ترجمــة خطــاب الروائــي الفرنســي فيكتــور هوجــو حــول الملكيــة الفكريــة (1878)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ترجمــة خطــاب الروائــي الفرنســي فيكتــور هوجــو حــول الملكيــة الفكريــة (1878)

مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء 08 أغسطس 2017, 18:19

ترجمــة خطــاب الروائــي الفرنســي فيكتــور هوجــو حــول الملكيــة الفكريــة (1878)

ترجمــة د. مشاعــل عبــد العزيــز الهاجــري

6 أغسطس 2017



مقدمــة المترجمــة


فيكتور هوجو Victor Hugo (1885-1802) هو واحدٌ من أعظم أدباء فرنسا و شعرائها، و هو مؤلف روايتيّ “البؤساء” (Les Misérables) و “أحدب نوتردام” (Notre-Dame de Paris) الشهيرتين و اللتين يعرفهما كل قاريءٍ للأدب العالمي. خاطب هوجو المؤتمر الأدبى الدولى (Congrès littéraire international) الذي عُقِدَ فى باريس عام 1878، فألقى في الحضور كلمة مدوية كان لها تأثيرٌ كبيرٌ على مسار التنظيم القانونى لمسائل الملكية الفكرية على الصعيدين الفرنسي و العالمى معاً.
في زمنٍ لم تكن تعتبر فيه الأعمال الأدبية مادةً للاستحواذ و التملك، كان هوجو يؤمن بأن الانتاج الفكرى يصلح محلاً للحق، مثله كمثل أى مالٍ آخر، و بذلك، فإن حقوق المؤلف يجب ألا تصنف ضمن النطاق العام، فالإنتاج الفكرى ينبغى أن يعتبر “ملكية” خاصة للمؤلف، مع أخذ الطبيعة الخاصة لهذا الانتاج بالإعتبار. من هنا، كان هوجو يرى أن الملكية الفكرية – بسببٍ من ارتباطها الخاص بالمؤلف – ينبغى ألا تنقضى إلا بعد وفاته، مع الاحتفاظ للناشرين بحقوق نشر عمل المؤلف مقابل مبلغٍ بسيط (royalties) يُدفع الى ورثته المباشرين. هذا، و قد انتهى الأمر بالمؤتمر بأن تبنى قراراتٍ تعتمد منظور هوجو تجاه الحقوق الدائمة للملكية الفكرية، مع دعوة الحكومة الفرنسية لاستضافة مؤتمرٍ دوليّ لاطلاق اتفاقيةٍ دوليةٍ تتبنى التنظيم القانونى لحقوق الملكية الأدبية. و رغم أن الحكومه الفرنسية لم تستجب للمطلب الأخير، الا أن الدعوات إلى وضع معاهدة دولية بهذا الشأن مثلت خطوةً كبيرةً باتجاه إبرام اتفاقية بيرن لحماية المصنفات الأدبية والفنية (Berne Convention, 1886).
فيما يلى قمت بترجمة مقطعٍ مختارٍ من خطاب هوجو هذا، وهو يتمثل بالجزء الخاص بوجه نظره حول فلسفة حقوق الملكية الفكرية من حيث المبدأ و ما اذا كانت تصلح محلاً للملكية ابتداء، ثم علاقة ذلك بالتنظيم القانونى الأمثل لهذه المسألة، كما يراه. كما أن فى الخطبة إشاراتٌ ملفتةٌ حول أوضاع المؤلفين، طبيعة الانتاج الفكرى، الارتباط بين الفضائين العام و الخاص، العلاقة بين الفرد و المجتمع، و المسيرة التطورية للفكرة من العقل إلى النشر. و بعد، فإن التصدي لترجمة هذا النص لم يكن أمراً سهلاً، لا لصعوبة الترجمة بل لوطأة ثقلها القيمي، فصاحب هذا الخطاب هو واحدٌ من أعظم أدباء الفرنسية و واضع عددٍ من أكثر أعمالها الأدبية خلوداً. بطبيعة الحال، هذه ترجمتي كقاريءٍ ذي خلفية قانونية، فمن هنا حرصت على ضبط المصطلحات وفق معانيها القانونية الفنية – لا الدارجة – ما استطعت (كمصطلحات “المحل”، “الملكية”، و عداها).
على حدّ علمي، هذا النص يُترجم إلى العربية للمرّة الأولى.
………………………..
………………………..
………………………..

خطــاب فيكتــور هوجــو حــول الملكيــة الفكريــة (1878)
[font][size]


الملكية الفكرية هي للاستعمال العام.
جميع القوانين الملكية القديمة تنكر الملكية الفكرية، و لا زالت تنكرها. لأيّ غرض؟ بغرض السيطرة.
إن الكاتب/المالك هو كاتبُ حر؛ أن تصادر ملكيته هو أن تصادر استقلاله. يتمنى المرء لو أن الأمر لم يكن كذلك. هذا هو الخطر في المغالطة الملفتة – التي كانت ستكون طفولية لو أنها لم تكن غادرة – التي تقول أن “الفكر ينتمي للجميع، و لذلك فهو لا يصلح أن يكون محلاً للملكية، لذا فإن الملكية الأدبية هي أمرٌ لا وجود له”.
يا له من إرباكٍ غريب!
فهناك أولاً الخلط بين ملكة التفكير، و هي عامة، و بين الفكرة، و هي فردية، فالفكرة هي أنا. ثم هناك الخلط بين الفكرة، و هي شيء مجرّد، و بين الكتاب، و هو شيء ماديّ. إن فكرة الكاتب، بما هي فكرة، تتفلّت من كل الأيدي التي تحاول الإمساك بها. إنها تطير من روحٍ إلى أخرى، إذ لها هذه الموهبة و هذه القوة – virum volitare per ora –؛[1] و لكن الكتاب يختلف عن الفكرة، لأن الكتاب قابلٌ للإمساك به، إنه كذلك إلى درجة أنه يُمسك به ( يُراقب) أحياناً (ضحكٌ من الحضور). إن الكتاب، بما هو منتجٌ للمطبعة، ينتمي إلى الصناعة، وهو أساسيٌّ – بجميع أشكاله – لنشاطٍ تجاريٍ ضخم. إنه يُشرى و يُباع، أنه شكل من أشكال الملكية، قيمةٌ تخلق، من دون ان يُستحوذ عليها، ثراءٌ يُضاف من قبل الكاتب إلى الثروة القومية، و بالتأكيد – و من جميع وجهات النظر – أوضح صور الملكية التي لا تقبل الجدل.
إن حق الملكية الذي لا يقبل المساس هذا يُنتهك من قبل الحكومات المستبدّة؛ إنهم يصادرون الكتاب، على أمل مصادرة الكاتب بذلك. هذا هو سبب وضع نظام التقاعد الملكيّ.[2] أخذُ كل شيء مع التصدق بالقليل، سلبٌ و إخضاعٍ للكاتب. يُسرق المرء، ثم يشتري السارق جزءً مما سرقه منه. إنه جهدٌ مُهدر، أياً ما كان الأمر، فالكاتب يهرب دائماً.
نحن نصنع منه فقيراً، و هو يظل حراً (تصفيقٌ من الحضور). من ذا الذي يسعه شراء العقول الفذّة (لأدباءٍ مثل) “رابليه”، “موليير”، أو “باسكال”؟ و رغم ذلك فإن المحاولة تتم، و النتيجة مغمّة. إن الرعاية الملكية تستنزف القوى الحيوية للأمة، فالمؤرخون يسبغون على الملوك ألقاب “آباء الأمة” و “آباء الأدب” … و النتيجة هي هاتين الحقيقتين الشريرتين: الناس من دون خبز، و “كورني”[3] من دون حذاء (تصفيقٌ طويل).
يا له من شطبٍ داكنٍ لمرحلةٍ كبرى.

أيها السادة،
دعونا نعود إلى المبدأ الأساسي: احترام الملكية.
لنرعَ الملكية الأدبية، و لكن في الوقت نفسه، لنخلق نطاقاً عاماً. دعونا نذهب لأبعد من ذلك؛ دعونا نوسع منه. لندع القانون يمنح جميع الناشرين الحق في نشر أيّ كتابٍ بعد وفاة مؤلفه، على أن يكون المتطلّب الوحيد لذلك هو دفع مبلغِ زهيدِ جداً لورثته المباشرين، بحيث لا يتجاوز في أية حال خمسة أو عشرة في المئة من صافي الأرباح. هذا النظام شديد البساطة – الذي يجمع بين الملكية غير المشكوك فيها للكاتب مع الحق غير المشكوك فيه للنطاق العام – هو أمرٌ تم اقتراحه من قبل اللجنة المشكلة عام 1836 (الخاصة بحقوق المؤلفين)، و يمكنكم أن تجدوا هذا الحل، بجميع تفاصيله، في محاضر اجتماع المجلس، كما نشرتها وزارة الداخلية.
للمقترح جانبان، لا تنسوا ذلك. الكتاب، بما هو كتاب، هو ملكٌ للمؤلف، و أما كالكتاب كفكرة فهو ينتمي – و الكلمة هنا ليست متطرّفة – إلى الجنس البشري ككل؛ فلكل الذكاءات حقٌ فيها. و إذا كان لابد من التضحية بواحدٍ من هذين الحقّين – حق المؤلف أو حق الجنس البشري – فإنه سيكون حق المؤلف من دون شك، لأن المصلحة العامة هي شغلنا الأوحد، و هذه ينبغي أن تكون مقدّمةً على أي اعتبارٍ آخر يُعرض علينا.
و لكن، و كما قلت، هذه تضحيةٌ غير ضرورية (تصفيق متكرر).
 
------------- 
[1]  “To fly through the mouths of men” (Virgil).
[2] التقاعد الملكيّ (les pensions royales) هو نظام يمنح بموجبه الكتاب مبالغ تقاعدية زهيدة، بدلاً من السماح لهم بالتمتع بالعوائد المادية لانتاجهم الفكري.
[3] الشاعر الفرنسي الكبير Corneille.
[/size][/font]
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى