خصوصية المسؤولية التقصيرية عن الضرر البيئي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

خصوصية المسؤولية التقصيرية عن الضرر البيئي

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 09 أغسطس 2017, 09:44


خصوصية المسؤولية التقصيرية عن الضرر البيئي
ياســـيـــن الكعيوش
باحث بسلك الدكتوراه – فاس


مقدمة:
       مرت حقوق الإنسان بمجموعة من المراحل، وقطعت أشواطا متعددة حتى صنفت ضمن أجيال من الحقوق، وشكلت في مجموعها منظومة كلية لا تقبل التجزئة، ويعتبر الحق في بيئة نظيفة ونقية والحق في التنمية المستدامة أحد تلك الحقوق التي تصنف ضمن الجيل الثالث من حقوق الإنسان.
       ولقد باتت حماية البيئة تشغل حيزا هاما ضمن الاهتمامات الأساسية على كل الأصعدة الوطنية والدولية، وذلك بالنظر للتدهور المستمر والمتزايد الذي أضحى يطال البيئة في مختلف مكوناتها، والذي أفضى إلى مشكلات بيئية متعددة من قبيل تلوث الهواء، وتلوث المياه، وتراجع الغطاء الغابوي وتفاقم مشكلة النفايات وانتشار الأمراض…
     لذلك استشعرت الدول في مستويات رسمية وغير الرسمية، بالمخاطر والأضرار الفادحة الناشئة عن الإخلال بالتوازن البيئي والاستنزاف المتزايد للموارد الثروة الطبيعية، وما لحق بعناصر البيئة من اعتداء بصورة أصبحت تهدد استمرار الحياة نفسها، الأمر الذي جعل الدول تبذل قصارى جهدها من خلال مؤسساتها وأنظمتها المعنية بحماية البيئة، للحد من تلك المخاطر والأضرار بدافع من غريزة حب البقاء، والمحافظة على الكائنات الحية بمختلف أنواعها.
     ومسألة حماية البيئة ليست بالجديدة على الفكر القانوني، فهي ذات جذور تاريخية وأصول اجتماعية، فقد كان لقدماء المصريين فضل السبق على مختلف الأمم والحضارات في هذا المضمار، كما كان للقانون الرماني الذي يمثل مصدرا تاريخيا لكثير من التشريعات دور هام في حماية البيئة. فضلا عن مبادئ الشريعة الإسلامية التي تحفل في مجال البيئة بكثير من التعاليم، التي تحث على حماية عناصر البيئة من منطلق عقائدي، يحقق الحماية النابعة من الضمير الإنساني في صورتها المثلى[1]، إذ قبل ظهور النظام القانوني العصري للبيئة، اهتمت الشريعة الإسلامية بالبيئة وأفردت لها أحكاما متعلقة بحمايتها، إذ ورد في القران الكريم ما يفيد تحريم ومنع إلحاق الضرر بالبيئة، والآيات الدالة على ذلك كثيرة منها قوله سبحانه وتعالى "" ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ""[2]  وقوله سبحانه وتعالى " كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين"[3].
      وكما هو معروف فإن الثورة الصناعية أسفرت على تطور هائل في مجال التكنولوجيا الحديثة التي كان لها وقع جد فعال في تحقيق الآمال البشرية، من استقرار وشيوع الرفاه الاقتصادي والاجتماعي، غير أن هدا التطور بالقدر الذي أسعد الإنسان فإنه بالمقابل كان مصدر إزعاج له، نتيجة لكثرة المخاطر التي نجمت عن سوء استعمال هده الآليات والمنشآت الصناعية[4]. لهذا شهد النصف الثاني من القرن العشرين، اهتماما متزايدا بحماية ورفع الوعي البيئي لدى الأفراد للحفاظ على البيئة، وذلك انعقدت المؤتمرات والاتفاقيات الإقليمية والدولية الداعية للحفاظ[5] على بيئة نقية صالحة للاستعمال البشري.
     وتماشيا مع تلك الصحوة صدرت العديد من التشريعات الداخلية، التي تعكس الاهتمام نحو حماية البيئة، من أجل تأمين المجال البيئي ضد الأضرار والأفعال غير المشروعة، الناتجة عن سوء استعمال الموارد الطبيعية. ومنها القوانين البيئية المغربية[6]، والتي أقرت مسؤولية جنائية ومدنية للأشخاص الطبيعيين والمعنويين تجاه عناصر البيئة.[7]
    ولعل المسؤولية المدنية والتي تنقسم كما هو معروف، إلى مسؤولية عقدية مبنية على عقد سابق في شكل من الأشكال، ومسؤولية تقصيرية (بيئية) وهي موضوعنا  والناتجة عن الإخلال بالواجبات القانونية سواء  كانت منصوص عليها في النصوص التشريعية البيئية أو العامة، أو كانت نابعة من نظام التعايش الاجتماعي كضرورة احترام الغير وعدم المساس به وبممتلكاته، وأي ضرر يلحق به يلزم المسؤول بالتعويض.
    تكمن أهمية الموضوع في بيان مدى ضرورة إيجاد نظام خاص للمسؤولية المدنية في مجال الأضرار البيئية، نظرا لخصوصية هده الأخيرة، ومن ثم كيفية تسخير القواعد العامة للمسؤولية المدنية الواردة في ظهير قانون الالتزامات والعقود، لكي تتلاءم مع طبيعة الأضرار الناتجة عن التقدم الصناعي بالأساس.
   كما إن الموضوع يطرح أهمية ضمان حقوق الأفراد الدين يتضررون من تلوث البيئة، من خلال الإشارة إلى بعض القرارات الصادرة عن محكمة النقض في هدا الجانب، لنستطيع تقييم مدى جرأة القضاء المغربي في إصدار قرارات قضائية كفيلة بحماية البيئة والمضرور في نفس الوقت .
     لدا نتساءل عن الأساس القانوني لخصوصية المسؤولية التقصيرية البيئية ؟ وما مدى كفاية القواعد العامة في إسناد المسؤولية عن الضرر البيئي ؟.
     سنتطرق للقواعد العامة للمسؤولية التقصيرية ثم تنزيلها بشكل خاص على الضرر البيئي وخصوصياته، من خلال الإشارة بين حين وأخر إلى العمل القضائي في هدا الجانب، والدي سيسعف في فهم الموضوع بشكل واقعي حتى لا يكون حديث وصفي نظري في المضامين، ودلك من خلال نقطتين أساسيتين:
المبحث الأول : خصوصية أحكام المسؤولية التقصيرية البيئية.
المبحث الثاني: إشكالية إثبات السببية البيئية وإمكانية تجاوزها.

      المبحث الأول:  خصوصية أحكام المسؤولية التقصيرية البيئية.
    تقوم المسؤولية المدنية التقصيرية بشكل عام على أساس ثلاثة أركان وهي الخطأ والضرر ثم العلاقة السببية بين الخطأ والضرر، وهذه الأركان يجب أن تتوفر في المسؤولية لقيامها، ولكن أركان هده الأخيرة تتأثر إلى حد بعيد بالأساس الذي تقوم عليه، خصوصا في ظل ضرورة معرفة أساس الخطأ، (المطلب الأول) من حيث قيامه على أساس الخطأ الواجب الإثبات كما في حالة المسؤولية عن الفعل الشخصي، أو خطأ مفترض يقبل إثبات العكس كما في مسؤولية متولي الرقابة، أو لا يقبل إثبات العكس كما في مسؤولية حارس الأشياء. ثم خصوصية الضرر البيئي الذي يتميز بالانتشار وعدم الثبات مما يجعل صعوبة تقديره أحيانا (المطلب الثالث) نظرا لارتباطه بعدة أسباب، نادرا ما تتمكن الجهة المعنية من الوصول إلى السببية بين الخطأ والضرر (المطلب الثالث).

     المطلب الأول: الخطأ البيئي
    من المعلوم أن الخطأ أو الفعل غير المشروع يعد العنصر الأساسي في المسؤولية التقصيرية، فالأصل أن الإنسان له حرية التصرف والاختيار بشرط أن لا يلحق أدى بغيره من الأشخاص أو ممتلكاتهم، ولكن متى تسبب فعله غير المشروع بضرر للغير فان هذا الشخص ملزم بالتعويض حسب ما يقتضيه ق ل ع [8].
    لذلك فكل فعل غير مشروع سبب ضررا بالبيئة عامة أو بإحدى عناصرها خاصة، يكون من شأنه أن يضع مسبب هذا الفعل في دائرة المساءلة، ولكن التساؤل المطروح هو هل كل فعل يحدث ضررا للأفراد أو للبيئة يوجب التعويض عنه ؟ أم أن يجب أن يتصف بالسلوك الخاطئ لكي تتم المساءلة على هذا الأساس ؟
    الحقيقةـ، أن ق ل ع م لم يورد تعريفا خاصا بالخطأ، وحسنا فعلا بعدم ذكر تعريف محدد للخطأ لان هذه الكلمة تعطي أعدادا لا حصر لها من السلوك الإنساني[9]. وبصورة عامة يمكن أن يكون الخطأ كل سلوك مخالف لما تعارف عليه الناس وسبب ضررا للغير وصادر عن كل شخص مسؤول عن أفعاله، هدا يعني أن للخطأ أركانا ثلاثة وهي الركن المادي، الذي يتمثل في سلوك ما، يصدر في الأصل عن الإنسان سواء بعمل ايجابي أو بعمل سلبي. وركن معنوي يعبر عن إرادة المسؤول الحرة والواعية، أي أن مرتكب الخطأ مدركا للانحراف الذي قام به، أي يفترض أن يكون لديه عنصر الإدراك والاختيار. ويضاف ركن اجتماعي يتمثل في حظر المجتمع لسلوك المسؤول واعتبار هدا الفعل غير مشروع[10].
   إذا كانت هذه هي أركان الخطأ بشكل عام في إطار المسؤولية التقصيرية، فان الخطأ البيئي بشكل خاص لا يختلف عنه، فهو السلوك المنحرف الذي يقترف الملوث بفعل أو بامتناع عن فعل وإدراك مرتكب الفعل الضار البيئي للانحراف الذي قام به[11]، من هنا نستطيع أن ننتقل إلى بعض صور الخطأ البيئي التي يرتكبها الملوث.
    لهذا فان إتيان شخص ما فعلا مخالفا للقوانين البيئية المعمول بها بخصوص حماية البيئة، يعد خطأ بيئيا وهده المخالفة سواء كانت عمدية أو غير عمدية، يبقى مرتكبها مسؤولا تجاه الإدارة الساهرة على حماية البيئة عن تعويض الضرر الذي تقدره دون أن يقع على عاتقها إثبات نية مرتكب الضرر. ولكن إذا ثبت نية الإضرار بالبيئة يمكن أن يكون ظرفا مشددا للمسؤولية، فتستطيع المحكمة أن تكون أكثر تشددا مع مسبب الفعل الضار المقصود وأكثر سخاء في تقدير التعويض.
     ويتمثل السلوك المنحرف المتعمد للشخص في ميدان التلوث البيئي بإقدام الشخص على أفعال تضر بالأشخاص أو البيئة التي حولهم، كأن يقصد شخص وضع مواد سامة في منابع المياه التي ترتادها حيوانات الآخرين بقصد إلحاق الضرر بها، أو قيام شخص بكسر مجاري الصرف الصحي، مما يجعل مياه المجاري تسيل في عرض الشوارع محدثة بركا من المياه ينجم عنها مضايقة للسكان تتمثل في الروائح الكريهة[12].
     ولا يهم صفة الشخص الذي ارتكب الفعل الضار فقد يكون شخصا طبيعيا أو شخصا معنويا، فعادة ترفع الدعوى البيئة في وجه المؤسسات والشركات الملوثة التي تقوم بإنتاج مواد ذات تأثير مباشر على صحة الإنسان أو البيئة من حوله، وقد يصدر الفعل الضار بالبيئة من أشخاص الدولة[13]. حيث جاء في قرار لمحكمة النقض[14]، " … إن المحكمة لما ثبت لها من عناصر ومعطيات النزاع ومن تقرير الخبير، تحقق قيام مسؤولية الإدارة عن الأضرار التي نتجت عن الفيضانات من خلال عدم أخدها بعين الاعتبار جميع العوامل عند إقامة الحاجز وإنشاء القناة لتصريف المياه، وتبعا لدلك عدم اتخاذها قبل دلك الاحتياطات اللازمة من أجل تفادي وقوع مثل هده الحوادث بإعداد دراسات تقنية وهندسية معمقة … وبالتالي فإن المحكمة لما قضت بالتعويض لفائدة الشركة المتضررة، بخصوص مسؤولية الدولة عن الأضرار اللاحقة بالمطلوب في النقض، فإنها تكون قد عللت قرارها تعليلا سليما وسائغا مما يستوجب معه تأييده وجعل الصائر على رافعه".
    إن ما نلاحظه أن الدعاوى المستندة على الإهمال تشكل الغالبية العظمى من الدعاوى المدنية في ميدان البيئة، إذ يتمثل إهمال المدعى عليه في الدعوى لمخالفاته القوانين البيئية خاصة التي تفرض التزامات على الأشخاص فيعد الشخص مهملا إدا لم يراع جانب الحيطة والحذر اللذين يجب أن يراعهما الرجل المعتاد العادي[15].
   وبما أننا فرغنا من الحديث عن عنصر الخطأ كعنصرا أساسيا في المسؤولية التقصيربة عن الضرر البيئي سوف ننتقل للحديث عن العنصر الثاني الأهم وهو الضرر.

       المطلب الثاني: الضرر البيئي
   يعد الضرر الركن الثاني من أركان هده المسؤولية، والضرر بدوره ينقسم إلى ثلاثة أنواع: الجسدي، والمادي، والمعنوي، فالضرر المادي هو ما يصيب الشخص في ذمته المالية[16]. حيث يقضي الفصل 98 ق ل ع م بكون الضرر يشمله تعويض ما لحق المضرور من خسائر في المصروفات التي أنفقها أو سينفقها لإصلاح نتائج الفعل الضار الصادر من المسؤول.
   ولعل أن الضرر كركن في قيام المسؤولية التقصيرية لا يطرح أي إشكال في المجال البيئي، لكون أن أغلب الالتزامات والأوامر التي وضعتها القوانين البيئية تترتب على مخالفتها من طرف الشخص قيام مسؤوليته، بغض النظر عن تحقق ضرر من عدمه، والأمثلة كثيرة في القوانين البيئية نشير لبعضها على سبيل المثال وليس الحصر، ما جاء به قانون رقم 13.03 المتعلق بمكافحة تلوث الهواء، حيث نصت المادة 4 "" يحظر لفظ أو إطلاق أو رمي أو السماح بلفظ أو إطلاق أو رمي مواد ملوثة في الهواء كالغازات السامة أو الأكالة أو الدخان أو البخار أو الحرارة…" مما يتبين أن المسؤولية تتحقق بمجرد القيام بالفعل دون انتظار الضرر الذي سيؤول إليه.
كما تنص المادة 19 من قانون الصيد البحري 1973 " يمنع على مالكي ومستغلي المعامل الموجودة بالساحل أن يصرفوا عمدا إلى البحر المياه المستعملة لحاجات صناعتهم أو يعملوا على تصريفها…"
ولقد جاء في قرار لمحكمة النقض[17]، " … وحيث أن المحكمة التجارية لما ثبت لها أن التحاليل المخبرية أكدت أن مياه بئر المدعي ملوثة وتضم بكتيريا غائطية ولم تعد صالحة للشرب، وأن التربة والأغراس تضررت بسبب تلوث بكتيري، والكل راجع لقيام شركة " ريضال" بتصريف المياه العادمة بمحاذاة عقاره، التي في حالة ضخ كمية مهمة أو تساقط الأمطار، فان تلك المياه تطفو على السطح وتغمر واجهة المنزل والبئر، فتكون ( المحكمة ) قد قررت مسؤولية الشركة عما حاق بالمدعي من أضرار بشكل يقيني، استنادا لتحاليل مخبرية أثبتت تسرب المياه الملوثة للعقار موضوع النزاع ومحيطه، اعتمادا منها على حقيقة ارتفاع منسوب المياه بسقوط الأمطار، وعلى كون ضخ المياه العادمة قد يرتفع أو يقل حسب الأحوال، وبدلك جاء قراراها معللا بشكل سليم مما يعني رفض الطلب وتحميل الطالبة الصائر".
      لكن أحيانا يتطلب المشرع البيئي حدوث ضررا مادي لحصول المساءلة،  فإذا كان تحديد هدا الأخير الناشئ عن الممارسات الضارة بيئيا ميسورا إلى حد ما، فانه ليس كذلك بالنسبة للضرر البيئي المعنوي[18]، فالتعويض أصلا عن الأضرار المعنوية كان موضع خلاف، والحجة في دلك هي صعوبة تقدير الضرر المعنوي وتقدير تعويض عنه، إلا أن هناك من يرى ضرورة التعويض عن الأضرار المعنوية أسوة بالأضرار المادية، لأن التعويض عن الضرر المعنوي ليس القصد منه جبر الضرر، وإنما نوع من العزاء على الشخص نتيجة ما أصابه، كما أن ترك المتضرر من ضرر حسي دون تعويض سوف يلحق به ظلما كبيرا، وليس صحيحا أنه من الصعب تحديد مستحق التعوض عن الضرر المعنوي بحجة عدم جواز التعويض عن الضرر المعنوي[19].
    وأبعد من ذلك، فالتساؤل المطروح هو هل من الممكن تصور طلب التعويض عن الضرر المعنوي عن نشاطات ضارة بالبيئة ؟  نعم يمكن تصور دلك، فلو فرضنا أن مواد شديدة التسمم ألقيت في نهر وشرب منه كلب صغير كان مع مالكه فأدى دلك إلى وفاة الكلب، فالسؤال هل يستطيع مالك الكلب المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي الذي لحق به جراء وفاة الكلب الذي كان ضحية التلوث ؟
    لو عرضت هذه الدعوى على القضاء الأوروبي لربح صاحبها الدعوى واستحق تعويضا عن ذلك الضرر المعنوي، أما في التشريع الوطني فان القضاء عاجز حتى عن إصدار قرارات جريئة تجاه بعض المقاولات الملوثة والمضرة بصحة الإنسان ما بالك بالحيوانات.
    لكن ربما المحكمة حينما تقر بمسؤولية الشركة عن الضرر الذي لحق الشخص جراء التلوث فان تقديرها للتعويض يكون على أساس جميع الأضرار اللاحقة بالمضرور سواء مادية أو معنوية، لأن الضرر المادي غاليا يكون منطويا على ضررا معنوي، يصيب نفسية المضرور وان كان أحيانا غير بارز للعيان في حيثيات القرار. كما سنلاحظ من خلال القرار التالي أن المحكمة رفعت من قيمة التعويض جراء ما أصاب المدعي من أضرار مختلقة، حيث أقرت المحكمة التجارية بالرباط بمسؤولية شركة "ريضال" عن تصريف مياه التطهير التي ألحقت أضرار بأراضي فلاحية بضواحي الصخيرات، ووفاة 5230 من الدواجن، مما حملت مسؤولية الشركة وحكمت عليها بأداء مبلغ تعويضي للمدعي قدره 700.000.00 درهم مع إصلاح الأضرار المحددة في الحكم. لكن بعد أن استأنف الحكم من طرف المدعي وكذا شركة "رضال" طالبت هذه الأخيرة في المرحلة الاستنافية بإدخال شركة "لاسامير" في الدعوى بكونها هي المسؤولة عن الأضرار، واحتياطيا بإدخال شركة "التأمين الملكية الوطنية" في الدعوى لأداء أي تعويض قد تحكم به المحكمة عليها، وبعد مناقشة القضية وعرض الخبرة أصدرت المحكمة قرار تقضي فيه على شركة "ريضال" بأداء تعويض للمدعي قدره 901.898.00 درهم[20].
    وبقي أن نشير إلى أن من أهم مستلزمات هدا الضرر سواء كان مادي أو معنوي ، حتى يستحق صاحبه التعويض، يجب أن يكون أكيدا سواء وقع حالا أو كان محقق الوقوع في المستقبل، كما يشترط أن يكون الضرر البيئي ناتجا وبشكل مباشر عن الفعل الضار الذي ارتكبه الملوث، والضرر المباشر لا يثير صعوبة في إثباته، فعلى سبيل المثال تسرب غازات من مصنع مجاور للسكان أدى إلى إصابة شخص بضيق تنفس، فهذا الضرر حال ومباشر وليس على المضرور سوى إثبات ما يدعيه، لان الخطأ مفترض في المدعى عليه.
 
    المطلب الثالث : العلاقة السببية
    إن وقوع الضرر لا يعني بالضرورة قيام المسؤولية التقصيربة، بل لابد من اتصال الخطأ بالضرر بصلة مباشرة ومحققة، أي أن يكون الضرر نتيجة مباشرة للخطأ، هذه العلاقة هي العلاقة السببية التي من دونها لا مجال لإعمال قواعد المسؤلية كقاعدة عامة، فقد نجد فعلا خاطئا أدى إلى حدوث ضرر أو عدة أفعال خاطئة تضافرت جميعها لإحداث الضرر البيئي، وهذا الضرر قد ولد ضررا أخر.
     ومن الواضح أنه إذا وجد فعل خاطئ واحد وأدى إلى حدوث ضرر، فالعلاقة السببية واضحة، لكن إذا تضافرت عدة أسباب لإحداث الضرر فان تقرير السببية من الضرر وأي من هذه الأفعال ليس سهلا، لذلك فان مسألة تقرير السببية يحتاج إلى الدقة، فاذا وجد فعل خاطئ وضرر تولد عنه لكي نقول قيام السببية، فهذا يعني من الناحية المنطقية تعاقبا ضروريا من الحادثين، فالسبب يسبق النتيجة ويؤدي، على أن كل حادث يسبق الأخر لا يعد سببا له، بل يجب أن يظهر الحادث الثاني بالضرورة تبعا لوقوع الأول بحيث أن انعدام الحادث الأول يؤدي إلى انعدام الثاني[21].
     إن إثبات علاقة السببية يقع على عاتق المدعي طالما أن الخطأ غير مفترض في جانب المدعى عليه، وفي مجال الأضرار البيئية فان إثبات السببية بين الخطأ والضرر البيئي أمر لا يخلو من الصعوبة، لأن الوقوف على مصدر الضرر ليس بالأمر السهل، ومن الثابت علميا أن مصادر التلوث لا تحدث دوما نتائج متماثلة، لأن الظروف الطبيعية تلعب دورا مهما في هدا المجال وبالتالي سوف يؤدي دلك إلى صعوبة تحديد مصدر الضرر، فمثلا لو أن مصنعا قام بإلقاء مواد سامة في النهر مجاور، فسوف يؤدي إلى إلحاق الضرر بكل من يستعمل النهر، لكن الصعوبة سوف تثور هو في كيفية تقدير الضرر، هل كان قبل إلقائه المادة السامة وبعدها، خاصة وان عرفنا أن النهر كان ملوثا من قبل بفعل شخص ما، فهنا لدينا عدة أسباب، أيها السبب المنتج وأيها العارض ؟
   هذا ما جعل جل التشريعات البيئية، والمغربية منها تتجه نحو إقرار المسؤولية والتعويض بمجرد مخالفة الإجراءات التي نص عليها المشرع، دون البحث عن العلاقة السببية بين الفعل والنتيجة، لأن هذه الأخيرة نادرا ما يتطلبها المشرع لإقرار المسؤولية. والأمثلة كثيرة على منها ما نصت المادة 6 من قانون 13.03 المتعلق بمكافحة تلوث الهواء " يلتزم صاحب المنشأة باتخاذ الاحتياطات والتدابير اللازمة لعدم تسرب أو انبعاث ملوثات الهواء داخل أماكن العمل إلا في الحدود المسموح بها سواء كانت نتيجة عن طبيعة ممارسة المنشأة لنشاطها أو عن خلل في التجهيزات والمعدات…"
    لكن هناك بعض الأضرار التي تحتاج لإثبات العلاقة السببية، مما تطرح صعوبات أمام المدعي لإثبات الضرر وتأكيد ادعائه بأدلة علمية دقيقة، فمثلا إذا تأذى المدعي من المواد السامة التي يطرحها مصنع مجاور له عليه أن يثبت أن نسبة الانبعاث قد جاوزت المعايير المحددة لنوعية الهواء، ومن المعروف ان للقاضي سلطة في تقدير إثبات الأدلة المقدمة ولكن في مجال الأضرار البيئية يصبح هدا النطاق ضيقا لان القاضي ليس خبيرا علميا، ومن مسائل التلوث لها طابع علمي بحت، كما ان القاضي عليه ان يحكم بموضوعية ودون محاباة، فعادة عندما ينظر في دعوى مرفوعة ضد مؤسسة صناعية كبيرة فانه ينظر إليها على أنها الطرف القوي ويحكم عليها بالتعويض عن الأضرار التي يدعيها المدعي[22]، رغم عدم تقيد هذه المصانع بقوانين حماية البيئة. كما جاء في قرار لمحكمة النقض[23]. " … وحيث لما ثبت للمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه قيام الطالب بطرح النفايات فوق العقار موضوع النزاع بما جاءت به من أن ( الخبراء الدين تم انتدابهم من طرفها ومن قبل محكمة أول درجة، أثبتوا في تقاريرهم أن هناك مطرحا للنفايات فوق العقار المذكور يقوم باستغلاله الطالب …) تكون قد أوردت تعليلات سائغة في استخلاصها قيام الطالب بإلقاء النفايات بعقار المطلوب تدعمها وثائق الملف، مما يكون معه العقار لم يعد فعليا في ملكية المطلوب ولكن أشجار الزيتون لم تعد هي كذلك موجودة بالمرة لأن الأزبال ألحقت بها أضرارا نتج عنها موتها كما أثبت دلك الخبير مما يجعل القرار مرتكزا على أساس ومعللا بما فيه الكفاية".


     المبحث الثاني: إشكالية إثبات السببية البيئية وإمكانية تجاوزها.
    إن الرابطة السببية في الفكر القانوني تعد عنصرا لازما لانعقاد المسؤولية المدنية، كما أنها أيضا تعد الركن الثالث من أركان نظرية الضمان في الفقه الإسلامي، فلا يكفي لالتزام الشخص بالضمان أن يتوافر ركنا التعدي والضرر، بل يجب أن يكون هذا التعدي مترتبا على هذا الضرر[24].
    وإذا كان عبء إثبات رابطة السببية في المسؤولية عن أضرار التلوث على عاتق المضرور فإن الصعوبات التي تصادفه في هذا الشأن تؤدي في العديد من الحالات إلى عجزه عن إثبات تلك الرابطة، ويترتب على ذلك التهرب من المسؤولية وعدم حصول المضرور على أي تعويض عما لحقه من أضرار نتيجة التلوث الحاصل، لذلك فإن دراسة رابطة السببية في إطار المسؤولية البيئية يكتسي نوعا من الخصوصية، تظهر من خلال العقبات والعراقيل المتعلقة بإثباتها (الطلب الأول) وهذا ما أدى بالفقه والقضاء إلى البحث عن أنجح الطرق والوسائل لإثبات هذه الرابطة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الصعوبات المرتبطة بإثبات السببية في نطاق المسؤولية البيئية
     يعد إثبات رابطة السببية أحد العناصر التي تثير العديد من الإشكالات في إطار المسؤولية عن أضرار التلوث، إذ أن مصادر هذا الأخير لا تحدث نتائج متماثلة دائماً، كما أن الظروف الطبيعية تلعب دوراً مهماً في هذا المجال، وبالنتيجة يؤدي ذلك في بعض الأحيان إلى تعذر تحديد السبب المؤدي إلى النتيجة الضارة[25]، لذلك فإن البحث عن رابطة السببية في ظل هذه الظروف تواجهه مجموعة من الصعوبات والعقبات تتعلق بتعدد مصادر التلوث ( الفقرة الأولى) و طبيعة الأضرار التي يحدثها (الفقرة الثانية).
     الفقرة الأولى:  تتعدد مصادر التلوث البيئي
    لاشك أن رابطة السببية بين نشاط معين والنتيجة المترتبة عليه لا يثير أية صعوبة إذا كان هذا النشاط هو المصدر الوحيد لها، ولكن إذا تعلق الأمر بالتلوث البيئي فإن إرجاع الضرر إلى مصدر محدد يرتبط بعلاقة السببية المباشرة  يعتبر من الأمور الصعبة، لأن أغلب الأضرار البيئية توصف بأنها غير مباشر كما تشترك في إحداثها مصادر متعددة[26]، خاصة في المناطق التي يغلب عليها الطابع الصناعي أو التجاري، وبالتالي فإن إثبات هذه الرابطة في مثل هذه الحالات يعد أمراً دقيقاً وصعباً يثير العديد من المشاكل القانونية نظراً لتعدد الأسباب التي يمكن إرجاع الضرر إليها.
    ولقد أَقر القضاء الأمريكي بهذه الصعوبة في قضية"victenam retenans"   ضد سبع شركات منتجة لمبيدات كيميائية كانت لها تأثيرات على الصحة، وأوضح القضاء أن العجز الحقيقي الذي واجه المدعين هو تقديم دليل مقبول لرابطة السببية بين هذه المبيدات الكيميائية والأمراض العديدة التي يعانون منها[27].
    كما أن إثبات رابطة السببية يصبح أكثر تعقيداً إذا استلزم الأمر إثبات أكثر من رابطة سببية واحدة بين كل شخص مسؤول أو مساهم في إحداث الضرر، وبين الضرر الذي حدث، والنسبة التي كانت السبب في حصول الضرر بالنسبة لكل صاحب نشاط ضار ساهم في إحداثه[28]، ومن ثم يجد المضرور صعوبة في إثبات هذه الرابطة بين فعل الآخرين وبين ضرر مؤكد قد لحق به فيضيع حقه في التعويض نتيجة لذلك.
      أمام هذه التعقيدات اقترح الفقه الحديث مبدأ المسؤولية التضامنية المفترضة للقائمين بالنشاط الملوث للبيئة، فمنتج المادة ومستعملها في نشاط معين كلهم مسؤولون عن ضرر التلوث في إطار تطبيق قواعد المسؤولية التضامنية، كما تم اللجوء إلى تقسيم مسؤولية المساهمين المتعددين بنسبة ما يستخدمه كل منهم من مواد ملوثة إلى نسبة ما يستخدمه الآخرين منها و هو ما يعرف بتقسيم المسؤولية بالنسب التقريبية للمواد الملوثة المستخدمة في إحداث الضرر[29]. وهذا ما جسده المشرع المغربي من خلال المادة 118 من قانون الماء 95.10 التي جاء فيها " …إن ملاك ومستغلي ومسيري المؤسسات التي تصدر عنها الإنصبابات والسيلانات والرمي والإيداعات المباشرة أو غير المباشرة للمواد التي تشكل المخالفة يمكن أن يصرح بمسؤوليتهم بالتضامن عن أداء الغرامات وصوائر الدعوى المستحقة على مرتكبي هده المخالفات."
    إلا أن ذلك لم يحل المشكلة، حيث يقضي القول بذلك وجوب إثبات علاقة السببية بين
النشاط الخاطئ لكل من الأطراف والضرر الحاصل، وهذا هو أساس المشكلة، سواء كُنا بصدد مسؤولية مدنية لأشخاص عاديين في مواجهة بعضهم البعض، أو كُنا بصدد المسؤولية الدولية المدنية عن أضرار التلوث، فضلاً عن أن أسباب الضرر المتعددة تتغير في بعض الأحوال من مكان لآخر، ويصبح من الصعب تحديد الطريقة التي حدث بها ضرر التلوث مع ما يترتب عليه من عدم معرفة المساهمين في حدوثه، كل هذا من شأنه أن يؤدي إلى انتفاء المسؤولية والتأثير على حق المضرور في التعويض عن ضرر مؤكد وحاصل.
     الفقرة الثانية: تنوع طبيعة أضرار البيئية
     قد ترجع صعوبات إثبات رابطة السببية بين فعل الملوِث والضرر الحاصل إلى طبيعة أضرار التلوث البيئي ذاتها سواء من حيث تراخيها (أ)، أو طابعها الانتشاري (ب)، أو صعوبة تحديدها في أغلب الأحيان (ج).
أ – صعوبة إثبات السببية نتيجة تراخي الضرر البيئي.
إن الضرر البيئي لا يظهر عادة عند حدوث عملية التلوث في البيئة وإنما يتراخى ظهوره إلى المستقبل، وقد لا يتحقق إلا بعد مرور فترة زمنية معينة قد تمتد لتصل إلى أجيال أخرى، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تعذُر في إثبات رابطة السببية نتيجة مرور فترة زمنية قد تطول قبل ظهور آثار التلوث على الإنسان أو الأموال، واحتمال تداخل عوامل وأسباب أخرى مع السبب الأصلي الذي أحدث الضرر، حتى تصل في النهاية إلى أننا لسنا بصدد ضرر يمكن التعويض عنه[30].
   والغالب ألا يتيسر تقدير عناصر الضرر ومن ثم تقدير التعويضات الواجبة الدفع، وذلك بسبب تأثُر مصالح العديد من الأطراف بأضرار التلوث، ففي حوادث ووقائع التلوث البحري على سبيل المثال، يلحق الضرر بشركات الصيد وتصاب الدول الساحلية محل الواقعة وتلك القريبة منها ببالغ الأضرار، فضلاً عما يصيب الشواطئ والمصطافين… كل هذا التسلسل في الأضرار قد يحدث خلال فترات متفاوتة مما من شأنه أن يثير العديد من المصاعب في إثبات علاقة السببية.
ب- صعوبة إثبات السببية نتيجة الطابع الانتشاري للضرر البيئي
    إن الضرر البيئي ذو طابع انتشاري فقد يقع في منطقة معينة إلا أن آثاره تمتد إلى مسافات بعيدة ونطاق جغرافي واسع، فالتلوث لا يعرف الحدود وقد تساعد على انتشار آثاره التيارات الهوائية وكذا التيارات المائية التي تحمل الملوثات إلى مناطق بعيدة عن مكان النشاط الملوِث، فتصيب الأموال والأشخاص المتواجدين في هذه الأماكن، وفي هذه الحالة تكون من الصعوبة بمكان نسبة التلوث إلى الحادثة أو الواقعة التي سببته ومن ثم الصعوبة في تحديد المسؤول الملتزم بالتعويض.[31]
ج- صعوبة إثبات السببية نتيجة عدم قابلية الضرر البيئي للتحديد
     إن الضرر البيئي ضرر غير قابل للتحديد في أغلب الأحيان، لأن تحديده بدقة يحتاج إلى خبرات علمية خاصة، كما لو تعلق الأمر بالتلوث بطريق الاتحاد أو باندماج العناصر«cumulative pollution»  فقد تكون المواد أو العناصر المسببة للتلوث والناتجة عن ممارسة نشاط معين غير ملوث أو غير ضارة بمفردها، إلا أنها تصبح كذلك باتحادها مع مادة أو عنصر آخر ناتج عن نشاط آخر أو تفاعلها معه، كما هو الحال بالنسبة لتلوث المجاري المائية نتيجة إلقاء أو تصريف مواد أو سوائل غير ضارة، ولكنها تتفاعل مع غيرها من المواد الأخرى الموجودة في الماء، فتتحول إلى صيغة كيميائية جديدة من الصعب الوقوف على أصلها أو مصدرها الحقيقي، وهذا كله من شأنه أن يزيد من صعوبات إثبات رابطة السببية خاصة إذا كان النشاط الملوث مشروعا وانتفى الخطأ في جانب صاحبه.[32]
     لذا يمكن الإشارة إلى أن تعدد هذه الصعوبات من شأنه أن يكون له تأثير على رابطة السببية، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى عدم التمكن من إثباتها مما يترتب عليه حرمان المضرور من التعويض، لذا كان من الضروري إيجاد وسائل تتناسب وخصوصيات أضرار التلوث قصد التخفيف من عبء إثبات هذه العلاقة في هذا المجال.
 
    المطلب الثاني: الوسائل الحديثة لإثبات رابطة العلاقة السببية.
    إن تزايد الصعوبات السابق الإشارة إليها والتي ترجع إلى الطبيعة الخاصة للضرر البيئي الناجم عن التلوث عموماً، وكذا صعوبة التحديد الدقيق لهوية المسؤول في ظل تداخل العوامل والمؤثرات التي تساهم في إحداثه، أثر تأثيرا كبيرا على تحديد رابطة السببية بين الفعل والنتيجة المتمثلة في الضرر الواقع، وأثبت قصور القواعد التقليدية وعدم احتواءها للأضرار البيئية المحضة ذات الطابع الاحتمالي وغير المباشر، الأمر الذي استوجب تدخل كل من الفقه والقضاء وكذا بعض التشريعات الوطنية وحتى الدولية لضرورة البحث عن حلول قانونية تجنب المضرورين رفض الدعاوى التي يباشروا، ومن ثم كان الاتجاه نحو افتراض العلاقة السببية وتسهيل إثباتها  ( الفقرة الأولى )، أو الاستناد إلى أقصى ما وصل إليه العلم الحديث في إثبات الصلة بين فعل ما أو أكثر والنتيجة المترتبة عليه وهو ما يعرف بالسببية العلمية ( الفقرة الثانية).
        الفقرة الأولى: افتراض العلاقة السببية وتسهيل إثباتها.
    مراعاة لجانب المضرور من جراء التلوث والذي يقع على عاتقه عبء إثبات رابطة السببية، فقد تساهل القضاء في هذا الأمر بإقامة قرينة لصالح المضرور إذا كان من شأن الفعل أن يحدث عادة ضرر التلوث، لذلك فإنه يمكن اللجوء إلى الاحتمال والظن بحيث يكون الدليل الاحتمالي على وجود السببية بين الفعل والضرر كافيا للقول بقيام المسؤولية المدنية، وهذا ما يسمى بمبدأ العلاقة السببية المفترضة[33].
     وتطبيقا لهذا المبدأ نجد أن القضاء الفرنسي لم يعد يقتصر على النظريات التقليدية في إثبات رابطة السببية، بل لجأ في بعض الأحيان إلى نظرية المخاطر أو ما يعرف بالشيء الخطير لأجل إقامة هذه العلاقة، حيث يكفي إثبات أن النشاط فيه خطورة للقول بأنه سبب حتمي لوقوع الضرر، ويعتبر النشاط خطيرا إذا انطوى على استعمال وسائل خطيرة، أو تم في ظروف لا تخلوا من المخاطر كاستخدام الطاقة النووية، ومثلها مختلف النشاطات التي تسبب كوارث بيئية، وفي هذه الحالة يلجأ القاضي إلى الاعتماد على نظرية المخاطر والأشياء الخطيرة لتسهيل إثبات الضرر[34].
      ولقد تضمن القانون الفرنسي الصادر في 30 أكتوبر 1968 في مادته العاشرة، النص على افتراض علاقة السببية بالنسبة للأضرار الجسدية التي يمكن أن تنجم عن الحوادث النووية، كما نص هذا القانون على أن مستغل السفن النووية يعتبر مسؤولا بقوة القانون عن الأضرار الناتجة عن الحوادث النووية.
      وفي نفس الإطار نجد أن القانون السويدي لعام 1986 والمتعلق بالمسؤولية المدنية البيئية، قد نص في المادة الرابعة منه على أنه: " لقيام المسؤولية المدنية على المُدعي أن يثبت أن إطلاق الملوثات هو الذي سبب هذه الأضرار ويكفي لقيام ذلك تقديم دليل احتمالي". وهذا ما قضت به المحكمة العليا في السويد بشأن دعوى تتعلق بموت أسماك حين تبين لها من خلال الوقائع صعوبة للوقوف على السبب المؤدي الى ذلك، واكتفت بالسبب الذي أورده المدعي[35].
ولقد جاء في قرار لمحكمة النقض، " … وحيث أن المحكمة حين اعتمدت في إثبات الأضرار الناتجة عن بناء فرن تقليدي وإحداث مزبلة فوقه على الخبرة. ودلك في إطار سلطتها التقديرية لكون الضرر يمكن إثباته بجميع الوسائل بقطع النظر عن مخالفة أو عدم مخالفة قواعد التعمير تكون قد عللت قرارها تعليلا صحيحا[36]".
   وفي قرار أخر لنفس المحكمة[37] جاء فيه، " … وحيث إن مسؤولية المكتب الشريف للفوسفاط إنما تقوم على نظرية مضار الجوار أو ما يعرف بالضرر غير المألوف والدي يتجلى حسب وقائع القضية في انبعاث الدخان والغازات من معامله وقد تسببت في الإضرار بمزروعات المطلوب، وهي مسؤولية لا تقوم على الخطأ أو على التعسف في استعمال الحق وإنما تقوم على نظرية تحمل التبعية، بمعنى أن المكتب يتحمل نتيجة نشاط استعمال معامله التي يستفيد منها فيبقى عليه مقابل دلك تعويض أصاب الأرض المجاورة والمتضررة.
    الفقرة الثانية: الإسناد العلمي بين الفعل والنتيجة الضارة.
    لما كانت رابطة السببية ذات طبيعة مادية محسوسة تدركها الملاحظة الحسية، وتخضع للفحص والتجربة، فإنه يمكن إخضاعها إلى أقصى ما وصل إليه العلم لتحديد المعيار الذي يتم من خلاله التعرف على العوامل التي يعتد بها، وتمييز العوامل التي ليست لها علاقة بالضرر، وهذا ما يعرف بالسببية العلمية  causation scientifique وتعرف رابطة السببية العلمية بأن " الإسناد إلى أقصى ما وصل إليه العلم في إثبات الصلة المادية بين فعل ما أو أكثر والنتيجة المترتبة عليه"[38]
     وتعد فكرة السببية العلمية الجانب المستحدث الذي أدخل على فكرة السببية القانونية، إذ تعد بمثابة حل ضروري لمواجهة الصعوبات الخاصة بإثبات رابطة السببية بين الفعل والضرر، وذلك بالرجوع إلى الإحصائيات العلمية التي تثبت فيها حالات حدوث الأضرار تبعا لازدياد تلوث البيئة بأحد الغازات أو المواد السامة، و من ثم إثبات العلاقة بين المادة الملوثة والضرر الناتج دون البحث عن العلاقة بين فعل المدعى عليه والمادة الملوثة[39].
     كما أخذت بعض التشريعات بتطبيق فكرة السببية العلمية في المجال البيئي، فقد حدد على سبيل المثال القانون الياباني رقم 18 لسنة 1980 المعدل بالقانون رقم 84 لسنة 1982 الصناعات التي تؤدي إلى التلوث، وأنشأ وكالة لتسجيل المواد السامة والأمراض المرتبطة أو مكنها من إجراء تطبيقات قرب المواقع الملوثة وإعداد تحليلات للمواد الملوثات، والبحث عن معلومات حول أنشطة الأطراف المسؤولة في مثل هذه المواقع.
     وعليه يمكن إسناد النتيجة الضارة إلى مصدرها وفق الأبحاث العلمية التي تحدد هذا الارتباط عن طريق إجراء التحاليل النوعية وإجراء القياسات اللازمة وأخذ عينات من مصدر التلوث وفقا للمقاييس المعمول بها.
 
     خاتمة:
     يمكن القول في الأخير بصدد إثبات الرابطة السببية في نطاق المسؤولية التقصيرية عن الأضرار البيئية، إلى أن هذا الأمر يتسم بعدة صعوبات وهذا راجع لما يتميز به الضرر البيئي ذاته، وإلى تعدد وتعقد الأضرار في المجال البيئي سواء على المستوى الداخلي أو الدولي، كل هذا من شأنه أن يدعوا إلى عدم التقيد بالقواعد التقليدية للمسؤولية خاصة فيما يتعلق بالإثبات اليقيني أو المطلق لرابطة السببية، وإن كان لهذه القواعد دور في إثبات بعض الأضرار البيئية التي تتناسب معها، إلا أنه وفي ظل ازدياد أخطار التلوث البيئي لابد من مراعاة الصعوبات والمشاكل التي تعيق المضرورين في دعاوى التعويض التي يرفعوا، وذلك بالتخفيف من عبء إثبات رابطة السببية في مثل هذه الأخطار والاتجاه نحو الجانب الفني والتقني في إثبات.
 



الهوامش:
---------------------
[1] عبد السلام سعيد سعد، مشكلة تعويض أضرار البيئة التكنولوجية، دار النهضة العربية القاهرة، بدون سنة نشر، ص 14
[2] الأعراف الآية 85.
[3] سورة البقرة الآية 60.
[4] عبد القادر العرعاري، مصادر الالتزامات، الكتاب الثاني، " المسؤولية المدنية "، الطبعة الثالثة، دار الأمان الرباط، 2014،  ص 7
[5]  أهم هده المؤتمرات : –  مؤتمر ستوكهولم 1972 حول(  الإنسان والبيئة ).
    مؤتمر ري ودي جانيرو بالبرازيل 1992 حول ( البيئة والتنمية والمعروف بقمة الأرض )
    مؤتمر باريس حول التغيرات المناخية دجنبر 2015
    مؤتمر  الأخير للأطراف بمراكش حول التغيرات المناخية نونبر 2016
[6] مما يحسب للدستوري المغربي لسنة 2011 انه اعتبر العيش في بيئة سليمة حقا من الحقوق الأساسية لجميع المواطنين على قدم المساواة، وذلك في الفصل 31 من الدستور الباب المتعلق بالحريات والحقوق الأساسية، كما عمل المشرع بإحداث المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، يدلي برأيه في التوجهات العامة للاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة.
[7]  يتوفر المغرب على ترسنة قانونية بيئية ضخمة تشمل جميع عناصر البيئة منها ما صدر قديما وحديثا واهم هده النصوص القانونية على سبيل المثال وليس الحصر : قانون 95.10 المتعلق بالماء – قانون 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها- قانون 13.03 المتعلق بمكافحة تلوث الهواء- قانون 99.12 بمثابة ميثاق البيئة والتنمية المستدامة. قانون 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة، قانون رقم 81.12 المتعلق بالساحل الصادر في  16 يوليو 2015 ، قانون 09.13 المتعلق بالطاقات المتجددة الصادر بتاريخ18  مارس2010 قــانون رقـم 77.15 يقضي بمنع صنع الأكياس من مادة البلاستيك  واستيرادها وتصديرها وتسويقها واستعمالها الصادر 7 دجنبر 2015 والذي ينسخ ويعوض القانون رقم 22.10 المتعلق باستعمال الأكياس واللفيفات من البلاستيك القابل للتحلل أو القابل للتحلل بيولوجيا الصادر (16 يوليوز 2010)…
[8]  ينص الفصل 77 من ق ل ع م  " كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار، ومن غير أن يسمح له به القانون، فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير، ألزم مرتكبه بتعويض هدا الضرر، إدا ثبت أن دلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر…"
[9]   عرفت محكمة التمييز الكويتية الخطأ " بأنه الانحراف في السلوك على نحو لا يرتكبه الشخص اليقظ لو أنه وجد في ذات الظروف الخارجية التي أحاطت بالمسؤول عما يعد عملا غير مشروع موجبا للمسؤولية التقصيرية = قرار عدد 671 \ 1996 منشور بمجلة التشريع وزارة العدل الكويت العدد الرابع، 1997 ص 143
[10] سامر عاشور، تلوث البحار من السفن ومسؤولية مالك السفينة، رسالة دكتوراه، جامعة عين شمس، القاهرة، 2000، ص 324
[11]  موفق حمدان، المسؤولية المدنية عن تلوث البيئية، رسالة ماجستير، جامعة ال البيت، 2007 ص 27
[12]  عبد السلام سعيد سعد، مشكلة تعويض أضرار البيئة التكنولوجية، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 54
[13]  هالة صلاح الحديثي، المسؤولية المدنية عن تلويث البيئة دار الفكر العربي، القاهرة، ط 1 2006 ص 84
[14] قرار محكمة النقض ( ملف إداري) عدد 2680 / 2014 – 05- 15، غير منشور
[15]  سلوى توفيق باكير، الحماية الجنائية للبيئة وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية، دار النهضة العربيةـ القاهرة، دون طبعة، 2001  ص 115
[16] حمزة محمد، التبسيط في شرح القانون المدني الأردني، الجزء الثاني، دائرة المطبوعات والنشر، عمان، 2006 ص 346
[17] قرار محكمة النقض (ملف تجاري) عدد 148 / 2011-1-27 . غير منشور
[18] الضرر المعنوي هو الذي يصيب الشخص في شعوره نتيجة المساس بعاطفته أو كرامته أو شرفه وغير دلك من الأمور المعنوية التي يحرص عليها في حياته. وبعبارة أخرى ما يصيب الإنسان في ناحية غير مادية أم الضرر الجسدي والذي يحمل معالم الضرر المادي والمعنوي في آن واحد. أنظر في دلك : عدنان ابراهيم السرحان، شرح القانون المدني، مصادر الحقوق الشخصية، دار الثقافة عمان ط 1 2008 ص 396
[19]  المرجع نفسه، ص 424
[20] ملف تجاري عدد 500/ 2012 -3-1  الصادر عن محكمة الاستناف التجارية بالرباط والمؤرخ في 2014-03-20 غير منشور
[21] هالة صلاح الحديثي، م س ص 245
[22] سلطان أنوار، مصادر الالتزام في القانون المدني، دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي، منشورات الجامجة الأردنية، الطبيعة، 1986 ، ص 56
[23] قرار محكمة النقض ( ملف إداري) عدد 2- 431 / 2014 -05- 08 بين المدعي المجلس البلدي لمدينة وزان والمدعى ومحمد بنجلون، غير منشور
[24]  وهبة الزحيلي، نظرية الضمان وأحكام المسؤولية المدنية والجنائية في الفقه الإسلامي، دراسة مقارنة، دار الفكر، بيروت، سنة 1975 ص 28
[25]  هالة صلاح الحديثي، المسؤولية المدنية الناجمة عن تلوث البيئة، دراسة تحليلية تطبيقية، ط 1، دار جهينة للنشر والتوزيع الأردن، سنة 2003 ص 147
[26]  محمد عبد الظاهر حسين، خطأ المضرور وأثره على المسؤولية المدنية، دار النهضة العربية، مصر سنة 2002 ص 25
[27]  هالة صلاح الحديثي، م س ص 312
[28]  نبيلة اسماعيل رسلان، المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية، بدون طبعة، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2007 ص 205
[29]  Jacque Pourciel , Protection de l’environnement de la contraint au contrat , Tome 1, 1994, P 34
[30]  علي جمال، الحماية القانونية للبيئة البرية من أخطار التلوث، دراسة مقارنة، رسالة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق، جامعة تلمسان، 2009- 2010، ص 116
[31]  عطاء سعد محمد حواس، المسؤولية المدنية عن أضرار التلوث البيئي في نطاق الجوار، دراسة مقارنة، الدار الجامعية الجديدة، بدون طبعة، الإسكندرية، 2011 ص 348
[32]  سعيد سعد عبد السلام، مشكلة تعويض أضرار البئية التكنولوجية، دار النهضة العربية، القاهرة 2003، ص 206
[33] السرحان إبراهيم عدنان، م س ص 78
[34] الباز داود، حماية السكينة العامة، معالجة لمشكلة العصر في فرنسا ومصر، الضوضاء- دراسة تأصيلية مقارنة في القانون الإداري للبيئة والشريعة الإسلامية، دار النهضة العربية، القاهرة، دون طبعة، 1998 ص 254
[35]  Jean Francois Neuray , Droit l’environnement, Dalloz , 2001 . P 123
[36]  قرار محكمة النقض ( ملف مدني) عدد 4292/ 2014 -05 – 27 . غير منشور .
[37]  قرار محكمة النقض ( ملف إداري) عدد 460  / 2007 -2- 4 . غير منشور.
[38] أحمد عبد الكريم سلامة، فكرة الجنسية في المسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية، المجلة المصرية للقانون الدولي العدد 52، سنة  2002  ص 98
[39] علي بن علي مراح، المسؤولية الدولية عن التلوث عير الحدود، رسالة دكتوراه في القانون الدولي، كلية الحقوق بن عكنون، جامعة الجزائر، 2006/2007 ص 178



avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى