نظرية الظروف الإستثنائية وضوابطها في القانون الدستوري الجزائري  

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

نظرية الظروف الإستثنائية وضوابطها في القانون الدستوري الجزائري  

مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء 01 أغسطس 2017, 13:59


___ نظرية الظروف الإستثنائية وضوابطها في القانون الدستوري الجزائري  ___
(دراسة مقارنة)

أ/ اسماعيل جابوربي

أستاذ مساعد قسم "أ"

كلية الحقوق والعلوم السياسية

جامعة قاصدي مرباح –ورقلة-
مجلة دفاتر السياسة والقانون 2016 العدد 14
تحميل الموضوع من المصدر الاصلي



الملخص:
تعالج هذه المقالة موضوع نظرية الظروف الاستثنائية منخلال نشأتها والظروف التاريخية المصاحبة لهذه النشأة،كما تتطرف لتعريفاتها المختلفة من الناحية القضائية والفقهية ،وكذا دراسة النصوص الدستورية الجزائرية التي تطبقها الدولة في حالة تعرضها إلى ظروف استثنائية والتي تهدف من خلالها إلى حفظ النظام العام وضمان سير المرافق العامةبانتظام واطراد.

مقدمة:
تعد نظرية الظروف الاستثنائية استثناءا أو قيدا يرد على مبدأ سمو الدستور، وقد استعملت مصطلحات عدة لهذا المفهوم فنجده تارة يستخدم مصطلح الظروف الاستثنائية وتارة مصطلح الضرورة.وقد جاءت هذه النظرية كضرورة لتنظيم ممارسة السلطة في الدولة وهذا التنظيم يرتكز على مبادئ تهدف بالدرجة الأساسية إلى تقييد سلطة الحكام وإيجاد ذلك التوازن والفصل بين مؤسساته المختلفة وذلك من  أجل حماية مبدأ سيادة القانون وحقوق الإنسان وحرياته، وبما أن بناء الدولة يعتمد على قوانين تشرع في الظروف العادية ،غير أنه قد تحدث ظروف استثنائية قاهرة من شأنها المساس بكيان الدولة أو السلامة العامة للمجتمع كحالة الطوارئ أو حالة الحرب ووجود أزمات الحادة أو حالة التمرد والعصيان فتلجأ السلطات المختصة -وغالبا ما تكون السلطة التنفيذية لمواجهتها- للتشريع أو بتدابير استثنائية ،وبناء على ما تقدم نطرح التساؤل الأتي:كيف نشأت الظروف الاستثنائية ،وكيف عالجت النصوص الدستورية الجزائرية هذه الظروف ؟ وهل منح السلطة التنفيذية سلطات استثنائية واسعة لمواجهة هذه الظروف يتم دون ضوابط وقيود تحكمه ؟
هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عليها من خلال الخطة الآتية:

المطلب الأول:مفهوم الظروف الإستثنائية .
تخضع نظرية الظروف الإستثنائية لنظام قانوني معلوم تتمتع بموجبه الإدارة بسلطات استثنائية غير عادية ولكنها سلطات مشروعة.كما وضع الفقه والقضاء شروطا معينة ومحددة لتطبيق هذه النظرية واجب الالتزام بها من قبل الإدارة عند لجوئها في استعمال الوسائل والإجراءات القانونية اللازمة لمواجهة الظروف الإستثنائية ،ويرجع الفقه بداية نشوء نظرية الظروف الإستثنائية إلى مصدرين رئيسين: قضائي وتشريعي ،ومن أجل توضيح التصور القانوني لهذه النظرية سنتناول
في هذا المطلب فرعين على النحو الآتي:

الفرع الأول:تعريف نظرية الظروف الإستثنائية في القضاء.1
تعد نظرية الظروف الإستثنائية استثناء على مبدأ سمو الدستور وتستمد مدلولها من القاعدة الرومانية التي تقول:"إن سلامة الشعب فوق القانون" 2،فهي كنظرية قضائية قامت لسد العجز والقصور الذي يظهر في النصوص التشريعية القائمة في مواجهة الظروف الإستثنائية المستجدة والتي لا تجدي في مواجهتها وسائل الضبط الإداري المألوفة3وهدفتإلى إنشاء مبادئ قضائية يقررها القضاء بغية تخويل الإدارة قدرا من السلطة تتناسب وتلك المواجهة.
ومقتضى النظرية أنها:نظرية قضائية صنعها وكونها قضاء مجلس الدولة الفرنسي من مقتضاها أن بعض الإجراءات الإدارية التي تعتبر غير مشروعة في الأوقات العادية  يمكن اعتبارها إجراءات مشروعة في بعض الظروف ،إذا كانت ضرورية لحماية النظام العام أو استمرار سير المرافق العامة وهكذا ،فإنه في ظل هذه الظروف الإستثنائية تستبدل المشروعية العادية بالمشروعيةالإستثنائية من مقتضاها تمتع السلطة الإدارية باختصاص واسع لم يورده القانون4،وبذلك يجيز القضاء للإدارة أن تتحلل مؤقتا من قيود المشروعية العادية لتخضع لمشروعية خاصة يحددها القاضي وهي بطبيعة الحال مشروعية استثنائية5ويعد مجلس الدولة الفرنسي الصورة الأصلية والنموذجية للظروف الإستثنائية هي الحرب فبفضل الحرب العالمية الأولى صاغ المجلس نظريته لمواجهة الآثار السيئة التي سببتها وطبقها بعد ذلك في الحرب العالمية الثانية ومنها جاءت تسميتها باسم نظرية سلطات الحرب6وهي ليست سوى تطبيق للنظرية العامة للظروف الإستثنائية7.ولقد اعتبر موقف القضاء الإداري الفرنسي هذا متحررا جاء بحكم خبرته واحتكاكه بالإدارة العامة وتقدير ظروفها وأوضاعها8حيث ذهب إلى أن نطاق المشروعية هو نطاق متحرك وليس نطاقا جامدا وأن هذا النطاق إذا كان ضيقا في الأوقات العادية فإنه يتسع في أوقات الأزمات ليصحح مالا تصححه الظروف العادية.ولعل أول حكم لمجلس الدولة الفرنسي في هذا الشأن هو حكمه المعروف باسم حكم Heyries  الصادر بتاريخ 28 جوان1918، والذي يعتبر إيذانا بمولد النظرية قضائيا في فرنسا والبداية الحقيقية كما يرى البعض لظهور نظرية الضرورة في القضاء الفرنسي9.وهكذا استقرت أحكام مجلس الدولة بأن تتمتع الإدارة في أثناء الظروف الإستثنائية باختصاص واسع لم يرد فيه نص تشريعي ،بل ويسري هذا الاختصاص حتى مع قيام النصوص التشريعية حيث يكمل القضاء ما فيها من نقص ينكشف عنه في التطبيق العملي بالقدر الذي تحتاجه لمواجهة تلك الظروف ،فالنتيجة التي رتبها القضاء على ذلك هو:" أنه من العسير وضع قواعد محدده بهذا الصدد لمرونة هذه النظرية وللروح الواقعية التي يصدر عنها مجلس الدولة الفرنسي والذي يكيف كل حاله بظروفها". وبهذا الشكل عمل المجلس على توسيع نطاق مبدأ المشروعية في الظروف الإستثنائية وإضفاء صفة المشروعية عليها بالرغم من عدم مشروعيتها من حيث الأصل. وعلى هذا الأساس تعد السلطات الإستثنائية المستمدة من النظرية القضائية أوسع مدى من السلطات المستمدة من القوانين الخاصة بالظروف الإستثنائية لأنها تضيف عليها سلطات جديدة خاصة وأن هذه القوانين قد لا تتوقع كل الظروف الإستثنائية ومقتضياتها كذلك كانت النظرية القضائية هي المصدر الأساسي والحقيقي لسلطات الإدارة الإستثنائية11بحق مختلف الظروف ومجلس الدولة فيما ذهب إليه يستعمل سلطاته المقررة باعتباره مصدرا تفسيريا للقانون، فالقاضي وهو يطبق القانون يلزم باستنباط القواعد الملزمة من مصادرها المختلفة وهو يفعل ذلك في الظروف العادية ويفعله كذلك في الظروف الإستثنائية. والقاضي وهو لازال في مهمته التقليدية في البحث عن إرادة المشرع يجد نفسه ملزما بالبحث عن قاعدة القانون التي تكفل له التوفيق بين ظروف النظام والمرافق الجوهرية وبين مستلزمات قاعدة المشروعية ومبدأ سيادة القانون، وهذا ما دعى الفقه أن يشير إلى تفوق وشمول نظرية الظروف الإستثنائية كنظريه قضائية عمل القضاء الإداري الفرنسي على تقريرها على الحلول التشريعية الإستثنائية التيلا تتضمن في الغالب سوى حلولا جزئية للظروف الإستثنائية12.
وبذلك يعرف الفقيه ريفيرو الظروف الإستثنائية بأنها: الأوضاع المادية التي تؤدي إلى وقف العمل بالقواعد العادية التي تطبقها الإدارة لتطبيق قواعد المشروعية الخاصة بالأزمات ويقوم القاضي بمقتضيات هذه المشروعية الخاصة13.ورغم أن مجلس الدولة الفرنسي قد اعتبر ابتداء الصورة النموذجية للظروف الإستثنائية تتجلى في سلطات الحرب إلا أن هذه الحالة ليست سوى أحد مظاهر التطبيق للنظرية العامة للظروف الإستثنائية وهي تتضمن كل ظرف طارئ وشاذ تعتبر أوسع نطاقا من نظرية سلطات الحرب.14 لذلك سحب مجلس الدولة الفرنسي بانتهاء الحرب العالمية هذه النظرية في غير ظروف الحرب منذ البداية إلى فترة الشدة التي أعقبت الحربين العالميتين باعتبارها من آثار الحرب وطبقها أيضا خلال الظروف العصيبة التي يتعرض لها المجتمع في وقت السلم، ولم يعد مجلس الدولة يربط بين الظروف الإستثنائية و فكرة الضرورة أو الضبط الإداري15وإنما وسع من نطاقها لتنظيم كل نشاطات الإدارة المتعلقة بحفظ النظام العام بالقدر الذي من شأنه أن يخدمها. فعمت النظرية كل حالات الطوارئ إذا ما هددت الدولة بإضراب عام16. أو قيام بعض حالات من الأزمات الداخلية وأوقات الاضطرابات العامة كالكوارث القهرية المفاجئة والفتن17بل إن مجلس الدولة اخذ يطور قضائه فلا يشترط لتحقيق الظرف الاستثنائي وجود أزمة عامة أو فترة حرجة18بل أصبح يكتفي بوجود أي ظرف غير عادي أو حالة غير عادية يكون من شانه تطبيق قواعد المشروعية العادية أن يهدد الأمن العام أو يهدد مرفق عام أو يحول من دون أداء الخدمة العامة المكلفة بها الإدارة19.
كما لم يعد من الضروري أن يكون الظرف الاستثنائي عاما يشمل الدولة كلها بل يكفي أن يكون تطبيق قواعد المشروعية العادية من شأنه أن يهدد الأمن والنظام العام بأخطار جدية ،كما وأن وجود ظروف استثنائية عامة تشمل الدولة كلها لا يؤدي إلى تطبيق نظرية الظروف الإستثنائية بصفة تلقائية، وإنما يجب أن تتحقق دواعيها في كل حالة على حدة .
وتأسيسا على ما تقدم اعتبر القضاء المصدر الحقيقي لنظرية الظروف الإستثنائية حيث عمل ويعمل على تقرير أحكام ذلك باستبدال أحكام المشروعية العادية بأحكام المشروعية الإستثنائية والتي بمقتضاه تتمتع السلطة الإدارية باختصاص واسع لا تملكه بموجب القوانين العادية ،ولذلك فإن المشروعية الإستثنائية التي يؤخذ بها في ظل الظروف الإستثنائية إنما هي أصلا من إنشاء القضاء. ولقد استقر القضاء الإداري في فرنسا20على اعتبار بعض الأعمال والتصرفات غير المشروعة في الظروف العادية أعمالا مشروعة في الظروف الإستثنائية. غير أن عدم المشروعية الذي يتجاوز القضاء عنه بالنسبة لبعض القرارات الإدارية اعتبارا للظروف الإستثنائية لا يمكن أن يثار إلا بعيوب ثلاث في القرار الإداري تتمثل في عناصر الاختصاص والشكل والمحل ولا تخرج على عنصري السبب والغاية21 فالقرار الذي يخرج عن حدود اختصاص مصدره ولا يراعي الشكل المرسوم له والذي يخالف القوانين واللوائح يمكن اعتباره مشروعا إذا توافرت له الظروف الإستثنائية التي تبرر أو تغطي ما به من عيب. أما ما يتعلق بسبب القرار وغايته فلا يمكن التجاوز عما يلحقهما من مخالفه حيث تبقى الإدارة أسيرة لهذين القيدين22وذلكلإنتفاء حكمة قيام المشروعية الإستثنائية وانعدامها في أي منها23فسببالقرار الإداري هو الحالة الواقعية المتمثلة في الظرف الاستثنائي وما هو إلا المبرر الذي دفع الإدارة إلى اتخاذ إجرائها والذي دفع القضاء إلى توسيع مجال المشروعية لاعتبار الإجراء مشروعا رغم عدم مشروعيته في الظروف العادية.أما الغرض في القرار فيجب أن يكون في جميع الأحوال هي المصلحة العامة إذ أن تحقيق هذه المصلحة والحفاظ على كيان المجتمع وسلامته أيا كانت الظروف هو المقصود والمستهدف الحقيقي وراء تقرير نظرية الظروف الإستثنائية فإذا جانبته الإدارة لأي هدف مغاير لهدف المصلحة العامة كانت قراراتها مشوبة بالانحراف في السلطة24فحكم هذه الظروف هو حكم الظروف الاعتيادية.

الفرع الثاني:تعريف نظرية الظروف الإستثنائية في الفقه.
أمام استقرار الظروف الاستثنائية في القضاء وتأييد الفقه لها تبنت التشريعات الحديثة بعض التطبيقات لتلك النظرية ذات الأصل القضائي في قواعد قانونية محددة مقدما لتمكن بها الإدارة في مواجهة الظروف الاستثنائية والأساليب التي نصت عليها القوانين العادية أو الدستور وتقوم تلك التشريعات على أساس ما يتنبه به المشرع مسبقا باحتمال حدوث ظروف استثنائية لديها كحالات الحرب آو التهديد آو معالجة آثارهاآو الاضطرابات الداخلية آو كوارث طبيعيه كالزلازل والفيضانات والأوبئة وغيرها. ويسعى المشرع في تخويل الإدارة سلطات استثنائية خاصة وواسعة في هذا الخصوص تزيد بكثير عن سلطاتها المقررة في ظل الظروف العادية وتتم عن طريق النص عليها في الدستور آو القوانين المتعلقة الصادرة من البرلمان فهي صلاحيات يكون تطبيقها استثنائيا ويكون من شأنها فرض قيود على ممارسة الحقوق والحريات العامة للأفراد. ومن أمثله تلك التشريعات اليوم تلك الخاصة بظروف الحرب والحصار والحالة الاستثنائية  25. إلا أنه ومع ما لقيت نظرية الظروف الإستثنائية اهتماما وعناية من قبل المؤسس26 ،وذلك بهدف تنظيم سلطات الإدارة في أوقات الأزمات والظروف غير العادية، وليكون تطبيقها بصفه استثنائية.فضلا لما يحمله التنظيم التشريعي لسلطات الإدارة في ظل الظروف الاستثنائية في طياته الأمان للأفراد والحفاظ على الصالح العام لأن المشرع فيها يحدد شروط هذه الظروف ويحدد سلطات الإدارة حال تحققها إلى جانب ما لتقنين السلطات الإستثنائية Supprimer le mot répété من أهمية بالغه كونه يمثل الدرع الواقعي للمصلحة العامة والخاصة على السواء ، وحتى لا تنقلب القوانين التي تحكم الظروف الاستثنائية الى جزء ثابت من النسيج القانوني العادي27.
على أن محاولات المؤسس لهذه النظرية مهما بلغ شأنه لا تكون شاملة إذ لا يستطيعمهما كانت قدرته أن يتنبأ بجميع الظروف غير العادية التي قد تحيط بالدولة من ناحية كما قد يظهر عجز أو قصور الحلول التشريعية ذاتها لمواجهة ما قد يحيط بالدولة من أخطار والعمل على دفعها الأمر الذي حدا بالقضاء للتدخل لتكملة ما قد يعتري التشريعات من نقص أو قصور وتحديد مضمون هذه النصوص بصوره دقيقه سواء بتوسيعها أو تضيقها ولو يعمل المؤسس على تقرير ذلك من عنده فالسلطات الاستثنائية التي يعمل على تقريرها القضاء تفوق في حقيقة الأمر ما يعمل على تقريره المؤسس في النصوص الاستثنائية ،ذلك أن هذه التشريعات قد لا تعمل على مواجهة جميع الحالات الاستثنائية التي تظهر في حيز الوجود، وهكذا تتفوق النظرية القضائية التي يعمل على تقريرها القضاء في هذا الخصوص مع التشريعات الإستثنائية التي يعمل على تقريرها المؤسس، الأمر الذي يدعو إلى القول بأن المصدر الحقيقي كـان وسيبقى لنظرية الظروف الإستثنائية هو القضاء بسبب عدم تحديد مضمون النظرية مسبقا.
ولقد سارعت تشريعات بعض الدول إلى تبني بعض التطبيقات لهذه النظرية لينظمها في قواعد محدده تمكن الجهات المعنية في مواجهة الظروف الإستثنائية أو بعضها بالطرق والأساليب وفي الحدود التي نص عليها إما بالقوانين العادية الصادرة من البرلمان أو في النصوص الدستورية.
ولقد عالج المشرع الدستوري الجزائري الظروف الاستثنائية انطلاقا من الدستور الأول للجمهورية الجزائرية المستقلة 1963 وتناوله في دستور1976 و1989 و1996، والجدير بالذكر أن هذه النصوص الدستورية تبدأ بحالة الطوارئ ثم حالة الحـصار ثم الحالة الإستثنائية وأخير حالة الحرب، وهذا الترتيب لا يعني التزام السلطة بموجبه حين تقرير أو إعلان أي حالة من الحالات السالفة الذكر29،غير أن الفقه عموما يرى أن الحالات الواردة في الدساتير على سبيل التدرج،بحيث تبدأ بحالة الطوارئ ثم حالة الحصار والتي تكون غالبا قبل الحالة الاستثنائية وقبل حالة الحرب ،وذلك بالنظر إلى الأثر المترتب على كل حالة والذي يختلف من حيث درجته30.
من أكثر القوانين انتشارا لدى الدول نظام حالة الطوارئ التي تعد حالة استثنائية لخروجها عن التنظيم القانوني العادي. ولعل أهم ما يترتب على تلك النصوص الدستورية والتشريعية هو تمتع الإدارة بسلطة لائحيه مميزه وهي في مجملها سلطه استثنائية لكونها تتعدى دائرة التنفيذ إلى دائرة التشريع سواء في الظروف العادية مثل اصدار لوائح الضبط الإداري أو في الظروف الإستثنائية مثل قوانين الطوارئ.

المطلب الثاني:حالات وضوابط تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية
نظم الفقه نظرية الظروف الاستثنائية و صاغت لها تشريعات ضوابط وشروط محددة وكان التشريع الفرنسي سباقا لذلك وسنأخذه مثالا لدراسة مع الإشارة لكيفية معالجة التشريع الجزائري لهذه الضوابط.

الفرع الأول: تنظيم التشريع للظروف الاستثنائية.
عرفت نظرية الظروف الإستثنائية تنظيما لها في التشريع العادي الفرنسي في بعض القوانين التي اختصت السلطة التشريعية البرلمان الفرنسي بإصدارها طبقا للدستور. ومن أهم تلك القوانين في هذا المجال قانون الأحكام العرفية الصادر في 09 أوت عام 1849 المعدلفي 20 ديسمبر2004 31 حيثنصت المادة الأولى منه على "أن تعلن الأحكام العرفية في حالة الخطر الداهم على الأمن الداخلي أو الخارجي"32. وحدد المشرع الفرنسي مصادر الخطر في أمرين هما. الحرب الخارجية والاضطرابات المسلحة بما يساهم في الحد من احتمالات تعسف السلطة التقديرية في هذا الصدد كما نصت المادة 36 من الدستور الفرنسي على أن تعلن الأحكام العرفية بأمر من مجلس الوزراء ولا يجوز أن تمتد لأكثر من أثني عشر يوما إلا بإذن من البرلمان33. ويستفاد ضمنا من هذا النص أن المختصبإعلان حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية هو رئيس الجمهورية الذي يختص بالتوقيع على المرسوم الذي يعده مجلس الوزراء طبقا للمادة 13 من الدستور الفرنسي. ويرى البعض من الفقه أن هذا القانون جاء ليغطي حدوث الكوارث العامة التي يجب أن تصل إلى درجة من الأهمية بحيث تخرج عن حيز الخصوصية والفردية إلى مستوى العمومية التي تنتشر فيها النتائج إلى كامل إقليم الدولة أو إلى جزء يعتد منها ويمتد فيها الأثر إلى مجموع الأمة34،كمانظمالمشرع الدستوري في فرنسا تنظيم الظروف الإستثنائية لأول مرة  في الدستور الصادر في 13 ديسمبر 1799 دستور السنة الثامنة حين قضت المادة 92 على أنه في حالة الثورة المسلحة أو الاضطرابات التي تهدد أمن الدولة فإنه يمكن بقانون أن يوقف سريان الدستور في الأماكن والمدن التي يحددها هذا القانون. ويمكن يعلن هذا الوقف بواسطة الحكومة إذا كانت الهيئة التشريعية في إجازة بشرط أن تدعى الهيئة للاجتماع في أقرب وقت ممكن وأن ترد هذه الدعوى في القرار نفسه الذي أوقفت فيه سريان الدستور لعرض الأمر عليه35ويلاحظ من هذا النص الدستوري أنه قد أجاز للقانونالعادي بل وبقرار أداري إيقاف الدستور على نحو مؤقت وذلك في حالة الثورة المسلحة أو الاضطرابات التي تهدد سلامة الدولة. بل أعطت للسلطة التنفيذية نطاقا واسعا للحركة والتصرف فهي تستطيع أن تطلب من البرلمان إذا كان قائما إيقاف الدستور كله أو بعض مواده في كل البلاد أو في جزء منها. وتستطيع الحكومة نفسها بقرار منها أن تفعل الشيء نفسه في حالة غياب البرلمان. بشرط أن تدعوه للانعقاد في قرارها نفسه التي وقفت به الدستور مع أن النص لم يحدد مدة يوجب انعقاد البرلمان فيها فالنص أطلق يد السلطة فيما تتخذ من إجراءات ولم تضع على تلك السلطة قيودا من أي نوع كان36.وبصدوردستور الجمهورية الفرنسية الخامسة الحالي في 4 أكتوبر سنة 1958 أصبحت المادة 16من أشهر التشريعات الخاصة بالظروف الاستثنائيةالتي منحت رئيس الجمهورية سلطات واسعة في اتخاذ الإجراءات التي تقتضيها هذه الظروف التي يخرج فيها عن مبدأ المشروعية بقصد معالجة الظروف الطارئة37. فعندما تكون المؤسسات الجمهورية أو استقلال الأمة أو سلامة أراضيها أو تنفيذ تعهداتها الدولية مهددة بخطر جسيم وحال. عندما يعاق السير العادي للسلطات الدستورية العامة، فإن رئيس الجمهورية يتخذ الإجراءات التي تقتضيها هذه الظروف بعد المشاورةالرسمية مع رئيس مجلس الوزراء ورئيس المجلسين الجمعية العامة ومجلس الشيوخ والمجلس الدستوري، ويوجه بها بيانا إلى الشعب "،وهذه الإجراءات يجب أن تحركها الرغبة في تمكين السلطات الدستورية العامة من مباشرة مهامها في أقصر وقت ممكن38،ويستشارالمجلسالدستوريبخصوص هذه الإجراءات ويجتمع البرلمان بقوة القانون،ولا يمكن حل الجمعية الوطنية أثناء ممارسة هذه السلطات الإستثنائية.وتعد هذه المادة بمثابة تنظيم شامل يواجه فترات الأزمة مواجهة تختلف اختلافا جذريا عن المواجهات العادية كما وأنها ذات علاقة وثيقة بالمادة 5 من الدستور الفرنسي39 التي تنص على أن:" يسهر رئيس الجمهورية على احترام الدستور وهو يضمن باعتباره حكما، السير المنتظم للسلطات العامة واستمرار بقاء الدولة، وهو الضمان للاستقلال الوطني، وعدمالمساس بإقليم الدولة، واحترام اتفاقيات مجموعة الدولة الفرنسية والمعاهدات"40،ويترتب على تطبيق النظام الاستثنائي الذي حددتـه المادة 16 من الدستور الفرنسي وضع سلطة فخمة في شتى الميادين في يد رئيس الجمهورية إلى المدى الذي يصبح فيه الحديث عن فصل السلطات، أو استقلال بعضها عن بعض حديثا غير وارد. ذلك أن السلطات توشك أن تتركز في يد الرئيس41. بمقتضى المادة المذكورة التي تعطيه الحق في اتخاذ كافة الإجراءات التي تقتضيها ظروف الأزمة على أن تستهدف تلك الإجراءات عودة الأوضاع الدستورية42.
ولقد نبه الفقه الفرنسي بعد صدور دستور 1958 إلى خطورة المادة 16 لما تعطيه من سلطات استثنائية واسعة لرئيس الجمهورية توشك أن تكون مطلقة وأن ذلك من شأنه أن يمكنه من ايجاد أزمة مفتعلة يستطيع من خلالها القيام بانقلاب مشروع في الظاهر من دون أن يقابله أي عائق قانوني يحول دون نجاحه حتى يصبح كل شيء سهلا عند تطبيق المادة 16 ومن ثم يستطيع رئيس الجمهورية أن يتدخل في كل نطاق وأن يلغي حقوق وضمانات الموظفين كافة. فالنص من الغموض والاتساع ما يسمح لرئيس الجمهورية أن يصل بسلطته إلى أي مدى يريد ما دامت من دون تعديل الدستور نفسه وهكذا أعتبر الفقه أن تطبيق المادة 16 من شأنه أن يؤدي إلى قيام ديكتاتورية مؤقتة إذ ليس هناك أخطر على الحرية من النظم الإستثنائية وتركيز السلطات بين شخص واحد.ويلاحظ من قراءة نص المادة 16 أنها اشترطت لاستخدامها وجوب توافر مجموعتين من الشروط منها موضوعية ومنها شكلية، وتتمثل فيما يلي.
$11-وجود خطر جسيم يهدد المؤسسات الجمهورية أو استقلال الأمة أو سلامة أراضيه أو تنفيذ تعهداته الدولية لا يمكن مواجهتها بالوسائل العادية43،نشوء الحرب أو حرب مع دولة أجنبية أو قيام إضراب عام يتخذ طابع التمرد أو حصول عصيان عسكري44.
$12-أن يكون هذا الخطر الجسيم حالا  أي واقعا بالفعل أو على وشك الوقوع على نحو مؤكد45أما إذا كان يحتمل وقوعه بعد فترة زمنية فلا يستطيع رئيس الجمهورية استخدام صلاحياته الإستثنائية من أجل معالجة الظروف الطارئة المتوقع حدوثها فالخطر الجسيم هو الخطر غير المتوقع وغير ممكن دفعه والتغلب عليه بمراعاة الأنظمة القانونية العادية.
$13-أن يؤدي ذلك الخطر إلى إعاقة انقطاع السير المنتظم للسلطات العامة عن أداء وظائفها أما إذا لم ينجم عن الظروف الطارئة اختلال في عمل المرافق الدستورية العامة فلا يستفيد رئيس الجمهورية من السلطات الإستثنائية والتفسير الضيق لتحقيق هذا الشرط أن يكون هناك توقف مادي لوظائف السلطات العامة الدستورية وأن توقف السير العادي لواحدة من هذه السلطات يكفي كما يرى الدكتور يحيى الجمل للقول بتوافر هذا الشرط الموضوعي.
$14-أن يتخذ رئيس الجمهورية كافة الإجراءات الكفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها مستلهما في ذلكالصالح العام وقيام المرافق العامة بمهامها العادية في أقرب وقت ممكن ومن أهم تلك الإجراءات ما يصدر في صورة قواعد عامة وبالتالي تعد عملا لائحيا وهي التي أطلق عليها الفقه اصطلاح لوائح الأزمات الخاصة.46
أما الشروط الشكلية التي اقتضت المادة 16 مراعاتها استكمالا للشروط الموضوعية فهي تتمثل بما يلي:
إجراء استشارات رسميه مع رئيس الوزراء ورؤساء مجلس البرلمان والمجلس الدستوري، وهي غير مقيده لرئيس واقعيا، إذ يستطيع اتخاذ القرار في النهاية بمفرده47وتوقيعهوحده48،وإن كان هذا غيرحاصلواقعيا.
قيام رئيس الجمهورية بتوجيه بيان إلى الأمة يعلن فيه أنه اتخذ القرار بإعمال المادة 16 من الدستور لمواجهة الظروف عن طريق رسالة يوجهها إليها عند اتخاذه الإجراءات الإستثنائية. وهي مجرد إحاطة الأمة بالأوضاع الخطيرة التي تمر فيها البلاد. وتوضيح الأسباب التي دعته إلى استخدام هذه الإجراءات. ويعتبر الهدف من ذلك خلق نوع من المشاركة والتماسك بين رئيس الجمهورية وأفراد الأمة في وقت تتعرض فيه البلاد لأزمة حادة كما أنه إجراء ضروري يمكن للأمة العلم بقرارات رئيس الجمهورية باعتبار أن هذا البيان أو الرسالة يمكن اعتباره وسيله قانونيه لتبرير تصرف رئيس الجمهورية في نظر الرأي العام49 ،هذاولم تحدد النصوص الدستورية الوقت الذي ينبغي أن يتم فيه ذلك البيان مع انه من الطبيعي أن يعقب ذلك كله نشر القرار الصادر بالرجوع إلى النظام الاستثنائي الذي قررته المادة 16 في الجريدة الرسمية. وهذا هو ما حدث بالفعل بالسابقة الوحيدة التي حدث فيها اللجوء إلى استخدام تلك المادة في فرنسافي بتاريخ 23أفريل196150حيث وجه رئيس الجمهورية بيانه إلى الأمة بعد مرور عشرين ساعة من اصدار القرار ثم نشر في الجريدة الرسمية في اليوم التالي.
أن تستهدف إجراءات المادة 16 تمكين السلطات العامة من مباشرة مهامها في أقصر وقت ممكن51.
وطبقا لأحكام المادة 16 يمارس رئيس الجمهورية عملا سلطات استثنائية في الأزمات في مجالات عدة منها المجال الدستوري والتشريعي والقضائيوالإداري52. وبقدر ما يتعلق بالمجال الأخير، فإن رئيس الجمهورية يستطيع أن يجمع كل اختصاص السلطة المتعلقةبالحكم والإدارة بالشؤون الخارجية أو الداخلية بالسلطة المدنية أو العسكرية سواء باشرها منفردا أو بالاستعانة بالوزير الأول الذي يحدده رئيس الجمهورية نفسه على النحو الذي يقدر ضرورته وجدواه حيث يؤخذ الدستور الفرنسي الحالي بنوع من الثنائية فيما يتعلق بالسلطة التنفيذية يتقاسمها رئيس الجمهورية مع الوزير الأول53.ويرىالبعض أن لرئيس الجمهورية استخدام بعض العقوبات الإدارية والسياسية ،كفصل أحد الموظفين بغير الطريق التأديبي أو اعتقال بعض الأفراد خلال فترة الأزمة أو فرض الحراسة أو منع السفر إلى الخارج أو إغلاق بعض الأمكنة والمجلات بالطريق الإداري أو الاستيلاء على بعض المنقولات لصالح مواجهة الأزمة وغير ذلك من العقوبات التي لا تتسم بالطابع الجنائي 54مماتقدم يلاحظ مدى الصلاحيات الواسعة والخطرة التي منحتها المادة16 من الدستور الفرنسي لرئيس الجمهورية في هذا الشأن.
أما التشريع الجزائري فقد نظمت الدساتير الجزائرية حالات الظروف الاستثنائية من خلال النص على شروطها وكيفية إعلانها،حيث نصت المادة 59 من دستور 1963 على السلطات الاستثنائية لرئيس الجمهورية ،وكرست المواد 119 إلى 123 من دستور 1976 حالات الظروف الاستثنائية والمتمثلة في :حالة الطوارئ،حالة الحصار ،الحالة الاستثنائية،حالة الحرب،والتي تستلزم كلها إجراءات خاصة نظرا لوجود حالة الضرورة الملحة،أما دستور 1989 فقد تطرق إلى هذه الحالات في المواد من 86 إلى 89 منه.وعالجها التعديل الدستوري لسنة 1996 في المواد 91 إلى 95 منه،موضحة الشروط الموضوعية لإعلان حالات الظروف الاستثنائية ،ومما يمكن ملاحظته أن التعديل الدستوري لسنة 1996 لم يأت بجديد إلا من حيث الهيئات أو الشخصيات التي يجب استشارتها فبالإضافة لاستشارة الهيئات السابقة ،فإنه يجب استشارة رئيس مجلس الأمة55.

الفرع الثاني:ضوابط نظرية الظروف الاستثنائية
إذا كانت الظروف الإستثنائية تعمل على توسيع قواعد المشروعية العادية وتفعيلها بما يتلاءم مع ما تمليه هذه الظروف من أحكام، فإن ذلك لا يعني إطلاق سلطة الإدارة من دون قيود أو ضوابط لما تتضمنه نظرية الظروف الإستثنائية من مخاطر جسيمة بسبب ما تمنحه من سلطات خطيرة للإدارة تهدد حقوق وحريات الأفراد للخطر خاصة وأنه ليس ثمة معيار قاطع لما يعتبر ظرفا استثنائيا. لذلك وحتى لا تسرف الإدارة في استعمال سلطتها الواسعة بحيث تنقلب إلى سلطة تحكمية مطلقة ومعول هدم ومبرر لإعتداءات متكررة. وضع القضاء الإداري في فرنسا والجزائر وتبعهما الفقه شروطا معينة ينبغي توافرها مجتمعه تلتزم بها الإدارة عند ممارستها لسلطتها الإستثنائية وإلاّ عدت أعمالها مشوبة بالبطلان وموجبة للتعويض ويمكن حصر هذه الشروط بما يلي:
$11-تحقق الظرف الاستثنائي
ويتمثل هذا الظرف بوجود تهديد بخطر موجه ضد الدولة وهو أهم الشروط اللازمة لقيام هذه النظرية وهذا الخطر الذي قد يكون داخليا كالكوارث الطبيعية الاقتصادية أو العصيان المسلح والمظاهرات غير المسلحة، وقد يكون خارجيا كالحروب ويستقر الفقه على وجوب توافر وصفين في هذا الخطر وهما الجسامة والحلول وقد ذهب جانب من الفقه إلى أن الخطر يكون جسيماً إذا كان من غير الممكن دفعه بالوسائل القانونية العادية فإذا أمكن دفعه بهذه الوسائل لا يعد جسيما، أما بالنسبة لصفة الحلول فإن الخطر الحال يعني أن تبلغ الأحداث أو الظروف حداً تؤدي معه حالاً ومباشرة ً إلى المساس بالمصلحة موضوع الحماية ، ما يعني وجود تهديد بخطر جسيم حال موجه ضد الدولة.
ويعد قيام الظرف الاستثنائي من أول الشروط المقتضية لتمتع الإدارة بالسلطات الإستثنائية والمبرر لهجر القواعد القانونية العادية حيث لا مجال بغياب ذلك لأي توسع في سلطات الإدارة ولا مسوغ في تجاوزها لاختصاصها فوجود الظرف الاستثنائي الأساس الوحيد لإعطاء الإدارة سلطات واسعة. لكونه يشكل عنصر السبب الذي تصدر بناء عليه قراراتها في ظل الظروف الإستثنائية ،فالظرف الاستثنائي يتحقق وجوده بقيام حالات خطيرة واقعية كانت أم قانونية وغير مألوفة ويتمثل في فعل أو مجموعة أفعال وقعت فعلا أو في الأقل وشيكة أو محتملة الوقوع أو وقع فعلا ولم ينته ويشكل خطرا جسيما يحول من دون قيام الإدارة بوظائفها سواء تمثل ذلك في إدارة المرافق العامة أو المحافظة على النظام العام في الدولة و فالمناط وجود الخطر بصرف النظر عن مداه من حيث الزمان أو المكان.
وينبغي تحديد محل أو موضوع التهديد بالخطر إذ لا يكفي اشتراط أن يوجه التهديد إلى الدولة لأن اصطلاح الدولة ينصرف بصفة عامة إلى موضوعات مختلفة ومع ذلك يمكن تحديد الدولة إما بأحد عناصرها الشعب بأشخاصه وأمواله أو الأقاليم أو المؤسسات الدستورية الحاكمة وإما بكل هذه العناصر وهذا ما جاء في نص المادة 93 من دستور1996 بقولها :"إذا كانت البلاد مهددة بخطر داهم يوشك أن يصيب مؤسساتها الدستورية أو استقلالها أو سلامة ترابه"ا56، سواء كانت المخاطر الجسيمة داخلية أو خارجية،كالعدوان والحصار ومحاولة تخريب المصالح الحيوية للدولة57وبمقارنة هذه المادة بالمادة16 من الدستور الفرنسي لسنة1958 يتبين لنا أن المؤسس الدستوري الجزائري لم يستدرك النقص المتعلق بتنفيذ التعهدات الدولية كما فعل المؤسس الدستوري الفرنسي58.
 صعوبة مواجهة الظرف الاستثنائي.
يسلم الفقه بوجوب لجوء الدولة في حالات الخطر الداهم إلى إجراءات على مستوى الوطني لدرء الخطر الذي تواجهه ولوقاية كيانها والمحافظة على سلامتها والإدارة في هذا تتصرف على أرض الواقع وليس وفقا للقانون ولا بناء على نظرية قانونية. حيث يطغى حكم الواقع بصفه مؤقتة على حكم القانون ،فالخطر الموهوم الذي ينشأ في ذهن أو تصور أو خيال السلطة التنفيذية وحدها لا يعد خطرا حالا وجسيما ولا يجوز للإدارة أن تتذرع بوجود ظرف استثنائي غير مؤكد حدوثه إذ في مثل هذه الحالة تكون أعمالها المستندة إلى وجود هذا الظرف الاستثنائي غير مشروعة وباطلة لعدم صحة الحالة الواقعية الإستثنائية التي أسست عليها الإدارة أعمالها الإستثنائية أي بطلان السبب الذي استندت إليه الإدارة وكل هذه الأمور تخضع لرقابة القضاء الذي سيتولى وزن الإجراء ومناسباته ومبرراته.
$12-    تناسب الإجراء المتخذ مع الظرف الاستثنائي.
يحدد معيار جسامة الخطر بأن يخرج على الأقل عن إطار المخاطر المتوقعة أو المعتادة في حيـاة الـدولة فهو خطر غير مألوف وعروف على وجه الدقة ولا حيث النوع أو المدى ،فالظرف الاستثنائي يتحقق وجوده بوجود حوادث خطيرة مجتمعة يستحيل على الإدارة مواجهتها بالوسائل والطرق العادية.
إن مسألة التناسب تندرج في إطار السلطة التقديرية التي يتمتع بها رئيس الجمهورية في القانون الدستوري الجزائري ،وبموجب مسؤولياته في الدولة ،فهو القائد الأعلى للقوات المسلحة والمسؤول عن العلاقات الخارجية يفترض فيه حتما أن يعرف مصادر الأخطار وطبيعتها وامكانية وقوعها وعلى هذا الساس فهو الذي يقرر أو يعلن الحالات الاستثنائية59 .
$13-ابتغاء المصلحة العامة من التصرف الاستثنائي.
إن شرط المصلحة العامة هو شرط جوهري في كل الأعمال التي تصدر عن الإدارة سواء أكانت الظروف عادية أم استثنائية وان أي عمل تتخذه الإدارة يجب إن يقصد به تحقيق مصلحة عامة وألا  تكون الغاية منه الوصول إلى تحقيق إغراض شخصية ، والإدارة يجب أن تهدف إلى دفع هذه الظروف ومواجهتها للمحافظة على كيان الجماعة وهذا هو الهدف الخاص فإذا ما أخلت الإدارة واستعملت سلطتها الواسعة في أي هدف آخر من أهداف المصلحة العامة كان تصرفها مشوباً بانحراف السلطة.60

الخاتمة:
في ختام هذا البحث نورد أهم النتائج التي انتهينا إليها وهي كما يلي :
$11.  إن تطبيق قواعد المشروعية العادية في ظل الظروف الاستثنائية من شأنه أن يهدد الأمن والنظام العام بأخطار جدية.
$12.يتم تطبق نظرية الظروف الاستثنائية عند وجود خطر جسيم حال يهدد وحدة الأمة وسلامتها ، وعليه يكون لهذه السلطة اتخاذ إجراءات استثنائية لدفع هذا التهديد.
$13.  تعتبر نظرية الظروف الاستثنائية استثناء وقيدا على مبدأ سمو الدستور وخروجا على مبدأ المشروعية.
$14.إن التقييد والالتزام بأحكام الدستور حتى في ظل الظروف الاستثنائية  من خلال شروط التطبيق يفسر ويوضح خوف المشرع من إطلاق يد السلطة التنفيذية في هذا الظرف مما يهدد حقوق الأفراد وحرياتهم وأيضا الخشية من عدم الموازنة والتناسب بين الخطر الذي تسببه هذه الظروف ،والإجراءات المتخذة من طرف السلطة التنفيذية وتأثير كل ذلك على الحقوق والحريات الأساسية.
الهوامش:
[1]- إبراهيم درويش، نظرية الظروف الاستثنائية ،مجلة إدارة قضايا الحكومة ،العدد الرابع، السنه العاشرة ، أكتوبر،1966 ،ص140 .
2- أمير حسن حسام ،نظرية الظروف الإستثنائية وبعض تطبيقاتها المعاصرة،مجلة جامعة تكريت للعلوم     الانسانية،العدد8،ايلول2007،ص14.
3- سليمان الطماوي، القانون الإداري، دار الفكر العربي،ط1 ،1971، ص818.
4- De Laubadere Traité élémentaire de droit administratif , LGDJ, Paris 1992 ,P 224. 
5- بشير صلاح العاوور ،سلطات الضبط الإداري في الظروف الإستثنائية في التشريع الفلسطيني ،رسالة ماجستير ،كلية الحقوق، جامعة الأزهر ،فلسطين،2013،ص77.
6- سليمان الطماوي، المرجع السابق ، ص818.
7- طعيمه الجرف ، مبدأ المشروعية وضوابط خضوع الادارة العامة للقانون ،ط 3، دار النهضة العربية، سنة1976، ص160.
8 -يحي الجمل ، نظرية الضرورة في القانون الدستوري وبعض تطبيقاتها المعاصرة ، دراسة مقارنة ، دار النهضة العربية ، القاهرة ،دون سنة نشر ، ص72.
9-  يفضل القضاء الفرنسي الأخذ باصطلاح الظروف الاستثنائية بينما يأخذ جانب من الفقه بمصطلح الضرورة.ينظر:سامي جمال الدين،لوائح الضرورة وضمانة الرقابة القضائية،منشأة المعارف بالإسكندرية،مصر،1982، ص27.
10- محسن خليل، القضاء الإداري، المرجع السابق، ص70.
11- ابراهيم عبد العزيز شيحا،مبادئ وأحكام القضاء الاداري اللبناني، المرجع السابق ، ص145.
12-Jean Rivero droit administrative. 4em. Edtion paris 1970 p.82.
13- سليمان محمد الطماوي، المرجع السابق، ص70.
14- ابراهيم عبد العزيز شيحا،مبادئ وأحكام القضاء الاداري اللبناني، المرجع السابق ،ص145.
15-  يحي الجمل، المرجع السابق ، ص75.
16- سليمان محمد الطماوي ، المرجع السابق ، ص74.
17- ابراهيم عبد العزيز شيحا،مبادئ وأحكام القضاء الاداري اللبناني ، المرجع السابق ،  ص146.
18- المرجع نفسه ،ص146.
19- عبد الغني بسيوني، ولاية القضاء الاداري على أعمال الادارة ، قضاء الالغاء، منشأة المعارف ،الاسكندرية، 1983، ص235.
20- ماجد راغب الحلو، القضاء الإداري، دار المطبوعات والمعرفة الجامعية ،سنة 1999، ص53.
21- ماجد راغب الحلو، المرجع السابق ، ص53.
22- محمد انس قاسم، الوسيط في القانون الإداري،مطبعة اخوان مورافتي، 1984-1985،ص107.
23- مصطفى أبو زيد فهمي،الوسيط في القانون الإداري،دار المطبوعات الجامعية،المرجع السابق،المرجع السابق ،ص 577 .
24- سامي جمالالدين  ،المرجع السابق ،ص218 .
25-نواف سالم كنعان ،القانون الاداري الأردني،الكتاب الأول،مطابع الدستور التجارية ،عمان،ط3،1996 ،ص53- 52.
26- أحمد مدحت علي، نظرية الظروف الاستثنائية ،دراسة مقارنة في فرنسا ومصر، المرجع السابق ، ص266- 273.
27 - أحمد،الحريات العامة في ظل الظروف الاستثنائية،رسالة ماجستير في القانون العام،كلية الحقوق بن عكنون،جامعة الجزائر،سنة 2004/2005،،ص18
28 - المرجع نفسه،ص19.
29 - www.legifrance.gouv.fr  Loi du 9 août 1849 sur l'état de siège.
- 30L'état de siège ne peut être déclaré qu'en cas de péril imminent pour la sécurité intérieure ou extérieure.
31 - L'état de siège est décrété en Conseil des ministres.Sa prorogation au-delà de douze jours ne peut être autorisée que par le Parlement.
32- سامي جمال الدين، المرجع السابق،325.
33- المرجع نفسه،ص 41.
34- يحيى الجمل،المرجع السابق ،ص 118.
35 - ARTICLE 16.
 Lorsque les institutions de la République, l'indépendance de la nation, l'intégrité de son territoire ou l'exécution de ses engagements internationaux sont menacées d'une manière grave et immédiate et que le fonctionnement régulier des pouvoirs publics constitutionnels est interrompu, le Président de la République prend les mesures exigées par ces circonstances, après consultation officielle du Premier ministre, des présidents des assemblées ainsi que du Conseil constitutionnel. Il en informe la nation par un message. Ces mesures doivent être inspirées par la volonté d'assurer aux pouvoirs publics constitutionnels, dans les moindres délais, les moyens d'accomplir leur mission. Le Conseil constitutionnel est consulté à leur sujet. Le Parlement se réunit de plein droit. L'Assemblée nationale ne peut être dissoute pendant l'exercice des pouvoirs exceptionnels. Après trente jours d'exercice des pouvoirs exceptionnels, le Conseil constitutionnel peut être saisi par le Président de l'Assemblée nationale, le Président du Sénat, soixante députés ou soixante sénateurs, aux fins d'examiner si les conditions énoncées au premier alinéa demeurent réunies. Il se prononce dans les délais les plus brefs par un avis public. Il procède de plein droit à cet examen et se prononce dans les mêmes conditions au terme de soixante jours d'exercice des pouvoirs exceptionnels et à tout moment au-delà de cette durée.
36- سعد عصفور ، النظام الدستوري المصري ، منشأة المعارف ،الاسكندرية ،1980 ، ص 97 – 98.
37 -www.conseil-constitutionnel.frla Constitution du 4 octobre 1958
38- سامي جمال الدين،المرجع السابق ،ص 114.
39 - يحيى الجمل ، المرجع السابق ،ص 139.
40- المرجع نفسه، ص 138
41- سامي جمال الدين  ، المرجع السابق ، ص 117.
42- عبد الغني بسيوني ، المرجع السابق ،ص45.
43 - يحيى الجمل ،المرجع السابق ،ص 16.
44- سامي جمال الدين ،المرجع السابق،ص 169.
45- عبد الغني بسيوني، المرجع السابق ، ص49.
46- يحي الجمل، المرجع السابق ، ص134.
47- سامي جمال الدين،المرجع السابق ،ص150.
48- يحي الجمل ، المرجع السابق ، ص138.
49- سامي جمال الدين،المرجع السابق ، ص161.
50- ابراهيم عبد العزيز شيحا، المرجع السابق ،  ص346.
51- georges burdeau, droit constitutionnel et  institutions politiques,paris, L.G.D.J., 17ed, p,495
52- سامي جمال الدين ، المرجع السابق ، ص 181.
53- سحنين أحمد،الحريات العامة في ظل الظروف الاستثنائية ،المرجع السابق،ص50 ومابعدها.
54- المادة 93 من دستور 1996،ج ر ،رقم76،المؤرخة في 8 ديسمبر 1996.
55- تميمي نجاة،حالة الظروف الاستثنائية وتطبيقاتها في الدستور الجزائري،رسالة ماجستير،فرع الإدارة والمالية،كلية الحقوق والعلوم الإدارية ،جامعة الجزائر،سنة2002/2003 ،ص57.
56 - قراءة تحليلية للنصوص القانونية المنظمة لحالتي الحصار والطوارئ،ومدى تأثيرهما على الحقوق والحريات في الجزائر،مقال للدكتور غضبان مبروك والأستاذة غربي نجاح ،مجلة الفكر،العدد العاشر،كلية الحقوق والعلوم السياسية،جامعة محمد خيضر،بسكرة،ص17.
57 - سحنين أحمد،الحريات العامة في ظل الظروف الاستثنائية ،المرجع السابق،ص50.
58- أمير حسن جاسم،المرجع السابق،ص243 وما بعدها.

نظرية الظروف الإستثنائية وضوابطها في القانون الدستوري الجزائري  
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى