خصائص الجريمة الاقتصادية _ دراسة في المفهوم والأركان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

خصائص الجريمة الاقتصادية _ دراسة في المفهوم والأركان

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 30 يوليو 2017, 21:56

خصائص الجريمة الاقتصادية _ دراسة في المفهوم والأركان
رابط التحميل من الموقع الأصلي====>> اضغط هنا 
مجلة  دفاتر السياسة والقانون العدد 7 _ 2012
 د/إيهاب الروسان
كلية الحقوق والعلوم السياسية
جامعة المنار-تونس-  
  ملخص:
الجريمة الاقتصادية هي التي تستهدف قواعد القانون الجزائي المخصص لطرق وأساليب التعامل الاقتصادي التي تعتبر نتاج التدخل التشريعي والترتيبي في العلاقات الاقتصادية الناشئة فيما بينهم أو العلاقات الاقتصادية بين الخواص والإدارة.
ولعلّ المشرّع في إطار الجريمة الاقتصادية قد سعى جاهدا إلى تحقيق التوازن بين ثوابت القواعد الموضوعية والإجرائية للقانون الجزائي التقليدي ومقتضيات السياسة الاقتصادية التي ارتأتها الدولة. إلا أنّ هذا السعي يبدو وأنّه لم تتحقّق منه الغاية المرجوة بدليل تميّز الجريمة الاقتصادية بعديد الخصائص.
 لا شك أن الجريمة الاقتصادية من حيث بنائها العام على مستوى القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية  تقابل قواعد وأحكام القانون الجزائي العام وكذلك القانون الجزائي الخاص.
 وهذا التقابل أظهر تفرد الجريمة الاقتصادية بعديد الخصائص التي تخرج عن جملة المبادئ الأصولية للقانون الجزائي.
ونتيجة للبحث عن فاعلية القواعد القانونية والتنظيمية الخاصة بالتعامل الاقتصادي المتسم بالتقنية والتعقيد، اضطر المشرع إلى أقلمة المبادئ الأصولية التي ظل تاريخيا يعتدّ بها في إطار القانون الجنائي العام، مع الوظائف والمجالات الاقتصادية الجديدة . وقد لا نستغرب منه الخروج عنها والتضحية بها ضمانا لنجاعة قواعد التجريم في إطار الجريمة الاقتصادية.                                                                                   
لقد أصبحت قواعد القانون الجزائي في خدمة السياسة الاقتصادية وآل الأمر إلى تطويع القوانين في إطار الجريمة الاقتصادية لمواكبة سرعة تقلبات الظواهر الاقتصادية دون الالتزام بالقواعد والمعايير المحددة في القانون الجنائي العام، سواء من حيث الأركان القانونية التي تتطلبها الجريمة الاقتصادية ، حيث نجد التغيير الواضح في ملامح الركن الشرعي، وكذلك غموض الركن المادي للجريمة الاقتصادية .
 وتبرز خصوصية الجريمة الاقتصادية من خلال المسؤولية الجزائية على مستويين ففي مستوى أول من خلال أساس المسؤولية ، ومن هذا المنطلق  يلاحظ أن الخطأ اعتمد كأساس للمسؤولية من ناحية أولى ، ومن ناحية ثانية وقع التخلي عنه لحساب المسؤولية الموضوعية .
 وفي مستوى ثاني من خلال أحكام إسناد المسؤولية الجزائية الناجمة عن ارتكاب الجرم يبدو أن الأشخاص الذين يمكن إسناد المسؤولية إليهم في القانون الجزائي الاقتصادي أكثر من القانون الجزائي العام ، وهو ما يبرز خصوصية الجرائم الاقتصادية في هذا المستوى ، ويظهر ذلك من خلال تكريس المسؤولية الجزائية عن فعل الغير ، ومن خلال المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي .
واعتبارا إلى كون القانون الجزائي الاقتصادي يمتاز بسرعة الردع و نجاعة العقوبات لتجنب أخطار التي تلحقها الجريمة الاقتصادية بالنشاط الاقتصادي ، فإن استقلالية وخصوصية الجريمة الاقتصادية برزت أكثر من خلال قواعد تتبع الجريمة الاقتصادية ،ومن خلال نظام العقوبات الخاص بالقانون الجزائي الاقتصادي  .
فمن حيث قواعد تتبع الجرائم الاقتصادية فأنه  يتطلب تقنية مختلفة عن القواعد المنطبقة في الجرائم العادية . لهذا فإن الجانب الإجرائي في القانون الجزائي الاقتصادي لا يخلو من خصوصية وتميز مقارنة بالإجراءات الجزائية ، التي ولئن أسندت بعض المهام الإجرائية للإدارة  إلا أنها لم تعطيها نفس الدور الهام الذي تتمتع به في إطار القانون الجزائي الاقتصادي ، فمنذ انطلاق التتبعات ووصولا إلى النطق بالعقوبة النظام المعتمد استثنائي جدا ، ونظرا لكثرة هذه الاستثناءات فإنها أصبحت هي المبدأ في القانون الجزائي الاقتصادي . وهو ما يؤكد خصوصية الجريمة الاقتصادية التي تظهر من خلال قواعد معاينة الجرائم الاقتصادية  ، ومن خلال أحكام الدعوى العمومية .
أما فيما يخص نظام العقوبات لذلك فإن السياسة الردعية المعتمدة تكشف عن خصوصية مقارنة بالقانون الجزائي الكلاسيكي، قد فرضت على المشرّع اعتماد مفاضلة بين العقوبات التي تخدم المصلحة الاقتصادية، إذ اتجه إلى إعطاء أولويّة للعقوبات المالية دون العقوبات السّالبة للحرّية الأمر الذي تغيرت معه طبيعة ووظيفة العقوبة بررت بدورها التساؤل عن نجاعتها في إطار النّظام الزجري للجريمة الاقتصادية .

 Résumé
Le but majeur du droit pénal économique est la lutte contre les infractions en relation avec la vie des affaires. De ce fait, même si l’on peut constater que sur certains points la législation pénale économique respecte les règles fondamentales du droit pénal classique, il n’en demeure pas moins que plusieurs divergences peuvent être relevées. Ainsi, l’élément moral de l’infraction économique connait un certain recul en raison du principe largement adopté en matière des affaires savon, la responsabilité collective et objective.
De même, il faut relever que l’infraction économique, contrairement aux règles classiques du droit pénal, peut être imputable non seulement aux personnes physiques coupables mais également aux personnes morales voire à des cas de responsabilité pour autrui.
Cette même spécificité du droit pénal économique se prolonge au niveau procédural dans la mesure où le législateur à pré ou des règles particulières concernant aussi bien la constatation que la poursuite et même la nature de la sanction, principalement monétaire, prévues dans le cadre du droit pénal économique.

إنّ تعايش قواعد القانون عامّة مع المعطيات الاقتصادية يعتبر من الأمور التي لا تكون على قدر كبير من اليسر1، وقد يكون المشرّع في هذا الإطار متحملا لعبء إيجاد مقاربة متوازنة بين متطلبات التنمية الاقتصادية من النجاعة والفاعلية وبين الثوابت الأصولية لمادة القانون2 . ولعلّ المشرّع في إطار الجريمة الاقتصادية قد سعى جاهدا إلى تحقيق التوازن بين ثوابت القواعد الموضوعية والإجرائية للقانون الجزائي التقليدي ومقتضيات السياسة الاقتصادية التي ارتأتها الدولة3. إلا أنّ هذا السعي يبدو وأنّه لم تتحقّق منه الغاية المرجوة بدليل تميّز الجريمة الاقتصادية بعديد الخصائص.
يمكن القول بأن تحديد مفهوم القانون الجزائي الاقتصادي باعتباره فرعاً ناشئاً من القانون أثار جدلاً كبيراً بين الفقهاء4تمحور حول تحديد نطاق هذا القانون بين اتجاه ضيق وآخر واسع.
فالاتجاه الضيق في تعريف القانون الجزائي الاقتصادي حدّد ميدان الجريمـة الاقتصاديـة في مجالات محصورة إذ يربط القانون الجزائي الاقتصادي بالقانون المتعلق بالمنافسة والأسعار5ورائد هذا الرأي الفقيـه (Jean Pradel) الذي عرض الجريمة الاقتصاديـة بكونها تلك المتصلة "بالسوق والمبادلات التجاريـة سواء كانت هذه المبادلات تجمع بين منتج وموزع أو بين موزع ومستهلك وسواء كانت هذه المبادلات تتعلق بمنتج أو خدمة"6. فقد حصر هذا التعريف مجال الجريمـة الاقتصاديـة بعمليـة المبادلات في إطار السوق.
 فالجريمة الاقتصادية هي كل فعل أو امتناع يخالف قواعد المنافسة وتحديد الأسعار. إلا أن هذا التعريف الذي يربط بين القانون الجزائي الاقتصادي وقانون المنافسة والأسعار راجع لما كان يعتمده بعض المشرعين، كالمشرعين الفرنسي لسنة 1945 والتونسي لسنة 1970 في تسمية القانون المتعلق بتنظيم المنافسة والأسعار بأنه القانون "المتعلق بزجر المخالفات في الميدان الاقتصادي" إلا أن كلا المشرعين قد ألغيا هذا القانون (فرنسا سنة 1986 وتونس 1991) وعوضاه بقانون يحمل تسمية جديدة وهي قانون المنافسة والأسعار، أي أن الحجة المستمدة من موقف المشرع سقطت، إذ أن المشرع نفسه قد رأى تجاوز القانون الجزائي الاقتصادي لميدان المنافسة والأسعار وهو ما دفع بالبعض إلى اعتماد معايير أخرى. فالفقيه J. LARGUIERفقد تجاوز التعريف السابق منطلقا من القواعد القانونيـة المنظمـة للمادة الاقتصادية والتي تشكل حسب رأيـه "قـانون رأس مالي حتى ولو كان يقيد حريـة رأس المال فهو يهم أساسا رجـل المال"7. أي أن الجريمـة الاقتصاديـة حسب هذا التعريف ترتبط برأس المال.
أما الاتجاه الموسع فقد شهد مساندة من عديد الشراح والفقهـاء وتعددت تبعا لذلك المحاولات الفقهيـة لتعريف الجريمـة الاقتصاديـة وفي هذا الإطار جاء تعريف الفقيه VRIJ: "الجريمـة الإقتصاديـة هي الجريمـة الموجّهة ضد إدارة الاقتصاد المتمثلة في القانون الاقتصادي والسياسة الاقتصاديـة التي ترتبط بالنظام العام الاقتصادي"8 كما ذهب بعض الفقهاء إلى تعريف الجريمـة الاقتصاديـة بكونها الجريمـة التي تستهدف القواعد المخصصة مباشرة لحماية المصالح الاقتصاديـة للبلاد انطلاقا من حماية السياسة الاقتصاديـة التي تنتهجها الدولـة.
وعموما فإنّ دعاة التوسع في تعريف الجريمـة الاقتصاديـة حاولوا إيجاد تعريف انطلاقا من مبنى الجريمـة المتمثل في تحقيق نجاعة وفاعليـة السياسة الاقتصاديـة وضمان احترام مقتضيات النظام العام الاقتصادي.
 فهي بذلك تكون قد تجاوزت القواعد الأصولية وتفرّدت عن جريمة الحق العام. فلا خلاف في هذا المستوى من البحث والتحليل في  أن الجريمة الاقتصادية قد تميزت بعديد الخصائص ، كانت بمثابة المنفذ إلى الإيذان بميلاد فرع قانوني جديد ألا وهو القانون الجزائي الاقتصادي9، كما مثّلت دعامة إلى دعوة الفقه بإرساء هذا الفرع القانوني الجديد كمادة قانونية مستقلّة.
 إن فكرة الملائمة بين الظواهر الاقتصادية والقواعد القانونية وإن بلغت درجة الجبر والإلزام فإنها تعتبر لا محالة  من ضرورات سلامة الحياة الحديثة، التي استوجب  تغير مهام الدولة واتساع مجالها ، والذي قابله تطور في الصفة غير  المشروعة للفعل الإجرامي وموضوع الردع الجزائي10.
فمن حيث تغير وظيفة الدولة. يجدر بنا القول إلى أن القانون ليس انعكاسا للأوضاع الاقتصادية فحسب بل هو وسيلة حمايتها في وقت امتد فيه تدخل المشرع لتنظيم مجالات ظلت تاريخيا لا تحضى باهتمام الدولة ، كما أنّها لم تشكـل أحد مواضيع القاعدة الموضوعية الجزائية11.
 ويعد ميدان العلاقات الاقتصادية أبرز ميدان ظهر فيه تطور أنماط السلوك البشري12، فالدولة الحديثة أصبحت تتدخل في الاقتصاد حتى وإن كانت تستلهم الحرية الاقتصادية كمبدأ . باعتبار وأن المعاملات الاقتصادية يجب أن تنتظم ليس فقط لأنّها يمكن أن تستهدف مصالح الفرد وإنما لما قد تنطوي عليه من انتهاك وفساد للسياسة الاقتصادية للدولة13.
كما أن موضوع العقاب الجزائي في المادة الاقتصادية لم يعد التصرف المنافي للأخلاق الاجتماعية ، وإنما عدم  طاعة الدولة وتحقيق مصلحتها، وهو ما دعى الفقه الحديث14 إلى إقامة تفرقة بين الجرائم الناجمة عن الوعي الاجتماعي، التي تثير استنكاره لما فيها من استهجان لحقوق المجتمع والجرائم التي تخلقها الدولة فقط. وهو الإطار الذي تتنزل فيه الجريمة الاقتصادية، والذي اعتبر البعض أن ظهورها واحتلالها الأهمية التي فاقت  جرائم الاعتداء على الأشخاص والآداب العامة من استحداثات ومنجزات القرن العشرين15 . فجرائم المادة الاقتصادية من هذا المنظور لها ما يميزها عما اصطلح عليه " بالرذائل لخالدة"16 أي الأفعال الإجرامية التي نبذتها الأمم وأجمعت على طبيعتها اللاّأخلاقية الحضارات الإنسانية منذ بدئها، فهي جرائم مصطنعة مرهونة  بنظام الدولة17.
 ولعل الصبغة التقريرية لطرح موضوع الحال يعزز هذا التوجه الفقهي، إذ يتعلق بدراسة الخصائص التي يراد بها استقلالية الجريمة الإقتصادية بقواعد نظامها التجريمي والإجرائي، وبالتالي الخروج عن القواعد الأصولية التي ترتكز عليها جريمة الحق العام في إطار القانون الجبائي التقليدي، وذلك إيذانا بميلاد فرع قانوني جديد18 ألا وهو  القانون الجنائي الاقتصادي.
 ويعتبر التنوع في التجريمات الاقتصادية نتيجة لكثافة الحركة التي تجسمت في ترسانة القوانين والقواعد التنظيمية المحددة للجريمة الاقتصادية، أو ما اصطلح عليه الفقه بظاهرة التضخم التشريعي . وهذه الظاهرة ولئن كانت ضرورة19اقتضتها الظواهر الاقتصادية المتشعبة،إلا أنها أحدثت تشويشا وتصدعا في القواعد الأصولية والمبادئ العامة للقانون الجنائي العام ،أوجد تذبذبا لدى الفقه والقضاء في تحديد محيط الجريمة الاقتصادية وظل مفهومها غامضا20.
إلا أن ذلك لا يجب أن يجرنا إلى القول بأن إطار الجريمة الاقتصادية هو بناء اصطناعي ينحصر موضوعه في جمع  عدد من أصناف الجرائم تشترك في اتصال موضوعها بالميدان الاقتصادي . بقدر ما تتميز بجملة من الخصائص التي تنفرد بها عن جرائم القانون العام المشار إليها والتي لم تعد تفي بالحاجة في الوقت الراهن لاتساع مجال العلاقات الاقتصادية وتنامي تشعب الإجرام الاقتصادي21.
نظرا لتنامي الجريمة الاقتصادية ، برزت ضرورة تدخل القاعدة الجزائية في تنظيم الاقتصاد ، والتي لم تكن محل إجماع فقهي فإذا كانت التشريعات المعاصرة قد استقرت على إعطاء دور بارز للقانون الجنائي في المادة  الاقتصادية فإن الفقه مازال إلى يوم الناس هذا لم يصل إلى إجماع بخصوص هذا الشأن. فقد عارض بعض الفقهاء تدخل المشرع بمقتضى القاعدة الجزائية لتنظيم المادة الاقتصادية، ذلك أن المجال الاقتصادي هو ميدان المتخصصين والمحترفين وليس للقاعدة الجزائية أن تتدخل فيه. وقد عبر البعض عن ذلك أن "الشخص الذي يتعامل مع شخص آخر يجب أن يكون فطنا وحكيما ويجب أن يحرص على مصلحته ويحصل على المعلومات المناسبة … فمهمة القانون تتمثل في حمايتنا من غش الغير وليس إعفاءنا من استعمال صوابنا … وان لم يكن الأمر كذلك فإن رقابة القوانين ستؤول إلى التعسف والاستبداد"22.
ويستند هذا الموقف المعارض لتدخل المشرع في المجال الاقتصادي إلى عديد الحجج لعل أهمها هو أن هناك تضاربا بين الحرية الاقتصادية وقواعد القانون الجزائي. وان هذه الحماية الجزائية كبح للتطور الاقتصادي وعائق لروح المبادرة وبالتالي فإن نطاق القانون الجزائي يجب أن ينحصر في دائرة الجرائم الطبيعية المنافية للأخلاق، أما الأفعال المجرمة في الميدان الاقتصادي فإنها تكون جرائم مصطنعة لا تتصادم مع العدالة في معناها العميق. غير أن هذه الحجج المتمسك بها ترتبط بفترة تاريخية معينة وبنظام اقتصادي محدد سيطرت فيه الحرية الاقتصادية الفردية، ولا يصلح هذا الاتجاه في الوقت الراهن بأن يؤسس موقفا واضحا وبقي تبعا لذلك معزولا وغير متبع.
ولقد كان الشق الغالب من الفقه يقول بضرورة تدخل المشرع في العلاقات الاقتصادية، فالحرية الاقتصادية وإن كانت تتعارض مع قواعد القانون الجزائي فإن نفس هذه الحرية تتطلب وجود قانون جزائي  يسعى إلى الحد من تجاوزات الحرية ذاتها في الميدان الاقتصادي، وإلا فقد التوازن بين الفرد والقوى الاقتصادية، ذلك أن الهدف من القانون الجزائي الاقتصادي هو حماية الحرية من إساءة استعمال الحرية 23، ففي القطاعات الهامة من الاقتصاد تحتاج النصوص القانونية إلى مساعدة القواعد الجزائية24،إذ من الضروري أن يدخل التشريع الاقتصادي في تطويره تدابير جزائية لضمان نجاعته.
 ويعتبر هذا الاتجاه الفقهي الأقرب إلى الصواب في الوقت الراهن الذي تنامي فيه الإجرام الاقتصادي بتشعبه وخطورته انطلاقا من الوسائل الاحتيالية التي يستعملها لارتكاب الجريمة الاقتصادية وهو ما فرض تطور القانون الجزائي من حيث وظيفته. لهذا  احتل القانون الجزائي الاقتصادي مكانا بارزا في القوانين الجزائية المعاصرة  وأن اختلف مداه تبعا للنظام الإقتصادي للدولة 25، فأصبح بذلك القانون الجزائي الاقتصادي وسيلة فعالة لحماية وتحقيق سياسة الدولة في النواحي الاقتصادية و الاجتماعية26 .
يبدو القانون الجزائي مؤهلا أكثر من فروع القانون الأخرى لحل كل المشاكل التي يطرحها الانحراف الاقتصادي، وقد تأكد ذلك بفضل طبيعته العلاجية وعقوباته الرادعة للتصرفات المستهدفة للسياسة الاقتصادية27. ورغم دور القانون المدني والقانون الإداري في بلورة التنظيم القانوني للمجال الاقتصادي، لكنه لا يكون بالقدر الكافي لضمان الفاعلية والنجاعة اللتان يتطلبهما ميدان التعامل الاقتصادي28.
 غير أن القول بنجاعة تدخل القانون الجنائي في المادة الاقتصادية لا يؤخذ على إطلاقه إذ أنه يبقى رهين ملائمة قواعد القانون الجزائي مع آليات الظواهر الاقتصادية وتقلباتها29.
 فالقانون الجزائي العام كانت له بالضرورة الصبغة الأخلاقية لعصره التي كانت مرتبطة بالقيم والفضيلة واحترام الذات البشرية فإن وظيفته في المجال الاقتصادي تختلف عن ذلك30.فلئن كان القانون الجزائي يؤسس أخلاقيات السلوك البشري فإنه في المجال الاقتصادي يؤسس أخلاقيات التعامل الاقتصادي.الأمر الذي يؤدي إلى القول بتطور وظيفة القاعدة الجزائية إذا ما تأقلمت مع خصوصيات المادة الاقتصادية التي لا تحتكم إلى الاستقرار والثبات بقدر ما هي على حركية وتغير مستمر31. وبالنتيجة يكون القانون الجزائي بمثابة السلاح في يد الدولة، إذ اقتضت  الحماية الجزائية  التي أقرها المشرع للمجالات  الاقتصادية تغير في المفهوم التقليدي للقانون الجزائي32.فحتى تضمن الدولة تحقيق أهداف سياستها التشريعية تلجأ إلى القانون الجزائي الاقتصادي باعتباره يمثل الأداة المثلى لتحقيق النهوض الاقتصادي33.
إن ارتباط الجريمة الاقتصادية بتأثيرات الظواهر الاقتصادية لا يعني أنها تتنافى مع قواعد الأخلاق والآداب العامة، إذ أنها  تتضمن  اعتداء على مصلحة جوهرية بات يدركها ويقدر أهميتها أفراد المجتمع في الوقت الحالي34. فالوقت الذي نسجل فيه تطور القانون من حيث ارتباطه بمجالات مستحدثة نسجل كذلك  تطور المبادئ الأخلاقية. ذلك أن المشرع قد يستهل عمله التشريعي بتجريم أفعال معينة لا تتعارض مع القيم الأخلاقية إلا أنه إذا توطدت في أذهان الأفراد أهمية المصالح التي تحميها تلك القواعد القانونية واقترن ذلك بتطور الشعور العام تحول هذا الأخير إلى شعور بالاستهجان إزاء تلك الأفعال35. فالضمير الإنساني ليس ثابتا ومستقرا بل يتغير في المجتمع الواحد إزاء الأحداث والوقائع والظواهر المتغيرة من وقت لآخر36.
لا شك أن الجريمة الاقتصادية من حيث بنائها العام على مستوى القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية  تقابل قواعد وأحكام القانون الجزائي العام وكذلك القانون الجزائي الخاص37.
 وهذا التقابل أظهر تفرد الجريمة الاقتصادية بعديد الخصائص التي تخرج عن جملة المبادئ الأصولية للقانون الجزائي. إلا أنه لا بد من أن تكون لهذه الخصائص من  الشمولية والتناسق الداخلي والتنوع ما يبلور استقلالية الجريمة الاقتصادية عن جريمة الحق العام38.
أن خصائص الجريمة الاقتصادية ارتبطت أساسا بالمصلحة موضوع الحماية الجزائية في المادة الاقتصادية ونقصد بذلك خيارات الدولة في المجال الاقتصادي المجسّمة في السياسة الاقتصادية39. غير أنّ المصلحة لا ترتقي حجّة لتأسيس نظاما قانونيا متكاملا أو إحداث فرعا قانونيا جديدا ينضاف إلى فروع القانون الأخرى.
فالمشرّع عند سنّه للقواعد الاقتصادية، والتي من خلالها برزت خصائص الجريمة الاقتصادية، لم يكن هدفه يرمي إلى إرساء فرع قانوني جديد بقدر ما وجه خياراته لضمان نجاعة السياسة الاقتصادية وحسن سير القطاع الاقتصادي من خلال مقاومة الجريمة40. وبالتالي فقد استوجبت الحماية الجزائية التي أقرّها المشرّع لهذه المجالات الاقتصادية الجديدة  تغيّرا في جذور النّظام الجزائي برمّته ، اذ أدى الاهتمام بالإجرام الاقتصادي إلى تطوير القانون وظهور تيار مهتم بالسياسة الجزائية أكثر من اهتمامه بالنظريات القانونية 41.
 فكان حينئذ من أثار البحث عن فاعلية القواعد المنظّمة للمادّة الاقتصادية أن اضطرّ المشرّع إلى أقلمة مبادئ القانون الجزائي العام مع الوظائف والمجالات الاقتصادية الجديدة.
يبدو أن القانون الجزائي الاقتصادي يبرز جدية وخصوصية تؤكد استقلاليته عن القانون الجنائي العام42.فالخصوصية يجعل من الصعب جدا قبوله في التمشي التقليدي للقانون الجزائي و الإجراءات الجزائية ، كما  ان توحيد قانون العقوبات العام والاقتصادي إنما يعيق الطبيعة المميزة للجرائم الاقتصادية وما تتطلبه مواجهتها من مرونة تتغير استقرار الوعي الاقتصادي .
أن استقلالية القانون الجزائي الاقتصادي من شأنها أن تحافظ على خصوصية قواعده وتساهم في نجاعة عقوباته وفي حماية النظام الاقتصادي بما يتماشى ومميزات النشاط الاقتصادي خصوصا وأن  هذه الخصوصية يقودها الهدف الأساسي للمشرع في المحافظة على المصالح الاقتصادية والحيوية الوطنية43. التي نظرا لصبغتها التقنية تجعل بصفة عامة الطرق الجزائية التقليدية غير ناجعة44 . وانطلاقا من هذه الفكرة فإن النظريّة السائدة " القانون الاقتصادي ليس فرعا جديدا من القانون ولكنّه قاعدة  جديدة تتعايش مع مجموعة القواعد التقليديّة45"، فليس من المنطق حينئذ أن نقول بتأسيس استقلالية الجريمة ذاتها دون تأسيس الأصل وهو القانون الاقتصادي الذي يعتبر خالقها ومصدر وجودها .
إلاّ أنّ السؤال يبقى مطروحا بخصوص مدى تحقيق الجريمة الاقتصادية لذاتيتها واستقلاليتها من خلال ما تفرّدت به من خصائص ؟ وهو الأمر الذي يستدعي ضرورة تقييم تلك الخصائص بعد معرفة كنهها وفحواها.
أن البحث في خصائص الجريمة الاقتصادية ينطلق من خلال مراحل الجريمة وأطوارها تجريما ( الجزء الأول )   و مؤاخذة  ( الجزء الثاني)

الجزء الأول : خصوصية  قواعد التجريم :
المشرع في اتجاه تحقيق مقاربة متوازنة بين متطلبات السياسة الاقتصادية والأمن العام الاقتصادي من جهة أولى وحماية المبادرة الفردية التي تمثل منطلق المشاريع الاقتصادية من جهة ثانية ، أضفى عديد الخصائص على الجريمة الاقتصادية تتفرّد بها عن جريمة الحق العام، ونتيجة للبحث عن فاعلية القواعد القانونية والتنظيمية الخاصة بالتعامل الاقتصادي المتسم بالتقنية والتعقيد، اضطر المشرع إلى أقلمة المبادئ الأصولية التي ظل تاريخيا يعتدّ بها في إطار القانون الجنائي العام، مع الوظائف والمجالات الاقتصادية الجديدة . وقد لا نستغرب منه الخروج عنها والتضحية بها ضمانا لنجاعة قواعد التجريم في إطار الجريمة الاقتصادية.
 وتصنف قواعد التجريم ضمن القواعد الجزائية الموضوعية وهي تهتم بوصف ماديات السلوك الإجرامي المحظور الذي يفرض المشرع على الأفراد عدم إتيانه وذلك بتحديد الأركان المستوجبة لقيام الجريمة وتقرير المسؤول عنها من حيث عنصر الإسناد. لقد أصبحت قواعد القانون الجزائي في خدمة السياسة الاقتصادية وآل الأمر إلى تطويع القوانين في إطار الجريمة الاقتصادية لمواكبة سرعة تقلبات الظواهر الاقتصادية دون الالتزام بالقواعد والمعايير المحددة في القانون الجنائي العام، سواء من حيث الأركان القانونية التي تتطلبها الجريمة الاقتصادية (الفقرة الأولى) أو من حيث إسناد المسؤولية الجزائية الناجمة عن ارتكاب الجرم الاقتصادي (الفقرة الثانية).

.../... يتبع
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: خصائص الجريمة الاقتصادية _ دراسة في المفهوم والأركان

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 30 يوليو 2017, 22:03

الفقرة الأولى : خصوصية على مستوى أركان الجريمة :

إن قيام الجريمة وتسليط العقاب على المجرم لا يتم إلا بتوفر الأركان القانونية للجريمة ، فعملا بمبدأ الشرعية  لا جريمة ولا عقوبة الا بنص قانوني سابق الوضع ، وهو ما اصطلح على تسميته بالركن الشرعي للجريمة ، كما إن العقاب الجزائي لا يتسلط إلا بوجود الفعل أو السلوك الإجرامي الذي نص القانون على تجريمه ، وهو ما يمثل الركن المادي للجريمة .
هذان الركنان وإن كانا لا يعتبران من مميزات القانون الجزائي الاقتصادي  بما انه لابد من توفرهما في كل الجرائم في القانون الجزائي العام ، إلا إنهما يتضمنان في محتواهما بعض الخصوصية . تسمح بالقول بأن هناك تغيير لملامح الركن الشرعي 1 وكذلك وغموض للركن المادي 2 .

1 _ تغيّــر ملامـــح الركــن الشرعـــي فـي إطــار الجريمـــة الاقتصاديــة:
يعتبر الركن الشرعي للجريمة نصاً قانونياً يحدد قواعد القانون الجزائي من حيث التجريم والعقاب، لذلك أُعتبر مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات أساسياً في القانون الجزائي، وهو البنيان الجوهري لأي جريمة46.
ويعتبر مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات من أهم المبادئ الدستورية، فقد تضمنته أغلب الدساتير لما له من أهمية دولية وإقليمية47.
فالقانون هو المصدر الوحيد والمباشر للتجريم، وهذه الصلاحية لا تقررها إلا السلطة التشريعية، لذا تعتبر أن هذا السلوك يشكل جريمة وهذا لا يشكلها48. وبالتالي لا تملك السلطة التنفيذية مباشرة هذا الاختصاص إلا من خلال تفويض يستجيب للقواعد العامة وروح النص التشريعي المفوض. كما أن المبدأ شرط أساسي للأمن والحريات الفردية ومن الضمانات الجوهرية للحقوق الأساسية، فأنماط السلوك البشري ليس لها أن تطالها العقوبة أو الجزاء إلا بنص قانوني يحدد ماديات الفعل الإجرامي ويبين عناصره وأركان الجريمة. كما يحدد العقوبة المقررة على مرتكبها حتى يكون الفرد على بينة من خطر سلوكه وعلى علم سابق بنص التجريم والعقاب الذي يمنعه من إتيان الفعل المجرم49.
ترتبط قاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص كأهم شرط يقيد ممارسة الدولة حق العقاب50، إرتباط وثيق بمبدأ فصل السلطات51، ويترتب على هذا الارتباط بدوره عدم اقتصار هذه القاعدة على ما تنص عليه بل تتعداها لتشمل كل القواعد الجزائية، وكذلك تنفيذ العقوبات52                                                                      
إن أول نتيجة المبدأ الشرعية هي أن القوانين وحدها قادرة على تحديد العقوبات، بالنسبة لكل جريمة، وإن الحق في سن القوانين الجزائية لا يمكن أن يخوّل إلا المشرّع الذي يمثل كل المجتمع المرتبط بالعقد الاجتماعي53.
يترتب عن هذا المبدأ بالنسبة للمشرّع، ضرورة ممارسة فعلية للسلطة المخوّلة له. فلا يحق له أن ينيب عنه سلطة دستورية أخرى، كما يجب عليه أن يراعي بعض الضوابط العامة والخاصة التي تغلق الباب في وجه الأجهزة الأخرى وتمنعها من التدخل، ومن بينها:ضوابط التجريم والعقاب . وتحديد توابع مبدأ الشرعية.
إن أساس قاعدة الشرعية الجزائية هو ضمان الحريات الفردية ضد تجاوز السلطتين القضائية والتنفيذية لاختصاص كل منهما. فالمبدأ لا يسمح للسلطة التنفيذية باتخاذ أي إجراء في حق الأفراد ما لم يكونوا قد ارتكبوا أفعالا ينص القانون على أنها جريمة، ولا أن تصدر نصوص جزائية تجرم بمقتضاها أفعال لم تبادر السلطة التشريعية بتجريمها. كما أن المبدأ يعتبر شرطاً أوّلياً لانعقاد اختصاص القاضي الجزائي، فهو الذي يقرر على أساسه إما الوقوف عنده أو التمادي في البحث عن بقية الأركان التي يتطلبها قيام الجريمة فبانعدامه تنعدم الجدوى من مواصلة البحث عن بقية الأركان القانونية54.
ولما كان ذلك مقتضى قاعدة الشرعية الجزائية. فهل حافظ المبدأ على موقعه وموضعه الذي ظل تاريخيا يعتد به في إطار الجريمة الاقتصادية؟
 تجدر الملاحظة إلى كون الحماية الجزائية في المادة الاقتصادية قد اتجهت أكثر إلى تلبية حاجيات البرامج الاقتصادية، لضمان فاعلية السياسة الاقتصادية وتحقيق نجاعتها على حساب وظيفة حماية الحريات الفردية والحقوق الأساسية. وتغيرت تبعا لذلك ملامح مبدأ الشرعية55. فما يلاحظ في إطار الجريمة الاقتصادية هو عدم تقيد المشرع بالمعايير والضوابط القانونية السالف بسطها، تجاوز أمنه للصرامة التقليدية التي انطوت عليها قاعدة الشرعية الجزائية.56
فالميدان الاقتصادي يتميّز بالحركيّة والتغيّر وعدم الاستقرار إضافة إلى التعقيد والتشعب والذي يتطلب دراية فنية، تضطلع فيه الإدارة والسلط المتدخلة في هذا المجال بدور ريادي لإدراكها لديناميكية الآليات الاقتصادية57. وهو الأمر الذي أرغم المشرع على التنازل عن صلاحياته وامتيازات سلطته وذلك بمقتضى التفويض الصادر عنه58. وكنتاج لذلك تراجع دور المشرع في نطاق التجريم في المادة الاقتصادية الذي ليس من الممكن ان تسايره جمود القاعدة الجزائية التقليدية ، ولقد استتبع ذلك تغيّر وظيفة مبدأ الشرعية الجزائية الذي حاد عن وظيفته الأصلية التي شرع من أجلها، وأضحت له وظيفة مستحدثة تمثلت أساسا في تطويع معايير النص الجزائي لحماية السياسة الاقتصادية ،وتحقيق نجاعتها على الصورة المطلوبة ومقاومة تشعب الانحراف الاقتصادي59.
حتّى يتمكّن المشرّع من تحقيق الجدوى الإقتصادية في نطاق سياسة التجريم لجأ إلى تقنية التفويض، كوسيلة تخوّل لسلطة معينة منح صلاحياتها لسلطة أخرى، أي أنهُ إجراءٌ يمكن من إسناد ممارسة اختصاص معين لغير السلطة صاحبة الاختصاص أصلاً60.وترتب عن هذا أن تقنية التفويض وجدت لها ميداناً واسعاً في ميدان  الجرائم الاقتصادية.
أمام دقة ميادين الجرائم الاقتصادية، أُلزم المشرع على ضرورة إعتماد تقنية التـفويض من أجل تحديد الجرائم نتيجة عدم تماشي المبادئ التقليدية لقواعد القانون الجزائي مع متغيّرات السياسة الإقتصادية. لذلك برز النص الترتيبي كأكثر فاعلية، بإعتبار أن هذا التفويض لا يقصد منه تجريم أفعال لم يجرمها نص تشريعي سابق بقدر ما يقصد به تحديد عناصر الجريمة من حيث نطاق التجريم في أدق عناصره، فيبقى النص التشريعي المفوّض هو الأصل61.
لذلك يكتفي المشرع بتحديد الإطار التوجيهي العام لعناصر التجريم، ثم يتركً للسلطة الترتيبية تفسيرها بنصوص تنظيمية دقيقة، الأمر الذي جعل المشرّع يحيل للسلطة الترتيبية والإدارية حق تجريم أفعال تتعلق الجرائم الاقتصادية62.
إذا كان الأصل أن تصدر نصوص التجريم والجزاء بقانون من السلطة التشريعية غير أنه قد تطرأ ظروف استثنائية تستدعي تحركاً تشريعياً سريعاً لسد النقص في القانون أو التشريع63، مما تضطر معه السلطة التنفيذية أن تطلب من السلطة التشريعية أن تصدر لها تفويضاً قانونياً محدداً في زمانه ونطاقه، لمواجهة الظروف الطارئة بالسرعة الممكنة64. فإذا ما استجابت السلطة التشريعية لذلك، وأصدرت قانونا بالتفويض للإدارة في الإطار المطلوب، فيكون من حق الأخيرة أن تقوم بالزمن المحدد وفي الموضوعات المحددة أن تصدر أوامر لها ذات قوة قانون التفويض65.
وإن كانت تقنية التفويض خاضعة للإطار العام الذي يحدده النص التشريعي66. إلا أنها لا تتضمن خرقاً لمبدأ الشرعية لأن المشرع عند سنّه للقوانين لا يريد بها خلق صعوبات، كما أنه لا يخرق القوانين بأخرى لأن كل خرق فيه إعمال لرقابة دستورية القوانين67، ثم أن الخرق لا يتصور وجوده إلا في التطبيق لا في التشريع.
إلا أن الفقه وجه نقداً لهذه الإحالة للسلطة التنفيذية، إذ أن تدخل السلطة التنفيذية في الميدان الجزائي يمس بمبدأ الشرعية68. كما أنّ الأوامر الترتيبية تضع مبدئياً أحكاماً تقنية لا تحمي أيّة قيم اجتماعية، لكن السلطة التنفيذية تضطلع بدور هام في وضع النصوص المتعلقة بالمخالفات التي تتميز العقوبات فيها بتسليط الخطايا التي هي من نظر الإدارة، بينما تقصى التراتيب الإدارية من سلطة وضع العقوبات السالبة للحرية ، ويكون لها دور في تحديد الجريمة ويبقى وجوب الرجوع للنص التشريعي من أجل توقيع العقاب.
فالتفويض التشريعي للتراتيب يعتبر إذن آلية العمل في ميدان الإجرام الاقتصادي، وذلك لضمان وجود تنظيم قانوني تقني وفني، يصعب على النص التشريعي بلوغه لطابعه المجرد وتعقد إجراءاته ،وهو ما يبرر أن تكون الدولة هي المسيطرة على السياسة الإقتصادية69. والتي يتوجب عليها أن تساير حركية وتغير مظاهر الاقتصاد في تقلباته وعدم استقراره.
إلا أن التجريم بهذه الطريقة قد يترتب عنه نتائج خطيرة، إذ قد يتسبب في تحريف عناصر التجريم المحددة في النصوص، وبالتالي قد تنال من سلطة المشرع ومن مبدأ الشرعية70. وقد علّق الفقه على هذه الصورة باعتبار أنّ المشرّع أعطى لنفسه حريّة واسعة في الخروج عن مبدأ الشرعيّة وخلق سلطة ثانويّة للتشريع ليس فقط في سنّ قواعد ترتيبية بل كذلك في تجريم مخالفاتها حتى سيطر بذلك حكم المكاتب على حكم القانون71.
إن من انعكاسات التفويض التشريعي في الميدان الاقتصادي تعدّد مصادر التجريم، وإن كان يُمكّن سلطة التتبع من الإحاطة بجميع أوجه التجريم، إلا أنّه يؤدي في جانب آخر إلى تضخّم تشريعي كبير يصعب حتى على المتخصّصين الإلمام به. وفي هذا الصدد، فقد أعتبر الفقه"إنّ كثرة التّعليمات قد أدّت إلى تعذّر الإحاطة بها ليس فقط بالنسبة للجمهور بل على المتخصّصين كذلك، وبالتّالي إلى استخفاف الجمهور بالعقوبات المقرّرة لمخالفة التعليمات المذكورة72".
يرجع سبب اختصاص الإدارة والسلطة التنظيمية بوضع تراتيب التجريم، إلى عدم تمكن المشرّع من التدخل في أيّة فترة تقتضي فيها الظاهرة الإقتصادية وضع نصوص لتنظيم بعض المسائل73، لأنّ هذه الظاهرة متطورة ومتغيرة سنة بعد سنة إن لم يكن يوماً بعد يوم74.
لذلك يجب أن يكون مبدأ الشرعية في هذا النوع من الجرائم مبدأ ليناً يسمح باتساع مفهوم السلطة واضعة نص التجريم بما يتماشى وجميع الاحتمالات، وإن الإدارة هي التي تختص بتنظيم الاقتصاد في كافة الميادين، وهي الجهاز الوحيد الذي يتمتع باحتكاك دائم بالمسائل الإقتصادية ويتطلع لأهم التغييرات التي ستطرأ مستقبلاً على سعر السوق في جميع الميادين. وهذا ما جعل المشرّع يقرر تدخلها لوضع القرارات اللازمة لمواجهة الظاهرة الإقتصادية الجديدة، وما هذه العملية إلا وسيلة ناجعة تهدف إلى حماية أفضل وأسرع للسياسة الإقتصادية.
وإن هذه الطريقة لا تعد قضاء على مبدأ الشرعية أو إنقاصاً من قيمته، بل تأكيداً له طالما أن اختصاص الإدارة والسلطة التنظيمية بوضع محتوى التجريم، يستمد شرعيته من النصوص التفويضية التي وضعتها النصوص الجزائية الاقتصادية75.
ويتضح من ما سبق عرضه كيف أن المشرع أفرط في اعتماد تقنية التفويض المباشر للسلطة الإدارية والمكاتب الوزارية  في تحديد نطاق التجريم في المادة الاقتصادية وذلك بمقتضى مناشير وقرارات وتراتيب يتم إصدارها للغرض76.
وهي خاصية تتميز بها الجريمة الاقتصادية عن بقية جرائم القانون الجزائي التقليدي أين يكون التفويض التشريعي نادرا حصوله.إلا أنه لا يجب في هذا المستوى إهمال الجانب السلبي لهذه الخاصية التي تتميز بها الجريمة الاقتصادية والمتمثلة في الإفراط في اعتماده تقنية التفويض التشريعي، ذلك أن المناشير والقرارات والتراتيب الإدارية، وإن كانت مجرد نصوص تطبيقية ، إلا أنه من شأنها إفراغ مبدأ الشرعية من محتواه. وقد يبرز ذلك بالخصوص في تقنية إصدار نصوص جزائية على بياض77.
إذا كان الأصل في القانون الجزائي العام أن تتضمن القاعدة الجزائية الموضوعية شقين متلازمين: أولهما شــــق التجريـــم: والذي ينصب أساسا على وصف دقيق لماديات الفعل الإجرامي إيجابيا كان أو سلبيا. أما الشق الثاني فهو شـــــق الجــــــزاء: والذي يتضمن تنصيصا على العقوبة أصلية كانت أو تكميلية أو تدبير احترازي78 .
إلاّ أن المشرع في إطار الجريمة الاقتصادية لم يلتزم بهذه المعايير الأصولية      للقاعدة الجزائية الموضوعية، فهو ينص على العقاب ويفوض مسألة بيان وتحديد عناصر تكييف الفعل الإجرامي إلى السلطة الترتيبية أو الإدارية، الأمر الذي أنتج فصلا  فعليا بين شقي التجريم والجزاء. ولقد أطلق الفقه على هذه التقنية المستحدثة بالنص الجزائي على بياض أو التجريم على  بياض Criminalité en blanc، الذي ولئن تضمّن شق التجريم فإنه يكون غير حال وغير مستوف لمكونات وجوده. وتبعا لذلك فإن السلطة الإدارية تصدر نصوصا تطبيقية كأن تكون قرارات أو مناشير أو تراتيب بموجبها تتولى ملئ النصوص الجزائية على بياض بما يتماشى ومقتضيات السياسة الاقتصادية وحسبما تستوجبه أهمية القطاع الاقتصادي الساهر على تنظيمه79.
أصبحت الإدارة صاحبة القرار في تحديد عناصر الفعل الإجرامي، دون ارتباط بالنص القانوني الذي لم يضع لها إطاراً عاماً تنصهر فيه لكونه جاء على بياض.وتبعاً لذلك فالسلطة الإدارية، من خلال ما تصدره من قرارات ومناشير وتراتيب، تكون بمثابة السلطة التشريعية اللاحقة80. و بالتالي فإن قاعدة التشريع على بياض تكون في ارتباط وثيق بما ستقرره الإدارة، وإن صبغتها الإلزامية لا تتحقق إلا بتحقق العنصر غير الحال والمستقبل الذي يتحدد به شق التجريم.
ويكون بذلك المشرع قد تحرر من أعباء تحديد التجريم وذلك بخلق سلطة مرادفة في التشريع وهي سلطة المكاتب التي تولد عنها ظاهرة ما أطلق عليه الفقه81 بـ " القانون الجزائي البيروقراطي" والذي يصدر من قبل إداريين في المكاتب الوزارية، الأمر الذي يؤدي إلى إفراغ مبدأ الشرعية من محتواه82.
إلا أن كثرة تدخل الإدارة في نطاق التجريم، استنادا إلى صلاحياتها في إصدار القرارات والمناشير والأوامر الترتيبية كنصوص تطبيقية لتكملة وملئ النصوص القانونية على بياض، من شأنه أن يكون دافعاً إلى تعسفها83. ومن ثم فإنه يبرر احتراز الفقه في مادة القانون الجزائي، الذي لم يعد مبعثه عمل القاضي الجزائي في إطار تعامله مع النص الجزائي بمناسبة تفسيره أو تطبيقه، بل أصبح في مواجهة تعسف الإدارة التي قد تستغل صلاحياتها لأهداف أخرى تحت غطاء تكملة النصوص الجزائية على بياض أو تدقيق ما ورد فيها.
وهكذا فرضت جملة هذه المبررات أن يكون مبدأ الشرعية ليّناً يسمح باتساع مفهوم المشرع بما يتلاءم مع كافة المتغيرات، فالإدارة تعتبر الجهاز الوحيد الذي يتمتع بدراية متواصلة بالميادين الاقتصادية84، وهي تبدو الوسيلة الناجعة لضمان فاعلية السياسة الإقتصادية. وهذا ما يمثل تأكيداً لمبدأ الشرعية طالما أن اختصاص الإدارة بوضع محتوى التجريم يستمد شرعيته من النصوص القانونية التفويضية85، وهو أمر يؤكد الوظيفة المستحدثة لمبدأ الشرعية الجزائية في ميدان الجرائم الاقتصادية.
طالما أن دور المشرع تراجع في نطاق التجريم، وتغيّرت تبعا لذلك وظيفة مبدأ الشرعية الجزائية، فمن الممكن حينئذ التفكير في إيجاد مفهوم متجدد للمبدأ في إطار الجريمة الاقتصادية، لما تفردت به من خصائص، يتجاوز الصرامة التقليدية للمبدأ ذاته86.
غير هذه الدعوى لا تعني إطلاقا أفول المبدأ، وإنما تبريرها يتلخّص في تغيّر الملامح والمعايير القانونية لقاعدة الشرعية الجزائية87. فالوضعية التي أصبح عليها الركن الشرعي في إطار هذه النوعية المستحدثة من الجرائم لا تؤدي حتما إلى إزاحته كليا، بل بالعكس تفضي إلى ضرورة تطبيقه لكن مع خصوصية معينة، مما يكون معه من الضروري فهم المبدأ في الجرائم الاقتصادية على أساس أن له طبيعة خاصة تكمن أساسا في التعامل معه بذهنية متجددة تتماشى وطبيعة الميدان الذي ينظمه. وهذا من شأنه أن يشكل مفهوما متجددا للمبدأ، لا يقف عند حدّ المنظومة التقليدية والتقيّد بها تمام التقيد88.
فحركية المجال الاقتصادي وخصوصية الجريمة الاقتصادية تفرضان وجود نصوص ترتيبية ،يكون بإمكانها سدّ الثغرات المترتبة عن النصوص القانونية وبالتالي إيجاد سلطة ثانوية في التجريم ملازمة لسلطة المشرع بالمفهوم الشكلي89. غير أنّ هذه الصورة لا يجب فهمها بأنها مزاحمة في الاستحواذ أو الاستئثار بمجال التدخل بقدر ما هي مزاحمة لإيجاد تدخّل ناجع90.
تقتضي قاعدة الشرعية الجزائية أن تكون القاعدة القانونية المحددة للتجريم والمنشئة للجرائم والمقرّرة للعقوبات صادرة عن سلطة مختصة بالتشريع. فالنص القانوني بمفهومه الشكلي يكون حينئذ المصدر الوحيد والمباشر للتجريم والعقاب.
على أن القول بفكرة إيجاد مفهوم متجدد يمكن أن تؤدي بنا إلى التضحية بالمفهوم التقليدي لقاعدة الشرعية الجزائية، وان نتعامل بأكثر ليونة ومرونة مع نصوص التجريم المتعلقة بالجرائم الاقتصادية. وبالتالي القول بالطبيعة المزدوجة لمبدأ الشرعية الجزائية91،فمن جهة نتعامل معه على أساس صبغته القانونية ومن جهة أخرى نفهمه من خلال صبغته الترتيبية.
إلا أن السلطة الإدارية المفوضة وإن حققت المواكبة والمتابعة المستمرة لديناميكية الظواهر الاقتصادية إلا أنها لم تلتزم الدقة والوضوح في وضع نصوص التجريم المنظمة للجريمة الاقتصادية، إذ لا تخلو في الغالب من الغموض والأخطاء. وهو ما أدى إلى غموض الركن المادي للجريمة الاقتصادية .

2 _ غموض الركن المادي للجريمة الاقتصادية :
يعتبر الركن المادي المبنى الظاهر للجريمة92، ويتمثل أساساً في السلوك الإجرامي الذي يقرر لأجله المشرع عقاباً جزائياً، إذ بمقتضاه تأخذ الجريمة مظهرها كفعل خارجي يجسم القصد الإجرامي أو الخطأ الجزائي93. ويترتب عن تحديد الركن المادي للجريمة نتائج كثيرة، منها ما يتعلق بالكيفية التي يقع بها، وهل يتطلب تحركاً عضوياً مادياً معيناً، أم أنّه ممكن الحصول بالامتناع عن القيام بعمل مادي معين. ومن ثم يتعين تحديد الفترة الزمنية التي يتم فيها الجرم، فيتفرع عن ذلك تصنيف الجرائم إلى جرائم آنية ومستمرة و متعاقبة94.
ما يلاحظ في إطار الجريمة الاقتصادية هو أن المشرع لم يكن وفيّا لجملة المعايير الأصولية التي من الواجب أن يخضع لها الركن المادي في إطار القانون الجزائي العام. ويعد بالتالي غموض الركن المادي للجريمة الاقتصادية إحدى السمات البارزة للقواعد الجزائية في المادة الاقتصادية.
فقد درج المشرع على إصدار نصوص جزائية ذات معاني غير محددة وموسعة دون إيراد تعريف أو تدقيق بشأنها. فهي تشتمل على مفاهيم غامضة ومطلقة تتسع لأكثر من معنى وهو ما اعتبره الفقه تطويعا لقاعدة الصياغة الواضحة والدقيقة لنصوص التجريـم في إطـار الجريمـة الاقتصاديــة95، فالمشرع يستعمل عبارات غامضة وذات معان متسعة، فضلا عن كونها مصطلحات إقتصادية أكثر منها قانونية، وهذا من شأنه أن يضعف الحد الفاصل بين الإباحة ونطاق التجريم، إذ قد ينصرف هذا الأخير إلى حالات خطرة وضارة دون أن يتحقق منها استهلاك الجريمة أو الاستفادة منها.
أن الغالب في الجرائم العادية أن يكون الزجر على تحقق النتائج الضارة فيها، وأن التجريم على النتائج الخطرة هو أمر نادر96. غير أنه في خصوص التجريم في الميدان الاقتصادي، قد يرجح المشرّع العقاب على بعض الأفعال المشكلة لخطورة محتملة، ودون انتظار لوقوع أضرار فعلية، فيمنع بذلك ابتداء وقوع النتائج الضارة أو الخطرة للأفعال الحاصلة97.
وفي هذا التوجه سعى المشرّع في الميدان الاقتصادي إلى جعل التجريم ينطوي على فكرة الوقاية من الجريمة ومقاومتها، وذلك بالنظر إلى سرعة وتشعب الانحراف الإقتصاديواعتماد أساليب التطويع في ردعها. وهذا هو ما يبرز من خلال كثرة الأفعال السلبية المجرمة من قبله تتأكد مع عدم تحديد الركن المادي في إطار الميدان الاقتصادي98.
وما يلاحظ في الميدان الاقتصادي هو سيطرة الجرائم السلبية، خلافا للقانون الجزائي الحمائي موضوع الجريمة التقليدية، حيث نجد مجالاً واسعاً لتجريم الأفعال الايجابية. فالقوانين الجزائية في الميدان الاقتصادي، تغلب عليها ظاهرة تجريم الأفعال السلبية، والتي تقوم أساساً في حالة عدم تنفيذ المخالف لمجموعة من الالتزامات أو إتباع الإجراءات التي ضبطها المشرع على وجه التحديد99. وتستمد أغلب هذه الواجبات وجودها من الترخيص الذي تمنحه السلطة الإدارية المختصة. وتبعاً لذلك فإن أساس التجريم هو التصدّي للحالة الخطرة وتفادي حصول الضرر الذي من الممكن أن يلحق بالمصلحة الاقتصادية موضوع الحماية الجزائية. لذلك فأنّ التجريم في هذه الطائفة من الجرائم يتميز بجانبه الوقائي.
وتجد ظاهرة كثرة الأفعال السلبية في النصوص المضمنة الميدان الاقتصادي مبررها في انتماء هذا النوع من الجرائم للقانون الجزائي التوجيهي . وهذا ما يهدف إلى توجيه النشاط الاقتصادي في إطار يتكامل فيه مع سياسة الدولة المالية، من خلال استعمال الدولة تقنيات تحكمية تحقيقاً للصالح العام الإقتصادي100.
إن الاجتماع حاصل لدى جمهور فقه القانون الجزائي على أنّ الركن المادي في النظرية العامة للجريمة  يتكون من ثلاثة عناصر متلازمة وهي تباعا: عنصر السلوك الإجرامي وعنصر النتيجة الإجرامية وعنصر العلاقة السببية الرابطة بين عنصري السلوك المادي والنتيجة الآثمة101.
غير أن الملاحظ في إطار الجريمة الاقتصادية هو إخلال جملة هذه العناصر، إذ ينصرف التجريم في الغالب إلى نتائج خطرة ومحتمل وقوعها أو حصول الضرر منها. ولا غرابة في القول بأن المشرع كثيرا ما يتدخل على سبيل الوقاية ليجرم أفعالا تنم على خطورة وذلك لكي يقطع على الجاني السبيل إلى تحقيق الضرر102.
ومن هذا المنظور صنّفت الجريمة الاقتصادية ضمن طائفة جرائم الخطر أو ما يعبر عنه بالجرائم الشكلية والتي يقع فيها الاكتفاء بالسّلوك الإجرامي والذي بمجرّد حصوله  تعقبه الجريمةمقترفة وحاصلة بقطع النظر عن مدى تحقق النتيجة الإجرامية التي  يصبو إليها الجاني103. وبالتالي تلوح خاصية الجريمة الاقتصادية في انصراف إرادة المشرع إلى تجريم النتائج الخطرة، بخلاف القانون العام أين يكون الغالب هو تجريم النتائج الضارة التي يكون حصول الضرر فيها أمرا لا بد منه، أي أنه لا جريمة ولا عقوبة مبدئيا على السلوك الإجرامي في حد ذاته إذ لم يحدث ضررا104.
وعلى أساس ذلك يتضح أن القوانين الجزائية الاقتصادية تتدخل على سبيل الوقاية لتجرّم الأفعال لا لشيء إلا لأنها تمثل إخلالا  بالنصوص القانونية. وتبعا لذلك فإن المشرع لا يهتم بالنتائج الظاهرة التي تنجم عن الفعل الإجرامي فحسب بل يأخذ في اعتباره أيضا تلك النتائج الضارة التي يحتمل حدوثها في المستقبل.فلا يشترط بذلك أن يترتب على ارتكاب الجريمة ضرر فعلي بل يكتفي في بعض الجرائم أن يقترن سلوك الفاعل بمجرد احتمال الضرر105.
تتجلى هذه الوضعية الخاصة التي تتميز بها المحاولة في إطار الجريمة الاقتصادية تجسّد في  تكريس المحاولـــة في الجرائـــم السلبيــة أو الجرائــم الامتنــاع106.
يقتضي  المبدأ الجوهري في فقه القانون الجزائي العام وان المحاولة لا يمكن تصورها في كل الحالات، ذلك أن بعض الجرائم لا تحتمل المحاولة وذلك لمانع متعلق بالركن المادي للجريمة ذاتها107. فما أجمع عليه الفقه بخصوص هذا العنوان هو أنه لا يتصور وجود المحاولة في الجرائم السلبية أو جرائم الامتناع، بحجة أنها جرائم تحصل بمجرد فعل الامتناع دون التوقف على نتيجة محددة أو ضرر معين بذاته108.
ويقتضي المبدأ الجوهري في فقه القانون الجزائي العام أن المحاولة لا يمكن تصورها في كل الحالات، ذلك أن بعض الجرائم لا تحتمل المحاولة، بسبب مانع متعلق بالركن المادي للجريمة ذاتها. وهكذا فإن ما أجمع عليه الفقه هو أنه لا يتصور وجود المحاولة في الجرائم السلبية أو جرائم الامتناع، بحجة أنها جرائم تحصل بمجرد فعل الامتناع دون التوقف على نتيجة محددة أو ضرر معين بذاته
إلا أن المشرع في إطار الجريمة في الميدان الاقتصادي لم يكن وفياً لتلك القاعدة، إذ قصد تكريس المحاولة في الجرائم السلبية.

 الفقرة الثانية  : المسؤولية في القانون الجزائي الاقتصادي  :

تعرف المسؤولية الجزائية بكونها الالتزام بتحمل  النتائج القانونية المترتبة عن توافر أركان الجريمة ، وموضوعه  هذا  الالتزام هو العقوبة القانون أو التدبير الاحترازي الذي ينزل  بالمسؤول عن الجريمة109. وتبرز خصوصية الجريمة الاقتصادية من خلال المسؤولية الجزائية على مستويين ففي مستوى أول من خلال أساس المسؤولية  اولا ، وفي مستوى ثاني من خلال أحكام إسناد المسؤولية  ثانيا .

  أولا : أساس المسؤولية في الجريمة الاقتصادية :
إن البحث في أساس المسؤولية في القانون الجزائي الاقتصادي ينبني على مدى تطلب الخطأ من عدمه110 ، ومن هذا المنطلق  يلاحظ ان الخطأ اعتمد كأساس للمسؤولية من ناحية أولى ، ومن ناحية ثانية وقع التخلي عنه لحساب المسؤولية الموضوعية .
الخطأ الجنائي هو خرق لقاعدة قانونية آمرة أو ناهية اقترنت بعقوبة جزائية ويتحقق الخطأ نتيجة لفعل إيجابي أو سلبي مجرم بنص قانوني ومعاقب عليه111 .ومفهوم الخطأ المعتمد في هذا السياق هو المفهوم الواسع أي أنه يعني الأفعال المخالفة للقانون سواء كانت قصدية او غير قصدية .
بالرغم من أن المشرع قد اخذ بالخطأ غير القصدي في عديد الجرائم الاقتصادية 112، فإن التركيز سيكون على أساس القصد الجزائي الذي يبرز بكل وضوح خصوصية الجريمة الاقتصادية ، خاصة وانه تطور إلى حد أنه أصبح مفترض . 
المفهوم الشخصي للجريمة لا يرى فيها كيان ماديا خالصا ، وإنما ينبغي وفقا لأنصاره أن يكون هذا الكيان صادرا عن إرادة حرة وواعية113، وهكذا ينبغي تبعا لهذا التحليل أن يمتد مفهوم الجريمة ليشمل الخصائص الشخصية لمرتكب الفعل المادي.
فالركن المعنوي في الجريمة ركن أساسي لا يمكن للجرم أن يتكون قانونا دونه إلا إذا ورد نص صريح يعبر عن نية المشرع إقصاء هذا الركن من مقوماته114.
إلاّ أن الركن المعنوي في إطار الجريمة الاقتصادية لم يبقى محافظا على معاييره الأصولية، بل أضحى يتميز بالضعف115، وذلك لاستبعاد الخطأ في الجريمة الاقتصادية إلى أن تم الاستغناء عنه كليا بتكريس الصفة المادية للجريمة.
إن تضخم النصوص التشريعية في المادة الاقتصادية  وتشتتها، واتجاه المشرع إلى تغليب فكرة الجدوى الاقتصادية على الحريات الفردية، أدى إلى إضعاف الركن المعنوي وتهميشه، والذي برز بالخصوص في رغبة المشرع وفقه القضاء في التسوية بين العمد والإهمال، إذ يستوي في ذلك الخطأ العمدي والخطأ غير العمدي.
فحرص المشرع الشديد على تحديد السلوك المفروض على الإفراد، جعل سلطة الاتهام وسلطة الإشراف على القطاع الاقتصادي تحضى بمركز قانوني متميز في إطار الدعوى الجزائية. فليس ضروريا حينئذ أن تبين النيابة أو الإدارة أن نية الجاني اتجهت إلى الأضرار بخزينة الدولة أو بالاقتصاد الوطني بعدم القيام بما أوجبته التراتيب الاقتصادية، بل إن إثبات إهمال فاحش غير مغتفر يكفي للتدليل على وجود الركن المعنوي للجريمة الاقتصادية116.
وعليه نقر بأنه لا وجود لجريمة دون قصد جنائي، ولكن توجد جرائم ناتجة عن الإهمال أو التقصير والتي لا يقع الربط بين نتيجتها وبين فاعلها. فالمشرع لم يعتبر مثل هذا الصنف منالجرائم غير عمدية صراحة، وإنما يصفها بكونها عمدية ولكن يستخلص العمد من مجرد الإهمال، ويسوي بين الخطأ غير القصدي والخطأ العمدي. وقد تبنى فقه القضاء هذا التمشي في اقتضاء الركن القصدي في إطار الجريمة الاقتصادية، ذلك ان المحاكم الفرنسية قد آخذت منتج مختص في إنتاج الجبن من حليب الماعز لأنه لم يتفطن ولم ينتبه في أحد المناسبات وان الحليب الذي منحه إياه المزود ليس بحليب ماعز وإنما حليب بقر117. فقد كان بإمكان الشخص اكتشاف نوعية الحليب بكل سهولة، لكونه مختصا في هذا المجال.
أما في جريمة الشيك بدون رصيد فقد قضت محكمة التعقيب الفرنسية وان من سحب شيكا بدون التحقق من وجود رصيد يقابله يكون متوفرا في جانبه ركن سوء النية من إهمال هذا التحقيق118.
إلا أن فقه القضاء الفرنسي السائد يشترط في هذه الصورة أن تكون التسوية بين العمد والإهمال مؤسسة على قرائن مادية قوية و متظافرة لها أصل ثابت بملف القضية، ذلك أنه من اللازم على قاضي الموضوع أن يقوم بعملية تكييف واقعية وموضوعية للخطأ حتى وان كان غير عمدي ولو أن أساسه الإهمال والرعونة، وفي المقابل استبعاد كل تكييف مجرد
وقد تكون، الغاية من ذلك رغبة القضاء الفرنسي في تجاوز حالة الافتراض القضائي المجرد للقصد الجنائي الذي قد يؤدي إلى تأسيس مسؤولية موضوعية تأباها المبادئ الأصولية للقانون الجزائي التقليدي.
إن الأصل في أساس المسؤولية الجزائية التقليدية انها تنبني على اليقين ونفورها من الافتراض والتخمين119، غير أنّ ضرورة أقلمة قواعد التشريعات الجزائية الاقتصادية مع طبيعة الظواهر الاقتصادية التي تحميها، تقتضي أحيانا الخروج عن المبادئ الأصولية وتجاوز الثوابت التقليدية لجريمة الحق العام وتكريس قواعد مستحدثة تؤسس خصائص الجريمة الاقتصادية. على أن هذا الخروج لا يمس جوهر القصد الإجرامي وإنما فيه تعديل للقواعد التي يخضع لها عبء الإثبات120.
إن صعوبة إثبات القصد الإجرامي يمكن إن يمثل عائقا حقيقيا لتسليط العقوبة الجزائية، خصوصا وأنّ اعتماد الركن القصدي
من عدمه يعتمد في جزء هام على أهمية المصلحة التي ينبغي حمايتها ومدى خطورة الجريمة المرتكبة. في حين تكون من أبرز غايات التنظيم القانوني للجريمة الاقتصادية هي إضفاء النجاعة والفاعلية على القواعد الجزائية للمادة الاقتصادية121.
وتأسيسا على ما سبق فإن  المسؤولية في الجريمة الاقتصادية لا تتطلب في غالب الأحيان إثبات القصد الإجرامي، بل إنه مفترض توافره من مجرد وقوع الجريمة. وعلى الفاعل أن يثبت عدم توافر هذا القصد، أو قيام سبب يحول دون قيام مسؤوليته عن الفعل. فالقانون الجزائيفي المادة الاقتصادية في هذه الصورة يتمسك بالركن القصدي، ولكنه يفترضه تسهيلا لإثبات الجريمة الاقتصادية التي لا يكون سوء النية فيها مستندا إلى تحليل نفسيّة الجاني كما هو الحال في جريمة القانون الجزائي التقليدي، وإنما يستدلّ عليه من سلوكه المادي دون أدنى التفات إلى أهمية نفسية الجاني أو كوامن ذاته122.
غير أنّ هذا المستوى من التحليل لا يجب أن يجرّنا إلى القول بان الركن المعنوي قد أهمل نهائيا، فهو موجود ولكن بصورة تتماشى وخصوصية المادة الاقتصادية، وذلك بجعله محل افتراض تشريعي يكون المخالف متحملا لعبء إثبات عكسه.123 وبالتالي فمجرد العلم الواجب توافره لدى الجاني بعدم مشروعية الواقعة المجرمة يكون كافيا بأن يكون الركن القصدي في جانبه على ارتكاب الجريمة الاقتصادية124.
ولا شك أنّ هذه القرينة على الإدانة التي أساسها الافتراض تتعارض مع قرينة البراءة التي تعتبر أصلا ثابتا في جل دساتير العالم
وبالرغم من ذلك فإن طبيعة بعض الجرائم وخطورة نتائجها ومخلفاتها على الأمن العام والمصالح  الاقتصادية، أدت بالمشرع إلى اعتبار بعض التصرفات ومسك بعض الأشياء في حالات معينة وأماكن محددة تشكل قرينة على اقتراف بعض الجرائم. وينبغي على من وجه عليه عبء الإثبات أن يثبت عدم ارتكابه لها. الأمر الذي دعى الفقه الجنائي إلى القول "بوجود إدانــة شبــه آليــة Culpabilité quasi-automatique.  منذ اللحظة  التي يستوفي فيها الركن المادي عناصره دون التفات إلى الإدارة وهو أمر مهد إلى الإقرار بالصفة المادية للجريمة  الاقتصادية125.
مسايرة لتوجهات الإرادة التشريعية في افتراض القصد الإجرامي، سعى فقه القضاء إلى تبنّي مسألة افتراض سوء نية المخالف في الجريمة الاقتصادية من خلال ركنها المادي126. فالقاضي الجزائي لم يعد دوره منحصر في التطبيق الحرفي للقاعدة الجزائية والنطق بما احتمله مدلولها أو بالعقوبة المقررة. فدوره حينئذ ليس سلبيا وإنما أصبح يضطلع بدور إيجابي كان منطلقه في ذلك إرادته في تفسير القاعدة الجزائية ذات الصبغة العامة والمجردة على ما عرض عليه من وقائع  التي عليه تكييفها وفهم علتها127. وانطلاقا من هذا التصور لمهمة القضاء، باتت وظيفة القاضي الجزائي تتمثل في ملائمة القاعدة الجزائية الموضوعية مع الوضع الاجتماعي والاقتصادي لمكافحة الجريمة الاقتصادية، التي لم يعد يستدل على وقوعها بكوامن وبواطن الذات البشرية  بقدر ما أصبحت تحتكم في خصوص إثباتها إلى طبيعة الخرق لقواعد التعامل الاقتصادي المقترن بقرائن مادية يكون القاضي الجزائي المؤهل لاستجلائها وتأكيدها128.
إن ما يلاحظ في إطار الجريمة الاقتصادية هو أن المشرع يمر في أغلب المواطن بصمت حول وجود القصد الجنائي أو الخطأ الجزائي مقتصرا على ذكر ماديات الفعل الإجرامي المؤلفللركن المادي فحسب129 . وقد يكون الأمر عاديا بالنسبة للمخالفات الاقتصادية أما فيما زاد على ذلك فإن عدم الإشارة إلى الركن القصدي يصبح من باب المفارقات والخروج عن المبادئ الأصولية التي ضل تاريخيا القانون الجزائي يعتد بفحواها، والذي للدلالة على اشتراطه ترد عبارة "… عمدا…" أو " عن سوء نية".
ويمكن تعريف الجريمة المادية بأنها تلك التي يتعرّض فاعلها لطائلة العقاب الجزائي بمجرد القيام بالفعل المادي مجردا عن كل خطأ قصدي كان أو غير قصدي130. وعلى هذا الأساس فإن الجرائم المادية تتمثل في السلوكات التي يستوجب زجرها تحقق نتيجة مادية محددة دون التفات إلى نوايا مقترفها أو مقاصده131 وتبعا لذلك فإنه يكون من غير اللازم على سلطة الاتهام إقامة الحجة لإثبات الخطأ في الجريمة الاقتصادية.
ويعتبر الفقه وأنّ القانون الجنائي الاقتصادي من أهم مصادر الجرائم المادية، فاجتماع الركن الشرعي والركن المادي كافيا لقيام الجريمة الاقتصادية132.
ويستخلص من جملة ما تقدم وأن المشرع في إطار الجريمة الاقتصادية يستبعد الخطأ كأساس لإسناد المسؤولية الجزائية عن هذه الجرائم، وهذا فيه إقصاء صريح للركن القصدي وفي المقابل تكريس للصفة المادية للجريمة الاقتصادية، باعتبار كونها تتنزّل في إطار تشريع  خاص لا يراد به حماية الفضائل التقليدية والأخلاق أو الآداب العامة وإنما حماية مصالح مادية عابرة وظرفية اقتضتها السياسة الاقتصادية133.



.../... يتبع
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: خصائص الجريمة الاقتصادية _ دراسة في المفهوم والأركان

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 30 يوليو 2017, 22:12

ثانيا : إسناد المسؤولية في القانون الجزائي الاقتصادي :

  إن اسناد المسؤولية الجزائية لا يثير عادة كثير من الصعوبات في القانون الجزائي ، فهو الشخص الطبيعي العادي الذي يقع تتبعه جزائيا ، ومن ساهم في ارتكاب الجريمة .
لكن الأمر مختلف في القانون الجزائي الاقتصادي الذي يبحث عن المسؤول الحقيقي134، فالاتجاهات الحديثة تستوجب ألا تقف العقوبة عند حد مساءلة الفاعل عن فعلته المباشرة التي يتمثل فيها الفعل الإجرامي ، بل أضحى من المتعين تتبع كل الأنشطة والأخطاء المعتبرة بطريقة أو بأخرى من قبيل الأخطاء التي أسهمت بدور فعال في وقوع الجريمة135
على هذا الأساس فإنالإسناد إما أن يكون إسنادا ماديا عاديا وهو لا يثير أي صعوبة وإما أن يكون الإسناد قانونيا وهو الذي يعين فيه القانون شخصا كفاعل للجريمة غير الذي ارتكب الأفعال المادية136.  ومن هنا يبدو أن الأشخاص الذين يمكن إسناد المسؤولية اليهم في القانون الجزائي الاقتصادي أكثر من القانون الجزائي العام137 ، وهو ما يبرز خصوصية الجرائم الاقتصادية في هذا المستوى ، ويظهر ذلك من خلال تكريس المسؤولية الجزائية عن فعل الغير ، ومن خلال المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي .

المسؤولية عن فعل الغير :

ترتكز في القانون الجزائي قاعدة المسؤولية الجزائية الشخصية، لأن الشخص يعاقب عن نشاطه بوصفهِ فاعلاً أو شريكاً عن حدوث الأعمال التي جرمها القانون، سواء أكان ذلك نتيجة القيام بفعل أو بالامتناع الذي يجرمه القانون، وذلك إقرار بمبدأ شخصية المسؤولية والعقاب138، وهو مبدأ وصل إليه الفقه الجزائي139 وذهبت إليه معظم التشاريع الحديثة140، أي أن مسؤولية مرتكب الجريمة لا تتعدى إلى سواه ممن لم يسهم فيها بوصفه فاعلاً أو شريكاً141، بينما تترك التشريعات المدنية مجالاً لمساءلة شخص عن أفعال مرتكبة مادياً من الغير142. فلقد وقع الإقرار بوجود المسؤولية المدنية في القانون المدني عن فعل الغير منحصرة في الأشخاص الذين وقع التنصيص عليهم في القانون143.
إلا أن وظيفة القانون الجزائي في الفقه الجزائي الحديث لم تعد مجرد قانون يهدف إلى وضع قواعد رادعة إنما أصبح من أهداف القانون الجزائي التدخل الحمائي من أجل وضع حد للانحراف. ومع تطور نمط نشاط الاقتصادي ، ظهرت قوانين تقر صوراً من المسؤولية الجزائية غير مباشرة للذات المعنوية ناتجة عن فعل الغير، وذلك لوجود علاقة بينهما تفترض أن يكون الشخص الأول مسؤولاً عما يصدر عن الثاني144، متجاوزة بذلك قاعدة شخصية المسؤولية والعقاب.
يفترض المنطق القانوني أنه لا يمكن وضع نص عام يقر المسؤولية الجزائية عن فعل الغير145. إلا أن هذه المسؤولية وجدت في عدد من النصوص الواردة في الميدان الاقتصادي.
فعندما يفرض القانون على الذات المعنوية الالتزام بالقيام أو الامتناع عن العمل ثم يخالف ماديا أحد العاملين في الشركة هذا الالتزام، فأن القانون يسند الفعل للشخص الذي يعتبره مخطئا كمدير أو كرئيس أو كمجلس الإدارة، ويكون هذا الإسناد صريحاً عندما يحدد القانون شخص المسؤول بالأسم أو الوظيفة146. ولكن هذا الإقرار سيكون مخالفاً لمبدأ الشرعية لأن هؤلاء الممثلين يتحملون مسؤولية شخصية لارتكاب جرائم قد يجهلون وجودها 147. وإضافة إلى ذلك، فأن الفعل الذي يعاقب عليه قد لا يكون من مهامه ، ومع ذلك يتحمّل مسؤولية عدم القيام بواجب محمول على غيرهِ.
فمن العدالة أن تصيب العقوبة الذات المعنوية في ذمتها المالية ونشاطها، خاصة أن أثرها لن يكون مجدياً إذا أقتصر على الذات الطبيعية المرتكب للجريمة مادياً. فقد لا تسمح ثروته بتعويض الضرر ولن يحول عقابهُ دون تكرار المخالفة، فبإقرار المسؤولية الجزائية للذات المعنوية تمكن من عدم تحمل الفرد لوحده نتائج القرارات الجماعية 148. على أن الإقرار بوجود المسؤولية الجزائية للذات المعنوية ليس له أثر على مواصلة وجود حالات من "المسؤولية الجزائية عن فعل الغير"، لأن المسؤولية الجزائية للذات المعنوية لا يمكن أن تستوعب المسؤولية الجزائية عن فعل الغير149، بل إن الذات المعنوية ذاتها قد تكون محل مساءلة عن جريمة أرتكبها الغير.

إقرار المسؤولية الجزائية للذات المعنوية :

يتميز القانون الجزائي الاقتصادي بظاهرة خاصة وهي تكريس مسؤولية الذات المعنوية الاقتصادية جزائيا ، وتعد هذه الظاهرة من التحولات الكبيرة التي أقرها هذا القانون في المبادئ التقليدية للقانون الجزائي150 .
 لم يكن من المقبول الاعتراف بالمسؤولية الجزائية للذات المعنوية لكونها مجرد افتراض قانوني لا يمكن معه تصور إسناد الجريمة إليها151، لأن هذا يتنافى مع مبدأ شخصية العقوبة وهو من أهم مبادئ القانون الجزائي152.
فمن وجهة نظر فلسفة القانون تعتبر الذات المعنوية ، ذات افتراضية فوجودها وأهليتها القانونية هما افتراض قانوني153. وهذا المفهوم الفلسفي للذات المعنوية يفسر حصانتها لأن الشخصية الحقيقية تفترض وجوداً جسدياً وكذلك قدرة على الإرادة والفعل.
 وعندئذ فإن الإنسان وحده يمكنه أن يكون فعليا بحسب طبيعة الأشياء صاحب حقوق وواجبات لأنه الوحيد الذي يتميز بالإرادة الحرة والقدرة على التمييز وهو وحده القادر على الإتيان بالأفعال المجرمة التي تقوم من أجلها المسؤولية الجزائية لأن كل حق يحتاج إلى ذات ينتمي إليها وهو ما سمي بقاعدة "لا حق دون فاعل". وهذا التمشي يجد أيضا مبرراته العقلانية، وهو تبرير يعتبر أن الحق يفترض وجود فاعل في القانون الفرضي يعوض صوريا فقدان فاعل في القانون الواقعي.
فالشخصية المعنوية هي ذات افتراضية تمكن من التمتع بحقوق لأن الشخصية الحقيقية تستدعي وجوداً حسياً وبيولوجياً لا يمكن أن يتوفر إلا لدى الإنسان الذي وحده بوسعه حسب طبيعة الأشياء أن يمتلك القدرة على اكتساب حقوق والقيام بواجبات، وكذلك هو الوحيد الذي يملك الإرادة الحرة والإختيار، الأمر الذي يفسر تجريمه وإخضاعه إلى المسؤولية الجزائية.
 في حين أن إرادة الذات المعنوية هي إرادة مفترضة ومصطنعة، ولذا فإنها لا تملك القدرة على القيام بأفعال إجرامية تتأسس معها مسؤوليتها الجزائية. بعبارة أخرى فهذه الصورة الإفتراضية التي أحدثها القانون لم تخصص لإكساب الذات المعنوية الإرادة أو القدرة على الفعل ، وإنما لتمكين الذات المعنوية من التحصيل على ذمة خاصة بها وتسهيل سيرها وليس لتبرير مسؤوليتها الجزائية.
يلاحظ في الحياة الاقتصادية المعاصرة تزايد كبير لأهمية الذات المعنوية ، إذ أن اغلب النشاطات الإقتصادية تمارس من خلال المؤسسات التي أصبحت تتمتع بحقوق تتجاوز من حيث الأهمية حقوق الشخص الطبيعي أحيانا.
لهذا أصبح من الضروري الإقرار بالمسؤولية الجزائية للذات المعنوية154 ، وذلك حماية للائتمان و الاقتصاد الوطني155 ، وضمانا لنجاعة القانون الجزائي .
لقد تعرضت معظم التشريعات التي أقرت المسؤولية الجزائية للذات المعنوية156 بموجب نص عام إلى شروط متلازمة يجب توفرها في الفعل والفاعل، حتى يمكن إسناد الجريمة للذات المعنوية
من أجل قيامالمساءلة الجزائية للذات المعنوية، لا بد من توفر شروط متلازمة في الفعل والفاعل، وبتوفرها يكون الفعل المجرّم صادراً عن الإرادة الجماعية لمكوني الذات المعنوية. فهي تبين كيفية اقتراف الذات المعنوية للفعل المادي، وقيام الرابطة المادية بين نشاط الجاني وبين الواقعة الإجرامية157،لأن تلك الشروط تحدد الأشخاص الطبيعيين وتصرفاتهم المجسدة لإرادة الذات المعنوية.
 أما المجلة الجزائية الفرنسية لسنة 1992، فلقد ضمنت هذه الشروط بالفصل 121ـ 2 وهما:
 1 ـ أن يكون الفعل الإجرامي مرتكباً لمصلحة الذات المعنوية.
 2 ـ أن يكون الفعل الإجرامي مرتكباً من طرف أحد أعضائها أو من أحد ممثليها158.
هناك إتفاق تشريعي حول هذه الشروط، أي أن يكون الفعل الإجرامي مرتكباً من طرف أحد ممثلي الذات المعنوية159، وأن يكون ذلك الفعل مرتكباً بوسائل أو لحساب أو باسم الذات المعنوية، وبالتالي لا بد من الرجوع إلى القانون المنظم للذات المعنوية عامة كانت أو خاصة ، وإلى قانونها الأساسي للتعرف على الأعضاء160، فالذات المعنوية تُسأل عن أفعال مديرها لأنه العضو الفاعل في اتخاذ قراراتها161، بحيث تعتبر أعماله هي أعمال الشركة فتسأل عنها باعتبارها أفعالها الشخصية المباشرة162، حيث أن المدير هو أداة التنفيذ فيها163.
وهذا يعني أن القوانين تقرر المسؤولية الجزائية للذات المعنوية بوصفها شخص من أشخاص القانون الجزائي، الذين يمكن نسبة الجريمة إليهم ومساءلتهم عنها في الحدود التي تفرضها طبيعة تلك الأشخاص164، على أن تكون هذه الأفعال مرتكبة .. بإسم ولحساب الذات المعنوية. وهذا يعني أن المشرع قد أقر شرطاً واحداً مزدوجاً وهو بإسم ولحساب الذات المعنوية، أما المشرع الفرنسي فقد أعتمد شرطاً واحداً هو ارتكاب الجريمة لحساب الذات المعنوية، وبالتالي هناك اختلاف بين إرتكاب الجريمة لحساب الذات المعنوية عن ارتكابها بإسمها أو بإحدى وسائلها.
فإرتكاب الجريمة بإسم الذات المعنوية يعني أن الممثل الذي تصرف بإسمه الخاص لا تتحمل الذات المعنوية المسؤولية الجزائية عن فعلهُ الإجرامي، ولو كان الفعل قد أُرتكب بمناسبةالقيام بالمهمة أو أثناءها. على أنّ مسؤولية الذات المعنوية تثير جدلاً قانونياً حول إمكانية الجمع بين مسؤولية الشخص الطبيعي والذات المعنوية عن نفس الأفعال.
وقد أقصى المشرّع الفرنسي هذه الإمكانية بموجب قانون 10 جويلية 2000، بحيث تترتب مسؤولية الذات المعنوية دون الشخص الطبيعي عند خطأ الإهمال البسيط والجنح غير القصدية، كما أنّ مسؤولية الذات المعنوية من شأنها أن تقصي قرينة المسؤولية المحمولة على أصحاب المؤسسات ومسيريهم165. وتلاحظ هذه القرينة بالنسبة للمخالفات المنصوص عليها بقانون الشغل أو قانون الشركات أو التهيئة الترابية والتعمير والقوانين الحمائية للبيئة. كما أن فقه القضاء حمّل هذه المسؤولية الممثل القانوني للمؤسسة عند خرق مثل هذه القوانين بصفة آلية.
ومن شأن مساءلة الذات المعنوية انتقال المسؤولية من رئيس المؤسسة نحو الذات المعنوية، وهو ما أقره المشرّع الفرنسي بقانون 10 جويلية 2000، على أنّه يشترط لكي تترتب مسؤولية الذات المعنوية أن يكون الخطأ مرتكباً من طرف هذه الأخيرة. وهذا هو خلاف ما يقرّه قانون الشغل166، الذي يحمل المسؤولية للمسيرين ورئيس المؤسسة دون الذات المعنوية بحيث لا يمكن مساءلتها دون نص يقر ذلك، إقراراً لمبدأ عدم مساءلة الشخص إلا عن فعلهِ الشخصي واعتمادا على أنّه ليس للذات المعنوية إرادة خاصة بها تمكن من مساءلتها شخصياً.
فالذات المعنوية تسأل عن أفعال مسيرها، لا باعتباره نائباً عنها في المعاملات، وإنما باعتباره يمثل الجسد الذي تتجسم فيه الذات المعنوية، حيث أن الذات المعنوية ليس لها كيان مادي وإنما مجرد روح، تتصل مع العالم الخارجي من خلال مسيريها وأجرائها. ولأجل هذا تسأل الذات المعنوية عن أعمالها وتصرفاتها كما يسأل الشخص الطبيعي عن أعماله وتصرفاته167. فالمسير لا يعتبر مجرد تابع للذات المعنوية، وإنما هو تجسيد مادي لها في الواقع168 بحيث تعتبر أعماله هي أعمال الذات المعنوية فيسأل عنها باعتبارها أفعالها الشخصية المباشرة، فهو المجسد لكيانها القانوني169، إذ أن الذات المعنوية لا تستطيع العمل إلا بواسطة الأجهزة المنبثقة عنها والمكلفة بتمثيلها.
وهذا يعني أن القوانين تقرر المسؤولية الجزائية للذوات المعنوية بوصفها شخص من أشخاص القانون الجزائي، الذين يمكن نسبة الجريمة إليهم ومساءلتهم عنها في الحدود التي تفرضها طبيعة تلك الأشخاص170. وفي هذا الإطار، اعتبرت محكمة التعقيب التونسية  أن مسؤولية الذات المعنوية عن أفعال أعضائها وإجرائها، مسؤولية شخصية، لا مسؤولية عن فعل الغير171.
إلا أن المشرع في سياق التطور التشريعي أصبح يقر في عديد الحالات ازدواجية المسؤولية، فيسأل عن الجريمة كل من الذات المعنوية والشخص الطبيعي المجسد له. وهذا الإقرار يهدف إلى تجنب أن تكون مسؤولية الذات المعنوية درعاً يحتمي به الشخص الطبيعي ليقوم من ورائه بإرتكاب الجرائم، أو العكس. لذلك لا يمكن تصور إعفاء الشخص الطبيعي من مسؤوليته الجزائية الناجمة عن الجريمة بحجة أنه قام بها لحساب الذات المعنوية، فلا بد من مساءلته جزائياً عن أفعاله الإجرامية، حتى لو أرتكب هذه الأفعال لمصلحة الذات المعنوية التي يعمل لديها أو يمثلها قانوناً172. فالمشرع لم يهدف بإقرار هذه المسؤولية إلى إعفاء الشخص الطبيعيمن تحمل تتبعات الجريمة173.
وكذلك فإن المشرّع الفرنسي أقر إمكانية إزدواج المسؤولية بالفصل 121 ـ 2 من المجلة الجزائية، وذلك لمّا أشار إلى أن المسؤولية الجزائية، للذات المعنوية لا تحول دون مسؤولية الشخص الطبيعي كفاعل أصلي أو شريك بالنسبة للأفعال نفسها. فلقد وقع في البداية إعتبار أنه لا يمكن الجمع بين المسؤوليتين، لأن الجريمة لا ترتكب في الوقت ذاته من الذات المعنوية وكذلك مسيرها، فهي إما أن تكون مرتكبة من قبل المسير أو أن تكون مرتكبة من قبل الذات المعنوية، وفي كلتا الحالتين لا يسأل عنها إلا فاعلها174.
إلا أن هذا التحليل فيه فهم خاطئ لنظام المسؤولية الجزائية للذوات المعنوية الذي جاء به الفصل 121 ـ 2، لأنه يضع حاجزاً أمام مؤاخذة المسيرين. ولهذا وقع إستبعاد هذا الرأي نظراً لما له من نتائج خطيرة على نظام المسؤولية، ووقع تبني مسؤولية الذوات الطبيعية تزامناً مع مسؤولية الذوات المعنوية في حالة الخطأ الشخصي. وهذا هو ما أقرته الصياغة النهائية للمجلة إذا كان الشخص الطبيعي فاعلا أصليا أو شريكا بالنسبة للفعل الإجرامي نفسه، فمسؤولية المسيرين يقع تحديدها بالرجوع إلى القواعد العامة للقانون الجزائي.

الجزء الثاني : مظاهر خصوصية  قواعد المؤاخذة في الجريمة الاقتصادية:
اتضح مما سبق خصوصية الجريمة الاقتصادية على مستوى قواعد التجريم  إلا انه وان كانت هذه الخصوصية لم تكن بشك واس فأنها على العكس من ذلك على مستوى قواعد الزجر .
واعتبارا إلى كون القانون الجزائي الاقتصادي يمتاز بسرعة الردع و نجاعة العقوبات لتجنب أخطار التي تلحقها الجريمة الاقتصادية بالنشاط الاقتصادي ولحماية البريء من كل تلاعب من طرف المجرمين الاقتصاديين ، فإن استقلالية وخصوصية الجريمة الاقتصادية برزت أكثر من خلال قواعد تتبع الجريمة الاقتصادية ( الفقرة الأولى ) ومن خلال نظام العقوبات الخاص بالقانون الجزائي الاقتصادي ( الفقرة الثانية ) .


الفقرة الأولى : خصوصية قواعد التتبع في الجريمة الاقتصادية :

تتبع الجرائم الاقتصادية يتطلب تقنية مختلفة عن القواعد المنطبقة في الجرائم العادية175 . لهذا فإن الجانب الإجرائي في القانون الجزائي الاقتصادي لا يخلو من خصوصية وتميز مقارنة بالإجراءات الجزائية ، التي ولئن أسندت بعض المهام الإجرائية للإدارة  إلا أنها لم تعطيها نفس الدور الهام الذي تتمتع به في إطار القانون الجزائي الاقتصادي ، فمنذ انطلاق التتبعات ووصولا إلى النطق بالعقوبة النظام المعتمد استثنائي جدا176 ، ونظرا لكثرة هذه الاستثناءات فإنها أصبحت هي المبدأ في القانون الجزائي الاقتصادي . وهو ما يؤكد خصوصية الجريمة الاقتصادية التي تظهر من خلال قواعد معاينة الجرائم الاقتصادية  . ومن خلال أحكام الدعوى العمومية .
فمن خلال معاينة الجرائم الاقتصادية ، ابرز ما يلاحظ في القانون الجزائي الاقتصادي هو تعدد أعوان المعاينة الذين يتمتعون بصلاحيات واسعة إضافة إلى الأهمية التي تكتسيها محاضر المعاينة في الإثبات .
انطلاقا من تعقد نشاط الأعمال وصعوبة الإثبات فيها ، واعتمادا على أن الجرائم الاقتصادية هي من الجرائم التقنية التي تتطلب بالضرورة أعوان مختصين لاكتشاف الجريمة ومعاينتها177. فإنه بات من اللازم أن يوجد هيكل مختص بمعاينة الجرائم الاقتصادية يضمن نجاعة القانون الجزائي الاقتصادي178 ، وواضح أن الإدارة لها من الاطلاع على كيفية سير الأجهزة الاقتصادية ومن خبرة كبيرة في معرفة أسرار وخفايا شؤون الإنتاج والتصنيع وما ينشأ عن ذلك من معاملات ، ملكها القانون زمام الأمور الاقتصادية وأوكل أمر معاينة الجرائم الاقتصادية إلى أعوان إداريين مختصين بالإضافة إلى وجود الضابطة العدلية179 .
إن اختصاص هؤلاء الأعوان ليس حكرا عليه ، خاصة وان الضابطة العدلية لها صلاحيات معاينة الجرائم الاقتصادية . ولكن ما يستخلص من التطبيق هو ان الإدارة تتمتع بالأولوية في معاينة هذه الجرائم180.
 أن وجود هذه الأجهزة المختصة بمعاينة الجرائم الاقتصادية يعد في حد ذاته إحدى مظاهر استقلالية وخصوصية الجريمة الاقتصادية والتي تتضح أكثر في كل مراحل التتبع181 وبتنوع وتعدد أعوان المعاينة المختصين إذ أن لكل إدارة اقتصادية هيكل من الأعوان المختصين حدده المشرع182.
انطلاقا مما ذكر لابد من التذكير أن عبء الإثبات أصبح محمول على كاهل الإدارة 183، ولأداء مهمتها على أحسن وجه واثبات وجود الجريمة الاقتصادية ، فإن الأعوان المكلفين بالمعاينة يتمتعون بصلاحيات هامة ويمكن الإشارة إلى ابرز هذه الصلاحيات : من ذلك حق زيارة المحلات ، المعاينة وهي الاطلاع على كل ما من شأنه أن يساعد على اكتشاف الجريمة ، حق حجز الوثائق ، حق اخذ العينات .
و فيما يخص أحكام الدعوى العمومية فأنها هي الأخرى تمتاز بالخصوصية مقارنة مع المفهوم العام لها المنصوص علية في مادة الإجراءات الجزائية
يترتب على كل جريمة دعوى جزائية تهدف إلى تطبيق العقوبات ويترتب عليها أيضاً في صورة وقوع ضرر دعوى مدنية لجبر ذلك الضرر.
فالمبدأ العام هو أن النيابة العامة هي صاحبة السلطة في الدعوى الجزائية ،  ومنذ ارتكاب الجريمة يبدأ قيام الدعوى الجزائية وتختص النيابة العمومية مبدئياً دون غيرها باتّخاذ ما يلزم من إجراءات لإثبات وقوع الجريمة، يساعدها في ذلك جهاز متخصص وهم أعوان الضابطة العدلية العادية، الذين يقومون بالبحث عن الجرائم ومعاينتها بكافة الوسائل التي خولتها لهم مجلة الإجراءات الجزائية إلى أن تصل للنطق بالحكم. ولكن في قانون العقوبات الإقتصادي يختلف الأمر لاعتبارات عديدة ومنها: تفادي بطء الإجراءات العادية. ضمان فعالية النظام الاقتصادي.
هذه الاعتبارات أثرت على أحكام الإجراءات التي صار لها خصوصية في قانون العقوبات الإقتصادي ، فكانت مغايرة لأحكام عديدة في مادة  الإجراءات الجزائية وهذا الاختلاف برز على مستوى قيام وانقضاء الدعوى العمومية، فأصبح للإدارات علاقة وثيقة بالميدان الاقتصادي، ولها مكانتها في الدعوى العمومية، فأعوانها الإداريون هم الذين يقومون في غالب الجرائم الاقتصادية بالبحث عنها ومعاينتها مستندين على وسائل تفوق ما هو مخوّل للضابطة العدلية العادية، فتصبح الإدارة في مركز يتيح لها تقدير ما ستقرره استناداً إلى المحاضر التي حرّرها أعوانها.


 أولا : إثارة الدعوى العمومية في القانون الاقتصادي

وفي إطار قانون العقوبات الإقتصادي ، اتّجه المشرّع إلى ملائمة النظام الإجرائي وتمييزه ليساير الميدان الاقتصادي، ولهذا التمييز مبرراته، فهو باعث على الإسراع وتفادي البطء الذي يلازم الإجراءات العادية، ولا يكون ذلك إلا بإعداد متخصصين في البحث عن الجرائم الاقتصادية184 ومن هذا المنطلق فإنّ أكثر نصوص قانون العقوبات الإقتصادي قد نصّت على هذه الإجراءات، فكان للدعوى العمومية خصوصيتها حيث أن النيابة العمومية لم تعد تحتكر الدعوى العمومية، فتداخلت معها جهات أخرى وتشعّبت سلطة إثارة الدعوى الجزائية .
النيابة العمومية تثير الدعوى العمومية، بوصفها نائبة عن المجتمع وأمينة على مصالح دعواه، ويبقى لها تقدير مصلحة المجتمع في الإثارة من عدمها، التي تهم النظام العام فإذا أثيرت فإنه لا يمكن للنيابة أن توقفها أو تتراجع فيها . كما لا يمكن التنازل عن  حق تتبع إجراءاتها وعن حق الطعن في الأحكام185 ، لكن في القانون الجزائي الاقتصادي لم يتقيد بهذه المبادئ . إذ انه استحدث إجراءات خاصة تستجيب لخصوصيات الميدان الاقتصادي وتمكن السلطة الإدارية من صلاحيات واسعة تحد من سلطات النيابة العمومية في مباشرة اختصاصاتها186 . وهو ما يدعم خصوصية الجريمة الاقتصادية  التي تبز خاصة من خلال أحكام قيام الدعوى العمومية  ومن خلال أحكام انقضائها .


1 قيام الدعوى العمومية في القانون الجزائي الاقتصادي :

تدخل الإدارة في الإجراءات الجزائية هامشي جدا إن لم نقل انه معدوم ، إذ أن هذه المهمة موكولة للنيابة العمومية187 ، لكن في القانون  الجزائي الاقتصادي النيابة العمومية تلقى منافسة من طرف الإدارة فيما يخص إثارة الدعوى العمومية188  .
وهذا الدور الذي تقوم به الإدارة مستجد مقارنة بالجرائم غير الاقتصادية وهو دور يزداد  أهمية ويبرز أكثر ضرورة استقلالية الجريمة الاقتصادية إذا علمنا أن إثارة الدعوى العمومية في بعض الجرائم الاقتصادية لا يمكن أن يتم دون شكوى  مسبقة من طرف بعض الإدارات. كما أن الإدارة يمكن لها في بعض الجرائم الاقتصادية أن تثير الدعوى العمومية مباشرة دون توقف على النيابة العمومية .
يبدو من خلال ما سبق أن  دور الإدارة في إثارة الدعوى العمومية في القانون الجزائي الاقتصادي ثابت وإن كان يختلف من إدارة إلى أخرى ومن قانون إلى آخر . وهذا الدور غير معهود في تتبع غير الجرائم الاقتصادية .
فالصلاحيات التي خولها المشرع للإدارة تمثل سلاحا فعالا يمكن السلطات الاقتصادية من ملائمة السياسة الجنائية للسياسة الاقتصادية بحسب ما تقتضي الظروف والحالة . فإذا لم يكن الظرف الاقتصادي يتطلب زجرا  جزائيا صارما فإن الإدارة يمكنها التغاضي عما يقع أمامها من مخالفات ، أما إذا كان الظرف يتطلب الضرب بحزم فإن الإدارة بإمكانها تحريك سلاح الإكراه الجزائي والعمالة بكل صرامة189.


2 ممارسة الدعوى العمومية في القانون الجزائي الاقتصادي :

تعتبر النيابة العمومية هي صاحبة الاختصاص الأصلي في ممارسة الدعوى العمومية. لكن في القانون الجزائي الاقتصادي فإن احتكار ممارسة الدعوى لم يعد مقتصرا على النيابة بل إن الإدارة تضطلع بدور هام في هذا المجال190 .
لكن الإدارة لا يمكنها أن تمارس الدعوى العمومية إلا إذا وجد نص خاص يسمح بذلك191. وفي صورة غياب هذا النص تنعدم إمكانية مباشرة الدعوى العمومية ، وتكمن خصوصية القانون الجزائي الاقتصادي في كونه يمثل المجال الخصب الذي تظهر فيه إمكانية ممارسة الدعوى العمومية من قبل الإدارة .


ثانيا : انقضاء الدعوى الجزائية في القانون الجزائي الاقتصادي :

انقضاء الدعوى العمومية يعني وجود سبب قانوني يحول دون عرضها على القضاء أو دون استمرار عرضها192
الأسباب العامة لانقضاء الدعوى الجزائية عديدة غير أنه لخصوصية الجرائم الاقتصادية فإن نصوص قانون الجزائي الاقتصادي قد أوردت بعض التدخلات في العديد من هذه الأسباب، وذلك على مستوى الأسباب الذاتية لانقضاء الدعوى الجزائية مثل موت المتهم والرجوع في الشكاية وكذلك على مستوى الأسباب الموضوعة قسم أول يتدخل فيهما عنصر الزمن فتنقضي من حصوله الدعوى الجزائية ، وقسم ثاني يتعلق بما يصدر عن السلطة ويكون منصوصا عليه ويترتب عنه انقضاء الدعوى أيضاً.
تدخل المشرّع في قانون الجزائي الإقتصادي على مستوى انقضاء الدعوى الجزائية التي وقع التنصيص على صورها في الفصل الرابع من مجلة الإجراءات الجزائية التونسية ، ولقد كان هذا التدخل في عديد الصور فلئن كان يترتب على وفاة المتهم انقضاء الدعوى كنتيجة طبيعية لمبدأ شخصية العقوبة، غير أنّه يتدخل المشرع لم يعد لوفاة المخالف تأثير على حقّ إدارة الضرائب في تحصيل أصل الضرائب والتي يمكن الحصول عليها من الورثة في حدود نصف التركة. وكذلك الشأن بالنسبة  للإدارة الصرفية.
أما في إطار مرور الزمن فإنّ قانون العقوبات الإقتصادي أورد بعض الصور الخاصّة. فلم تميزّ عديد النصوص القانونية في المدّة الزمنية بين المخالفة والجنحة واعتبرتهما خاضعتين لمدّة ثلاث سنوات، كما وضع نظاماً خاصا لمرور الزمان بالنسبة لجرائم الغابات من خلال الفصل 143 من  مجلة الغابات التونسية .
وأهم ميدان تدخل فيه المشرّع نجد الصلح باعتباره سبباً رئيسياً لانقضاء الدعوى الجزائية وما يعزز أنه سبب رئيسي هو وجود تقنية التسوية كأسلوب مواز للصلح خاصة بدون رصيد بكثرة استعماله فيه، وبتوفرهما تنقضي  الدعوى العمومية تمثل الدعوى الجزائية وسيلة لحماية المجتمع، ولذلك تعتبر ملكاُ له وتمارس باسمه ولا يجوز الرجوع عنها أو العدول عن ممارستها إلا من قبله، وبما أنّ النيابة العمومية هي صاحبة الاختصاص الأصيل في إثارة الدعوى الجزائية وممارستها، لكن ليس بإمكانها الرجوع عنها أو تعديلها لأنّه لا حق" لها في التصرّف فيها193 ولهذا لا مجال لإبرام أي اتفاق بين المجرم والنيابة تنقضي على أثره الدعوى العمومية، وفي المقابل لا يمكن الإقرار بإبرام الصلح بين المخالف والنيابة العمومية194 لأنّه : "ليس للنيابة العمومية الحقّ في التصرّف في  الدعوى الجزائية فلا يمكنها العدول عن التنازل عنها بعد أن قامت بإثارتها"195 كما أنّه لا يجوز لجهاز النيابة العمومية أن يرفض ممارسة حقّ الطعن في الأحكام ولا الرجوع في الاستئناف (الفصل 217 مجلة الإجراءات الجزائية  التونسية). ومع هذا تنقضي الدعوى الجزائية بالصلح (الفصل 4 مجلة الإجراءات الجزائية التونسية) وهذا غريب عن القانون العام فالدعوى الجزائية لا يمكن التصالح في شأنها. غير أنّ المشرّع في قانون الجزائي الإقتصادي أعطى للصلح خصوصيّة تتعارض مع عديد مبادئ القانون الجزائي الإجرائي، بحيث يمكن اعتبار أنّ المبدأ في القانون الجزائي الإقتصادي هو إمكانية الرجوع والعدول عن الدعوىالعمومية، وقد وقع إقرار الصلّح في عديد  نصوص  قانون الجزائي الإقتصادي . في الجريمة الاقتصادية .
إن إقرار الصلح راجع إلى أن القوانين الجزائية الاقتصادية هدفها إعادة التوازن الاقتصادي بدون زجر المخالف، بل إعادة إدماجه من جديد في الطريق المرسوم196 لأنه يمثل عونا اقتصاديا خرج عن السياسة الاقتصادية التي ترمي إلى حماية مصلحة صندوق الدولة، ولذلك فإن أمكن حماية هذه المصلحة من قبل الإدارة التي تنفذ السياسة الاقتصادية للدولة، فإنه لا يبقى أي مجال للتمسك بتوقيع العقوبة197 وبالتالي يفهم بإقرار المشرع للصلح في أكثر نصوص قانون العقوبات الإقتصادي ، بأنه يتبع سياسة نزع العقاب التي تسعى إلى إضعاف رد الفعل الاجتماعي وإكسائه طابع التسامح في المعاملات المحدودة، بحيث أصبحت الدعوى الجزائية وسيلة علاجية إما أن يقع إبرام  الصلح من قبل الإدارة مع المجرم أو إحالته إلى القضاء، لأن الصلح يبقى مجرد إمكانية تستعملها الإدارة المختصة حسب سلطتها التقديرية تتحكم فيه بدون أي تدخل من قبل المخالف198.
 وهذا ما يترتب عنه أيضا تعارض الصلح من المبدأ الدستوري القاضي بضرورة الفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، ذلك أن منح الصلح للإدارة جعلها خصما وحكما في نفس القضية الموجهة ضد المخالف. كما يمس الصلح بالعديد من المبادئ الإجرائية الهامة التي أقرتها المعاهدات والاتفاقيات الدولية أو القوانين الفعلية199، ومن شأن الصلح أن يقضي كل الضمانات العادية التي تكفلها الإجراءات الجزائية وخاصة كل الضمانات المتعلقة بحقوق الدفاع ووجود قاضي مستقل ومحايد200. كما يمس الصلح من مبدأ مساواة المواطنين أمام العقوبة ومبدأ إيصال القضاء خاصة في حالة إجراء الصلح بعد صدور حكم بات، وكل هذا مرده أن الصلح مرتبط بالميادين الاقتصادية وليس بغريب أن تتأثر أحكامه بخصوصيات القانون الجزائي الإقتصادي من سرعة وفاعلية، وليواكب ذلك القانون تحركاته وتغييراته ليصبح الصلح الجزائي كمعيار خاص بالقانون الجزائي الإقتصادي 201 الذي يصعب تحديد ميدانه ذلك أن الدولة تتمتع بوظائف اقتصادية. متعددة، وكان من الضروري أن يراعي المشرع عند وضعه لقواعد القانون الجزائي الإقتصادي أن ينظم الميادين الاقتصادية العامة فمنها ما يتعلق بالاقتصاد العام للدولة والتي يمكن حصرها في الميدان الجبائي والميدان الجمركي وميدان الصرف والتجارة الخارجية والميدان البيئي، ومنها ما يتعلق بالاقتصاد العام للمؤسسات حيث تتدخل الدولة في تنظيم العلاقات الاقتصادية بين الأفراد وخاصة في قانون المنافسة والأسعار وقانون حماية المستهلك، وكذلك على المشرع أن يراعي تنظيم الميادين الاقتصادية القطاعية التي تشمل الميدان الفلاحي والميدان الصرفي والميدان التجاري والميدان الصناعي فيما يتعلق بالمحروقات، باعتبار أن هذهالميادين من شأنها إعطاء فكرة واضحة عن محتوى القانون الجزائي الإقتصادي من ناحية، وإبراز خصوصية الصلح من ناحية أخرى.
إلا أنه رغم جدوى الصلح في النصوص الجزائية الاقتصادية، نجد أن المشرع في هذا الميدان لم يتعامل مع الصلح بشكل منظم. فهو لم يضع شروطا موضوعية للصلح ولم يحدد حقوق وواجبات أطراف الصلح، ولم يعين معايير لإسناد الصلح وذلك على مستوى جميع النصوص الجزائية الاقتصادية تقريبا، وهو ما نلمسه بوضوح من خلال النظام القانوني للصلح.
لقد اعتبر Levasseur بأن اعتماد الصلح له نتائج خطيرة خاصة أن المبدأ الأساسي في المادة الجزائية أنه لا يجوز الصلح بالنسبة للدعوى العمومية202 والصلح باعتباره " إجراء تلتزم بموجبه الإدارة المختصة قانونا بالتخلي عن تتبع المخالف بعد معاينة الجريمة أو عند تطبيق العقوبات المالية المسلطة من قبل المحاكم الزجرية مقابل التعهد بتسديد مبلغ مالي محدد من قبل المخالف وبرضاه وذلك دون اللجوء إلى السلطة القضائية أ و إلى الغير"203 .
 لقد اقتضت بعض الميادين حاجتها إلى توفر بعض الأحكام المرنة لتجاوز سلبيات العقوبات الجزائية ووجد المشرع في التسوية في الميدان الجزائي خير حل لذلك، وهي مؤسسة أهمل تعريفها من قبل المشرع مع أنه وقع استعمالها في عديد الميادين من خلال بعض النصوص الجزائية204.
ومن هذا المنطلق قد تثير التسوية إشكالا يتمثل في معرفة هل يمكن اعتبار التسوية وجها من أوجه الصلح الجزائي أم هي صورة من صور انقضاء الدعوى الجزائية تستقل بذاتها ؟
نظرا للغموض التشريعي في هذا الصدد فإنّه يمكن القول بأنها لا تعتبر وجها من أوجه الصلح الجزائي لما تتميز به من شروط وآثار باعتبارها إجراء تنقضي به الدعوى الجزائية يستقل بذاته لعدم وجود أي تنصيص عليه في الفصل الرابع من مجلة الإجراءات  الجزائية التونسية ، وكان يحبذ في هذا الإطار لو كان المشرع قد أوردها ضمن هذا الفصل.
كذلك فإنه بإمكان التسوية أن تكون معياراً قائم  الذات مقابل الصلح الجزائي أو معياراً موازي له لأن المشرّع في القانون الجزائي الإقتصادي تبنى مصطلح التسوية بصفة صريحة ومستقلة وكان بإمكانه استعمال مصطلح الصلح في هذه الجرائم، والسبب في استقلال التسوية هو أن المادة الاقتصادية تتطلب تنوع وسائل مقاومة الإجرام بحثا عن جدوى اقتصادية التي تختلف باختلاف الأضرار التي تلحقها الجريمة بالاقتصاد العام والقطاعي، فكلما كان الضرر أقل خطورة التجأ المشرع إلى رد فعل مثل الصلح والتسوية، وكلما كان الضرر جسيما كلما اقصى المشرع تلك الحلول لإعتماد رد فعل جزائي من شأنه أن يساعد على وجود معايير مدعمة للصلح الجزائي.
بوجود مثل هذه التقنيات الرئيسية لانقضاء الدعوى الجزائية في القانون الجزائي الإقتصادي باعتبارها تقنيات خاصة بالميدان الاقتصادي ما يجعل من هذه الجرائم تنفرد بشخصية مستقلة ومختلفة عن الجريمة التقليدية .
لقد اقتضت بعض الميادين حاجتها إلى توفر بعض الأحكام المرنة لتجاوز سلبيات العقوبات الجزائية ووجد المشرع في التسوية في الميدان الجزائي خير حل لذلك، وهي مؤسسة أهمل تعريفها من قبل المشرع مع أنه وقع استعمالها في عديد الميادين من خلال بعض النصوص الجزائية.

.../... يتبع
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: خصائص الجريمة الاقتصادية _ دراسة في المفهوم والأركان

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 30 يوليو 2017, 22:14

الفقرة الثانية : خصوصية العقوبة في الجريمة الاقتصادية :


تسعى السياسة العقابية في الميدان الاقتصادي إلى تحقيق هدفين أساسين: هما ردع الأفراد وحماية النظام العام الاقتصادي. فالردع يراد به منع الجاني من العود إلى الجريمة والحيلولة دون إقتداء غيره به205، أما حماية النظام العام الاقتصادي فيراد بها تصحيح المعاملات الماليّة، وإعادة التوازن إلى الوضع المالي المنخرم بفعل الجريمة عبر تمكين الإدارة الماليّة بتقدير وضبط مبالغ الخطايا باعتبارها تتمتع بذمة ماليّة تسعى إلى تغذيتها عن طريق إستخلاص الأداءات206. وكان بذلك لز اماً على المشرّع أن يتوخى سياسة ردعية تعتمد التنوع في العقوبات للوصول إلى تحقيق غايات السياسة الجزائيّة207.
ولقد أتضح أن السياسة الجزائيّة الحديثة تفترض تنويعاً في وسائل التصدي للظاهرة الإجرامية208، التي لم تعد تنطلق من نفس الدوافع، ولا تسعى إلى تحقيق نفس الغايات، ولذلك فإن أغلب الدراسات العلميّة ما انفكت تؤكد أن التعامل مع الإجرام في الميدان الاقتصادي  يجب أن يكون بصيغ مختلفة209.
لذلك فإن السياسة الردعية المعتمدة تكشف عن خصوصية مقارنة بالقانون الجزائي الكلاسيكي210، فالمشرّع يكرس الطابع الجزائي والزجري في العقوبات إيماناً منه بأن تحقيق أهداف السياسة الاقتصادية وردع المخالفين لمقتضياتها، لا يمكن أن تتحقق بالنجاعة الكافية إلا من خلال فرض عقوبات تتلائم مع الخطورة الإجرامية للمخالفين، الأمر الذي لا يكون ممكناً إلا من خلال تسليط العقوبات الجزائية.
ولعلّ فكرة ضمان نجاعة السّياسة الاقتصادية قد فرضت على المشرّع اعتماد مفاضلة بين العقوبات التي تخدم المصلحة الاقتصادية، إذ إتّجه إلى إعطاء أولويّة للعقوبات المالية دون العقوبات السّالبة للحرّية الأمر الذي تغيرت معه طبيعة ووظيفة العقوبة بررت بدورها التساؤل عن نجاعتها في إطار النّظام الزجري للجريمة الاقتصادية .
ولعلّ ما يمثّل خصوصية في هذا المستوى، هو كون العقوبة السجنية لا تتواجد بكثافة فهي غير محبّذة في القانون الجنائي الاقتصادي مما أدّى إلى الدعوة لعدم اللجوء إلى العقوبة السّالبة للحرّية إلا استثناء في إطار الجريمة الاقتصادية. ويبدو أن القانون الجنائي الاقتصادي قد تجاوب مع هذه الدعوى ويبرز ذلك من خلال شبه غياب للجنايات والاقتصار على الجنح والمخالفات.
 كما أنّ المشرّع يترك مجالا واسعا للسلطة التقديريّة للقاضي في تسليط العقوبة بالسجن فيفسح له المجال لإمكانية تسليط هذه العقوبة من عدمه كما أنّ الفرق بين أدنى العقاب وأقصاه يكون شاسعا في بعض الجرائم الاقتصادية.
إن التأمل في العقوبات المستوجبة، يفضي إلى التأكيد على سيطرة الجانب المالي عليها، إذ أنها تتمثل في غالب الأحيان في خطايا دون العقوبات السالبة للحرية، إذ أن العقاب المالي يوفر لميزانية الدولة موارد إضافية من شأنها إنعاشها خاصة في فترات أزمتها. على أن ذلك يبقى رهين النجاعة في التنفيذ الجزائي، الذي يعرف اليوم إشكاليات عديدة تشكل محورا مهما من محاور إصلاح السياسة الجزائية في جل القوانين المقارنة.
غير أن هذا الإعتبار لم يمنع المشرّع من سنّ عقوبات سالبة للحرية كلما كانت الجريمة الاقتصادية ذات خطورة كبيرة وتستوجب التشديد في الزجر والردع.
لكن ومهما يكن من أمر، فإن العقوبة السجنية موجودة في النصوص المنظمة للجريمة الاقتصادية ، وهو تواجد يؤكد رغبة المشرّع في اللّجوء إلى الوظيفة الرّدعية للعقوبة نظراً لغياب الإستنكار الإجتماعي للجرائم في الميدان الاقتصادي ، فنجد أن المخالف في هذه الجرائم يكون مدفوعاً بالأنانية لتحقيق الربح غير المشروع، فيستهين بخطورة فعلته بالنسبة للمصلحة العامة للمجتمع 211. لذا يجب التنصيص على عقوبة السجن من باب التحذير والتنبيه الذي قد يدفع الأشخاص إلى التردد قبل إرتكاب جرائم في ميدان الاقتصادي، عندما يفكرون أن حريتهم ستكون في خطر212.
ورغم ذلك، فإن العقوبات السالبة للحرية لا يجب أن تتواجد بكثافة لكونها غير محبذة في القانون الجزائي الاقتصادي ، وهذا ما دفع بقسم الدراسات بالمنظمة العربية للدفاع الإجتماعي إلى الدعوى لعدم اللجوء إلى العقوبة السالبة للحرية إلا إستثناءاً في الجرائم المرتكبة في ميدان الاستثمار213.
ويبدو واضحاً أن المشرّع رغم إقراره للعقوبة السجنيّة، فإنهُ يترك للقاضي السلطة التقديريّة المطلقة في تسليط العقوبة السجنية من عدم ذلك، فضلاً عن تمكينه من مجال شاسع يتحرك فيه بحرية وتخوّله تطبيق أدنى تلك العقوبة. ولعل هذا ما حدا بالبعض إلى القول بأنه "في كل أجزاءالقانون الجزائي مبدأ حريّة القاضي ليس بالأساس في موقعه كما هو الحال بالنسبة للقانون الجزائي الاقتصادي"214.
ومهما يكن من أمر، فإن تطبيق العقوبات السالبة للحرية في المادة الاقتصادية عموماً، لا يجب أن تكون إلا على سبيل الإستثناء مع إشتراط توفر القصد الجزائي والعود، في حين يجب أن تكون العقوبات الماليّة هي السائدة والمهيمنة على نظام العقوبات المقرّرة لهذه الجرائم215.
والخطيّة باعتبارها عقوبة جزائية، لا يقضى بها إلا بمقتضى نصّ خاص وذلك طبقا لمبدأ شرعية العقوبات216، ومن صفاتها أيضا أنها شخصية ولا تنفذ على غير المحكوم عليه ومبدئياً لا تصيب ورثته من بعده. ولا بد من الإشارة في هذا الإطار إلى أن الخطيّة تختلف عن الشرط الجزائي المنصوص عليه في عقد يحدد فيه مقدماً مقدار التعويض الذي يستحق في حالة عدم تنفيذ هذا العقد، فعدم التنفيذ الذي يجعل الشرط الجزائي مستحقاً لا يكون في العادة جريمة، في حين تعتبر الخطيّة جزاءاً يوقع على من يرتكب جريمة وهي لا تقرر إلا بمقتضى القانون217.
كما تختلف الخطية عن الغرامة المدنية، لأن الخطيّة يقررها القانون للمعاقبة على جريمة سواء كانت جناية أو جنحة أو مخالفة، في حين تقرر الغرامة المدنية من أجل أفعال لا تعد جرائم، كالغرامات التي يقضي بها قانون المرافعات المدنية والتجارية. وبالإضافة إلى ذلك فإن الخطية تختلف عن التعويض الذي يتم لجبر الضرر الذي يصيب المجني عليه من الجريمة، والذي يجب أن تتم المطالبة به من طرف المتضرر شخصياً، كما يمكن المطالبة به ضد الأشخاص المسؤولين مدنياً وورثة المجرم وليس فقط ضد مرتكب الجريمة218.
وقد برر البعض طبيعة الخطيّة كعقوبة بالإستناد على مفهومها حيث يعتبرها "ضرراً يتكون من دفع مبلغ من النقود حدد بحكم ومفروض ومن قبل المجتمع على شخص ثبت خطأه لإرتكابه جريمة وردت في القانون الجزائي، لإيلامه بقصد إصلاحه أو ردعه"219. أما إعتبار الخطية كتعويض للدولة، فسببه الميزة الخاصّة التي يتمتع بها المال الذي تتكوّن منه الغرامة وبسبب قابلية النقود للإنتقال، حيث تطبق هذه التشريعات على الغرامة بعض مبادئ القانون المدني كالتضامن في الدفع وتحصيل الغرامات من الميراث.
إلا أن الطبيعة الجزائية للخطية، كجزاء جزائي يميز بينها وبين تلك الجزاءات الأخرى التي تتسم بالطبيعة المالية البحتة غير الجزائية220، ومعيارهذا التمييز أن الخطية عقوبة جزائية بالمعنى الدقيق لهذا التعبير. ومن ثم يطبق عليها جميع القواعد المتعلقة بالجزاءات الجزائية، وأهمها الخضوع لمبدأ الشرعية والطابع القضائي وشخصية العقوبة، ومن ناحية أخرى تتميز الخطية الجزائية في هذا المعنى .
وفي هذا الإطار، تعد الخطية عقوبة أصلية221 . فهل هذا يعني أن للخطية في الميدان الاقتصادي طبيعة خاصة فتعتبر كتعويض لخزينة الدولة وليست عقوبة222.
ويمكن القول أن المشرّع أعطى للخطية في هذا الميدان طبيعة مزدوجة، فهي من جهة عقوبة تسلط على الجاني، ومن جهة أخرى فهي تعويض يدفع لخزينة الدولة ويتدعم هذا الرأي لما قبل المشرّع تحصيل الخطايا من الورثة وإقرار قاعدة الضمان في دفع الخطايا، أي إلزام شخص غير مرتكب الجريمة223، بدفع الخطية عنه وذلك بمقتضى نص قانوني224، إلا أن هذا الغير الملزم بدفع الخطايا، لا يعتبر محكوماً شخصياً بها ولا تقيد في سجلهِ القضائي، فهو كفيل ملزم بالدفع فقط عن خطأ شخص آخر225. وبالتالي لا يمكن التنفيذ عليه بالجبر بالسجن ما دام لم يكن مشمولاً بالحكم226، وإذا دفع الكفيل الخطايا للدولة فأنه يحل محلها، ويصبح من حقه الرجوع على المحكوم عليه جزائياً حتى يحصلها منه 227، ويشترط في المسؤول مدنياً أن لا تكون له أي علاقة كانت بالفعل المخالف وإلا إعتبر مسؤولاً جزائيا بصفته الشخصية 228.
لكن الأمر يختلف بالنسبة للتضامن في الخطايا، أي أنه إذا تم الحكم على عدة أشخاص في جريمة واحدة بالخطية، فإنه يمكن للدولة أن تستوفي هذه الخطايا من واحد من هؤلاء الأشخاص المحكوم عليهم229، وهو حالة من حالات المسؤولية الجزائية غير المباشرة عن فعل الغير ومهما يكن من أمر، فإنّه يستشف من مجمل النصوص المشار إليها، أن القضاء هو الجهاز الوحيد المؤهل للنّطق بالعقوبات الجزائيّة والتصريح بها، وذلك إيمانا بأن القضاء هو الحامي للحريات، وتفادياً لكل تعسف أو محاباة قد تصدر إذا ما خولت سلطة النطق بالحكم إلى الإدارة230.
أمام خصوصيّات المادّة الاقتصادية بصفة عامة ، وفي إطار سياسة تشريعية تبررها عدّة مقتضيات ومعطيات اقتصادية بالأساس، فقد خوّل المشرّع إمكانيّة تجاوز مبدأ قضائية العقوبة وأخرجها عن المبادئ الأصولية للنظام العقابي التقليدي231، وذلك بأن أعطى لبعض الإدارات في مادة الجرائم ذات البعد الاقتصادي والمقترفة في حق القطاعات التي تسهر على حمايتها والإشراف عليها صلاحيّة توقيع العقوبات ضد المخالفين للتشريع والتراتيب المنظمة لمجال تدخلها الاقتصادي، وذلك بالنظر إلى كفاءة تلك الإدارات وقدرتها على التدخل السريع لوضع حد للحالة الإجرامية وباعتبارها المؤهّلة والمخولة لها سلطة مراقبة القطاعات الاقتصادية المعنيّة بالحماية الجزائيّة، وهو ما يؤدي إلى بروز نظام العقوبة الإدارية لتحل محلّ العقوبة القضائيّة إستنادا إلى طبيعة السلطة التي توقعها وتنطق بها.
وقد أثار تحديد مفهوم العقوبة الإدارية جدلاً فقهياً لأنه لا يوجد مصطلح خاص بهذا النوع من العقوبات، إلا أن هذا الغموض لا ينفي وجود العقوبة الإدارية في القانون الجزائي الاقتصادي ويعتبر الفقه أن العقوبة الإدارية تمثل وسيلة لمقاومة الجرائم في الميدان الاقتصادي232، فهي ضرورية لتحقيق الحماية اللازمة للنظام العام الاقتصادي233، وتكشف هذه الإزدواجية علىمستوى نوعية العقاب المسلّط على شخص المخالف عن رغبة المشرّع في تحقيق حماية جزائية ناجعة لميدان الاقتصاد.
ذلك أن فرض النظام العام الاقتصادي من خلال التدخل المتزايد للدولة لا يكون ناجعاً إلا بالمؤاخذة السريعة التي لا تحققها إلا العقوبات الإدارية234 ، والتي وقعت إضافتها للعقوبة الجزائية لتكملها أو لتحل محلها235.
إنّ أساس إعطاء الإدارة سلطة توقيع العقاب على المخالفين للأحكام والتراتيب المنظمة للقطاعات التي تشرف عليها ترجع بالضرورة إلى خصوصية القانون الجزائي الاقتصادي236، وإستناداً إلى ظاهرة التضخم التشريعي المميزة له، كونه يتكوّن من عدة نصوص خاصة كل واحد منها ينظم ميداناً إقتصادياً معيّناً، إلى درجة يصعب معها إيجاد خصائص مشتركة بينها أو الإحاطة بها من كل جوانبها، حتى أن الإجراءات الجزائيّة التقليدية لم تعد تتوافق مع خصوصية الجرائم في هذا الميدان، فهي لم تتطور بصورة موازية لما تشهده المادّة الجزائيّة العامة من تضخم237.
علما إنّه ليس كل العقوبات التي تسلطها الإدارة هي بالضرورة عقوبات إداريّة، وهو ما من شأنه أن يقلل من نجاعة المعيار المتمثل في مصدر العقوبة وقدرته على تكريس تفرقة بين العقوبات الإدارية والعقوبات الجزائيّة.
تتمثل العقوبات الصادرة عن الإدارة مبدئياً في العقوبات الماسة بالذمة المالية للمخالف، على أساس وأن المشرع قد إستبعد العقوبة السالبة للحرية من دائرة العقوبات التي يمكن أن تسلطها الإدارة، باعتبارها من الحقوق الأساسية للإنسان238، والذي يعتبر القضاء الحامي لها من كل تعسّف أو تجاوز، ثم إن العقوبات الماسة بالحرية وقع إستبعادها مبدئياً من نطاق تطبيق الجرائم في ميدان الاستثمار باعتبارها لا تتلاءم معه، وعلى أساس أن المخالف تحركه لإرتكاب جريمته، دوافع الطمع والجشع وتحقيق الربح السريع، وبالتالي فإن العقاب يجب أن يسلط على ذمته المالية ولا في حريته.
وعلى كل فإن العقوبات الإدارية التي تسلطها الإدارة على المخالف إما إنها تمس بالذمة الماليّة وتأخذ شكل الخطايا أو بحقوق المخالف وإعتباره من خلال إيلامهم في بعض الحقوق التي يتمتعون بها فضلاًً عن المساس باعتبارهم . التي يمكن أن تكون متمثلة في التوقيف الوقتي أو النهائي كليا أو جزئيّا عن ممارسة النشاط.
إن التصدي لجرائم الاقتصادية بالنجاعة الكافية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إنتهاج سياسة ردعية تتوسل التنوع في العقوبات المقررة لردع المخالفين، وهذا ما أهتم به المشرعين في العالم الذين ما انفكوا يحاولون التكثيف في سلم العقوبات، وإثرائه حتى يختار القاضي العقوبة المناسبة مع شخص الجاني، وقد كان اتجاه القانون المقارن في جعل العقوبات التكميلية ترتقي إلى مرتبة العقوبات الأصلية واستعمالها بديلة، وهو ما توخاه المشرّع الذي وإضافة إلى العقوبات الجزائية الأصليّة، فإنّه قد دعم السياسة الردعية في المادة الاقتصادية بالعقوبات الجزائية التكميليّة .
فالعقوبة السجنيّة لم تعد هاجس القاضي وليس لها أن تحقق الردع في المجال الاقتصادي وبالتّالي برزت ضرورة البحث عن عقوبات تحمي المصالح الحينيّة للمؤسّسة الاقتصادية وتضمن التنفيذ السّليم لمقتضيات السياسة الاقتصادية239. وتلعب العقوبات التكميليّة دورا هامّا في إطار الجريمة الاقتصادية إذ تبدو أكثر تبريرا ونجاعة للمحافظة على إحترام قواعد التشريع  الاقتصادي وعدم الإخلال بتوازن السياسة الاقتصادية240
ينضوي مفهوم العقوبة التكميلية تحت نظام العقوبات الجزائية، وكما يدل عليها إسمها حيث يقضى عادة بالعقوبات التكميلية إلى جانب العقوبات الأصلية، وفي مجملها هي:
 أ ـ منع الإقامة والإبعاد. ب ـ المراقبة الادارية. ج ـ مصادرة المكاسب في الصور التي نص عليها القانون. د ـ الحجز الخاص. هـ الحرمان من مباشرة بعض الحقوق والامتيازات كالوظائف العمومية أو بعض الحرف أو حمل السلاح أو حق الاقتراع. ونشر مضامين بعض الأحكام.
العقوبات التكميليّة تردع رجال الاقتصاد  أكثر من العقوبات الكلاسيكية كالسجن والخطيّة وذلك نظرا لانعكاساتها الخطيرة على الذمّة المالية والسمعة وضمان الاقتصادية للمخالف مما يوحي بصرامة عقوبات القانون الجنائي الاقتصادي لضمان تحقيق أهداف السياسة العقابية.
وعلى هذا الأساس يكون المشرّع قد أعطى أولوية للعقوبات المالية على العقوبات السالبة للحريّة بشكل أضحت معه العقوبات التكميلية التي في أغلبها ذات طبيعة مالية تردع المخالفين أكثر من العقوبات الأخرى نظرا لصرامتها وارتفاع قيمتها المالية وذلك لانعكاساتها الخطيرة  على الذمّة المالية للمخالف لكن هل أنّ صرامة العقوبة تضمن نجاعتها؟
متى كانت ضوابط النظام القانوني للجريمة الاقتصادية ترتبط بالسياسة الاقتصادية والنظام العام الاقتصادي واحترام مقتضياته فإن العقوبة تهدف أساسا إلى ضمان التنفيذ السليم لمبادئ التسيير والتعامل الاقتصادي.
فما يلاحظ في إطار النّظام الزجري في المادة الاقتصادية هو إعطاء المشرّع لأولوية قصوى للعقوبات المالية دون العقوبات السّالبة للحرّية، إضافة إلى ارتفاع الحد الأقصى لتلك العقوبات. فرغبة المشرّع في مسايرة متطلبات  النجاعة الاقتصادية والحزم في مواجهة الانحراف الاقتصادي جعلته لا يولي اهتماما بشخصية المجرم أو بإمكانية إصلاحه كما لم يهتمّ بظروفه الاجتماعية والنفسيّة. فوظيفة العقوبة حينئذ لا ترتكز على إصلاح الجاني ومنعه مستقبلا منارتكاب الجريمة وذلك بتأهيله وإعادة إدماجه في المجتمع صالحا. بقدر ما تنطوي على قيمة تعويضية لما لحق الإدارة من أضرار ناجمة عن الجريمة الإقتصادية.
 ويهدف القانون الجزائي إلى تسليط الزجر المناسب حسب طبيعة الفعل المجرم المنسوب إلى المتّهم. فالزجر الجزائي يرمي في الوقت نفسه إلى تحقيق الرّدع حمايةً للإقتصاد الوطني وجبر الضّرر الذي يمس من خزينة الدولة. لذلك فإن العقوبة تمثل ثمناً يجب دفعه بعد ثبوت إقتراف فعل مجرم من طرف الجاني،لأنّ وظيفة العقوبة الجزائيّة في الفقه الجزائي الحديث تتمركز حول فكرة الحماية.
كما إنّ دور العقوبة الجزائيّة يتمثّل في تحقيق المعادلة بين الفعل والنتيجة241. فالعقوبة الجزائيّة تكون حينئذ من خلال هذا الإتجاه، ردّ فعل من طرف الدولة التي تتحرك لتحقيق أهداف سياستها الاقتصادية الرامية إلى التشجيع على المبادرة الخاصّة في شتى مجالات الميدان الاقتصادي  .
إلا أنّ هذا التوجه، دفع بالفقهاء في سائر الأنظمة الاقتصادية، إلى إعتبار أنّه لا فائدة من اللّجوء إلى القانون الجزائي في مادّة القانون الجزائي الاقتصادي، لأنّ ذلك سيؤدّي إلى القضاء على المبادرة الشخصيّة لأصحاب رأس المال242، ومن ثم، فإن الحلّ البديل الذي تمّ إقتراحه هو أن يقع تفعيل المسؤوليّة المدنيّة ووضع قواعد لها تكون ملامحها واضحة، والإلتفات نهائياً عن القانون الجزائي الذي قد يعيق الحرية في المادّة الاقتصادية243.
وعلى هذا الأساس فإن تركيز المشرّع والإدارة في طلباتها على العقوبات المالية كالخطية والمصادرة التي غالبا ما تكون قيمتها باهضة ، فيه تغيّر لوظيفة العقوبة ومحاولة لإرساء سياسة عقابية مستحدثة  لا تهتمّ بالمجرم بقدر ما تهتمّ بالجريمة ومفاعيلها في السياسة الاقتصادية وتذهب إلى النيل من الذمة المالية للمخالف التي انتفعت من الفعل الإجرامي المقترف 244. أنّ العقوبات المالية "… لا تتضمّن أي عمل فعال للإصلاح،  فالمبلغ يدفع أو يجب، وإذا كان الدرس ينفع المحكوم عليه فهذا لا يمكن أن يكون إلا نتيجة الغمّ الذي يشعر به وبالخوف من أن يتحمّل أمثاله في المستقبل".
فالخطيّة مثلا أصبحت وسيلة لإثراء خزينة الدولة وتم نزع صفة العقوبة عنها ونعتها بأنها تمثّل تعويضا عمّا أصاب الدولة من ضرر، خاصة وأن المشرع ينص صراحة في عديد الجرائم الاقتصادية على أن الخطية تستخلص بمثابة ديون للدولة كما هو الحال في بعض القوانين التونسية مثل المجلّة الديوانية ومجلة الحقوق والإجراءات الجبائية الجديدة وقانون المنافسة والأسعار.
فالعقوبات المالية لا تهدف إلى ردع المخالف وإنّما إلى تعويض الإدارة عما لحقها من أضرار تصيب السياسة الاقتصادية ومقتضيان النّظام العام الاقتصادي.
وعلى هذا الأساس فقد تكون العقوبة ناجعة بالنسبة للإدارة لكونها تهدف إلى دعم أرصدة الدولة المالية في حين أنّه من جهة المخالف قد لا تحقق أي حد  أدنى من الردع  فقد يجازف أو  يغامر بارتكابه للجريمة عسى أن يحقق ربحا وفيرا. لكن مهما يكن من أمر فإن هذا التوسّع والتنوّع في العقوبات فيه إخلال بحقوق المخالفات وضماناته الأمر الذي أفرز ضرورة بخصوص  توحيد نظام الزجر.
 لذا فلا بدّ من توحيد النّظام القانوني للزجر في الجريمة الاقتصادية وذلك ببعث نظام جزائي مختصّ كما هو الحال لمحاكم الأمن الاقتصادي في القانون الجزائي الاقتصادي السوري  استكمالا للمنظومة الجزئية الزجرية في الجرائم الاقتصادية  الأمر الذي يتحقق معه وحدة النظام وتجاوز مسألتي التعقد والتشتّت لجزاءات القانون الجنائي  الاقتصادي  والأجهزة المكلّفة بتقريرها وتسليطها.
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: خصائص الجريمة الاقتصادية _ دراسة في المفهوم والأركان

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 30 يوليو 2017, 22:16




التهميش:
[1]منير الحمش : مسيرة الاقتصاد العالمي في القرن العشرين، تأملات في النمو والازمات والفوضى، الاهالي للطباعة والنشر والتوزيع، 2001، ص.52.
2مصطفى العوجي : المسؤولية الجنائية في المؤسسة الاقتصادية، مؤسسة نوفل، بيروت، الطبعة الاولى، 1982، ص.49.
3ملحم مارون كرم :الجريمة الاقتصادية في القانون اللبناني، دراسة قانونية تحليلية، منشورات الحلبي الحقوقية، 1999، ص.123
4 تجدر الإشارة إلى أن بعض الفقهاء يستعملون مصطلح القانون الجزائي للأعمال إذ يعتبرون هذا الأخير جامعاً للجرائم التي تدخل في إطار القانون الضريبي، والقانون الاقتصادي وقانون العمل، والتعمير والبيئة (انظر في ذلك مثلاً:=
- Defossez (M), le victime collecties en droit pénal des affaires, thèse, lille 1978, P.17. Delmas Marty (M), Droit pénal des affaires, éd. Themse. 1990. L'introduction).
ويقوم القانون الجزائي للأعمال على معيارين هما المؤسسة وصفة الفاعل (انظر في ذلك حسني أحمد الجندي، مرجع سابق، ص18 وما بعدها). أي أن هناك تطابقاً بين القانون الجنائي للأعمال وما يسمى بجرائم الياقات البيضاء وهي "مخالفات لنصوص جزائية ذات طابع اقتصادي أو مالي أو تجاري أو مهني، يرتكبها أشخاص ذوو مكانة اجتماعية، في معرض ممارستهم لنشاطهم المهني". (انظر في ذلك: عبود السراج، جرائم أصحاب الياقات البيضاء، مجلة الحقوق والشريعة، السنة الأولى العدد 2 يونيو 1977. ص101.) إلا أن تجاوز الجريمة الاقتصادية لهذين المعيارين دفعنا إلى اعتماد مصطلح القانون الجنائي الاقتصادي، فالجريمة الاقتصادية يمكن أن ترتكب خارج أي إطار منظم، كما أنها يمكن أن ترتكب من طرف غير فئة رجال الأعمال. وهناك من يرى أنه إذا كان مصطلح "قانون الأعمال" يفترض فيه أنه يثار في مجتمعات بلغت درجة معينة من التقدم والتطور الاقتصادي، تنعكس في تشابك وتعدد وتعقد العلاقات الاقتصادية أو ضخامة القوى الفاعلة في اقتصادياتها،  فإن مصطلح "القانون الاقتصادي" يمكن أن يثار في كل المجتمعات بغض النظر عن درجة تطورها، وبغض النظر أيضاً عن كيفية تنظيمها لنشاطها الاقتصادي، لأنه مرتبط بعلاقة طبيعية هي علاقة القانون بالاقتصاد، وهي علاقة تعاون بين فرعين للعلوم الاجتماعية، (القانون في خدمة الاقتصاد)، و(الاقتصاد في خدمة القانون). فالقانون يكون في خدمة الاقتصاد عندما يصحح القصور الذي يعتري النظريات الاقتصادية؛ فحرية المنافسة مثلاً تتطلب تنظيماً قانونياً وإلا كانت النتيجة الحتمية وجود مراكز احتكارية وبالتالي انتكاس المنافسة الحرة. والاقتصاد يكون في خدمة القانون عندما يساعد على الفهم الواعي للأنظمة القانونية وبيان حقيقتها، وإيضاح ما يحدث لها من تغيير وتحوير في التطبيق قد يصل إلى درجة إفراغها من محتواها رغم بقاء نصها وإطارها الخارجي الذي يبدو وكأنه ثابت مستقر. (انظر في ذلك: محمد الجيلاني الدوري الأزهري، قانون النشاط الاقتصادي ج1- المبادئ والقواعد العامة، المركز القومي للبحوث والدراسات العلمية، ليبيا، الطبعة الأولى 1997. ص9 ـ 15).
5PRADEL(J), le droit pénal économique, éd. Dalloz 1990, P.3.
6 PRADEL(J) op. cit. p.4.
7LARGUIER(J) : Droit pénal des affaires. Paris 1970 p.12 .
8VRIJ : Le Droit pénal économique : RIDP n° 3 1953 p. 726.
9نايل عبد الرحمن صالح، الجرائم الاقتصادية في القانون الأردني، دار الفكر، عمان، طبعة أولى، 1990.
10محمود محمود مصطفى، الجرائم الاقتصادية في القانون المقارن الجزء الأول، الأحكام العامّة والإجراءات الجزائية، دار ومطابع الشعب، الطبعة الأولى، 1979، رقم 5 و6 ص.8.
11ـ محمود محمود مصطفى، الجرائم الاقتصادية في القانون المقارن الجزء الأول، الأحكام العامّة والإجراءات الجزائية، دار ومطابع الشعب، الطبعة الأولى، 1979، رقم 5 و6 ص.8.
12غسان رباح: قانون العقوبات الاقتصادي، منشورات الحلبي، بيروت، 2004، ص.37 ـ 38.
13مصطفى عبد الله الكفري: الإصلاح الاقتصادي والتنمية البشرية في الجمهورية العربية السورية، إتحاد الكتاب العرب، 2004، ص.18.
14MIRIELLE DELMAS MARTY: Les grands systèmes de politique criminelle  " éd. Themis. Paris 1992 – P61.
15مصطفى رضوان: التهريب الجمركي والنقدي فقها وقضاء. الطبيعة الأولى. 1970.  منشورات عالم الكتب القاهرة. ص15.
16أحمد الورفلي: ملتقى النزاعات القمر كية بمحكمة الاستئناف بتونس في 6 جويلية 2000. التقرير التمهيدي ص10 . المعهد الأعلى للقضاء.
 
17منصور القديدي جراي : خصائص الجريمة الاقتصادية ، مذكرة تخرج المعهد الأعلى للقضاء . تونس السنة الجامعية 2000 _ 2001 .
18HENRY MAX :essai sur le particularisme des infractions économiques :thèse. Montpellier 1976. P57.
19MIREILLE DELMAS MARTY : le flou du droit pénal. 1er ed. DUF. Paris 1986. P31 et suit
20  IBID. P5
21MICHELLE VERON : Droit pénal des affaires. 2e ed. ARMOND COLIN. Paris 1998. P7
22MIREILLE DELMAS MARTY. Droit penal des affaires. 2e ed Paris 1981 P17
23  نادية الوحيشي: محاولة إرساء قانون جنائي مالي: مذكرة لنيل شهادة الدراسات المعمقة في العلوم الجنائية. كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس: 1995 – 1996. ص15
24عبد الرؤوف مهدي : المسؤولية الجنائية عن الجرائم الاقتصادية في القانون المقارن ، رسالة دكتوراه القاهرة 1974.  ص 90 .
25غسان رباح : قانون العقوبات الإقتصادي ، مرجع سابق ، ص 25 .
26علي المانع : تطور مفهوم الجريمة الإقتصادية والقانون  الذي يحكمها في الجزائر ، المجلة الجزائرية للعلوم الإقتصادية و السياسية  عدد 3 لسنة 1993 ص 621 .
27محمد طارق محمود محمد صقر، دور الشرطة في دعم الأمن الاقتصادي (دراسة تحليلية مقارنة)، دار النهضة العربية، 2007، ص23 .
28عبد السلام النصيري، القانون الجنائي وتنظيم التّعاقد في المادّة الاقتصادية، مذكرة لنيل شهادة الدراسات المعمّقة، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة المنار، 1994، ص.39.
29محمد عيد الغريب، الحماية الجنائية للنظام العام في العقود المدنية، مكتبة غريب، القاهرة، 1987 ص.19.
30 ـعبود السراج، شرح قانون العقوبات الاقتصادي، منشورات جامعة دمشق، 1994- 1995، ص 33 إلى 35.
31عبد الرؤوف مهدي، المسؤولية الجنائية عن الجرائم الاقتصادية في القانون المقارن، مرجع سابق، ص.12.
32KLAUS)T (., La criminalité des affaires dans l'économie moderne, R.I.C.P.T, 1975, P.148.
33حسين أحمد الجندي، القانون الجنائي للمعاملات التجارية، الكتاب الاول القانون الجنائي للشركات، دار النهضة، القاهرة، 1989، ص.13.
34حسن عزالدين دياب، تدخل القانون الجزائي في النشاط الاقتصادي، ملتقى العدالة الجزائية: أي تطور، جندوبة طبرقة 8- 9- 10 مارس2007.ص.115.
35ملحم مارون كرم، الجريمة الاقتصادية في القانون اللبناني، دراسة قانونية تحليلية، مرجع سابق ص.27 .
36آمال عثمان: شرح قانون العقوبات الاقتصادي في جرائم التموين. دار النهضة العربية 1983. ص 35 .
37علي منصور: المبادئ العامة في الجرائم الاقتصادية، مجلة المحاماة. العدد الأول السنة 46، سبتمبر 1965،  ص.25.
38جمال العطيفي، ، فكرة الجريمة الإقتصادية، الحلقة العربية الأولى للدفاع الاجتماعي، مجموعة الأعمال، دار النشر للجامعات المصرية. 1967. ص 47 .
39حسين حمودة المهدوي، الموجز في جرائم الموظفين الاقتصادية، المنشأة العامة ـ ليبيا ـ طبعة أولى 1985.
40الهادي محفوظ، القوانين الجزائية والاقتصاد. مجلة القضاء والتشريع . تونس . عدد ديسمبر، 1974، ص.25.
41حازم الببلاوي، الحقائق الإقتصادية والفن القانوني، مجلة عالم الفكر، المجلد الرابع، العدد الثالث، ص.135.
42CHAVANE )A.(, Le droit pénal des sociétés et le droit pénal général , R. S. C., 1964.P684
43LAROUSSI (H.), La répression économique, mémoire du DEA, Faculté des sciences juridiques, politiques et sociales de Tunis,1995. P59
44HENRY (M.), Essai sur le particularisme de l’infraction économique, thèse, Monpellier, 1976.   P162        
45CHAMPAUD : « Contribution à la définition du droit économique » CHR. Dalloz. 1976. P 215.
46حسين بني عيسى، خلدون قندح، علي طوالبة، شرح قانون العقوبات، القسم العام، الاشتراك الجرمي والنظرية العامة للجزاء، عمان، دار وائل، 2002، ص.49. ـ أحمد عبد الظاهر الطيب ، الجديد في الموسوعة الجنائية، دراسة لأهم جرائم قانون العقوبات والتشريعات الجنائية الخاصة القاهرة، دار النهضة العربية، 1997،  ص329..
47 هناك كثير من الاتفاقيات والبروتوكولات أكدت على أهمية هذا المبدأ، فقد جاء في المادة الثانية الفقرة الثالثة في البروتوكول رقم 4 لاتفاقية حقوق الإنسان الصادر في 16 تشرين الثاني عام 1963: ( لا يجوز وضع قيود على ممارسة هذه الحقوق غير تلك التي تطابق القانون وتقضيها الضرورة في مجتمع ديمقراطي لمصلحة الأمن القومي أو الأمن العام , للمحافظة على النظام العام أو منع الجريمة أو حماية الصحة والأخلاق أو حماية حقوق وحريات الآخرين).كما جاء في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر عام 1789 الذي أصدرته الجمعية التأسيسية: (لا يجوز اتهام أحد أو توقيفه إلا في الأحوال المنصوص عليها في القانون وبحسب المراسيم المحددة فيه)، وجاء في المادة الثانية في الفقرة الأولى من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان: ( حق كل إنسان في الحياة يحميه القانون ولا يجوز إعدام أي إنسان عمداً إلا تنفيذا لحكم قضائي بإدانته في جريمة يقضي فيها القانون بتوقيع هذه العقوبة ).و قد جاء في المادة السابعة الفقرة الأولى منه: ( لا يجوز إدانة أي شخص بسبب ارتكابه فعلا أو الامتناع عن فعل لم يكن يعتبر وقت وقوع الفعل أو الامتناع جريمة في القانون الوطني أو القانون الدولي ولا يجوز توقيع عقوبات أشد من تلك المقررة وقت ارتكاب الجريمة )و قد جاء في الفقرة
48رضا خماخم : القانون الجنائي التونسي تشريعاً وفقهاً وقضاء، سلسلة المجلات القانونية المثراة، منشورات المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، سنة 1998. ص.10.ـ علي عوض حسن، الدفع بانتفاء القصد الجنائي في جرائم قانون العقوبات والتشريعات الجنائية الخاصة، الإسكندرية، دار محمود، 1995، ص.46.
49محمود نجيب حسني : النظرية العامة للقصد الجنائي (دراسة تأصيلية مقارنة للركن المعنوي في الجرائم  العمدية)، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1988، ص.73. ـ أحمد عبد اللطيف، جرائم الإهمال في مجال الوظيفة العامة في قانون العقوبات، دراسة تأصيلية مقارنة للركن المعنوي في الجرائم غير العمدية وتطبيقية لجرائم إهمال الموظفين العموميين في قانون العقوبات المصري، القاهرة، مكتب الرسالة الدولية للكمبيوتر والطباعة، 1996، ص.83.
50إيهاب الروسان : تقييد حق الدولة في العقاب ، رسالة دكتوراه ، كلية الحقوق والعلوم السياسية ، تونس جامعة المنار 2008_2009 .
51العلمي الادريسي : استقلال القضاء وفصل السلطات، مجلة القانون والاقتصاد، فاس، العدد الخامس، 1990، ص.19.
52 Pouget(P), Les délais en matière de rétention. Garde à vue et détentionpréventive au regard la C.E.D.H , R.S.C. 1978, p.78.
53Ancel(M), Propos de quelques discussions récentes sur la règle a nulla poena – sinelege – R.S.C. 1937, p.670.
54محمد زكي ابو عامر : قانون العقوبات، القسم العام، دار المطبوعات الجامعية الاسكندرية، الطبعة الأولى 1986، ص 44. محمد أحمد أبو زيد أحمد، موسوعة القضاء الجنائي، المرجع في الدفوع الجنائية في قانون العقوبات في ضوء الفقه والقضاء، القاهرة، المركز القومي للإصدارات القانونية، 2006،، ص.162.
55مصطفى العوجي، المسؤولية الجنائية في المؤسسة الإقتصادية، مرجع سابق. ص.201.
56CONSTANT )J.) ,Quelques aspects du droit pénal économique Belge,T.A.H.C.,1953, p. 657.
57JEANTET)F.C.) , le code des prix et les principes fondamentaux du droit pénal classique, Montchrestien, p.26.
58فخري عبد الرزاق الحديثي، قانون العقوبات، الجرائم الاقتصادية، منشورات جامعة بغداد، بغداد 1981، ص. 4.
59JEAN .DIDIER  WIL  FRID : principe de la légalité criminelle. Juris –   C -  pénal . 1998. Fasic. 10
60توفيق بوعشبة، مبادئ القانون الإداري التونسي، مركز البحوث والدراسات الإدارية، تونس، 1995، ص.289. ـ حنان عمر، تفويض السلطة كسبب لانتفاء المسئولية الجزائية في الشركات الجزائية، مذكرة للحصول على شهادة الدراسات المعمقة في العلوم الجنائية، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس السنة الجامعية 2002 - 2003. ص.97.
61GARRABOS )V, (.Le domaine et l'autorité de la loi et du règlement en matière pénal. Thèse, Paris, 1978, P.67. et Suit.
62DALMAS (T.) , La délégation de pouvoirs, une réponse a la supénalisation ?, mars 2000 n° 44, p.5.
63VINCENT GARRABOS: " Le domaine et l'autorité de la loi et du règlement en matière pénal ". thèse.Paris 1978. Tome I. P 677 et Suit
64إبراهيم البرتاجي، الجديد في السلطة الترتيبية بعد تنقيح الدستــور في 27 أكتوبر 1997 م.ق.ت. 1999، ص.67.
65- محمود محمود مصطفى، الجرائم الاقتصادية، مرجع سابق، ص.91ـ92.ـعبود السراج، قانون العقوبات الاقتصادي، مرجع سابق، ص.38 ـ 39. نائل عبد الرحمن صالح، الجرائم الاقتصادية، مرجع سابق، ص. 43 ـ 46.
66ـ محمود محمود مصطفى، شرح قانون العقوبات، مرجع سابق، ص.72.
67لزهر بوعوني، تأملات في رقابة دستورية القوانين، مجموعة دراسات لذكرى الحارث مزيودات، كلية الحقوق بتونس 1994. ـ رافع بن عاشور، مسألة مراقبة دستورية القوانين وتطورها في آخر سنة 1987 المجلة التونسية للقانون، كلية الحقوق بتونس 1988.
68محمد محفوظ، مرجع سابق، ص.175 وما بعدها. يستثني الفقه التجريم بمفعول الأوامر الترتيبية بعض الحالات التي تقتضيها ظروف استثنائية تمس بالإخلال بالنظام العام وبالأمن. نفس المرجع، ص. 182.
69Braudo)S.), L’autorité des circulaires administratives en droit pénal, P.U.F., 1967, p. 2.
70BERNASCONI, Le juge pénal et la légalité, thèse, Lyon ,1979, p.1, n°1.
71جورج قذيفة، القضايا القمرقية الجزائية، المبادئ الأساسية للشريعة القمرقية الجزائية، الجزء الأول، بيروت 1971، ص. 78. محمد فاروق عبدالرسول، الحماية الجنائية لبورصة الاراق المالية، دراسة مقارنة، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2007، ص.84.
72VITU (A.) ,La définition et le contenu du droit pénal économique, Mélange Hamel, 1964. .,p126
73  AMZAZI (M.), Précis de droit criminel,Publication A.P.R.E.J.,1er ed, 1994.
, p. p. 97 et 98.
74 VRIG. Le droit pénal social économique, R.I.D.P., 1953,, p. 742.
75FONYO)A.) ET VERNES )M.), L’économie et le droit , Aspect de droit pénal , R.S.C., 1974 , p.67.
76AMZAZI (M.), Etude du principe de la légalité de la répression en droit pénal économique, thèse, préci. P.78.
77CONSTANT)J.), Quelques aspects du droit pénal économique belge,op,cit , p.658.
78SOULEAU (P.), Les infractions économiques, J.C. P, annexe 2/1972,p.8.
79DELMAS MARTY(M.), Conception et principes du droit pénal économique et des affairesop.cit,p.51.
80AZARD )P.), Les infractions économiques dans le droit pénal du Canada, T.A.H.C. 1963.
81DELMAS MARTY (M.), op.Cit., p.47.
82 GARRABOS (V.), thèse. préc., p.608.
83منية الصيفي، دور القانون الجنائي في حماية الاقتصاد، رسالة لنيل شهادة ختم الدروس بالمعهد الأعلى للقضاء، 1990- 1991، ص.20.
84Braudo)S.), L’autorité des circulaires administratives en droit pénal, P.U.F., 1967, p. 2.
85 BEN AISSA )S.),Les sanctions administratives , op.Cit., p.87.
86سميحة الشريف، التجريم بالإحالة في مجلة الشركات التجارية، مذكرة لنيل شهادة الدراسات المعمقة، علوم جنائية، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 2004، ص.5.
87بشار عبد الهادي، التفويض في الاختصاص، دراسة مقارنة، دار الفرقان الأردن، طبعة أولى، 1982. ص 133 .
88ملحم مارون كرم، الجريمة الاقتصادية في القانون اللبناني، مرجع سابق، ص.123.
89محمود محمود مصطفى، الجرائم الاقتصادية في القانون المقارن، مرجع سابق، ص.25.
90مختار حسين شبيلي، الإجرام الاقتصادي والمالي وسبل مكافحته، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2007، ص.56
91محمد عبد الرحيم عنبر، الموسوعة الشاملة للمبادئ القانونية، الجزء العاشر، دار الشعب 1977. ص.3.
92ـ إيهاب الروسان، الجريمة المادية، مذكرة بحث دراسات معمقة في القانون، شعبة علوم جنائية ، كلية الحقوق والعلوم السياسية في تونس 1998. ـ سمير عاليه، المدخل لدراسة جرائم الأعمال المالية والتجارية، مرجع سابق، ص.82.
93 STEFANI)G.) LEVASSEUR)G.) BOULOC )B.),Droit pénal général ,op .Cit., p.186.
94جندي عبد الملك، الموسوعة الجنائية، ج 2، دار العلم للجميع العربي، الطبعة 2، بيروت 1990، ص. 55.
95IBID. P 117.
96عبد الفتاح مراد، جرائم الامتناع في قانون العقوبات، شرح تفصيلي للنظام القانوني لجرائم الامتناع في الشريعة الإسلامية، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1991، ص.82
97محمود محمود مصطفى، الجرائم الاقتصادية ج 1، مرجع سابق، ص. 93 وما يليها، ـ عبود السراج، قانون العقوبات الاقتصادي، مرجع سابق، ص. 144، ـ نائل عبد الرحمن صالح، الجرائم الاقتصادية، مرجع سابق، ص. 98.
98سيد شوربجي عبد المولى، مواجهة الجرائم الاقتصادية في الدول العربية، مركز الدراسات والبحوث الطبعة الاولى، الرياض، 2006، ص.11.
99مهدي عبد الرؤوف، المسؤوليـة عن الجرائم الاقتصادية في القانون المقارن، مرجع سابق، ص.109.
100نادية الوحيشي، مرجع سابق، ص.67.
101عبد الحميد الشواربي التعليق الموضوعي على قانون العقوبات، الإسكندرية، منشأة المعارف، 2003، ص. 19.
102محمود محمود مصطفى، الجرائم الاقتصادية ج 1، مرجع سابق، ص. 93 وما يليها، ـ عبود السراج، قانون العقوبات الاقتصادي، مرجع سابق، ص. 144، ـ نائل عبد الرحمن صالح، الجرائم الاقتصادية، مرجع سابق، ص. 98.
103سيد شوربجي عبد المولى، مواجهة الجرائم الاقتصادية في الدول العربية، مرجع سابق، ص. 15
104رمسيس بهنام، نظرية التجريم في القانون الجنائي، معيار سلطة العقاب تشريعاً وتطبيقاً، منشأة المعارف بالإسكندرية، 1971. ص.107.
105TREMEAU (H.), Le droit douanier communautaire et national , 6ème éd Eéconomica, 2004.P..29
106عبد السلام النصيري، القانون الجنائي وتنظيم التعاقد في المادة الاقتصادية، مرجع سابق، ص.127.
 
107مصطفى اليحياوي، المحاولة الإجرامية، دراسة مقارنة على ضوء القانون وفقه القضاء، اوروبيس للطباعة، تونس 1998.ص 127 .
108ألبير صالح، الشروع في الجريمة في التشريع المصري والمقارن، مطبعة نهضة مصر، 1949. ص.106.
109محمود نجيب حسني : شرح قانون العقوبات اللبناني ، القسم العام دار النهضة العربية 1984 ، ص . 469 .
110محمود داوودد يعقوب، المسؤولية في القانون الجنائي الاقتصادي، مرجع سابق ، ص 39 .
111مصطفى العوجي : المسؤولية الجنائية في المؤسسة الاقتصادية، مرجع سابق ، ص 45 .
112عبد السلام النصيري، القانون الجنائي وتنظيم التعاقد في المادة الاقتصادية، مرجع سابق، ص.137.
113 أحمد عوض بلال : الإثم الجنائي ، دراسة مقارنة ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1988 . ص 15 .
114محمود نجيب حسني: النظريّة العامّة للقصد الجنائي، الطبعة الثالثة 1986، دار النهضة العربية، القاهرة، ص. 129.
115مهدي عبد الرؤوف: المسؤولية الجنائية عن الجرائم الاقتصادية. مرجع سابق. ص237.
116فتحي العيوني: الجرائم الصرفية في التشريع التونسي والتشريع المقارن: مرجع سابق. ص132.
117CASS. Crim. Avril 1976. Bull. Crim. n°113
118CASS. Crim. 19Janv 1960. Bull. Crim. n°24
119محمد سامي الشوا، المسؤولية الجنائية الناشئة عن المشروعات الإقتصادية الخاصة، دار النهضة العربية، القاهرة، 1999، ص.24.
120عبود السراج، شرح قانون العقوبات الإقتصادي، مرجع سابق. ص.14.
121عبد الناصر سنان، موسوعة جرائم الأمن الإقتصادي، الجزء الأول (المواد 1 ـ 10)، دمشق 1998.ص.35.
122محمود داوودد يعقوب، المسؤولية في القانون الجنائي الاقتصادي، دراسة مقارنة بين القوانين العربية والقانون الفرنسي، منشورات الحلبي الحقوقية، 2008،.
123محمود محمود مصطفى، الجرائم الاقتصادية في القانون المقارن، مرجع سابق، ص .106.
124عربية بن عثمان، خـصوصية القواعد الموضوعيـة في القانون الجزائي الاقتصادي، مذكـرة لنيــل شهـادة المـاجستير في العلـوم الجنائية، السنة الجامعية 2006- 2007، ص.68.
125MICHEL VERON : pre. cit.  P 11
126ايهاب الروسان ، القصد الجزائي من خلال فقه القضاء ، ملتقى نصف قرن من فقه القضاء الجزائي ، يومي 25 و 26 نوفمبر 2010 . بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والتصرف بجندوبة ، ص 553 .
127خالد المبروك، دور القضاء في التأهيل الشامل. مجلة القضاء والتشريع ، تونس . عدد ـ3ـ، لسنة 1996، ص.321.
128 أحمد عوض بلال، المذهب الموضوعي وتقلّص الركن المعنوي للجريمة، القاهرة دار النهضة العربية، الطبعة 1، 1988، ص. 159 .
129PRADEL ( J.), Droit pénal Economique , 2ème édition ,1990, p 233
130عبد العظيم مرسي وزير: افتراض الخطأ كأساس للمسؤولية الجنائية.  دار النهظة العربية. بيروت 1988. ص27.
131 MARTY JEAN PIERRE: Les délits matériels. R. S. C. 1982. P41
132مهدي عبد الرؤوف: مرجع سابق. ص182.
133محمود محمود مصطفى، الجرائم الاقتصادية في القانون المقارن، مرجع سابق، ص27.
 
134BOSLY (H.D.), Contribution du droit pénal social et économique à la rénovation de la politique criminelle; éd. nathan , 1981 , P.19.
 
135محمود داوودد يعقوب، المسؤولية في القانون الجنائي الاقتصادي، مرجع سابق ، ص 135 .
136مهدي عبد الرؤوف: مرجع سابق. ص 357 .
137PRADEL ( J.), Droit pénal Economique , op. Cit. , p 233
138 REINHARD )Y.), le responsabilité pénale du fait d'autrai, J.C pénal 1981, 4ème app. art 312- 320, P.2.
 139ـ محمد كمال الدين أمام، المسؤولية الجنائية أساسها وتطورها، المؤسسة الجامعية، بيروت، الطبعة الثانية، 1991، ص.205. ـ 206.
140الفصل 13 من الدستور التونسي .
141ـ عوض محمد عوض، قانون العقوبات ـ القسم العام، 1980، ص.442.
142ـ الفصلين 93 و93 مكرر  من مجلة التزامات والعقود التونسية اللذان يقران مسؤولية الآباء عن أفعال أبنائهم القصر والمسؤولية عن أفعال عليلي العقل ومسؤولية أرباب الصنائع عن أفعال مدربيهم. أما في المسؤولية العقدية فنجد الفصلين 245 و845 م أ ع. ، أما في فرنسا نجد الفصل 1384 مجلة مدنية الذي يكرس المسؤولية التقصيرية عن فعل الغير.
143 محمود عثمان الهمشرى، المسؤولية الجزائية عن فعل الغير، مرجع سابق، ص.399.
144STEFANI )G.) LEVASSEUR )G.) BOULOC )B.), op.cit. P. 275.
145محمود داوود يعقوب، المسؤولية في القانون الجنائي الاقتصادي، مرجع سابق، ص361 ـ 365.ـ  الساسي بن حليمة، المسؤولية الجزائية لمسيري الشركات التجارية عن أفعال مرؤوسيهم من خلال فقه القضاء التونسي ـ الملتقى المغاربي، القانون الجنائي والشركات التجارية ـ أيام 2 ـ 3 ـ 4/5 1985، ص.83.
ص.83.
146عبد الرؤوف مهدي، مرجع سابق، ص.357ـ 358.
147BEL HAJ HAMOUDA )A (., art.Cit., P.16.
148BEL HAJ HAMOUDA )A (., op.Cit., P.20.
149SLVAGE )Ph (., Droit pénal Général, 1994, P.105- 106. n°195, P. 196.
150عبد الرؤوف مهدي، مرجع سابق، ص. 431 .
151أحمد فتحي سرور، الجرائم الضريبية والنقدية، الجزء الأول، الطبعة الأولى، لا وجود لدار النشر، 1960. ص.53
152جرجس يوسف طعمة، مكانة الركن المعنوي في الجرائم الأقتصادية، المؤسسة الحديثة للكتاب، 2005، ص.340 .
153 BELKNANI (f.), LA RESPONSABILITE PENALE DES PERSONNES MORALES , MOUVEMENTS DU DROIT CONTEMPORAIN , mélanges offerts au Professeur SASSI BEN HLIMA, Centre de  Publication Universitaire, 2005,p.489.
154LAROUSSI (H.), La répression économique, mémoire du DEA, Faculté des sciences juridiques, politiques et sociales de Tunis,1995 P .75.
155Chavanne A., Droit Pénal, Propriété industrielle LITEC 1990 , p.49.
156 مهدي عبد الرؤوف: المسؤولية الجنائية عن الجرائم الاقتصادية. مرجع سابق. ص237.
157محمود داوود يعقوب، المسؤولية في القانون الجنائي الاقتصادي، مرجع سابق، ص. 300.
158مطيع كنعان، مسؤولية الشخص المعنوي في القانون الجزائي الإقتصادي، مذكرة دراسات معمقة، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، جامعة المنار، 2001ـ2002.ص.
159محمود داوود يعقوب، المسؤولية في القانون الجنائي الاقتصادي، مرجع سابق، ص. 306 .
160 ـ يعتبر أعضاءً للذات المعنوية العامة رئيس البلدية والمجلس البلدي ورئيس المجلس الجهوي والمحافظ والرئيس المدير العام للمؤسسة العمومية، أما الذوات المعنوية الخاصة، فإذا كانت في شكل شركة مساهمة فأعضاؤها هم مجلس الإدارة ورئيس مجلس الإدارة والمدير العام، وأما شركة المفاوضة فهم جميع الشركاء ما لم ينص القانون الأساسي للشركة على خلاف ذلك، وفي الشركة ذات المسؤولية المحدودة فهو الوكيل. ـ توفيق بن نصر، تعليق على قانون الشركات التجارية، دار الميزان للنشر، الطبعة الأولى، سوسة، 1996،. ص.197 و294 و528. وكذلك حول المسيرين القانونيين والفعليين في الميدان الجبائي:
ـ REZG I)S.), Les infractions fiscales commises par les dirigants des sociétés. R.T.D. 1995, P.235.
161ـ علي البارودي، القانون التجاري، منشأة المعارف، الاسكندرية 1975. ص 207. رقم 164.
162OUTIN )A.), Les points de vue des chefs d’entreprises, R.S.C., 4 octobre , décembre 2001 , p.756.
163مصطفى كمال طه، مبادئ القانون التجاري، طبعة 1979، ص.284.
164فتوح عبد الله الشاذلي، شرح قانون العقوبات، القسم العام، الكتاب الثاني، المسؤولية والجزاء. دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 1997. ص.47.
165OUTIN )A.), Les points de vue des chefs d’entreprises, . Op. Cit , p.756.
166  COEURET)A.), La nouvelle donneé en matière de responsabilité, R.D.S, n°7/8 juillet – Août 1994., p. 627 et s
167 علي البارودي، القانون التجاري، القانون التجاري، منشأة المعارف، الإسكندرية 1975 ، ص.207.
168أبو زيد رضوان، مفهوم الشخصية المعنوية بين الحقيقة والخيال، مجلة العلوم القانونية والإقتصادية، العدد الاول، السنة الثانية عشر، جانفي 1970، ص.209.
169مصطفى كمال طه، مبادئ القانون التجاري، طبعة 1979. ص.284.
170فتوح عبد الله الشاذلي، شرح قانون العقوبات، مرجع سابق. ص47.
171  قرار تعقيبي مدني عدد 9337، وقرار تعقيبي مدني عدد 10158 في 7 ـ 5 ـ 1984 ـ منشوران في نشرية محكمة التعقيب التونسية القسم  المدني على التوالي ص193 وص343. وفي الاتجاه نفسه أعتبرت محكمة النقض المصرية أن "الخطأ المدني الذي يقع من ممثل الشخص المعنوي يعتبر بالنسبة إلى الغير الذي أصابه الضرر خطأ من الشخص الاعتباري" نقض مدني مصري 6 ـ 12 ـ 1967. مجموعة المكتب الفني. السنة 18. ص1820.
172  السعيد مصطفى السعيد، الأحكام العامة في قانون العقوبات، الطبعة الرابعة القاهرة، 1962،  ص.372.
173PONCELA )P, (. Nouveau Code Pénal. Livre1. Dispositions générales , R.S.C. 1993,p.p.457- 458.
174DESPORTES )F.) LE GUNEHEC )F(., Le nouveau droit pénal, Tom 1, Droit pénal général, sixième édition , Economica, Paris, 1999, n.77.
175JANSSENS (E.), Linéaments d’une structure législative propre au droit pénal social économique, R.I.D.P, 1953, p. 1003. 
176BOURAOUI )S.),Le droit pénal économique et des affaires en Tunisie, R.I.D.P.. 1988. P 34 .
177SAVATIER (R.), L’ordre public économique, Dalloz, Chronique VI, 1965, p. 40.
 
178Ibidem.
179الهادي سعيد : دور أجهزة العدالة الجنائية في الوقاية من الجرائم الناجمة عن النمو الاقتصادي ، مجلة القضاء والتشريع عدد شهر اكتو بر لسنة 1983 ، ص 11 .
180JELASSI (R.), Les actions nées des infractions économiques et d’affaires, mémoire DEA, faculté des sciences juridiques et sociales de Tunis, 1990-1991, p. 12.
181SAVATIER (R.), op.cit, p. 171.
182JELASSI (R.), op.cit, p. 12.
183REZGUI (S.), Les infractions fiscales commises par les dirigeants de sociétés, R.T.D, 1995, p. 237.
 
184 محمود محمود مصطفى ، الجرائم الاقتصادية في القانون المقارن، الجزء الأول، الأحكام العامة والإجراءات الجنائية، الطبعة الأولى 1963، ص 176.
185  البشير الاحمر : الصلح في الجرائم الجمركية ، مجلة القضاء والتشريع عدد جويلية لسنة 1994 . ص 7
186عبد السلام النصيري، مرجع سابق، ص. 160.
 
187LAROUSSI (H.), op.cit, p. 129.
188DJEMAI (B.), Les infractions économiques et Tunisie, mémoire du DES, faculté de droit et des sciences politiques et économiques de Tunis, 1973-1974, p. 128.
 
189عبد السلام النصيري، مرجع سابق، ص. 164.
190BOURAOUI (S.), op.cit, p. 34.
191JELASSI (R.), op.cit, p. 48.
192 ادوارد غالي الذهبي : الإجراءات الجزائية ، الناشر مكتبة غريب الطبعة الثانية 1990 ، ص 155 .
193 ولكن في الدعوى العمومية، ويجوز التراجع عنها بمقابل مالي أو بدونه وذلك بالرجوع صراحة من قبل القائم بها، أو بالصلح وترجع بإمكانية التصرف في الدعوى المدنية من المدعي باعتبار أنّ دينه عنصرا من العناصر المكونة لذمّته المالية.
Merle et Vitu, traité de droit criminel, procédures pénales, Paris, 4ème éd 1989, n)61, p 74.
194«  ne  peut ni transiger, ni abandonner les poursuites, ni renoncer aux voies de recours ou si désister valablement après les avoirs exercées » Jacquemins et Shrans, le  droit économique, cité par Cabdallah, thèse, op. cit, p 124.
195 محكمة التعقيب(النقض) التونسية، قرار تعقيبي جزائي، عدد 3273 صادر بتاريخ 27-11-1951، مجلة القضاء والتشريع ، عدد 3، لسنة 1963، ص 243.
196 وفي هذا الصدر اعتبر الفقيه Abdoullah
« Si cette stratégie de la politique criminelle (la transaction) a peut être retenue, c’est parce que les infractions à traiter sont d’un particularisme certain. C’est leur spécificité qui explique cette stratégie et justice sa souplesse, il s’agit de protéger des patrimoines dont l’état est très jalouse » C. Abdoullah. Thèse. Précitée. P. 37.
197 وهو ما دفع العميد Carbonnier إلى القول بأن العقوبة أصبحت منفصلة عن الجريمة أي أن العقاب أصبح مقررا لغابات جبائية بحتة والتعبئة خزينة الدولة ولم يعد مقرر للزجر.
(R). Merle, Rapport, de synthèse au colloque sur les sociétés commerciales et le droit pénal « R,I,D,P. 1987. P. 161.
 (G). Abdoullah, thèse précitée. P 201.
198 محمد كمال حمدي، جريمة التهرب الجمركي وقرينة التهريب، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، لا وجود لسنة النشر، ص 104.
199(A). Abdouda, La répression fiscal, DEA, Tunis, 1981, p 128.
200 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الفصول 7-8-10-11 بتاريخ 10-12-1948 والفصول 14،15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بتاريخ 16-12-1966، دخلت حيز التنفيذ في 23-03-1976 والفصول 6 و7 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية في 04-11-1950، دخلت حيز التنفيذ في 03-09-1971، والفصل 7 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب دخلت حيز التنفيذ في 21-10-1986 والفصل 12 من الدستور التونسي، مذكورين في كتاب عبد الله الأحمدي، مرجع سابق، ص 37 وما بعدها.
201بسمة الورتاني، مرجع سابق، ص 26.
202 Levasseur(G).. La répression des infractions à la réglementation des prix. J.C.P. 1941 I.p. 193.
203 Abdoullah(G).. Thèse précitée. P 17.
204 مجلة التهيئة الترابية والتعمير التونسية ، الفصل 82، الفصول المتعلقة بالشيك، المجلة التجارية.
205  نبيه صالح، النظرية العامة للقصد الجنائي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2004، ص.61.
206فتحي العيوني، الجرائم الصرفية في التشريع التونسي والتشريع المقارن، مطبعة الشانز ليزي، تونس، جوان 1997، ص.296 .
207واثبة داوود السعدي، الوجيز في شرح قانون العقوبات، القسم العام، النظرية العامة للجريمة والعقاب، مؤسسة حمادة للدراسات الجامعية، إربد، 2000، ص.96. ـ دلاندة يوسف، قانون العقوبات، الجزائر، دار هومه، 2002، ص 128
208نظام توفيق المجالي، شرح قانون العقوبات، القسم العام، النظرية العامة للجريمة، دراسة تحليلية في أركان الجريمة، عمان، دار الثقافة، 1998، ص49 .دلاندة يوسف، قانون العقوبات، مرجع سابق، ص.73.
209عمار بن محمود الدربالي، الحماية الجزائية للإستثمار في الشركات التجارية. مذكرة للحصول على شهادة الدراسات المعمّقة في علوم الاجرام، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 2000 – 2001، ص 123 .
210كمال بن عبد الله الماجري، إستقلالية القانون الجنائي الاقتصادي، مذكرة دراسات معمقة في العلوم الجنائية، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس III، 1996 1997. ص 90 .
211كوثر ميهوب، الجباية، الاستثمار والقانون الجنائي الاقتصادي، مذكرة للإحراز على شهادة الدراسات المعمّقة في العلوم الجنائية، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 1999 2000. ص .125 .
212ـ إيهاب الروسان، تقييد حق الدولة في العقاب  مرجع سابق، ص. 78. ـ إدوارد غالي الذهبي، مجموعة بحوث قانونية – قانون العقوبات قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الأولى 1978، القاهرة ص 164.
-STEFANI (G.)LAVASSEUR (G.)MERLIN (J.) , Criminologie et science pénitentiaire, Paris 1976. p. 466.
213- كمال بن عبد اللّه الماجري، مرجع سابق، ص. 91.
214- كمال بن عبد اللّه الماجري، نفس المرجع، ص.91.
215سلوى براهمي، فقه قضاء في القانون الجنائي الاقتصادي. مذكرة للإحراز على شهادة الدراسات المعمقة في العلوم الجنائية كلية الحقوق والعلوم السياسية ، تونس 1998. ص 100 .
216 ـ تراجع المادة  14 من قانون الاستثمار الأردني : ...... ب- اذا تخلف المستثمر عن تنفيذ أي من التزامـاتــه المنصوص عليها في الفقرة (أ) من هذه المادة تقوم اللجنة بتوجيه إنذار له ليقوم بتنفيذها خلال المدة المحددة له في الإنذار ، وإذا لم يقم بذلك خلال تلك المدة فيعاقب بغرامة لا تزيد على خمسمائة دينار وإذا تكررت المخالفة يعاقب بغرامة مقدارها آلف دينار.وتراجع المادة الثانية عشر من نظام الاستثمار السعودي :  ب-  فرض غرامة مالية لا تتجاوز 500,000 ريال سعودي (خمسمائة ألف ريال سعودي) .
217رياض فرحاتي، العقوبة في القانون الجنائي الاقتصادي، رسالة لنيل شهادة الدراسات المعمّقة في الحقوق شعبة علوم جنائية، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، جامعة تونس 3، السنة الجامعية 1996، 1997.ص . 117 .
218طارق السديري، الزجر الجبائي في مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية، مذكرة للحصول على شهادة الدراسات المعمّقة في العلوم الجنائية، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 2000- 2001. ص 68 .
219محمد علي الدقاق، الغرامة الجنائية في القوانين الحديثة، رسالة دكتوراه، بغداد 1957، ص.121.
220محمد الوصيف، جبر الضرر الناشئ عن الجريمة، م.ق.ت. 1963، ص. 11.
221ـ الفصل 5 من المجلة الجزائية التونسية .
222آمال الجلاصي، الخطية الجزائية، مذكرة دراسات معمقة، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 1998.ص.07.
223ـعبد الوهاب حومد، دراسات معمقة… المسؤولية عن فعل الغير، طبعة 1987. ص372.
224ـ عبد الوهاب حومد، نفس المرجع ، ص.214.
225ـ عبد الوهاب حومد، نفس المرجع ، ص.215.
226ـ الفصل 343 من مجلة الإجراءات الجزائية التونسية ..
227SALVAGE) Ph (.,, Apreçu sur la responsabilité pénal du fait d'autrui. R.S.C. 1963, p.307.
228جورج قديفة، القضايا الجمركية، ج1 المبادئ الأساسية للشريعة الجمركية الجزائية بيروت، 1971، ص.306.
229سمير الجنزوري، الغرامة الجنائية، القاهرة 1967، ص.301.ـ محمود عثمان الهمشري، المسؤولية الجنائية عن فعل الغير، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، دار الفكر العربي، طبعة 1 ـ 1969. ص.342.
230أحسن بوسقيعة، المنازعات الجمركية، دار الحكمة، 1998، ص. 182 .
231MOURGEON (J.), la repression administrative, I.C.D.J. Paris 1967, p.115.
232BACCOUCHE) N.), Les problèmes juridiques et ,op. cit. , , p. 429.
233  BACCOUCHE) N.),op.cit , p. 430.
234نجوى غنية، الجرائم الجبائيّة، مذكرة دراسات معمقة،  كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، السنة الجامعية       1999 / 2000، ص.131 .
235- رياض فرحاتي، مرجع سابق، ص86.
236 ـ قرار تعقيبي جزائي عدد 6106 مؤرخ في 19/11/2004. نشرية محكمة التعقيب التونسية القسم الجزائي، ص.266.الذي جاء فيه:" يفهم من الفقرة الثانية من الفصل 20 وبالتحيد من عبارة "تعاقب هذه المخالفات بغرامة قدرها ...." أن العقوبة تكتسي طابع التعويض عن ضرر لحق الإدارة من جراء إحدى المخالفات التي جاءت في مجلة الأداء على القيمة المضافة وقد خول المشرع للإدارة الجبائية حق تتبع وإستخلاص الغرامة الجبائية المتعلقة بعدم إيداع التصاريح ...".
237حسن عزالدين دياب، الدعوى العمومية في القانون الجنائي الإقتصادي، مرجع سابق، ص.198.
238محمد كمال شرف الدين، رقابة دستورية القوانين والحقوق الأساسية، الجمهورية التونسية، المجلس الدستوري، الذكرى العشرون للمجلس الدستوري، قرطاج، الجمعة 14 ديسمبر 2007، ص.20.
239نور الدين الأشطر، قواعد الإثبات العامة في القانون القمرقي، الجرائم القمرقية، لقاء جهوي بالمعهد الأعلى للقضاء يومي 19 و20 نوفمبر 1992. ص . 39
240H.D. BOSLY : Les frontiers de la répression pénal en droit économique. R.D.P.C. 1972. P145
241BOUZAT (P.) PINATEL (J.)، Traité de droit pénal et de criminologie, T.3, 3ème édition, Dalloz 1975, p. 58.
242NACEUR LOUED) M, (.Pour une répression pénaleSpécifique aux sociétés,annales des sciences juridiques,F.S.J.E.G.,2007., p.09.- HAMEL (J.),in, le Droit Pénal des sociétés anonymes, ouvrage collectif, Dalloz, Paris 1955, p.15 et suivantes.
243 Didier ,Les fonctions de la responsabilité civile des dirigeants sociaux, colloque du 16 novembre 2002, organisé par l’Université René Descartes Paris 5, R.D. S. 2003., p.238.
244MIRIELLE DELMAS MARTY. Op. Cit. P 273 et suit
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى