ألفنا أن القيام  به من جانب جهة ابتدائية أواستئنافية لا جهة عليا بمكانة ودرجة مجلس الدولة .
ولا يراودنا شك أنه بهذا الدور الحالي لمجلس الدولة باعتباره جهة للقضاء الابتدائي والنهائي نكون قد أثقلنا المهمة على قضاة هذه الهيئة وأغرقناهم في مجال كان من الأحرى إبعادهم عنه ليتفرغوا لمهمة أجل وأعظم هي مهمة النقض والاجتهاد طبقا لمقتضيات المادة 152 من الدستور.
إن السؤال  المطروح ما الضرر الذي يلحق بالهيئات المركزية أو الهيئات العمومية الوطنية والمنظمات المهنية الوطنية إذا مثلت أمام القاضي الابتدائي أو محكمة ابتدائية إدارية  فهل يقلل ذلك من شأنها أو يمس كرامتها أو يضعف سلطتها أو يمس بقراراتها؟.
بالتأكيد لا ، فمكانة السلطات المركزية وباقي الجهات الأخرى  محفوظة وسلطتها قائمة ولا يمكن المساس  بها، وإذا كان البعض قد أشار أن سبب الاختصاص الابتدائي والنهائي للغرفة الإدارية بالمحكمة العليا سابقا يعود لخبرة  مستشاريها، فإن هذا السبب مع مرور السنوات واكتساب الخبرة من جانب القضاة قد زال.فالقاضي الذي  يفصل في قضية إدارية أمام محكمة ابتدائية إدارية لا تقل تجربته عن عشر سنوات في العمل القضائي، ثم أنه لا ينبغي حجب النظر عن  مسألة مهمة أن قضاء المحكمة الابتدائية في حال تحويل الاختصاص إليها بالنظر في منازعات الهيئات المركزية والمنظمات المهنية الوطنية سيكون قضاء ابتدائيا قابل للمراجعة والطعن أمام هيئة الدرجة الثانية ، وبهذا الإصلاح نعيد الاعتبار لمبدأ التقاضي على درجتين ونكرسه في المادة الإدارية ولو تعلق الأمر بمنازعات السلطات المركزية وهو الإصلاح الذي ندعو له .

ثانيا مجلس الدولة جهة لقضاء الاستئناف :
طبقا للمادة 10 من القانون العضوي 98-01 يفصل مجلس الدولة استئنافا في القرارات الصادرة ابتدائيا عن المحاكم الإدارية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك . ولقد أكد على هذا الدور القضائي المادة 2 من القانون 98-01 المتعلق بالمحاكم الإدارية . هذا ويلاحظ أن قانون مجلس الدولة أطلق على الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية الابتدائية ب "القرارات" وهذا ما نصت عليه المادة 10 من القانون 98-01،  بينما نجد قانون المحاكم الإدارية رقم 98-02 في نص مادته -2- أطلق عليها ب "الأحكام". وكان أفضل لو وحد المشرع المصطلح مكتفيا بتسمية قرارات بدل الأحكام ، وتأكد هذا الاختصاص بموجب المادة 902 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية لسنة 2008 المذكور والتي جاء فيها:"يختص مجلس الدولة بالفصل في استئناف الأحكام والأوامر الصادرة عن المحاكم الإدارية".
والجمع بين مقتضيات المادة 10 من القانون العضوي 98-01 والمادة90 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية نسجل عدم وجود أي نوع من التعارض بين النصين المذكورين فهما على درجة كبيرة من التناسق والانسجام ولا إشكال من هذه الزاوية، سوى من الناحية الشكلية أن المادة 902 استعملت عبارة الأحكام والمادة 10 استعملت عبارة القرارات . وكان أفضل توحيد المصطلح واستعمال عبارة قرار بدل حكم.
غير أننا وإن كنا نسجل عدم وجود تضارب بين المادة 10 والمادة 902 فيما خص قواعد الاختصاص في مجال الاستئناف غير أننا نشد الانتباه أن الاعتراف لمجلس الدولة بسلطة النظر في الطعون بالاستئناف يثير من الناحية القانونية جملة من الإشكالات القانونية نبينها فيما يلي :

1-تغيير الطبيعة القانونية لمجلس الدولة :
إذا كان المشرع قد كرس مبدأ التقاضي على درجتين في المادة الإدارية بموجب المادة 2 من قانون المحاكم الإدارية وبموجب المادة 10 من القانون العضوي 98- 01  وبموجب المادة 902 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ، إلا أنه لم يوفق حين عقد الاختصاص بالنظر في الطعن بالاستئناف لمجلس الدولة، بل إنه أحدث تغييرا وظيفيا وموضوعيا فيما يخص أداء مجلس الدولة وحوله من محكمة قانون إلى محكمة وقائع يهتم بها وهو يفصل في الطعون بالاستئناف رغم الطابع العلوي لهذه المحكمة، وبذلك خالف هذا الدور منطوق المادة 152 من الدستور التي جعلت من مجلس الدولة جهة قضائية عليا تمارس دور التقويم والاجتهاد مثلما هو جار به العمل في كثير من النظم القانونية .
إن الربط والمقارنة بين مضمون المادة 152 من الدستور والمادة 10 من القانون 98-01 المذكور يثير تساؤلات جوهرية "لماذا عهد قانون 98-01 لمجلس الدولة وظيفة القضاء الابتدائي والنهائي ووظيفة الاستئناف في حين اعترفت المادة 152 من الدستور لنفس الهيئة بمهمة تقويم أعمال الجهات القضائية الإدارية وضمان توحيد الاجتهاد القضائي ؟.
لا شك أن إلغاء مهمة الاستئناف بالنسبة لمجلس الدولة وتحويل ذات الاختصاص إلى محاكم استئناف مستقلة تستحدث لهذا الغرض كفيل بتوحيد الدور القضائي بين قمة هرمين هي المحكمة العليا ومجلس الدولة .
وكم كنا نفضل لو أسند المشرع قضاء الاستئناف لجهة قضائية مستقلة ولو كانت جهوية ويعمل على تحويل الغرف الجهوية الخمسة الموجودة التي أستحدثت سابقا في كل من
الجزائر ووهران وقسنطينة وبشار وورقلة إلى محاكم استئناف إدارية.
لا شك أن هذا الإصلاح الذي ندعو له من شأنه أولا التخفيف على مجلس الدولة بإخراج اختصاص النظر في الطعون بالاستئناف، وثانيا بإحداث نسق واحد  على مستوى جهات القضاء الإداري والعادي معا، وبنفس النمط والكيفية فيصبح هرم القضاء الإداري يتشكل من ثلاثة خلايا بنفس عدد خلايا القضاء العادي وهي المحاكم الإدارية الابتدائية ومحاكم الاستئناف ومجلس الدولة كهيئة قضائية عليا .

2-    إغراق مجلس الدولة بملفات الاستئناف :
 إن الاعتراف لمجلس الدولة بالنظر في الطعون بالاستئناف الموجهة ضد قرارات الهيئات القضائية الإدارية الابتدائية وهي المحاكم الإدارية سينجم عنه لا شك تزايد عدد الملفات المعروضة على هذه الهيئة القضائية العليا. لأنه يتصور من الناحية العملية أن الخصم الذي يصدر القرار القضائي ضده على مستوى الدرجة الأولى أن يبادر إلى رفع استئناف سواء كان إدارة أو فرد، ويترتب على هذا العدد المتزايد من الطعون بالاستئناف إرهاق المستشارين في مجلس الدولة والتأثير عليهم فيما خص الوظيفة الأساسية المعهودة إليهم دستوريا ألا وهي النقض والاجتهاد إلى جانب المساهمة في العملية التشريعية طبقا للمادة 119 من الدستور.
ومن المؤكد أن استحداث محاكم استئناف مستقلة ولو كانت بالعدد القليل سيخفف العبء على مستشاري هذه الهيئة القضائية العليا.

3-إشكالية الطعن في القرارات النهائية الصادرة عن مجلس الدولة باعتباره هيئـة استئناف:
رجوعا لقرار مجلس الدولة الجزائري الصادر بتاريخ 23-09-2002 في هذا الموضوع نراه أقر مبدأ عدم قابلية قراراته النهائية للطعن بالنقض بقوله :" لا يمكن لمجلس الدولة الفصل بطريق الطعن بالنقض في قرار صادر عنه عملا بأحكام القانون 98-01 وكذا انطلاقا من أحكام قانون الإجراءات المدنية4.
وهكذا وطبقا لهذا للاجتهاد حرم المتقاضي من ممارسة طريق من طرق الطعن في الأحكام تمثل في طريق الطعن بالنقض المكرس والمعترف به بموجب المادة 10 من القانون العضوي 98-01 المذكور وبموجب المادة 956 وما بعدها من قانون الإجراءات المدنية والإدارية  والسبب في ذلك حسب تأسيس مجلس الدولة في القرار المذكور أنه سبق له النظر في القضية والقرار صدر عنه .
 وما من شك أن هذا الاجتهاد وإن أجهض  طريقا من طرف الطعن مكرس قانونا .فإنه إلى جانب ذلك لم يصرف همة لاختلاف طرق الطعن وتقنياته. ذلك أن عريضة الطعن بالاستئناف ليست كعريضة الطعن بالنقض هذه الأخيرة التي فرض القانون صياغتها في شكل أوجه محددة على سبيل الحصر ذكرتها المادة 358 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجديد  خلافا للطعن بالاستئناف الذي قد يتم فيه التركيز على الوقائع  وغير محدد بحالات.

ثالثا مجلس الدولة جهة لقضاء النقض :
نصت المادة 11 من القانون العضوي 98-01 على أن " يفصل مجلس الدولة في الطعون بالنقض في قرارات الجهات القضائية الإدارية الصادرة نهائيا وكذا الطعون بالنقض في قرارات مجلس المحاسبة."
انطلاقا من النص أعلاه أعترف المشرع لمجلس الدولة بسلطة النظر في الطعون بالنقض الموجهة ضد القرارات القضائية النهائية في المادة الإدارية وكذلك القرارات الصادرة عن مجلس المحاسبة باعتباره جهة للرقابة المالية.
 وإذا أردنا التدقيق في القرارات النهائية نجدها في الوضع الغالب تصدر عن مجلس الدولة سواء باعتباره قاضي اختصاص بأن فصل في الملف المعروض عليه ابتدائيا ونهائيا، أو قاضي استئناف بأن فصل في الطعن باعتباره هيئة درجة ثانية. وفي كلا الوضعيتين يفصل مجلس الدولة بموجب قرار نهائي، ذلك أن المحاكم الإدارية لا تصدر كأصل عام قرارات نهائية بل قراراتها تعد ابتدائية طبقا للمادة 2 من القانون 98-02 المذكور فيما لم يرد بشأنه نص خاص .
وهكذا نجد نص المادة 11 من القانون 98-01 ضمنيا قصدت القرارات النهائية الصادرة عن مجلس الدولة بمناسبة فصله في الملف المعروض عليه باعتباره قاضي اختصاص أو قاضي استئناف. إلا أن مجلس الدولة في قراره الصادر عن الغرفة الأولى بتاريخ : 23-09-2002 المذكور أقر قاعدة عدم قابلية الطعن بالنقض بشأن قرار صادر عنه .
ولقد مر بنا أن هذا الاجتهاد الذي لا نؤيده،  حجب طريقا من طرف الطعن الغير عادية وانتهك   مقتضيات ومضمون المادة 11 من القانون 98-01. وكذلك مضمون المادة956 وما بعدها من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
غير أن المحاكم الإدارية قد يصدر عنها قرارات نهائية ولكن في حالات استثنائية محددة على سبيل الحصر كما لو تعلق الأمر ببعض المنازعات الانتخابية موضوع الأمر رقم 97-07 المؤرخ في 06 مارس 1997 المتضمن القانون العضوي المتعلق بالانتخابات المعدل بمقتضى القانون العضوي 04-04- المؤرخ في 07-02-2004 .
وبالاعتراف له بممارسة سلطة النظر في الطعون بالنقض يكون المشرع قد أسند لمجلس الدولة وظيفته الطبيعية باعتباره جهة عليا للقضاء في المادة الإدارية يصوب ويقوم القرارات القضائية ويمارس مهمة الاجتهاد بما يتماشى ومضمون المادة 152 من الدستور رغم أن دور مجلس الدولة باعتباره محكمة نقض لا زال يشوبه كثير من الغموض ومثار جدل فقهي وقضائي5.
وبالرجوع للمادة 903 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية نجدها نصت على أ:" يختص مجلس الدولة بالنظر في الطعون بالنقض في القرارات الصادرة في آخر درجة عن الجهات القضائية الإدارية.
يختص مجلس الدولة كذلك في الطعون بالنقض المخولة له بموجب نصوص خاصة".
وبالجمع بين نص المادة 11 من القانون العضوي 98-01 والمادة 903 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية يبدو واضحا  أن عبارة مجلس المحاسبة الواردة في المادة  11 سقطت من حرفية نص المادة 903 . غير أن عبارة  الطعون بالنقض المخولة له بموجب نصوص خاصة ترجعنا للمادة 11 اعتبارا أنها نص خاص ولا إشكال في هذا الأمر، وبالتالي لا تعارض بين النصين المذكورين وأن أحدهما يكمل الآخر، وإن كنا من الناحية اللفظية ندعو إلى إعادة نقل المادة 11 من القانون العضوي في نص المادة 903 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية تكريسا وتطبيقا للمادة 153 من الدستور والتي أوجبت تحديد قواعد الاختصاص بالنسبة لمجلس الدولة بموجب قانون عضوي، وليس هناك أي مخالفة دستورية بنظرنا فيما لو أعيدت صياغة المادة ذاتها وبنفس المباني اللفظية في قانون إجرائي وهذا ما ندعو له تفاديا لأي غموض أو تجاوز أو انتهاك قد يحدث.



.../... يتبع



عدل سابقا من قبل Admin في الأحد 30 يوليو 2017, 19:38 عدل 1 مرات
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المعيار العضوي وإشكالاته القانونية في ضوء قانون الإجراءات المدنية والإدارية

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 30 يوليو 2017, 19:28


 المبحث الثاني :  الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية بين القانون 98-02 وقانون الإجراءات المدنية والإدارية


تبين لنا من خلال المبحث الأول أن المشرع الجزائري قيد الاختصاص النوعي لمجلس الدولة خاصة فيما تعلق بالاختصاص الابتدائي والنهائي فجعل من المجلس قاضي اختصاص بشأن دعاوى الإلغاء والتفسير وفحص المشروعية المرفوعة ضد الإدارات المركزية والمنظمات المهنية الوطنية والهيئات العمومية الوطنية .
ولقد سبق الحكم على أن المشرع الجزائري لم يوفق في توزيع قواعد الاختصاص بالنسبة لمجلس الدولة فأثقل عليه وجعل منه محكمة ابتدائية ونهائية ومحكمة استئناف إلى جانب وظيفة النقض وهي الوظيفة الطبيعية.
ومن هنا يطرح الشق الثاني من السؤال هل وفق المشرع في توزيع قواعد الاختصاص النوعي بالنسبة للمحاكم الإدارية بين القانون 98-02 وقانون الإجراءات المدنية والإدارية ؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال فضلنا أولا التعريف بالمحاكم الإدارية من حيث تبيان الأساس القانوني لها وعددها وتشكيلتها ثم قواعد الاختصاص وهو ما سنعالجه إجمالا في مطلبين.

المطلب الأول : الأسـاس القانوني التعريف بالمحاكم الإدارية :
تستمد المحاكم الإدارية وجودها القانوني من نص المادة 152 من الدستور التي تبنت صراحة على صعيد التنظيم القضائي نظام ازدواجية القضاء إذ جاء فيها :"يؤسس مجلس دولة كهيئة مقومة لأعمال الجهات القضائية الإدارية ."وقبل ذلك أعلن الدستور بموجب المادة 143 عن إمكانية الطعن القضائي في قرارات السلطات الإدارية .
وبذلك تكون هذه 152 من الدستور قد أعلنت صراحة عن إنشاء محاكم إدارية على مستوى أدنى درجات التقاضي مستقلة عن المحاكم العادية ، تفصل في المنازعات الإدارية دون سواها. وإن كانت المادة المذكورة لم تفصح عن تسمية المحاكم الإدارية بشكل واضح وصريح.
 وبتاريخ 30 مايو 1998 وبموجب القانون رقم 98-02 صدر أول قانون خاص بالمحاكم الإدارية بعد الاستقلال ،واحتوى على 10 مواد تناولت مسألة تنظيم وتشكيل المحاكم الإدارية وخلاياها وأقسامها الداخلية وتركيبتها البشرية والإطار العام لتسييرها ماليا وإداريا . كما تضمن هذا القانون بعض الأحكام الانتقالية التي اعترفت للغرف الجهوية والمحلية بصلاحية النظر في المنازعات الإدارية بحسب ما تقتضيه قواعد الإجراءات المدنية (إصلاح 1990) في انتظار تنصيب المحاكم الإدارية، وفرض هذا القانون إحالة جميع القضايا المسجلة والمعروضة على الغرف الإدارية المحلية والجهوية إلى المحاكم الإدارية بمجرد تنصيبها وهذا ما نصت عليه المادة 9 من القانون المذكور .
وبتاريخ 14 نوفمبر 1998 وبموجب المرسوم التنفيذي رقم 98-356 المتضمن كيفيات تطبيق القانون 98-03 تم الإعلان رسميا عن إنشاء 31 محكمة إدارية تنصب تباعا بالنظر لتوافر جملة الشروط الموضوعية والضرورية لسيرها،وبدأت هذه الخطوة سنة 2010 فتم تنصيب المحكمة الإدارية للجزائر العاصمة.وستعمم على بعض المناطق الأخرى بالتدرج حسب توافر الإمكانات البشرية والمادية. وأعلن هذا المرسوم عن تشكيلة المحكمة الإدارية ،وخصص أحكاما لمحافظ الدولة ولكتابة الضبط ، وأخرى تتعلق بالملفات والقضايا المسجلة .
وبإنشائه للمحاكم الإدارية يكون المشرع قد فصل جهة القضاء العادي عن جهة القضاء الإداري ، فجعل المحاكم الإدارية صاحبة الولاية العامة بالفصل في المنازعات الإدارية حتى يمكن القاضي الإداري من التخصص أكثر فأكثر والتفرغ لفرع معين ومحدد من المنازعات والقضايا .
ونؤكد في هذا المجال ما ذهب إليه بعض الباحثين من أنه ليس من اليسير على المحاكم العادية أن تقوم بمهمة الفصل في منازعات الإدارة ، وليس من اليسير عليها أن تطبق القانون الإداري الذي نشأ وتطور في ظل القضاء الإداري ، ولهذا أنشأ المشرع الفرنسي قضاءا إداريا منفصلا ينظر في المنازعات الإدارية ويطبق القانون الإداري6، وشيئا فشيئا تعود القضاة على مشكلات الإدارة ، وآليات تسييرها ، وأثبتوا قدرة كبيرة في  رقابة تصرفاتها وحماية الأفراد من اعتداءاتها وكذلك قدرته في التوفيق بين حقوق الأفراد وحريتهم ومقتضيات الصالح العام . الأمر الذي أدى إلى تبني كثير من الدول نظام الازدواجية وتأثرها بالنموذج الفرنسي كمصر وبلجيكا وإيطاليا وتونس والمغرب والجزائر،وبإنشائه للمحاكم الإدارية يكون المشرع أيضا قد أضفى على التنظيم القضائي طابعا جديدا تميز عن سائر الدول المغاربية والعربية عموما7.
أما عن عدد المحاكم الإدارية فقد أعلنت عنه المادة الثانية من المرسوم التنفيذي رقم 98-356المؤرخ في 14 نوفمبر 1998المتضمن كيفيات تطبيق القانون 98-02 بقولها :" تنشأ عبر كامل التراب الوطني إحدى وثلاثون (31) محكمة إدارية كجهات قضائية للقانون العام في المادة الإدارية".
ومن هذا العدد يتضح الفارق الكبير سنة 1962 حيث كان عدد المحاكم الإدارية ثلاثة محاكم في كل من الجزائر ووهران وقسنطينة تشمل اختصاصها الإقليمي كل التراب الوطني ،وبين سنة 1998 حيث ارتفع عدد المحاكم الإدارية إلى 31 محكمة ولو من الناحية القانونية لا الواقعية.
ورجوعا للمرسوم التطبيقي أعلاه نجده أسند لبعض المحاكم الإدارية اختصاص ولاية إدارية واحدة بينما اعترف لبعض المحاكم الإدارية الأخرى باختصاص ولايتين. واعترف لمحكمة إدارية واحدة باختصاص ثلاث ولايات .
 وبخصوص تشكيلة المحكمة أعلنت عنها المادة 3 من القانون 98-02 المؤرخ في 30 مايو 1998 المتعلق بالمحاكم الإدارية بقولها : " يجب لصحة أحكامها أن تتشكل المحكمة الإدارية من ثلاثة قضاة على الأقل من بينهم رئيس ومساعدان اثنان برتبة مستشار".
من المادة أعلاه يتضح لنا أن تشكيلة المحاكم الإدارية في الجزائر تتميز بالخصائص التالية:
 
ا-   إن المحاكـم الإدارية تتشكل من قضاة مجتمعين :
وهذا أمر طبيعي ،فالقضاء الإداري كثيرا ما يعتمد على الاجتهاد ، فهو ليس بالقضاء التطبيقي في الغالب الأعم كما هو الحال بالنسبة للقضاء العادي ، ويعود سر الاختلاف في دور كل من القاضي العادي والقاضي الإداري أن المشرع في مجال القانون الخاص طالت يده تقريبا كل صغيرة وكبيرة فسن من الأحكام ما ينظم مختلف العلاقات ويحكم الكثير من الوقائع ،فلو أخذنا مثلا القانون المدني نجده قد احتوى على 1003 مادة نظمت الجوانب المختلفة للمعاملات المدنية ونادرا ما  ينزل القاضي المدني من المصدر الأول وهو التشريع إلى المصدر الثاني وهو الشريعة الإسلامية .
ومن ثم يفترض في المنازعة المعروضة أمام القاضي المدني أو التجاري أو البحري أن تجد حلا لها من صنع المشرع نفسه فيحكمها بموجب نص قانوني يلزم القاضي بتطبيقه، وهذا خلافا للقاضي الإداري الذي يواجه في كثير من الأحيان بمنازعة دون نص يحكمها مما يتحتم عليه الاجتهاد لحسم النزاع ، وحسبنا الإشارة إلى أن القانون الإداري كأحد أهم فروع القانون العام هو من منشأ قضائي ، فلو لا اجتهادات القضاء الفرنسي لما كان القانون الإداري ليعرف وجوده وتطوره وتنوع أحكامه8.
وحسنا فعل المشرع  حينما فرض ضرورة حسم المنازعة الإدارية من قبل ثلاثة قضاة على الأقل حتى يتعاون هؤلاء بما لهم من كفاءة وخبرة في العمل القضائي لحسم النزاع المعروض عليهم .
وبذلك يكون المشرع قد جسد فكرة التخصص في الوسط القضائي بما لها من فوائد ومنافع كثيرة في تحسين الأداء القضائي ، ويكون قد فتح سبيلا للقاضي لتعميق معارفه وقدراته العلمية ومؤهلاته الوظيفية بما يمكنه من أداء أفضل وأحسن لعمله خاصة وأن المنازعة الإدارية تتميز من حيث أطرافها وموضوعها وإجراءاتها والقانون الذي تخضع إليه، وكلها خصوصيات تفرض تفرغ القاضي الإداري ليفصل في هذا النوع من القضاء دون سواه.

ت‌-       إن الرتبة المطلوبة في تشكيلة المحاكم الإدارية هي رتبة مستشار:
وهذا ما فرضته المادة 3 من القانون 98-02 بما يعني أن المنازعة الإدارية ستعرض على قضاة من ذوي الخبرة الكبيرة وهو ما يكفل للقضاء الإداري تطورا ويضمن للقرارات القضائية في المادة الإدارية نوعية من حيث المتن والمحتوى.

المطلـب الثاني : مدى عمومية أو تقييد قواعد الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية بين التشريع الخاص والتشريع الإجرائي
نصت المادة الأولى من القانون 98-02 المؤرخ في 30 مايو 1998 على أن :" تنشأ محاكم إدارية كجهات قضائية للقانون العام في المادة الإدارية وهو نفس ما ذهبت إليه المادة 800 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية .
يتضح لنا من هذه المادة أن المشرع أطلق الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية فجعلها صاحبة الاختصاص في النظر في كل منازعة إدارية فيما عدا ما استثناه المشرع فأوكل النظر فيه لمجلس الدولة.
 وعند مقابلة قواعد الاختصاص النوعي لكل من مجلس الدولة والمحاكم الإدارية يتبين لنا أن اختصاص مجلس الدولة في مجال القضاء الابتدائي والنهائي هو اختصاص مقيد أي يقتصر على نوع محدد من المنازعات المتعلقة كما رأينا بدعاوى الإلغاء أو فحص المشروعية أو التفسير والمرفوعة ضد قرارات السلطات المركزية والهيئات العمومية الوطنية  والمنظمات المهنية الوطنية طبقا  لمنطوق المادة 9 من القانون 98-01  .بينما اختصاص المحاكم الإدارية نوعيا حدد بشكل مطلق وعام فلها أن تنظر في كل منازعة إدارية عدا المنازعات التي أحال المشرع النظر فيها لمجلس الدولة .
ولا نتردد في الثناء  على ما ذهب إليه المشرع في المادة الأولى من قانون المحاكم الإدارية كونه بهذا الإصلاح في مجال القضاء الإداري ألغى ما سمي بالغرف الإدارية الجهوية والتي كانت تختص بالنظر ابتدائيا في القرارات الصادرة عن الولاة، وعهد اختصاصها للمحاكم الإدارية، وبالتالي عمل على توحيد جهة القضاء الإداري على مستوى البنية القاعدية ممثلة في المحاكم الإدارية فأسند لها اختصاصا واسعا يشمل كل المنازعات الإدارية أيا كانت الجهة الإدارية سواء ولاية أو بلدية أو مؤسسة إدارية، وأخرج فقط من نطاق اختصاصها ما أعترف بالفصل فيه لمجلس الدولة بحسب المادة 9 من القانون العضوي 98-01.
وبهذا الإصلاح يكون المشرع قد أعاد الاعتبار للجهة القضائية الابتدائية ممثلة في المحاكم الإدارية فوسع من قواعد اختصاصها النوعي وألغى الازدواجية في هياكل القضاء الابتدائي المعمول بها منذ 1990 ممثلة الغرف الإدارية المحلية والغرف الإدارية الجهوية والذي تعرض لسبيل من الانتقادات من جانب المتخصصين9.
وإذا كانت المادة الأولى من القانون 98-02 المذكورة أعلاه قد كرست مبدأ التقاضي على درجتين ففرضت إحالة كل منازعة إدارية على المحكمة الإدارية لتفصل فيها بموجب قرار ابتدائي قابل للطعن بالاستئناف وهو ما تأكد في المادة 4 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ، إلا أن المشرع عندما اعترف لمجلس الدولة بسلطة الفصل في بعض المنازعات الإدارية المحددة بموجب المادة 9 من القانون 98-01 أورد استثناءا على الاختصاص النوعي المطلق للمحاكم الإدارية ونزع صلاحية النظر في بعض القضايا الإدارية التي خول النظر فيها لمجلس الدولة منتهكا بذلك كما رأينا مبدأ التقاضي هي درجتين .
وعليه أخفق المشرع في ضبط قواعد  الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية عندما سحب منها سلطة الفصل في بعض المنازعات المحددة حصرا ،وكان أفضل وتكريسا لمبدأ التقاضي على درجتين من جهة، وتقليصا من نطاق الاختصاصات القضائية  لمجلس الدولة من جهة أخرى أن يعترف المشرع للمحكمة الإدارية  بالجزائر العاصمة ولو بتشكيلة خاصة كما دعونا لذلك سابقا بسلطة النظر في الدعاوى الإدارية الموجهة ضد السلطات المركزية والهيئات الوطنية والمنظمات المهنية الوطنية سواء ما تعلق منها بقضاء الإلغاء أو فحص المشروعية أو التفسير.
وبالرجوع لمقتضيات المادة 800 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية نجدها نصت على ما يلي:" تختص بالفصل في أول درجة بحكم قابل للاستئناف في جميع القضايا التي تكون الدولة أو الولاية أو البلدية أو إحدى المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية طرفا فيها".
وبذلك أشار النص أعلاه فقط لنوع معين من المؤسسات وهو "المؤسسات الإدارية ذات الطابع الإداري" دون سواها مما ضيق من مجال المنازعة الإدارية من الناحية العضوية. ويكفي للاستدلال على ذلك الرجوع للمادة الأولى من المرسوم الرئاسي 02-250 المؤرخ في 24 يوليو 2002 المعدل والمتمم نجدها تضمنت الإشارة للعديد من المؤسسات فذكرت:
1-    مراكز البحث والتنمية.
2-    المؤسسات العمومية الخصوصية ذات الطابع العلمي والتكنولوجي.
3-    المؤسسات العمومية ذات الطابع العلمي والثقافي والمهني.
فهذه المؤسسات جميعا معنية بالخضوع لتنظيم الصفقات العمومية،وقواعد الصفقات العمومية لا شك أنها ذات طابع إداري، والدليل أن قانون الإجراءات المدنية والإدارية ذاته خصص لمنازعات الصفقات أحكاما خاصة في المادة946 وما بعدها.
وتأسيسا على ما ذكر نطرح الإشكالية التالية: كيف يعقل خضوع المؤسسة العمومية الخصوصية ذات الطابع العلمي والتكنولوجي أو ذات الطابع العلمي والثقافي والمهني لتنظيم الصفقات بموجب المادة 2 أعلاه من المرسوم الرئاسي من جهة، ومن جهة أخرى عدم ذكرها في المادة 800 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية والاقتصار فقط على المؤسسات ذات الصبغة الإدارية. وبالتالي عدم اعتبار منازعاتها منازعات إدارية بحكم عدم ورود هذا الصنف من المؤسسات في المادة 800. ولتوضيح هذه المسألة أكثر ينبغي الرجوع لبعض التشريعات الخاصة التي تضمنت الإعلان عن هذا النوع من المؤسسات الجديدة.
ورجوعا للقانون 99-05 المؤرخ في 4 أبريل 1999 المتضمن القانون التوجيهي للتعليم العالي والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 24 لسنة  1999 والمعدل بالقانون 2000-04 الجريدة الرسمية 75 لسنة 2000 وكذلك القانون 08-06 والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 10 لسنة 2008 نجد المادة 31 منه جاء فيها ما يلي:" من أجل التكفل بالمهام المحددة في المادة 5 أعلاه تنشأ مؤسسة عمومية ذات طابع علمي وثقافي ومهني،" وجاء في المادة 32 من ذات القانون:" تعتبر المؤسسة العمومية ذات الطابع العلمي والثقافي والمهني مؤسسة وطنية للتعليم العالي تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي."
وتطبيقا لهذا القانون صدرت العديد من المراسيم التنفيذية معلنة عن إنشاء جامعات ومراكز جامعية تحت عنوان "مؤسسة عمومية ذات طابع علمي وثقافي ومهني"، نذكر على سبيل المثال المراسيم التنفيذية التالية:
-   المرسوم التنفيذي 08-203 المؤرخ في 9 يوليو يتضمن إنشاء المركز الجامعي بتسمسيلت والمنشور في الجريدة الرسمية رقم 39 لسنة 2008 حيث اعترفت المادة الأولى منه بأن المركز الجامعي لتسمسيلت هو مؤسسة عمومية ذات طابع علمي وثقافي ومهني.
-  المرسوم التنفيذي 08-204 المؤرخ في 9 يوليو يتضمن إنشاء المركز الجامعي بميلة والمنشور في الجريدة الرسمية رقم 39 لسنة 2008 حيث اعترفت المادة الأولى منه بأن المركز الجامعي بميلة هو مؤسسة عمومية ذات طابع علمي وثقافي ومهني.
-   المرسوم التنفيذي 08-205 المؤرخ في 9 يوليو يتضمن إنشاء المركز الجامعي بعين تيموشنت والمنشور في الجريدة الرسمية رقم 39 لسنة 2008 حيث اعترفت المادة الأولى منه بأن المركز الجامعي بعين تيموشنت هو مؤسسة عمومية ذات طابع علمي وثقافي ومهني.
-   المرسوم التنفيذي 08-206 المؤرخ في 9 يوليو يتضمن إنشاء المركز الجامعي بغليزان والمنشور في الجريدة الرسمية رقم 39 لسنة 2008 حيث اعترفت المادة الأولى منه بأن المركز الجامعي بغليزان هو مؤسسة عمومية ذات طابع علمي وثقافي ومهني.
وبالتالي واستنادا لما حملته النصوص التشريعية والتنظيمية الجديدة الصادرة ابتداءا من 1999 صارت المراكز الجامعية والجامعات تحمل تصنيفا تحت عنوان مؤسسة عمومية ذات طابع علمي وثقافي ومهني. ولا يصح بعد تحديد القانون والتنظيم لها اعتبارها منذ هذا التاريخ مؤسسة عمومية ذات طابع إداري علما أن القانون 99-05 المذكور أجاز إنشاء مؤسسات ذات طابع إداري بموجب قرار وزاري مشترك  وهذا ما نصت عليه المادة 40 منه.
أما بخصوص المؤسسة العمومية ذات الطابع العلمي والتكنولوجي نستدل على وجودها القانوني بالمرسوم التنفيذي 99-256 المؤرخ في 16 نوفمبر 1999 والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 82 لسنة 1999 المتضمن إنشاء المؤسسة العمومية ذات الطابع العلمي والتكنولوجي وتنظيمها وسيرها، فهذا المرسوم اعترف بموجب المادة 3 منه للمؤسسة العمومية بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي.فهذا صنف جديد من المؤسسات ولا يصح اعتباره مؤسسة عمومية ذات صبغة إدارية لأن نص المرسوم التنفيذي المذكور فصل في الطبيعة القانونية للمؤسسة وأضفى عليها الطابع العلمي والتكنولوجي، ولا يصح باعتقادنا قانونا  إعطائها تسمية أو تصنيفا غير ذلك الممنوح لها قانونا.
وتأسيسا على ما ذكر وبالعودة للمادة 800 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية نجدها أشارت وبصريح النص كما رأينا للمؤسسة الإدارية ذات الصبغة الإدارية واستبعدت المؤسسات الجديدة كالمؤسسة العمومية ذات الطابع الثقافي والمهني والمؤسسة العمومية ذات الطابع العلمي والتكنولوجي، فلم ترد في منطوق المادة 800 ولا أثر لها في السياق اللفظي.
وإذا كان البعض يميل إلى إجراء القياس على أساس أن هذا النوع من المؤسسات الجديدة قريبة من المؤسسات الإدارية بحكم أنها لا تبتغي ربحا من خلال نشاطها وأن قراراتها إدارية، والعاملين فيها يخضعون للقانون الأساسي للوظيفة العامة، غير أننا ننبه أننا بصدد قواعد الاختصاص النوعي وهذه الأخيرة ذات العلاقة بالنظام العام ويفترض أنها تسن بنص واضح كما بينا ، ولا  ينبغي أن تكون مبهمة أو بها فراغ بما يفسح مجالا للاجتهاد وهي غير قابلة للقياس والربط.
 ومن المؤكد أن هذا الاجتهاد الذي يدعو إلى الربط بين المؤسسات الإدارية والمؤسسات ذات الطابع العلمي والتكنولوجي أو ذات الطابع العلمي والثقافي والمهني وتفسير المادة 800 تفسيرا واسعا سينجم عنه تحميل النص أكثر مما يحمل والأخطر من هذا أننا أمام نص إجرائي ولسنا أمام نص موضوعي.
لذا ندعو المشرع إلى التعجيل بتعديل مضمون المادة 800 المذكورة بما يتماشى والتشريعات الخاصة. وبما يحدث نوعا من الملائمة بين النص الإجرائي والنصوص المحدثة لهذا النوع من المؤسسات.
إن الإبقاء على نص المادة 800 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على حالها يعني ببساطة أن المحكمة الإدارية ستقضي بعدم الاختصاص في حال فصلها في منازعة أحد أطرافها جامعة بحكم عدم ورودها في المادة المذكورة، ولا يمكن من وجهة نظرنا استيعاب مثل هذا القرار  خاصة وهي جهة للقانون العام، وتعتمد في تمويلها على الخزينة العامة،و أن قراراتها قرارات إدارية. وموظفوها يخضعون للقانون الأساسي للوظيفة العامة، وتخضع للمرسوم الرئاسي 02-250 المتعلق بالصفقات العمومية فكيف نسلم مع هذا كله أنها لا تدخل تحت طي المادة800 وتلحق بالهيئات الأخرى كالدولة والولاية والبلدية والمؤسسة العمومية ذات الصبغة العمومية، وهذا يفرض وجها جديدا لمضمون المادة 800 يشمل ضم هذا النوع من المؤسسات الجديدة ذات الطابع العلمي والتكنولوجي وذات الطابع العلمي والثقافي والمهني.

خلاصة واستنتـاج بخصوص إصلاح 1996 وما تبعه من نصوص موضوعية وإجرائية:
أولا-مـن حيث تحديـد مجـال الاختصـاص:
أثيرت إشكالية الاختصاص بعد إنشاء مجلس الدولة والمحاكم الإدارية حيث أن المادة الأولى من القانون رقم 98-02 المتعلق بالمحاكم الإدارية جاء فيها ما يلي :
-" تنشأ محاكم إدارية كجهات قضائية للقانون العام في المادة الإدارية "
غير أن أحكام القانون العضوي 98-01 المحدد لاختصاصات مجلس الدولة ذات الطابع القضائي وخاصة المادة 9 منه أوردت قيدا على نطاق هذا الاختصاص.
وبموجب هـذا الاختصاص أصبح مجلس الدولة يفصل فــي :
الطعون بالإلغاء المرفوعة ضد القرارات التنظيمية أو الفردية الصادرة عن السلطات الإدارية المركزية والهيئات العمومية الوطنية والمنظمات المهنية الوطنية .
الطعون الخاصة بالتفسير ومدى شرعية القرارات التي تكون نزاعاتها من اختصاص مجلس الدولة .
واستنادا لقواعد الاختصاص المذكورة يتبين لنا أن اختصاص المحاكم الإدارية انحصر في :
القضايا الإدارية المتعلقة بالقضاء الكامل أي المنازعات المتعلقة بالمسؤولية المدنية للدولة والولاية والبلدية والمؤسسات العامة ذات الطابع الإداري .
الطعون بالبطلان في القرارات الصادرة عن رؤساء المجالس الشعبية البلدية ، والولاة وعن المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري .
الطعون الخاصة بتفسير هذه القرارات وفحص مدى مشروعيتها ، وهو ما تأكد بموجب المواد 800 و801 و802 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية لسنة 2008.
 ومن هنا يمكن توجيه الحكم أن قواعد اختصاص المحاكم الإدارية ثابت في منازعات القضاء الكامل أو قضاء التعويض ومنقوص ولو بصفة جزئية في مجال قضاء الإلغاء ، حيث انحصر دور المحكمة الإدارية بالنظر في المنازعات الإدارية التي كانت سابقا من اختصاص الغرفة الإدارية الموجودة على مستوى المجلس القضائي والغرفة الجهوية. ولا تختص بالنظر في دعاوى الإلغاء التي تدخل تحت طي المادة 9 من القانون العضوي 98-01 كما بينا.

1- من حيـث الطعن: من المآخذ التي يمكن تسجيلها على الإصلاح القضائي الجديد أنه أخل بمبدأ التقاضي على درجتين كأحد الضمانات الأساسية بالنسبة للمتقاضي10  ذلك أنه واستنادا للمادة 9 من القانون العضوي 98-01 يتولى مجلس الدولة النظر ابتدائيا ونهائيا في الطعون الموجهة للقرارات الصادرة عن الهيئات المركزية والهيئات الوطنية .
وبناءا عليه فإن هذه الدعاوى تعرض مباشرة على مجلس الدولة كأول وآخر درجة وبذلك اتصف الاستئناف كطريقة من طرق الطعن في النظام القضائي الجزائري بعدم التجانس بين القضاء الإداري والقضاء العادي ،فالاستئناف في النظام القضائي العادي تمثله المجالس القضائية كهيكل أنشئ بغرض النظر في دعاوى الاستئناف الموجهة ضد الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية ، وهذا خلافا للمواد الإدارية يرفع الاستئناف لنفس الجهة التي تنظر أيضا في الطعون بالنقض وهي مجلس الدولة ، وهنا تم الإخلال بمبدأ التقاضي على درجتين .

2- من حيـث مبـدأ تقريـب العدالـة من المتقاضين:أشرنا سابقا أن الإصلاح القضائي الذي نتج عن دستور 1996 أخل بمبدأ التقاضي على درجتين كون الطعن بالاستئناف يرفع أمام مجلس الدولة عوض محكمة استئناف أخرى . ولقد نتج عن هذا الدور المزدوج لمجلس الدولة كهيئة استئناف من جهة، ونقض من جهة أخرى أن تحمل المتقاضي وحده عبء وجود محكمة استئناف واحدة مقرها الجزائر العاصمة.

ثانيا من حيث تكريس المعيار العضوي كأداة لتوزيع الاختصاص:
لم يوفق المشرع كما رأينا في ضبط قواعد الاختصاص استنادا للمعيار العضوي خاصة عند مقابلة المواد بعضها ببعض، إذ لا حظنا الاختلاف في سياق المباني اللفظية بين كل من المادة 9 من القانون العضوي 98-01 والمادة 901 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية. كما لاحظنا ذات الاختلاف بين المادة 8 وما ذكر في تشريعات خاصة، ودعونا لضرورة تعديل المادة 800 بما يتماشى والتشريعات الخاصة.فالمعيار العضوي المعتمد عليه في الجزائر وإن كان يتسم بالبساطة والوضوح ولا يرهق القاضي حال فصله في المنازعات، إلا أن ذات المعيار يفرض الصياغة الدقيقة ووضوح العبارات والدلالة خاصة والأمر يتعلق بقواعد الاختصاص النوعي ذات الصلة بالنظام العام.

ثالثا-من حيـث عـدد المحاكم الإدارية :
لقد أعلن المرسوم التنفيذي رقم 98-356 المؤرخ في 14 نوفمبر 1998 في مادته الثانية عن إنشاء 31 محكمة إدارية كجهات قضائية للقانون العام في المادة الإدارية ، وإذا كان المرسوم المذكور قد نص في مادته الرابعة بأن تنصيب المحاكم الإدارية سيتم تدريجيا عبر الوطن عندما تتوفر الشروط الموضوعة إلا أن عدد المحاكم الإدارية 31 الذي حمله المرسوم يبقى مبالغا فيه إلى حد كبير لأن إنشاء 31 محكمة إدارية بهياكلها وموظفيها وقضاتها المتميزين  مسألة تحتاج إلى إمكانات مادية وبشرية . وفوق هذا وذاك تحتاج إلى زمن طويل من الإعداد والتحضير ، والدليل على ذلك أن المرسوم المتعلق بإنشاء المحاكم الإدارية صدر في 14 نوفمبر 1998 ولم تبدأ عملية تنصب المحاكم  الإدارية إلا في 2010.
والحقيقة أن هذه الإشكالات التي تمخضت على الإصلاح القضائي بموجب القانون 98-01    و 98-02 وإن كانت معقولة ومنطقية وتستند إلى مبررات وأسباب قوية إلا أنه ومع ذلك نتبنى هذا الإصلاح وتثني عليه للاعتبارات التالية:
1- أن الدولة وابتداء من 1996 تعيش حركة من الإصلاح الشامل والواسع ، ومن ثم وبمجرد فصل القضاء الإداري عن القضاء العادي ،فإن ذلك يشكل خطوة جبارة في مجال هيكلة النظام القضائي على نحو يلائم تطور المجتمع الجزائري في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وإذا نتج عن هذه الخطوة بعض الإشكالات التي أثيرت كإشكالية الاختصاص كون المحاكم الإدارية أبعدت عن النظر في الدعاوى التي تخص الهيئات المركزية ، فإن ذلك لا ينقص من قيمة الإصلاح.
2-إن تخصيص قضاء إداري يتولى النظر في المنازعات الإدارية دون غيرها، قضاء له هياكله وقضاته، معترف له بالاستقلالية، لا شك أنه أمر يتيح للقضاة العاملين في مجلس الدولة والمحاكم الإدارية من التعمق في مجال القانون الإداري ومن المتمرس على الفصل في نوع معين من القضايا وهي المنازعات الإدارية مما سينعكس إيجابا على مردودية القطاع ونوعية الأحكام والقرارات القضائية .
3-إن إبعاد المحاكم الإدارية بنظرنا من أن تتولى النظر في المنازعات الإدارية التي تكون أحد أطرافها سلطة مركزية أو هيئة وطنية مستقلة، يعود إلى أن المشرع فضل أن ينظر في هذا النوع من القضايا قضاة مجلس الدولة باعتبارهم أكثر تجربة وتمرسا على الفصل في المنازعات الإدارية ولم يقصد التقليل من قيمة المحاكم الإدارية أو حرمانها من اختصاص كان ينبغي أن يعود إليها ، أو إبعادها من أجل الإبعاد أو المساس بمبدأ التقاضي على درجتين .
إن المشرع عندما فرض من أن لا يقف ممثل الدولة (الوزير) أو ممثل الهيئة الوطنية المستقلة أمام المحاكم الابتدائية لم يكن في نيته أبدا ترسيخ فكرة أن الإدارة المركزية أقوى من المحكمة الإدارية الابتدائية فلا تمثل أمامها ، بل هو ميل من المشرع وتفضيل واقتناع من جانبه وتقدير من أن ينظر في هذا النوع من النزاع قضاة على درجة كبيرة من الخبرة  وهذا سبب موضوعي.

 الاقتراحـــات:
تأسيسا على ما تقدم من ملاحظات واستنتاجات نوصي بما يلي:
·   تعديل المادة 901 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية بما يلائم المادة 9 من القانون العضوي 98-01 في حال الاستمرار بالاعتراف لمجلس الدولة بالاختصاص المقيد أي القضاء الابتدائي والنهائي.
·   تعديل المادة 800 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية بما يتماشى والتشريعات الخاصة وكذلك بما يلائم التصنيف الجديد للمؤسسات وإدخال المؤسسات العمومية ذات الطابع العلمي والتكنولوجي وذات الطابع العلمي والثقافي والمهني وضمها لباقي أشخاص القانون العام المذكورة في سياق النص.
·    تعديل المادة 9 من القانون العضوي 98-01 و إناطة الاختصاص الابتدائي فقط للمحكمة الإدارية بالجزائر العاصمة بشأن المنازعات الإدارية  المتعلقة بالأشخاص المحددين في المادة المذكورة. وهذا بتشكيلة خاصة كما بينا بغرض  تكريس مبدأ التقاضي على درجتين وهو من أهم مبادىء النظام القضائي الجزائري.
·        تنصيب محاكم استئناف في المادة الإدارية ولو بالعدد القليل وإعفاء مجلس الدولة من هذا الاختصاص القضائي.
·        الإسراع في تنصيب المحاكم الإدارية في باقي المناطق لتقريب القضاء من المتقاضين.

قائمة المراجع:
أولا النصوص الرسمية
1-       دستور الجمهورية الجزائرية لسنة 1996.
2-      القانون العضوي98-01 المؤرخ في 30 مايو 1998 المتضمن اختصاصات مجلس الدولة وتنظيمه وعمله .
3-      القانون 98-02 المؤرخ في 30 مايو 1998المتضمن المحاكم الإدارية
4-   للقانون 99-05 المؤرخ في 4 أبريل 1999 المتضمن القانون التوجيهي للتعليم العالي والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 24 لسنة  1999 والمعدل بالقانون 2000-04 الجريدة الرسمية 75 لسنة 2000 وكذلك القانون 08-06 والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 10 لسنة 2008
5-                القانون 08/09 المؤرخ في 25 فبراير 2008 المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
6-   المرسوم الرئاسي 02-250 المؤرخ في 24 يوليو 2002 المعدل والمتمم المتضمن تنظيم الصفقات العمومية.
7-   المرسوم التنفيذي 08-203 المؤرخ في 9 يوليو يتضمن إنشاء المركز الجامعي بتسمسيلت والمنشور في الجريدة الرسمية رقم 39 لسنة 2008 .
8-  المرسوم التنفيذي 08-204 المؤرخ في 9 يوليو يتضمن إنشاء المركز الجامعي بميلة والمنشور في الجريدة الرسمية رقم 39 لسنة 2008
9-  المرسوم التنفيذي 08-205 المؤرخ في 9 يوليو يتضمن إنشاء المركز الجامعي بعين تيموشنت والمنشور في الجريدة الرسمية رقم 39 لسنة 2008
10-   المرسوم التنفيذي 08-206 المؤرخ في 9 يوليو2008 يتضمن إنشاء المركز الجامعي بغليزان والمنشور في الجريدة الرسمية رقم 39 لسنة 2008 .
11-     المرسوم التنفيذي 99-256 المؤرخ في 16 نوفمبر 1999 والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 82 لسنة 1999 المتضمن إنشاء المؤسسة العمومية ذات الطابع العلمي والتكنولوجي وتنظيمها وسيرها.

ثانيا الكتب
باللغة العربية:
1-  الدكتور بعلي محمد الصغير ، الوجيز في المنازعات الإدارية عنابة، الجزائر، دار العلوم، 2005.
2-  الدكتور  بوضياف عمار، النظام القضائي الجزائري،دار ريحانة،الجزائر،2003.
3-   الدكتور بوضياف عمار،القضاء الإداري،جسور للنشر والتوزيع،الجزائر ،2010.
4-  الدكتور بوضياف عمار، الوجيز في القانون الإداري، الطبعة الثانية، جسور للنشر والتوزيع،الجزائر،2010.
5-  الدكتور سعيد الحكيم الرقابة على أعمال الإدارية في الشريعة الإسلامية والنظم الوضعية، ط2، القاهرة، دار الفكر العربي 1987.
باللغة الفرنسية:
J. Marie Woehrling- Les transformations de la justice administrative, Paris Economica,1994
P.Fenachi- La justice administrative: Tribunaux administratifs, Cours administrative d'appel et Conseil d'Etat, Paris, PUF, 1992,.
 
ثالثا مذكرات الماجستير ودبلوم دراسات عليا:
1-  هوام الشيخة، الطعن بالنقض أمام مجلس الدولة الجزائري، مذكرة ماجستير في القانون العام، جامعة قالمة (الجزائر)، 2006.
2-   مبرك حنان، الوظيفة القضائة لمجلس الدولة الجزائرية، مذكرة ماجستير، المركز الجامعي سوق أهراس (الجزائر)، 2006.
3-  مسعود جندلي مذكرة للإحراز على شهادة الدراسات المعمقة في القانون العام، جامعة تونس، كلية الحقوق والعلوم السياسية، 1998.

 رابعا المجلات القضائية:
مجلة مجلس الدولة  العدد الثاني 2002

خامسا الملتقيات:
فاضل موسى، خواطر وتساؤلات حول قوانين 3 جوان 1996، محاضرة ألقيت بمناسبة ملتقي إصلاح القضاء الإداري من 27 إلى 29 نوفمبر، مركز النشر الجامعي تونس / 1996.


التهميش:



1-  راجع بشأن التمييز بين سلطات القاضي الإداري في الدعاوى الإدارية المختلفة الدكتور محمد الصغير بعلي، الوجيز في المنازعات الإدارية عنابة، الجزائر، دار العلوم، 2005، ص 197.
2-أنظر الدكتور عمار بوضياف، النظام القضائي الجزائري،دار ريحانة،الجزائر،2003، ، ص 18. وأيضا الدكتور عمار بوضياف،القضاء الإداري،جسور للنشر والتوزيع،الجزائر،2010،ص23.
3- أنظر المادة 102 وما بعدها من قانون الإجراءات المدنية والمادة 902 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجديد لسنة 2008.
4- أنظر مجلة مجلس الدولة 23-09-2002، رقم 07304 منشور بمجلة مجلس الدولة العدد الثاني 2002.
5- لتفصيل أكثر راجع: هوام الشيخة، الطعن بالنقض أمام مجلس الدولة الجزائري، مذكرة ماجستير في القانون العام، جامعة قالمة (الجزائر)، 2006، ص 11 وما بعدها.
وأيضا: مبرك حنان، الوظيفة القضائة لمجلس الدولة الجزائرية، مذكرة ماجستير، المركز الجامعي سوق أهراس (الجزائر)، 2006، ص 108 وما بعدها.
6- أنظر الدكتور سعيد الحكيم الرقابة على أعمال الإدارية في الشريعة الإسلامية والنظم الوضعية، ط2، القاهرة، دار الفكر العربي 1987، ص 397.
7-لتفصيل أكثر حول التجربة التونسية والمغربية راجع: فاضل موسى، خواطر وتساؤلات حول قوانين 3 جوان 1996، محاضرة ألقيت بمناسبة ملتقي إصلاح القضاء الإداري من 27 إلى 29 نوفمبر، مركز النشر الجامعي تونس / 1996، ص 30.
8- أنظر الدكتور عمار بوضياف، الوجيز في القانون الإداري، الطبعة الثانية، جسور للنشر والتوزيع،الجزائر،2010،.ص66
9- راجع بخصوص تطور المحاكم الإدارية في فرنسا:
P.Fenachi- La justice administrative: Tribunaux administratifs, Cours administrative d'appel et Conseil d'Etat, Paris, PUF, 1992, P.23 et suiv.
J. Marie Woehrling- Les transformations de la justice administrative, Paris Economica,1994, P.45 et suiv.
10- يقول مندوب الحكومة الفرنسي: ".......إن مبدأ التقاضي على درجتين لا يمكن الحد منه أو التقليل من الهيئة لأنه يمثل ضمانا للمتقاضين وللمصلحة العليا للعدالة،"
أنظر مسعود جندلي مذكرة للإحراز على شهادة الدراسات المعمقة في القانون العام، جامعة تونس، كلية الحقوق والعلوم السياسية، 1998، ص 11.



avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى