ماهية البحث العلمي ومناهجه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ماهية البحث العلمي ومناهجه

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 06 أغسطس 2017, 10:50

ماهية البحث العلمي ومناهجه

        يمثل البحث العلمي ضرورة حياتية سواءً في حياة الأفراد أم في حياة الدول. فبالعلم تنهض أمم ودول وبالعلم أيضاً تُباد دول. والوصول إلى العلم والانتفاع به أمر يستوجب البحث عنه، وتسخير كل الإمكانيات البشرية والمادية لخدمة هذا الهدف.  
 وحتى تتضح ماهية البحث العلمي، يستلزم أن نلقي الضوء على مفهوم البحث العلمي أو معناه، وكذلك على أهميته وغايته، ثم أنواعه، وأخيراً مناهجه.
       وهذا ما سوف نبينه في هذا الفصل من خلال تقسيمه إلى ثلاثة مباحث، كمايلي:
                      المبحث الأول: مفهوم البحث العلمي وأهميته
                      المبحث الثاني: أنواع البحث العلمي
                      المبحث الثالث: مناهج البحث العلمي

                      المبحث الأول: مفهوم البحث العلمي وأهميته
                            
المطلب الأول
مفهوم البحث العلمي

         إن عبارة " البحث العلمي" عبارة مركبة من كلمتين " البحث " و " العلمي " ، فما المراد بكل منهما؟
 كلمة " البحث " تأتي في اللغة العربية من الفعل بحث وبحث عن الشيء طلبه وفتش عنه أو سأل عنه واستقصى. و " بحث الأمر " أو " بحث فيه " اجتهد فيه وتعرف حقيقته([1]).
 وعلى ذلك فإن البحث يعني التفتيش والتنقيب عن مسألة معينة حتى يتبين حقيقتها على أي وجه كان.
       ولا يخرج تعريف البحث كاصطلاح عن معناه اللغوي، فهو أيضاً في المصطلح يعني بذل المجهود الذهني في التحري، أو التفتيش، أو التتبع، أو الدراسة، أو التقصي، عن مسألة أو أمر معين، بقصد التعرف على حقيقته وجوهره([2]).
 أما كلمة " العلمي " فهي " صفة " للبحث منسوبة إلى العلم، و " العلم " من الفعل الماضي " علم " أو " تعلم " وتعلم الأمر عرفه وأتقنه.
  و " العلم " اسم، وهو إدراك الشيء بحقيقته، والعلم المعرفة([3]). وهذه المعرفة لا تتأتى إلا عن طريق الفهم أو التنبؤ وربط الأسباب بالمسببات، وعلى ذلك فإن العلم هو مجموع مسائل وأصول كلية تدور حول موضوع واحد، وتعالج بمنهج معين، وتنتهي إلى بعض النظريات والقوانين، كعلم الزراعة، وعلم الفلك، وعلم الطب، وعلم القانون وغيرها([4]).
         والتفاعل بين كلمتي " البحث " و " العلمي " يقود إلى تعريف البحث العلمي، لذلك ذهب البعض إلى تعريف البحث العلمي بأنه " إعمال الفكر وبذل الجهد الذهني المنظم حول مجموعة من المسائل أو القضايا، بالتفتيش والتقصي عن المبادئ أو العلاقات التي تربط بينها، وصولاً إلى الحقيقة التي يبنى عليها أفضل الحلول لها "([5]).
         وعرف أيضاً بأنه " أسلوب يهدف إلى الكشف عن المعلومات والحقائق والعلاقات الجديدة والتأكد من صحتها مستقبلاً بالإضافة إلى تطوير وتعديل المعلومات القائمة والوصول إلى الكلية أو العمومية، أي التعمق في المعرفة العلمية والكشف عن الحقيقة والبحث عنها، وكذلك يهدف إلى الاستعلام عن صورة المستقبل أو حل لمشكلة معينة، من خلال الاستقصاء الدقيق والتتبع المنظم الدقيق والموضوعي لموضوع هذه المشكلة، ومن خلال تحليل الظواهر والحقائق والمفاهيم "([6]).
       وقريب من ذلك دارت التعريفات الأخرى للبحث العلمي، ومن ذلك ما ذهب إليه البعض من أنه " التقصي المنظم، وبإتباع أساليب ومناهج علمية محددة للحقائق العلمية، بقصد التأكد من صحتها، أو تعديلها، أو إضافة الجديد لها "([7]).
      أو هو الذي يهدف إلى " البحث عن الحقيقة ، بمحاولة معرفة حقائق لم تكن معروفة من قبل أو استكمال حقائق عرف بعضها "([8]).
     أو هو " التنقيب عن حقيقة ابتغاء إعلانها دون التقيد بدوافع الباحث الشخصية أو الذاتية، إلا بمقدار ما يفيد في تلوين البحث بطابع الباحث وتفكيره ويعطيه من روحه التي تميزه عن غيره "([9]).
  ذلك هو مفهوم البحث العلمي، ولعل في التعرف على أهمية البحث العلمي وغايته ما يساهم في جلاء ذلك المفهوم.

المطلب الثاني
أهمية البحث العلمي

         يهدف البحث العلمي، أياً كان ميدانه، إلى تكوين المعرفة التي هي خلاصة التفكير العلمي.
 والمعرفة هي مجموعة المعلومات التي يتمخض عنها البحث العلمي، والتي لها القابلية لوصف وتفسير الظواهر والأحداث، وكذلك التنبؤ بما سيقع تحت ظروف معينة.
     كما أن المعرفة قد تكون اختراع جديد، أو اكتشاف مجهول، أو تكميل نقص، أو تفصيل مجمل، أو تعيين مبهم، أو تصحيح خطأ([10]).
 وإذا كان البحث العلمي يمثل ضرورة حياتية للبشرية، إذ به يستطيع الإنسان أن يسيطر على ما وهبه الله إليه من نعم في هذه الأرض أثناء حياته فيها، فإنه بالنسبة للدول في العصر الحديث يعتبر ضرورة وحياة وشرطاً أساسياً للاستمرار والتقدم.
       وعلى ذلك فإن استثمار الدول في البحث العلمي يقوي بنيانها ويزيد من نفوذها على المستوى الدولي، فأصبحت قوة الدولة تقاس بمدى قدرتها العلمية ومدى مهارتها في مواجهة تحديات العصر.
 ولقد يسر العلم والبحث العلمي لدول صغيرة في المساحة والسكان أسباب القوة والتقدم والرفعة والنفوذ([11]).
 وإلى جانب تكوين المعرفة، كغاية، تبدو أهمية البحث العلمي في عدة أمور([12]):
  1ـ تنمية روح الاستنتاج العقلي، وحضور البديهة، وإذكاء روح البحث والابتكار والإبداع لدى الباحثين. فالتقليد أو الجمود هو في أساسه تحنيط للعلم، ولا خير في أبحاث تنفصل عن مجتمعها.
  فالبحث العلمي سواء تعلق بالعلوم الطبيعية أم بالعلوم الإنسانية، يجب أن يهتم بمشاكل المجتمع وإيجاد حلول مناسبة لها، بعد دراستها دراسة مستفيضة تشمل جميع أبعادها.
  2ـ تكوين الشخصية العلمية القادرة على التفكير المستقل، والنقد الحر والمنطق السليم والمنظم.
  3ـ رفع الكفاءة على حسن التعبير عن الفكر الذاتي وأفكار الغير، بأسلوب صياغي منتظم وصحيح.
  4ـ اكتشاف الظواهر الطبيعية، ومحاولة فهمها، ومعرفة أسبابها، والسيطرة عليها، والتحكم في بعض العوامل الأساسية التي تسبب ظاهرة أو حدثاً معيناً، وكذلك إمكانية التنبؤ بحدوث تلك الظواهر.
 هذا فضلاً عن المردود الذي تحققه البحوث العلمية في الميادين العلمية والاقتصادية والاجتماعية.
 
------------------
 (1) المعجم الوجيز، إصدار مجمع اللغة العربية بمصر، ط 1993، ص 37.
 (2) د. أحمد عبد الكريم سلامة، الأصول المنهجية لإعداد البحوث العلمية، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة، 1999، ص 13.
 (3) المعجم الوجيز، ص 432.
 (4) د. أحمد عبد الكريم سلامة، المرجع السابق، نفس الموضع.
 (5) د. أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سبق ذكره، ص 14.
 (6) د. زين بدر فراج، أصول البحث القانوني، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000، ص 19.
 (7) د. غازي عناية، إعداد البحث العلمي، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، بلا تاريخ نشر، ص 12.
 (Cool د. حسين عبد الحميد رشوان، ميادين علم الاجتماع ومناهج البحث العلمي، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 1992، ص 119.
 (9) د. جودت الركابي، منهج البحث الأدبي في إعداد الرسائل الجامعية، دار ممتاز للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، 1992، ص 11.
 ويضيف الدكتور الركابي: " ولكن مع وجود هذه الصفة المميزة التي يستمدها البحث من كاتبه، نقول بكل صراحة وتأكيد إن البحث العلمي
 يجب أن يكون منزهاً عن الهوى الذاتي، ويجب أن تكون غايته الظفر بالحقيقة واكتشافها سواء اتفقت مع ميول الباحث أم لم تتفق ". انظر:
 د. جودت الركابي، المرجع السابق، نفس الموضع.
 (10) د. أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سبق ذكره، ص 15 وما بعدها.
 (11) د. جابر جاد نصار، أصول وفنون البحث العلمي، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002، ص15 وما بعدها.
 (12) د. أحمد عبد الكريم سلامة، المرجع السابق، ص 16 وما بعدها، ود. جابر جاد نصار، المرجع السابق، ص 19 وما بعدها.

avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ماهية البحث العلمي ومناهجه

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 06 أغسطس 2017, 10:57

 المبحث الثاني: أنواع البحث العلمي



تتعدد أنواع البحوث العلمية بتعدد الزوايا التي يمكن النظر إليها منها، ويمكن تقسيم البحوث بحسب طابعها، ومجالها، ومستواها التأهيلي.

المطلب الأول
تقسيم البحوث العلمية من حيث الطابع العام

 تنقسم البحوث العلمية من حيث طابعها العام، إلى نوعين:
 1ـ البحث العلمي النظري: وهو الذي يتفق مفهومه مع مفهوم البحث العلمي عموماً. فإذا كان هذا الأخير يعني الدراسة الفكرية الواعية والمنظمة لظاهرة أو مسألة معينة بقصد الوصول إلى معرفة محددة حولها، فإن البحث العلمي النظري هو ذلك الذي يرمي إلى الوصول إلى المعرفة من أجل المعرفة فقط. فغرض الباحث هو الإحاطة بالحقيقة العلمية، وتحصيلها، دون اهتمام بالتطبيقات العملية لها.
       وتجد هذه الأبحاث مجالها في ميدان العلوم الإنسانية المختلفة: كالفلسفة والمنطق، والتاريخ، وعلم الاجتماع، واللغويات والأدب، وعلوم الدين، والقانون.
      غير أن الطابع النظري للبحث العلمي، لا يجرده من كل قيمة، بل يستمد قيمته من المعرفة التي تم كشفها أو تحديد معالمها، فذلك يشكل ـ بحد ذاته ـ إضافة جديدة إلى التراث الإنساني. كما تكمن قيمة البحث النظري في إثارة مشكلة من مشكلات العلم وعرضها عرضاً جيداً، والكشف عن أصولها، ووصف الظروف الخاصة بها، بقصد تشخيص أوضاعها، وتقرير ما ينبغي أن تكون عليه([1]).
 2ـ البحث العلمي التطبيقي العملي: ولا يقتصر هدفه على الوصول إلى المعرفة أو الحقيقة العلمية فقط، بل يتجاوز ذلك إلى تطبيق تلك المعرفة.
  وتبدو أهمية البحوث العلمية التطبيقية في تطوير الصناعات المختلفة وزيادة الإنتاج وتحسين نوعيته، في كافة المجالات.
   ويتطلب هذا النوع من البحوث إنفاق أموال كثيرة، إلا أن مردود هذه الأموال سواء المباشر أم غير المباشر كبير جداً.
 وتتميز الدول المتقدمة باهتمامها بهذا النوع من البحوث، فضلاً عن قدرتها الهائلة على تسويق نتائجها والاستفادة منها. ولذلك فلا عجب أن نجد هذه الدول تحرص على خطف العقول والباحثين من دول العالم الثالث، وإغرائهم بشتى الوسائل حتى تستفيد منهم، مستغلة في ذلك الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها هذه الدول.
      وعلى العكس فإن فاعلية هذه البحوث في دول العالم الثالث، ما زالت متواضعة إلى حد كبير. فمن ناحية أولى: يعاني الباحثون في هذه الدول من قلة الإمكانيات المرصودة لهذه الأبحاث، وتخلف تكنولوجيا البحث، الأمر الذي يؤدي إلى تواضع نتائج هذه البحوث.
   ومن ناحية ثانية: فإن هذه الدول لم تنجح بالصورة الكافية في ربط خططها البحثية باحتياجاتها الفعلية في المجالات المختلفة سواء الصناعية أو التجارية أو الزراعية أو غيرها من المجالات.
  وتعتمد البحوث العلمية التطبيقية على المنهج التجريبي في البحث، والذي يقوم على الملاحظة، وفرض الفروض، والتجربة للتأكد من صحة هذه الفروض، ثم تطبيق نتائجها على المجالات المختلفة.
            ومن أهم مجالات هذه البحوث: الكيمياء، والفيزياء، والرياضيات، والهندسة، والزراعة، والعلوم الطبيعية، والطب...([2]).

المطلب الثاني
تقسيم البحوث العلمية من حيث المجال أو الحقل العلمي

 تتنوع البحوث العلمية حسب مجال المعرفة العلمية التي تجري في نطاق تلك البحوث، ويمكن أن نميز بين عدة أنواع:
 1ـ البحوث القانونية:
وهي تلك التي تنصب على إحدى المشكلات القانونية في مختلف فروع القانون، بقصد الوصول إلى تصور حل مقبول وملائم لها. كالبحوث التي تدور حول: المسؤولية المدنية والجنائية للأطباء والجراحين، وقف تنفيذ القرارات الإدارية، الحماية القانونية لبرامج الحاسب الآلي، تنازع القوانين في مجال نقل التكنولوجيا، الحماية الجنائية للبيئة...
 2ـ البحوث الأدبية:
 وهي التي تتناول موضوعات الشعر، والأدب، والقصة والرواية، والنحو والصرف، والبلاغة، والمذاهب الأدبية الكبرى، كالمذهب الكلاسيكي، أو الرومانسي، أو الرمزي في الشعر..
 3ـ البحوث التربوية والنفسية:
 وهي التي تنصب على سلوك الكائن الحي، بقصد تفسيره، والتنبؤ بحدوثه في ظروف معينة، وكيفية تطبيق قواعد علم النفس على مختلف المجالات، كعلم النفس التربوي، والاجتماعي، والإعلامي، والبيئي...
 4ـ بحوث البيولوجيا:
 وهي البحوث التي يكون موضوعها الحياة، المتمثلة في الخلايا، وفي الأجهزة التي يتكون منها الكائن الحي، وتتركز تلك البحوث حول مشكلات علمية أساسية هي: علم الأجنة، علم الوراثة، علم الطب.
 
المطلب الثالث
تقسيم البحوث العلمية من حيث الغاية التأهيلية والأكاديمية

 نذكر أنواع البحوث التالية:
 1ـ البحوث التدريبية أو الصفية:
 وهي البحوث التي تعد أثناء الدراسة في الجامعات أو المعاهد العليا، وهي بحوث قصيرة يطلبها الأستاذ في أحد المواد لتشجيع الطالب على الاستزادة من منابع العلم بطريقة منهجية. فليس المقصود من هذه البحوث أن يصل الباحث إلى أفكار مبتكرة أو إضافة للعلم، بقدر ما يكون المقصود هو السيطرة على المعرفة المسجلة في موضوع معين.
       إن الهدف هنا هو أن يتعود الطالب على التعمق في الدراسة، في موضوع محدد، لكي لا يكون سطحياً في تفكيره([3]).
  هذا ويكلف الطالب بإعداد البحث التدريبي لتحقيق الأغراض الأساسية التالية([4]):
  1ـ تعويد الطالب على التفكير والنقد الحر.
  2ـ تدريب الطالب على حسن التعبير عن أفكاره وأفكار الآخرين بطريقة منتظمة واضحة وصحيحة.
  3ـ إظهار كفاءة الطالب في مجالات و موضوعات، لم يتناولها الأستاذ في المادة الدراسية بتوسع وتغطية شاملة.
  4ـ التعرف على كيفية استخدام المكتبة، سواء من ناحية التصنيف أو الفهارس أو المراجع ومصادر المعلومات العامة أو المتخصصة.
  5ـ الإفادة من جميع مصادر المعلومات بالمكتبة ، أو خارجها، في تجميع المواد المتعلقة بموضوع معين واكتشاف حقائق إضافية عنه.
  6ـ تنمية قدرات الطالب ومهاراته في اختيار الحقائق والأفكار المتعلقة بصفة مباشرة بموضوع معين، وذلك من بين المواد المكتبية المتوفرة.
  7ـ تنظيم المواد المجمعة وتوثيقها، وحسن صياغتها، ثم تقديمها بلغة سليمة وبطريقة منطقية واضحة.
   8 ـ تدريب الطالب على أصول التعامل مع الأستاذ المشرف.
 وكلما نمت لدى الطالب هذه الخبرات والمهارات، أثناء دراسته الجامعية، كلما زادت فرص إسهام الطالب الإيجابية، في مجتمعه، بعد التخرج واستطاع أن يواصل دراسته العليا ـ إذا أراد ـ بغير عناء كبير.
      إن البحث التدريبي قد يكون عشر صفحات وقد يتعداه إلى أربعين صفحة مثلاً، ولكنه يمثل بداية منطقية للتدريب على إعداد رسالة الماجستير.
 وتنص اللوائح الداخلية للكليات النظرية، لا سيما كليات الآداب، والتربية، على ضرورة قيام الطلاب بها، بإعداد البحوث التدريبية. ويمكن اعتماد درجة هذه البحوث في ( أعمال السنة ).
    وتقرر هذه البحوث بالنسبة لطلبة الدراسات العليا في كليات الحقوق المصرية، كمقرر دراسي هو ( حلقة البحث )، وهو من المقررات المطلوبة للحصول على دبلوم الدراسات العليا. وفي هذه الحالة يختلف هذا البحث عن نوع آخر من البحوث وهو بحث الماجستير.
  2ـ بحث الماجستيرSad أو الماستر)
 الماجستير درجة علمية تمنحها الجامعات في إطار التنظيم الذي يضعه قانون الجامعات في كل دولة.
 وفي سوريا ينظم الحصول على درجات الدراسات العليا، قانون تنظيم الجامعات رقم 6 لعام 2006 ولائحته التنفيذية الصادرة بالمرسوم رقم 250 تاريخ 10 / 7 / 2006.
       وتمنح درجة الماجستير لمن سبق له الحصول على درجة الإجازة في أي فرع من فروع الدراسات النظرية أو التطبيقية، بعد تحقيقه لشروط معينة نص عليها القانون([5]). 
         ولما كانت درجة الماجستير لا تمنح إلا بعد قيام الطالب بدراسات في مقررات علمية تخصصية وعالية المستوى، فإن بحث الماجستير ـ لا سيما في الدراسات النظرية والأدبية ـ يكون بحثاً تخصصياً معمقاً، لا بد فيه، وعلى العكس من البحث التدريبي الصفي، من إتباع الأصول العلمية المعروفة في إعداد البحوث، بقصد تحقيق إضافة ومعرفة علمية جديدة، من خلال استعمال مناهج البحث العلمي، واستعمال التفكير المنطقي التأملي، والتعمق في فهم الظواهر والأحداث.
        وليس المهم في بحث الماجستير، جمع الكثير من المعلومات والبيانات، بل المهم هو كيفية فهمها وعرضها ونقدها وتحليلها ومناقشتها، من خلال فكر الباحث وإبداعه العقلي، ومن عرضه وتدوينه لما أتى به من إضافات إلى المعرفة العلمية، بحيث تعكس شخصية الباحث ودوره الإيجابي في التوصل إلى النتائج ومعاملتها وفهمها، ومن ثم التحكم في الظواهر وتفسيرها.
 3ـ بحث الدكتوراه:
 تأتي الدكتوراه في قمة الدرجات التي تمنح عن البحوث العلمية. وكما تنص العديد من قوانين تنظيم الجامعات، فإن الدكتوراه تقوم أساساً على البحث والإبداع، والأعمال الإنشائية البارزة، وإضافة الجديد إلى المعارف والعلوم، إذ المفروض أن يبدأ الباحث فيها من حيث انتهى غيره، ليسير بالعلم خطوة أخرى نحو الأمام([6]).
       وعلى خلاف بحث الماجستير، فإن بحث الدكتوراه يكون أكثر عمقاً وأصالة،وأكثر دلالةً على سعة إطلاع الباحث، ومقدرته على استخدام المناهج العلمية في البحث.
  إن قيمة بحث الدكتوراه تقاس بعدة أمور منها:
        مقدار ما يضيفه إلى المعرفة العلمية والإنسانية، ومنها مقدار ما يحققه من تأهيل وتكوين الشخصية العلمية الجادة للباحث على نحو يجعله يخرج أعمالاً علمية رفيعة دون أن يحتاج إلى من يشرف عليه أو يوجهه، ومنها الوثوق به كباحث متخصص يتحمل مسؤولية المساهمة في النهضة العلمية لمجتمعه في ميدان عمله.
 فباحث الدكتوراه لا بد أن يتمتع بالفكر الخلاق المبدع، والصبر على صعوبات البحث وعقباته، كي يستطيع أن يدافع عن نظريته الجديدة أو اعتقاده الذي توصل إليه([7]).
      ويمكن أن نجزم هنا أن رسالة الدكتوراه الناجحة يجب أن ترتكز على مجموعة من الدعائم هي:
  أ ـ القراءة الواسعة، بحيث يلم الباحث بجميع ما كتب عن موضوعه من بحوث مهمة، ولا شك أن موقفه سيكون حرجاً لو واجهه الممتحنون بمعلومات فاتته كان من الواجب أن يطلع عليها، بحيث لو أنه اطلع عليها لغيرت مجرى بحثه أو لأضافت إليه إضافات جديدة أو قادته إلى نتائج أخرى.
 ب ـ الدقة التامة في فهم آراء الغير، وفي نقل عباراته، فكثيراً ما يقع الباحث في أخطاء جسيمة بسبب سوء الفهم أو الخطأ في النقل.
 ج ـ عدم الأخذ بآراء الآخرين على أنها حقائق مسلم بها، فكثير من الآراء بني على أساس غير سليم، وميزان النقد والتحليل والتمحيص هو الكفيل ببيان الصحيح منها، ولهذا يجب على الباحث ألا يقر رأياً إلا بعد دراسته والتأكد من صحته.
 د ـ أن تكون أقوال الباحث مؤيدة بالحجج والبراهين، وأسلوبه قوي التأثير، بحيث تجذب الرسالة ذهن القارئ بما فيها من مادة مفيدة مرتبة، كتبت بأسلوب طلي، بحيث يظل القارئ منجذباً لها متعلقاً بها طيلة قراءته لها، لوضوحها وتسلسلها وبعدها عن التداخل والاضطراب والإبهام.
 4 ـ أنواع أخرى من الكتابات البحثية:
 فضلاً عن أنواع البحوث السالف ذكرها، فإن هناك بعض الكتابات والأعمال التي تتخذ من مناهج البحث العلمي أساساً في إنجازها، مما يقربها من البحوث العلمية، وإن لم تكن بذاتها بحوثاً بالمعنى الفني. من ذلك:
 أولاًـ التقارير: وهي عبارة عن تجميع وعرض لمعلومات وبيانات أو وقائع معينة، أو مناقشات أعمال مؤتمر علمي أو دبلوماسي، وإيضاح للتوصيات. وليس هناك ما يمنع من إتباع بعض أصول البحث العلمي في إعداد تلك التقارير، من ناحية التمهيد لها بمقدمة، وتحديد هدف لإعداد التقرير، وترتيب توصيات المؤتمر أو الندوة، وتذييله بخاتمة.ومع ذلك لا يمكن أن نطلق عليه بحث علمي حقيقي، نظراً لتخلف الأصالة والاستقلال في مادته، وانعدام المجهود الفكري لمعد التقرير في اختيار موضوع التقرير، ودراسته، واقتراح الحلول لمشكلته([8]).
 ثانيا ـ المقالات: الأصل في المقالة، سواء نشرت في دورية أو مجلة علمية، أو جريدة يومية، أنها تقتصر على عرض معلومات علمية في مجال معرفي معين، دون التزام كاتبها بتقديم جديد في موضوعها. كما أنه غير ملتزم بأصول وأساسيات البحث العلمي من حيث التخطيط للبحث، وتقسيمه، وتوثيقه، وعرض التوصيات والمقترحات.
       غير أنه غالباً ما تجيء المقالات، لا سيما التي تتناول موضوعات علمية وأكاديمية، ويكون كاتبها أو مؤلفها من الأكاديميين المتخصصين، في هيئة بحث قصير أو موجز، يعنى فيه بإتباع منهج البحث العلمي، وأصوله فيتناول عرض مشكلة محددة جديدة، تشغل اهتماماً عاماً، ويقترح فيها معدها حلولاً تتميز بالأصالة والاستقلال، وتعد إضافة وإثراء للمعارف والعلوم.   
--------------
 (1) د. أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سبق ذكره، ص 24 وما بعدها.ويذهب الدكتور جابر جاد نصار إلى نفس الرأي حيث يعتبر أن " البحوث المتعلقة بالعلوم الإنسانية وإن كانت نظرية، إلا أن هذا لا يعني أن تكون مجرد مناظرات ومجادلات هي في حقيقتها دخان في الهواء لا تؤثر في واقع المجتمع. بل يجب أن تكون بحوثاً قابلة للتطبيق تواجه مشكلات قائمة، تقترح حلولاً لها ممكنة التطبيق ".
 انظر: د. جابر جاد نصار، مرجع سبق ذكره، ص 26.
 (1) يرى د. جابر جاد نصار أن ( البحث النظري والبحث التطبيقي ) هما جناحان متكاملان ضروريان لنهضة المجتمع وتطوره. وأن الاهتمام بأحدهما دون الآخر لا يؤدي إلى النتائج المرجوة في المجتمع.
 فالتقدم في أحد المجالين دون الآخر تبدو معه نهضة المجتمع وكأنها تسير على ساق واحدة. وهو الأمر الذي تعاني منه الدول النامية، إذ أن البحوث العلمية التي تتعلق بالعلوم التطبيقية كالفيزياء والكيمياء، تعاني من فقر الإمكانيات وقلة الاعتمادات المالية لشراء الأجهزة وتجهيز المختبرات، مما أضحت معه هذه البحوث غير مجدية. وفي ظل واقع كهذا فإن التقدم في الجناح الثاني أي في البحوث المتعلقة بالعلوم الإنسانية يظل ناقصاً وغير مجد. انظر: د. جابر جاد نصار، المرجع السابق، ص 26 ـ 27.
(2) د. سيد هواري، دليل الباحثين في إعداد البحوث العلمية، مكتبة عين شمس، القاهرة، 2004، ص 2.
(3) د. أحمد بدر، أصول البحث العلمي ومناهجه، ط 6، وكالة المطبوعات وعبد الله حرمي، الكويت، 1982، ص 194.
(4) نظمت اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات السورية الصادرة بالمرسوم رقم 250 تاريخ 10 / 7/ 2006، درجة الماجستير، في المواد 142 ـ 145.
 تنص المادة / 142 / على أنه: يشترط لقيد الطالب لدرجة الماجستير:
 أ ـ أن يكون حاصلاً على درجة الإجازة في فرع الاختصاص الذي يحدده النظام الخاص بالدراسات العليا في الكلية بتقدير جيد على الأقل من إحدى جامعات الجمهورية العربية السورية، أو على درجة معادلة لها من كلية أو معهد عالٍ معترف بهما من مجلس الجامعة وفق القواعد التي يضعها مجلس التعليم العالي.
 ب ـ أن يجتاز بنجاح امتحاناً باللغة الأجنبية وفق الشروط التي يضعها مجلس التعليم العالي.
 المادة / 143 / أ ـ يحدد مجلس التعليم العالي قواعد المفاضلة بين المتقدمين من السوريين ومن في حكمهم للقيد لدرجة الماجستير شريطة ألا يتجاوز عدد المقبولين سنوياً في كل اختصاص في قسم معين ثلاثة أمثال عدد أعضاء الهيئة التدريسية في هذا القسم.
 ب ـ يحدد بقرار من رئيس الجامعة قبول عدد من الطلاب العرب والأجانب يحدده مجلس التعليم العالي، ويضع هذا المجلس قواعد المفاضلة لهذه الفئة من الطلاب.
 المادة / 144 / مدة الدراسة لنيل درجة الماجستير سنتان على الأقل.
 المادة / 145 / 1 ـ يشترط لحصول الطالب على درجة الماجستير:
  أ ـ أن يتابع الدراسة وينجح في جميع امتحانات المقررات التي يحددها النظام الخاص بالدراسات العليا في الكلية خلال مدة لا تقل عن المدة الدنيا ولا تزيد عن المدة القصوى المحددة فيه.
 ب ـ  أن يعد بحثاً بعد نجاحه في جميع المقررات، في موضوع يقره مجلس الجامعة بناءً على اقتراح مجلس القسم المختص وموافقة مجلس الكلية على ألا يقل مدة إعداد البحث عن سنة من تاريخ موافقة مجلس الجامعة على تسجيل موضوع البحث ولا يجوز أن تزيد =    =المدة القصوى التي يقيد فيها الطالب لتقديم رسالة الماجستير عن ثلاث سنوات، وإلا ألغي قيده وشطب تسجيل بحثه. ولمجلس الجامعة الإبقاء على القيد لمدة سنة أخرى في بعض الظروف التي يقررها المجلس بناءً على تقرير الأستاذ المشرف وموافقة مجلسي القسم والكلية.
 ج ـ  أن يقدم بنتائج بحثه رسالة تقبلها لجنة الحكم بعد مناقشة علنية..... 
(5) نظمت اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات السورية، الصادرة بالمرسوم رقم 250 تاريخ 10 / 7 / 2006، درجة الدكتوراه، في المواد 146 ـ 147.
 تنص المادة / 146 / على أنه: يشترط لقيد الطالب لدرجة الدكتوراه:
 أ ـ أن يكون حاصلاً على درجة الماجستير في فرع الاختصاص الذي يحدده نظام الدراسات العليا الخاص بالكلية من مرتبة جيد على الأقل، من إحدى الجامعات في الجمهورية العربية السورية، أو من كلية أو معهد عالٍ معترف بهما من مجلس الجامعة.
 ب ـ أن يجتاز بنجاح امتحاناً باللغة الأجنبية يحدد شروطه مجلس التعليم العالي.
 ج ـ يضع مجلس التعليم العالي بالنسبة لأقسام اللغات الأجنبية شروطاً إضافية لإثبات المقدرة اللغوية.
 المادة / 147 /: يشترط لحصول الطالب على درجة الدكتوراه:
 أ ـ أن يعد بحثاً مبتكراً في موضوع يحدده مجلس الجامعة بناءً على اقتراح مجلس القسم وموافقة مجلس الكلية المختص لمدة سنتين على الأقل من تاريخ موافقة مجلس الجامعة على القيد لدرجة الدكتوراه. ولا يجوز أن تزيد المدة التي يقيد فيها الطالب لتقديم رسالة الدكتوراه على أربع سنوات، وإلا ألغي قيده وشطب تسجيل بحثه. ولمجلس الكلية الإبقاء على القيد لمدة سنة خامسة في بعض الظروف التي يقدرها بناءً على تقرير الأستاذ المشرف وموافقة مجلس القسم.
 ب ـ أن ينشر بحثين يتعلقان بموضوع رسالته في مجلة علمية متخصصة أو يحصل على موافقة المجلة على نشرهما.
 ج ـ أن يقدم بنتائج بحثه رسالة تقبلها لجنة الحكم وأن يؤدي فيها مناقشة علنية.
 (6) د. أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سبق ذكره، ص 31. ود. سيد هواري، مرجع سبق ذكره، ص 3.
 (7) د. أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سبق ذكره، ص 32.


avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ماهية البحث العلمي ومناهجه

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 06 أغسطس 2017, 11:01


المبحث الثالث: مناهج البحث العلمي



      يرجع الأصل اللغوي لكلمة " منهج " إلى الفعل " نهج " وينتهج نهجاً، ونهج الطريق، أي بينه وسلكه. ونهج نهج فلان، سلك مسلكه، والمنهاج الطريق الواضح والخطة المرسومة([1]).
        وفي الاصطلاح، يعرف المنهج بأنه " الطريق المنظم الذي يسلكه العقل والتفكير الإنساني في دراسته مشكلة أو موضوعاً، في مجالات العلوم عموماً، بقصد الوصول إلى الهدف المرسوم، سواء تمثل في التعرف على المبادئ والقواعد التي تحكم الظواهر والقضايا العامة، أو في إيجاد حل لما تفرزه تلك الأخيرة من مشكلات([2]).
         وهناك منهجان أصليان للبحث في مختلف العلوم، هما المنهج الاستقرائي والمنهج الاستنباطي، ويحتاجان أحياناً إلى منهجين تكميليين، هما المنهج التاريخي والمنهج المقارن.
 وعلى ذلك، سنقوم بدراسة هذا المبحث من خلال تقسيمه إلى المطالب التالية:
المطلب الأول: المنهج الاستقرائي
المطلب الثاني: المنهج الاستنباطي
المطلب الثالث: المنهج التاريخي
المطلب الرابع: المنهج المقارن

المطلب الأول
المنهج الاستقرائي

        يهتم هذا المنهج باستقراء الأجزاء ليستدل منها على حقائق تعم على الكل، باعتبار أن ما يسري على الجزء يسري على الكل. فجوهر المنهج الاستقرائي هو الانتقال من الجزئيات إلى الكليات أو من الخاص إلى العام([3]).
 والاستقراء هو الطريق نحو تكوين المفاهيم والوصول إلى التعميمات، عن طرق الملاحظة ودراسة الفروض والبراهين وإيجاد الأدلة.
       والمنهج الاستقرائي معروف بهذا الاسم في مجال العلوم الطبيعية، وبعض العلوم الاجتماعية كعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع. وفي مجال العلوم القانونية، يعبر عن المنهج الاستقرائي عادةً بالمنهج التأصيلي.ولعل أهم مجالاته ما يتعلق باستقراء اتجاهات أحكام القضاء في موضوع معين لبيان القاعدة التي تحكم الموضوع.  
       ومن تطبيقات هذا المنهج في إطار القانون العام مثلاً ما يتعلق بموقف أحكام القضاء المصري من فكرة الرقابة على دستورية القوانين:
   فقد اتجهت أحكام القضاء المصري في غالبها إلى الإقرار بأحقيته في البحث في دستورية القوانين متى دفع أمامه بذلك. صحيح أن هناك أحكاماً أخرى ترددت في هذا الأمر إلا أنه في النهاية توحد اتجاه القضاء نحو إقرار حقه في البحث في دستورية القوانين.
      وهو الأمر الذي استقر عليه الفقه والقضاء في نهاية الأمر، مما أدى إلى تدخل المشرع بالقانون رقم 81 لسنة 1969 لتنظيم القضاء الدستوري في مصر بإنشاء المحكمة العليا([4]).
    فكأن المنهج الاستقرائي، أو في مفهوم القانون المنهج التأصيلي، يمر فيه الباحث بعدة مراحل:
  مرحلة تقصي وفحص ظاهرة معينة، ومرحلة وصف تلك الظاهرة وتفسيرها، والانتقال من المظاهر الخارجية للظاهرة محل الدراسة إلى مظاهرها الداخلية، وإيجاد العلاقة بين السبب والمسبب، لينتهي إلى تقرير الحقيقة العامة التي تحكم تلك الظاهرة. كل هذا على عكس المنهج الاستنباطي الذي نعرضه في المطلب الثاني.
 
المطلب الثاني
المنهج الاستنباطي

          المنهج الاستنباطي عكس المنهج الاستقرائي، فالباحث وفقاً لهذا المنهج يبدأ من الحقائق الكلية إلى الحقائق الجزئية. والاستنباط هو الطريق لتفسير القواعد العامة والكلية وينتهي منها إلى استخلاص النتائج التي يمكن تطبيقها على الحالات النظيرة.
          والمنهج الاستنباطي معروف في الدراسات القانونية بالمنهج التحليلي ( ويفيد هذا المنهج في إعداد مشروعات الأحكام القضائية قبل النطق بها، حيث يوجب المنهج التحليلي أو الاستنباطي ذكر النصوص القانونية والسوابق القضائية التي يستند إليها منطوق الحكم، في مقدمة أو صدر الأسباب، ويليها ذكر العناصر الواقعية، وأخيراً منطوق الحكم، الذي يبنى على كل ما سبق، ويعد تطبيقاً له ).
          وفي هذا المنهج يلتزم الباحث بإجراء دراسة تحليلية متعمقة لكل جزئية من جزئيات البحث، فلا يكتفي بعرض ما هو كائن، بل يتوجب عليه أن يتناول كل جزئية بالتحليل، وهذا يستلزم أن يطرح الباحث وجهة نظره الذاتية حين قيامه بإجراء التحليل اللازم، ويشترط في الباحث حين إتباعه للمنهج التحليلي أن تتوافر فيه الصفات التالية:
  1ـ أن يكون مدققاً، بمعنى ألا يهدر كلمة صغيرة أو كبيرة في الفكرة أو النص الذي يخضعه للدراسة التحليلية، وهذا يستلزم من الباحث القراءة بعناية، وتمحيص الآراء والأفكار بتجرد وموضوعية.
  2ـ أن يكون مبدعاً، بمعنى أن الباحث حين تناوله لقضية ما بالتحليل، يفترض فيه ألا يكون تقليدياً يقف عند المعاني الظاهرة، بل يجب فيه أن يصل إلى المعاني غير الظاهرة، فيحاول أن يقرأ " ما بين السطور " كي يكون بحثه إبداعيا([5]).
       ومن تطبيقات هذا المنهج في مجال البحث العلمي القانوني، نذكر مثلاً:
 في مجال قانون العقوبات، يمكن إتباع المنهج التحليلي في دراسة الظواهر الإجرامية المعاصرة ( كظاهرة الإرهاب الدولي، وخطف الطائرات، وغسيل الأموال، والاعتداء على برامج الحاسب الآلي، والإضرار بالبيئة )، لتقرير مدى إمكانية تجريمها في ظل القواعد الجنائية العامة والكلية القائمة، وما ينبغي أن تكون عليه لاستيعاب الظواهر الجزئية المذكورة.

 ملاحظة مهمة:
   إن التمييز بين المنهجين الاستقرائي أو التأصيلي، والمنهج الاستنباطي أو التحليلي، لا يعني القطيعة بينهما.
 فمن ناحية، يلاحظ أن هذا التمييز تمليه طبيعة الأشياء، ذلك أن المنهج التأصيلي سابق على المنهج التحليلي، وهذا الأخير يبدأ عادة من حيث ينتهي الأول. فعندما توجد القواعد الكلية العامة يثور التساؤل حول إعمالها على الجزئيات والمسائل التي تدخل في مجال سريانها.
    ومن ناحية أخرى، فإنه ليس هناك ما يمنع من استخدام المنهجين معاً في ذات البحث العلمي، باعتبار أنه إذا كان المنهج التأصيلي هو الطريق نحو تكوين المفاهيم العامة والقواعد الكلية، فإن المنهج التحليلي هو الطريق الأساسي إلى تطبيقها واختيار مدى فعاليتها.
     وإذا كان المنهجان الاستقرائي والاستنباطي يمثلان الأساس للبحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، غير أنه غالباً ما يحتاج الباحث إلى مناهج أخرى تكميليةـ تعنى بأبعاد دراسية مختلفة وتساعد الباحث على إتمام بحثه، وهذه المناهج أكثر تطبيقاً في نطاق العلوم الإنسانية والاجتماعية وهي : المنهج التاريخي، والمنهج المقارن، وسنقوم بدراستهما في مطلبين.

المطلب الثالث
المنهج التاريخي

       ما من شك في أهمية المنهج التاريخي في إطار الدراسات القانونية وغيرها من الدراسات الاجتماعية والإنسانية. ويستمد هذا المنهج أهميته من أهمية علم التاريخ نفسه، فالتاريخ سلسلة متصلة الحلقات، كما أن تاريخ الإنسانية يصل ماضيها بحاضرها ومستقبلها. فضلاً عن أن ملاحظة الماضي تساعد على فهم الحاضر، واستشراف آفاق المستقبل.
     والمنهج التاريخي قد يكون دراسة وصفية لنظام قانوني معين، كدراسة القانون الجنائي في مصر الفرعونية مثلاً، وفي هذا النطاق لا تخرج الدراسة عن الإحاطة بالنظام القانوني في فترة من فترات التاريخ..
    وقد يكون المنهج التاريخي تحليلياً، لا يقتصر الباحث فيه على وصف الظواهر والنظم، وتعداد خصائصها، والعوامل المؤثرة فيها، بل يمتد إلى النظر والتحقيق والتعليل الدقيق للظواهر والنظم، تمهيداً لدراسة الأوضاع والنظم المعاصرة. فالفهم الكامل لهذه الأوضاع والنظم وما تؤديه من وظائف في الوقت الحاضر لا يتحقق إلا بعد معرفة نشأتها وتطورها.
    والنظر إلى نظام معين بمعزل عن تاريخه، يماثل تماماً عزل هذا النظام عن بقية النظم الأخرى التي يرتبط معها([6]).
        وتزخر البحوث القانونية بمباحث تمهيدية عن الأصول التاريخية للموضوع محل البحث. فالباحث في موضوع " الوكالة " كأحد عقود القانون المدني، يصدر بحثه بنشأة فكرة الوكالة في النظم القانونية القديمة عند الإغريق والرومان، ولدى الشرائع القديمة، لينتهي إلى تقرير حالة التنظيم الحالي للوكالة، وكيف استمدت أصولها من تلك النظم القديمة، وكيف تطورت حتى صارت إلى وضعها الحالي.
        ويرى البعض ـ وبحق ـ أنه حين تبني المنهج التاريخي في البحث، فيجب مراعاة عدة أمور أهمها([7]):
 1ـ أن تكون الظاهرة محل البحث ممتدة زمنياً، أي نجدها في الماضي والحاضر والمستقبل، كظاهرة إجرام الأحداث مثلاً.
 2ـ يجب أن تكون هناك أهمية عملية من جراء الدراسة ذات المنهج التاريخي، لأن دراسة الأصول التاريخية لموضوع معين يساعد على فهمه بشكل علمي صحيح ، وبالتالي وضع الحلول الملائمة للمشاكل المتمخضة عنه.
 3ـ يجب أن تتوافر المصادر اللازمة لإجراء الدراسة من خلال هذا المنهج، وأهمها الوثائق التي يجب التأكد من صحة ما تحويه من معلومات وبيانات.
        وهكذا يساعد المنهج التاريخي، إلى جانب المنهج التأصيلي أو التحليلي، على فهم مشكلة تغير القانون وثباته، والتدليل على أن كثيراً من القواعد القانونية، تظهر في الوقت الذي تفقد فيه غيرها من القواعد القانونية القائمة، تأثيرها وفعاليتها.
 
المطلب الرابع
المنهج المقارن

          يمثل المنهج المقارن في الدراسات القانونية أهمية كبيرة، إذ عن طريقه يطلع الباحث على التجارب القانونية للدول الأخرى، ومقارنتها بالنظم القانونية الوطنية وبيان ما بينهما من أوجه اتفاق أو اختلاف. والموازنة بين هذا وذاك، للتوصل إلى نتائج محددة تكون قابلة للتحقيق.
 وإعمال المنهج المقارن قد يكون على المستوى الأفقي أو على المستوى الرأسي([8]).
          فعلى المستوى الأفقي: يمكن إجراء المقارنة بين نظامين قانونيين أو أكثر بصدد تنظيم مسألة معينة، ومن الناحية المنهجية تتمثل المقارنة الأفقية في قيام الباحث بتناول المسألة التي يبحثها في كل نظام على حدة، فإذا انتهى منه، تناولها في النظام المقارن الثاني، أو الثالث...
 فعلى سبيل المثال، إذا قام الباحث بالتصدي لبحث مقارن في أساليب اختيار رئيس الدولة في النظام الدستوري المصري وفي الشريعة الإسلامية؛ ففي هذا المثال تظهر المقارنة الأفقية عندما يذكر الباحث في القسم الأول، أساليب اختيار رئيس الدولة في النظام الدستوري المصري، وفي القسم الثاني، يبحث هذه الأساليب في الشريعة الإسلامية، فيوضح الموقف في كل نظام على حدة، مظهراً أوجه الاتفاق أو الاختلاف بينهما.
        أما على المستوى الرأسي: فإن الأمر يختلف، حيث يلتزم الباحث بإجراء المنهج المقارن في كل جزئية من جزئيات المسألة التي يعرض لها في مختلف الأنظمة في آن واحد، ولا يعرض لموقف كل قانون على حدة.
 فإذا أخذنا المثال السابق: فإن المنهج المقارن على المستوى الرأسي يعني دراسة كل جزئية تتعلق بخطة البحث في النظامين محل المقارنة، النظام الدستوري المصري والشريعة الإسلامية.
 فمثلاً عند الحديث عمن يختار رئيس الدولة ( تكوين هيئة الناخبين ) يجب بحث الأمر في النظامين معاً، وفي موضع واحد مبيناً أوجه الاتفاق والاختلاف بين النظامين. وكذلك عند الحديث عن طريقة اختيار رئيس الدولة، أو عزله من منصبه، فيجب دراسة الموضوع في النظامين وبآن واحد.
        وغير خافٍ أن منهج المقارنة الرأسية أفضل كثيراً وأدق من مثيله على المستوى الأفقي، ومرد ذلك:
    أن المقارنة الأفقية تؤدي إلى تكرار الأفكار وتشتتها، فما يقال هنا يعاد هناك، فضلاً عن أن الأمر في نهايته لا يخرج عن كونه دراستين منفصلتين لموضوع واحد في نظامين مختلفين، فكأن الباحث درس في المثال السابق، اختيار رئيس الدولة مرة في النظام الدستوري المصري ومرة أخرى في الشريعة الإسلامية.
        أما المقارنة الرأسية فهي تؤدي إلى حسن إدراك أوجه الاتفاق والاختلاف في الأنظمة المقارنة، فضلاً عن منع تكرار الأفكار، وهو ما يؤدي في نهاية الأمر أن يكون البحث عظيم الفائدة للقارئ والباحث.
       ومهما يكن من أمر، فإن المنهج المقارن ـ عموماً ـ في مجال الدراسات القانونية، يساعد على تصور الاقتراحات حول إصلاح وتعديل التشريعات القائمة، أو حول توحيد القانون بين عدة دول.
 كما يساعد ذلك المنهج على زيادة إيضاح الحلول الواردة في القانون الوضعي، مما يقدم عوناً لمن يهمه التعرف على أحكام قوانين البلاد المختلفة.
      وحتى يؤتي المنهج المقارن ثماره في المجال القانوني، يلزم الباحث التحديد الدقيق لموضوع المقارنة، والقوانين التي ستتم المقارنة بينها. كما يلزمه أن يكون على علم ومعرفة كافية بلغة تلك القوانين.
       كما يجب أن يختار عدداً محدداً منها حتى تأتي المقارنة دقيقة وفعالة، وأن تكون المراجع المتعلقة بموضوع المقارنة متوافرة لدى الباحث، بشكل يمكنه من إجراء الدراسة المقارنة، ويستحسن أن يكون النموذج المقارن المختار أكثر تقدماً من النظام الأصلي وذلك لتعظيم الفائدة من الدراسة المقارنة([9]).
---------------------
 (1) المعجم الوجيز، مرجع سبق ذكره، ص 636.
 (2) د. أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سبق ذكره، ص 34.
 (3) د. أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سبق ذكره، ص 35. ود. جابر جاد نصار، مرجع سبق ذكره، ص 34.
 (4) د. جابر جاد نصار، المرجع السابق، ص 37 ـ 38.
 (5) د. صلاح الدين فوزي، المنهجية في إعداد الرسائل والأبحاث القانونية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1999 ـ 2000، ص 138 وما بعدها. ود. أحمد شلبي كيف تكتب بحثاً أو رسالة، ط 24، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1997، ص 43.
 (6) د. أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سبق ذكره، ص 40.
 (7) د. صلاح الدين فوزي، مرجع سبق ذكره، ص 140.
 (Cool د. أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سبق ذكره، ص 43.
 (9) لمزيد من التفاصيل حول المنهج المقارن، انظر: علي ضوى، منهجية البحث القانوني، منشورات مجمع الفاتح للجامعات، ليبيا، 1989، ص 41 وما بعدها.
 وتجدر الإشارة إلى أن البعض يضيف إلى المناهج الأربعة السالف ذكرها، منهجاً خامساً هو المنهج الوصفي، الذي يعتمد على المعلومات والحقائق عن موضوع معين ووضعها في قالب محكم ومكتمل، على أن يواكب هذه الدراسة الوصفية محاولة لتفسير المعلومات التي تم تجميعها ووصفها.
 انظر: د. صلاح الدين فوزي، مرجع سبق ذكره، ص 139.

avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى