المساهمة الجنائية ونظرياتها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

المساهمة الجنائية ونظرياتها

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 12 نوفمبر 2009, 14:07


المساهمة الجنائية ونظرياتها


إن المفاهيم والتحريات المتعلقة بالمساهمة الجنئية تعددت واختلفت في التمييز بين المساهمة الأصلية والمساهمة التبعية محاولة منها تحديد نطاق كل منهما.

المطلب الأول
تعريف المساهمـة الجنائيـة، أركانها وأنواعها
إن المساهمة الجزائية تمثلت في صورتين المساهمة التبعية والمتمثلة في الشريك والمساهمة الأصلية المتمثلة في الفاعل الأصلي ونحاول التعرض لبعض النظريات التي قيلت في هذا الموضوع.
إن المساهمة الجزائية من حيث تعريفها وأركانها، اختلفت التشريعات في تنظيم أحكامها غير أن هذه التشريعات اتفقت فيما يخص أنواع المساهمة الجزائية وقسمتها إلى المساهمة الأصلية والمساهمة التبعية والمشرع الجزائري نظم أحكامها في المواد 41 إلى 46 قانون العقوبات.

أولا: تعريف المساهمة الجنائية:
يقصد بالمساهمة الجنائية تعدد الفاعلين في الجريمة الواحدة أي في نفس الجريمة وهي بهذا أن الجريمة المرتكبة لم ترتكب فقط من طرف فرد واحد، وإنما ارتكبت من طرف عدة أشخاص لكل منهم دور قام به، وهذا الدور يتفاوت من فاعل للآخر، وهذا مايثير مشاكل قانونية في تحديد أثر هذا التفاوت، فقد يكون دور المساهم رئيسي في الجريمة فتكون مساهمة أصلية فيسمى الفاعل وقد يكون المساهم دوره ثانوي فتكون مساهمته متصفة بالتبعية ويسمى هذا الفاعل بالشريك.
وقد يكون دور المساهم متمثل في مجرد فكرة دون أن يساهم في ارتكابها، فيكون المساهم هنا محرض، والقانون الجزائري يعتبر المحرض فاعل أو مساهم أصلي.
ولإعتبار الجريمة مرتكبة من عدة أشخاص لابد أن يكون هناك رباط معنوي يجمع بينهم في جريمة واحدة وإلا تعددت الجرائم بتعددهم وألحقت بكل واحد منهم جريمة متميزة، وليست لزاما في هذا الرباط المعنوي أن يتخذ صورة التفاهم المسبق بين عدة أشخاص على ارتكاب الجريمة وقد يكون تعدد الجناة ضروري إذ لا يتصور وجود جريمة قانونا إلا إذا تعدد الفاعلون فتكون المساهمة في هذه الحالة ضرورية مثل جريمة الرشوة، إذ لا بد من وجود الراشي والمرتشي وكذلك جريمة الزنا، وقد يكون تعدد الفاعلون عرضيا أي أنه من الممكن وقوع جريمة دون حاجة إلى تعدد الجناة[1]. والجريمة يمكن أن تكون تامة، وقد توقف أي لا تصل إلى النتيجة وهو ما سمي قانونا بالشروع أو المحاولة، فهي نتيجة جهد منفرد أو جماعي ولكل دور، والإختلاف في الأدوار هو الذي يطرح مشكلة التمييز بين الفاعل الأصلي والشريك[2] والمشرع يعاقب على الجريمة عندما تكتمل أركانها بغض النظر عمن يرتكبها، ولكي تكون مساهمة جزائية يجب أن تكون مساهمة جزائية يجب أن تكون جريمة واحدة مقترفة من عدة أشخاص[3].

ثانيا: أركان المساهمة الجزائية:
تقوم المساهمة الجزائية بتعدد المساهمين وبوحدة الجريمة.
1- عدد المساهمون:
معناه إن كان الفاعل بمفرده فلا حالة تعدد المساهمون في الجريمة وإذا تعدد تبعا لها الجناة بحيث ألصقت كل جريمة بفاعل تكون في حالة جرائم متعددة بتعدد مرتكبوها، وينعكس هذا على المسؤولية والعقاب، ولو افترضنا أن هذه الجرائم ارتكبت في زمان واحد أومكان واحد ولباعث واحد يلزم أن تكون الجريمة الواحدة قد ساهم في إحداثها عدد من الفاعلين وبالتالي يمكن القول بأن المجرمون الذين ارتكبوا الجريمة قد تعددوا والمقصود بالتعدد في أركان المساهمة هو التعدد الممكن للفاعلين، وغير التعدد الضروري لقيام الجريمة، كالتعدد الضروري واللازم في جريمة الرشوة وجريمة الزنا وهذا التعدد لا يعد مساهمة جزائية بل يعد ركنا من أركان المساهمة الجزائية، إذ لا يمكن تصور جريمة الزنا دون وجود طرف ثاني ولا جريمة رشوة بدون وجود الراشي وإنما التعدد المقصود هوالتعدد الممكن أو الإجتماعي أي غير اللازم لقيام الجريمة واللذي بتخلفه لا يرتب عدم قيام الجريمة، وإنما قياما بفاعل واحد يكفي كجريمة القتل، فهذه الجريمة مثلا لا تتطلب عدة أشخاص لإرتكابها لأنها تقبل الوقوع من جاني واحد كما تقبل الوقوع من عدة جناة.
فإذا وقعت بالطريقة الأخيرة كنا بصدد مساهمة جزائية وإذا تمت بالطريقة الأولى(فاعل وحيد) كنا بصدد جريمة ذات فاعل واحد[4].

2- وحدة الجريمة:
والمعني بها أو المقصود منها وحدة الركن المادي للجريمة بعناصره المتمثلة في السلوك والنتيجة السلبية وتتطلب هذه الوحدة النتيجة التي تحققت إلى كل فعل صدر عن المساهمين في نفس الجريمة[5]، أي أن يكون الفاعلون قد تعددوا في ارتكابهم لجريمة واحدة.
لا تتحقق وحدة الجريمة إلا إذا جمعت بين عناصرها وحدة مادية ووحدة معنوية.

أ- الوحدة المادية للجريمة:
قد تختلف وتتعدد أفعال المساهمين ولكنها تلتقي لتحقيق واقعة إجرامية واحدة، بحيث يؤدي كل فعلمنها دوره في إحداث النتيجة ولا تقوم وحدة الجريمة من الناحية المادية إلا إذا تحققت وحدة النتيجة الإجرامية وارتباط كل فعل من أفعال المساهمين بتلك النتيجة برابطة السببية، وهذه الرابطة لا تنتهي بفعل المساهم والنتيجة الجرمية إلا إذا تلت أي أن النتيجة كانت ستقع بالشكل الذي وقعت به وفي المكان والزمان الذي تحققت فيه لو لم يقم المساهم بأي نشاط من جانبه[6].

ب- الوحدة المعنوية للجريمة:
إن المساهمة الجنائية تتطلب إضافة على الوحدة المادية للجريمة توافر الرابطة المعنوية أي أن تتحقق لدى الفاعلون رابطة معنوية ذهنية واحدة[7]، ولا تتوافر هذه الرابطة إلا إذا كان بين المساهمين اتفاق أو تفاهم مسبق على تنفيذ الجريمة غير أن هذا الرأي لقي انتقادا على أساس أنه ينفي توافر المساهمة الجرمية في الحالات التي يثبت فيها تعاون المساهمين في تنفيذ الجرم دون أن يكون هذا التعاون مسبوقا بإتفاق، مثال ذلك يعلم بأن هناك أشخاص أرادوا سرقة المواشي فيترك لهم حارس الإسطبل الباب مفتوحا دون أن يكون بينه وبينهم اتفاق سابق.
ومنه يمكن القول بتوافر الرابطة الذهنية إذا زال علم المساهم إلى الأفعال التي تصدر إلى المساهمين معه وأن هذه الأفعال بالإضافة إلى تلك الصادرة منه من شأنها أن تحدث نفس النتيجة التي وقعت.
وبالرغم من أن المساهمة الأصلية في الجريمة لا تثير جدلا نظرا لوضوح أحكامها إلا أن الخلاف متعلقا بالمساهمة التبعية وهذا انعكس على المساهمة الأصلية نظرا للعلاقة القوية بينهما وهذا الخلاف انحصر في مذهبين هما:
* مذهب يرى تعدد الجرائم بتعدد المساهمين.
* مذهب يقرر وحدة الجريمة رغم تعدد المجرمين.

- مذهب تعدد الجرائم بتعدد المساهمين:
يرى أتباع هذا المذهب أن الجرائم تتعدد بتعدد المجرمين، أي أن كل مساهم يعتبر مجرم ارتكب جريمة مستقلة عن تلك التي ارتكبها غيره فيسأل عنها بإعتباره فاعلا لها ويترتب على هذا إلغاء الفرق بين المساهم الأصلي والشريك لأن لكل مساهم إجرامه، مادام فعله يكون جريمة مستقلة، ويعتمد أنصار هذا المذهب على الصور التي شاعت على مذهب وحدة الجريمة والمتمثلة في التناقض للحقيقة نظرا لتعدد الأفعال ووتعدد النوايا الإجرامية لدى كل مساهم بإعتبار أن وحدة العقيدة لا وجود لها في حالة المساهمة الجزائية إذ لكل مساهم تصرف وفق إرادته الخاصة وبالتالي تتعدد النوايا بتعدد المساهمين وحتى وإن تشابهت فلا تصل إلى درجة الوحدة.
وبالرغم من هذا فإنه من غير المعقول ان لا يقع الشريك أو المساهم خارج إطار العقاب بل يعاقب جزائيا مادام أنه استنفذ كل نشاطه وفي إطار هذا المذهب فإن الشريك يتأثر بظروف الفاعل الأصلي ومنه فإن الشريك يعتبر ارتكب جريمة مستقلة ويسلط عقوبة بقدر خطورة فعله طبقا للمدرسة الإيطالية الوضعية التي قررت أن القاعدة هي أن لكل بحسب فعله وخطورته وليس لكل بحسب العمل[8]، وأول مننادى بهذا المذهب الترويجي جتز(GETZ) الذي وضع فيما بعد قانون العقوبات النرويجي.

- مزايا هذا المذهب:
* معاقبة الشريك حتى ولم يرتكب الفاعل الجريمة ويتبع ذلك أن يعاقب على الشروع
في الإشتراك.

* لا يسأل الشريك إلا في حدود نيته.
* إذا عدل أحد المساهمين بمحض إرادته لا يعاقب دون أن يتأثر بذلك باقي المساهمين.
* عدم استفادة الشريك دائما من الإباحة التي تتوافر للفاعل الاصلي.
* لا يدع مجالا للبحث في مشكلة الفاعل المعنوي إذ امتناع مسؤولية الفاعل لا يؤثر في مسؤولية الشريك.
* عدم تطلب وحدة الجريمة يؤدي إلى جواز مساءلة الشريك عن قصد جنائي والفاعل عن إهمال كما لو حمل شخص صيدليا على إعطائه سما دون أمر الطبيب ليقتل به شخصا، يسأل عن قتل عمدي كما يسأل الصيدلي عن القتل.

- مذهب وحدة الجريمة رغم تعدد المساهمين:
يرى أتباع هذا المذهب أن الجريمة تبقى بوحدتها رغم تعدد مرتكبيها وهذا معناه خضوع جميع المساهمين لعقوبة واحدة وهذا يتعارض مع تقرير العقاب التي تتطلب تناسب العقوبة مع الدور الذي قام به كل فاعل، وهذا يؤدي بنا إلى القول بوجود التمييز بين الفاعل الأصلي والشريك في الجريمة وهذا ناتج عن وحدة الجريمة ويرتبط نشاط الشريك الإجرامي من نشاط الفاعل إذ بينهما صلة ويستند أيضا هذا المذهب إلى أن وحدة الجريمة رغم تعدد المجرمين لواقعة حقيقية لا يسمح للقانون إنكارها، وهذه الوحدة قائمة من الناحية المادية والمعنوية فهي قائمة من الناحية المادية لأن النتيجة فيها هي الإعتداء على الحق الذي يصونه القانون واحدة وهي مرتبطة بكل فعل من أفعال المساهمين في الجريمة بعلاقة السببية، وهي أيضا قائمة من الناحية المعنوية لأن الركن المعنوي الذي يتوافر لدى كل مساهم ينصب على باقي أفعال المساهمين معه في الجريمة والفرق جلي بين أشخاص يجمع بينهم هدف إجرامي واحد يتجه إليه نشاطهم وتوزع الأدوار بين المجرمين، وبين أشخاص يعمل كل منهم على تحقيق غاية مستقلة على آخر والحجة التي يستند إليها مذهب وحدة الجريمة هي الحرص على تقرير العقاب.
يظهر أن مذهب تعدد الجرائم بتعدد المساهمين يؤدي إلى نتائج ومزايا كثيرة، لكن الحقيقة على خلاف ذلك لأن هذا المذهب يناقض طبيعة الأشياء والدليل على عدم ملائمته أن التشريعات التي أخذت به أدخلت عليه استثناءات، لأن القاعدة التي اعتمد عليها هذا المذهب هو مساواة أفعال المساهمين في الجريمة مما يؤدي إلى المساواة القانونية بينهما وهذا غير معقول إذ أنه إذا أخذنا به معناه استنتاج التعادل السلبي وهذا مخالف للمنطق القانوني لأن المسؤولية الجنائية لا تعتمد على علاقة السببية فقط وإنما هناك عناصر أخرى متداخلة أي أنه إذا تعادلت الأفعال من حيث قيمتها السببية فإنها قد تختلف من حيث قيمتها بالنسبة لعناصر أخرى وبذلك تختلف من حيث قيمتها القانونية ومنه فإن التعادل السببي لا يكفي سندا للقول بالتعادل القانوني وهذا المذهب بالتالي مناقض لطبيعة الأشياء فمثلا إذا كانت النتيجة الإجرامية واحدة وتحققت الرابطة الفكرية بين المجرمين فإن وحدة الجريمة تصبح واقعة لا يمكن تجاهلها، والفرق يصبح جليا بين مجموعة الجرائم المقترفة التي يرتكبها عدة أشخاص بعد أن يوضع لها تخطيط وتوزع فيها الأدوار وبالتالي عدم إمكانية نكران التأثر المتبادل الذي ينشأ بين المساهمين وبالتالي لا يمكن تحديد تصرف كل مساهم تحديدا دقيقا.
كما أن هذا المذهب يؤدي إلى التحكم القضائي، حيث إذا قرر القانون المساواة بين المساهمين من حيث العقوبة فإن القاضي لا يمكن أن يتجاهل دور كل واحد في الفعل الإجرامي أي لا يستطيع أن يتجاهل دور كل واحد في الفعل الإجرامي، أي لا يستطيع أن يتجاهل الإختلاف بينهم في أهمية الأدوار الإجرامية، وبالتالي فيميز بينهم في حدود سلطته وتقديره، وبالتالي فإن هذا المذهب من المسلم به غير صالح للتطبيق فمثلا القانون الإيطالي الذي أخذ به لم يستطع أن يسايره حتى النهاية حيث أدخل عليه عدة استثناءات حيث يقرر تشدديد العقوبة لمن استغل سلطته في تحريض الخاضع له على ارتكاب الجريمة المادة 111 قانون عقوبات ايطالي.
وإذا كان هذا المذهب غير ملائم فإن مذهب وحدة الجريمة بعيد عن الحقيقة ومتفق مع مبدأ تفريد العقاب وهذا نظرا لإستعادة نشاط المساهم التبعي الصفة الإجرامية من نشاط المساهم الأصلي نسبيا وبالتالي تبعيته له تبعية محدودة تفاديا للنتائج التي يؤدي إليها القول بتبعيته المطلقة وهي نتائج غير مقبولة[9].

ثالثا- أنواع المساهمة الجنائية:
إن المساهمة الجنائية تنقسم إلى نوعين:

1- المساهمة الأصلية:
تعد المساهمة الأصلية في الجريمة بتعدد الجناة الذين ارتكبوا جريمة واحدة أي أن الفاعلين قاموا بأدوار أساسية في ارتكاب ذات الجريمة فالمساهمة الأصلية قد تقوم وحدها فتحقق بالنسبة لجريمة معينة دون أي مساهمة تبعية، فيرتكب الجريمة أكثر من فاعل[10]. إذن فهي الجريمة التي يتعدد فيها المجرمون في مرحلة التنفيذ المادي للجريمة وبالتالي منهم من يقومون بدور رئيسي في تنفيذ ركنها المادي ومن كان دوره رئيسي في الجريمة تسمى مساهمته أصلية[11]. والمساهمة الأصلية نوعان.

أ- المساهمة الأصلية المادية:
وتتفرع إلى الركن المادي لها، فهو يقتصر على الفعل الذي يرتكبه المساهم الأصلي دون النتيجة الإجرامية التي تترتب على أفعال المساهمين الأصليين وعلاقة السببية بين نشاط كل واحد منهم، وهذه النتيجة إذ أن الركن المادي والركن المعنوي للمساهمة الأصلية المادية يخضعان للقواعد العامة، أما الفعل المقترف من طرف المساهم الأصلي فهو الذي يتميز في المساهمة الأصلية بقواعد خاصة اختلفت التشريعات في الفقه والقضاء في شأنها في نطاق كل تشريع، والركن المعنوي للمساهمة الأصلية في الجريمة يتخذ صورة القصد الجنائي أو الخطأ غير العمدي.

ب- المساهمة الأصلية المعنوية:
إن هذه المساهمة في الجريمة لا تقل من حيث خطورتها عن المساهمة الأصلية المادية إذا كان الفاعل في المساهمة الأصلية المادية يظهر على مسرح الجريمة متحملا مسؤوليته في الجرم المقترف، فإن الفاعل في المساهمة الأصلية المعنوية يحقق إجرامه عن طريق شخص آخر مستقلا بنيته أو عدم تميزه.

2- المساهمة التبعية:
وهي المساهمة التي يتعدد فيها المجرمون في مرحلة قبل التنفيذ المادي للجريمة، أي هي مرحلة التفكير والإصرار على ارتكاب الفعل المجرم وهم على هذا لا يقومون بدور رئيسي، وإنما بدور ثانوي أوتتبعي ويسمون على هذا الأساس الشركاء في الجريمة[12].
إذا تأملت جيدا المساهمة الأصلية ( الفاعل الأصلي) والمساهمة التبعية ( الشريك) نجد بينهما اتفاق واختلاف.
فأما الإتفاق فيظهر في تدخل كل منهما على نحو ما في الجريمة، ويربط سلوكا بها ارتباط السبب بالنتيجة، لكن تختلفان من حيث السلوك اللازم في كل منهما، فسلوك المساهم الأصلي ( الفاعل الأصلي) معاقب عليه بذاته وبالتالي الفاعل معاقب في كل حال سواء ارتكب الجريمة بمفرده أو ساهم فيها مع غيره، أما سلوك المساهم التبعي( الشريك) فلا عقاب عليه في ذاته وإنما يعاقب عليه إذا وقعت الجريمة نتيجة له، ولو لم ينص المشرع صراحة على عقاب الشريك لاقتصر العقاب على الفاعل وحده لأن سلوك الشريك يدخل ضمن الأفعال المعاقب عليها بوصفها شروعا أي أن سلوك الشريك لا يعد من الأعمال المكونة للجريمة[13].

المطلب الثاني
نظريات في المساهمة الجزائية
الفقه الجنائي يحتوي على مجموعة نظريات تؤسس عليها فكرة المساهمة الجزائية وهي:

أولا- نظرية الإستعارة :
تستند هذه النظربة على أن الإنسان يستمد الصفة الإجرامية من فعل الفاعل الأصلي فلا توجد مساهمة جزائية يعاقب عليها القانون، وتظهر العلاقة بين الشريك والفاعل الأصلي من حيث أن الشريك يقوم بعمل تحضيري غير معاقب عليه لذاته، لكن ارتباطه بما يقوم به الفاعل هو الذي أصبغ عليه الصفة الإجرامية مما يستعيد بالضرورة التسوية الحاملة بين الفاعل الأصلي والشريك في المسؤولية والعقوبة. فكل ما يتوافر لدى الفاعل الأصلي من ظروف مخففة أو مشددة يوفر في كل من ساهم معه في الجريمة[14].
وتقوم هذه النظرية على التفرقة بين عمل الفاعل وعمل الشريك على أساس مقدارمساهمة كل منهما في الجريمة فيعتبر عمل الفاعل مساهمة أصلية في الجريمة بينما عمل الشريك مساهمة ثانوية.
وعمل الشريك لا يعد جريمة في ذاته طبقا لهذا المذهب، إذ لا يعاقب على مجرد المساعدة على السرقة إذا لم يرتكب الفاعل الأصلي السرقة بناءا على هذه المساعدة، وإنما يصبح فعل الشريك معاقب عليه إذا ارتكب الفاعل الجريمة وكان الشريك قد ساعده على ارتكابها، فهذا الشريك يستعيد الصفة الإجرامية لفعله من جريمة الفاعل الأصلي ونتيجة لذلك لا يعاقب الشريك إذا لم يكن الفاعل معاقب لسبب ما كالجنون أو عدم التمييز أو لسبب من أسباب الإباحة[15]. ونظرية الإستعارة تنقسم إلى:

1- نظرية الإستعارة النسبية:
مفاد هذه النظرية ضرورة التمييز بين الفاعل الأصلي والشريك من حيث المسؤولية والعقاب، فالشريك بإرتكابه أقل أعمالا أقل خطورة من أعمال الفاعل الأصلي.

2- نظرية الإستعارة المطلقة:
تنص هذه النظرية أن الشريك يستعيد تجريمه كاملا من الفاعل الأصلي وعليه فهو متساوي في المسؤولية والعقاب مع الفاعل الأصلي، ويؤدي الأخذ بنظرية الإستعارة المطلقة إلى نتائج غريبة حيث الشريك لا يعاقب في جريمة السرقة إذا كان الفاعل الأصلي ابن سارق أبيه، كما لا يعاقب الشريك إذا كان الفاعل الأصلي في جريمة قتل شخص مجنون ومن هذا تظهر هذه النظرية غير منطقية.

ثانيا- نظرية التبعية:
تستند هذه النظرية على فكرة تبعية فكرة الشريك للفاعل الأصلي، فتقوم على تحريم فعل الإشتراك لذاته شرط أن تقع الجريمة المساهم فيها من الفاعل الأصلي بإعتبار ذلك شرط لمعاقبة الشريك على مساهمته فيها لأنه لايمكن تصور مساهمة في جريمة لم تقع فعلا، وإذا امتنع الفاعل على جرمه أثناء العمل التحضيري ولمؤاخذة الشريك عند اشتراكه في الجريمة يجب أن يكون فعل الفاعل الأصلي من الأفعال الخاضعة لقانون العقوبات[16]. ويرى أتباع هذه النظرية الإحتفاظ بوحدة الجريمة لأن تجريم فعل الشريك يكون لذاته لأنه نشاط إجرامي، لأن إجرام الشريك نابع من فعله هو لا من فعل الجريمة لأن وقوع الجريمة مجرد شرط عقاب بالنسبة للشريك ومنه تقوم تبعية الشريك للفاعل، والظاهر في هذا المذهب فإن كل مساهم في الجريمة (فاعل أصلي أو شريك ) يسألا عن فعله وظروفه سواء بالتشديد أو التخفيف أو المنع من العقاب وهو ما مال إليه المشرع الجزائري[17]. وحسب هذه النظرية يقصد بالفعل المجرم الواقعة المادية أي الركن المادي للجريمة فقط بغض النظر عن الركن المعنوي لها فيعاقب الشريك متى قام الفاعل بسلوكه غير المشروع ولو توافرت للفاعل ظروف تنفي مسؤوليته الجزائية. واستقلال المساهمين كل حسب فعله وظروفه أدى إلى نتائج .

1- تقدير المسؤولية:
تقدر مسؤولية الشريك على نحو تراعي فيه خطورته الخاصة بغض النظر عن خطورة الفاعل. وهذا يؤدي إلى أن عقوبة الشريك قد تكون أشد وأخف من عقوبة الفاعل حسب الأحوال.
2- إبعاد مسؤولية الشريك عن الجرائم المحتملة:
تحدد مسؤولية الشريك في قصده الجنائي، فلا يسأل عن جريمة ارتكبها الفاعل ولو كانت جريمة محتملة إذا لم تكن في ذهنه عند الإشتراك.
3- إستقلال الفاعل بموانع المسؤولية أو موانع العقاب:
إن الشريك لا يتأثر بموانع المسؤولية أو موانع العقاب التي تلحق الفاعل الأصلي فلا تسقط مسؤولية الشريك عندما تنقضي الدعوى العمومية عن الفاعل الأصلي كأن يتنازل الضحية بالتقادم.
4- الأخذ بالمسؤولية المدنية:
إن مسؤولية الشريك فيما يخص المسؤولية المدنية تتم على نحو مستقل عن مسؤولية الفاعل الأصلي[18].

ثالثا- نظرية الإستقلالية:
تستند هذه النظرية على استقلال كل من ساهم في الجريمة عن بقية المساهمين فيها معه، وطبقا لهذه النظرية فالمساهمة تعتبر جريمة عن طريق تجريم الإشتراك كجريمة قائمة بذاتها ومنه استقلالية مسؤولية الشريك عن مسؤولية الفاعل الأصلي، ويلاحظ أن هذه النظرية أغلقت الروايط التي تربط بين المساهمين في جريمة واحدة وهي رابطة ذهنية تجمعهم نحو مشروع إجرامي معين، وهي بالتالي نظرية لا تتفق في مضمونها مع خاصية المساهمة الجزائية فلا يمكن تصور قيام مجموعة من الجرائم بعدد المساهمين في الجريمة الواحدة[19].

رابعا- موقف المشرع الجزائري من هذه النظريات:
يمكن تصنيف شراح القانون حول اتباعه لإحدى النظريات السابقة في تكييف الإشتراك إلى اتجاهات ثلاثة:

1- تكييف أحكام الإشتراك بفكرة الإستعارة:
يكيف بعض الفقهاء الإشتراك في القانون الجزائري بفكرة الإستعارة إلا أنه عندما يتعرض لأحكام سريان الظروف فنراه ينسب القانون الجزائري النتائج التي ترتب على فكرة الإستعارة.
ومنهم الفقيه كوكيلات والذي رأى أن المشرع الجزائري قد أقر مذهب الإشتراك التبعي أو استعارة الإجرام، وقد بين رأيه بقوله أن فعل الإشتراك غير معاقب عليه بهذا الوصف إلا بسبب استعارته الإجرام من الفاعل الأصلي.
ومن الملاحظ أن هذا الفقيه مع تأكيده في مواضيع مختلفة من دراسة لأحكام الإشتراك أن القانون الجزائري قد أخذ بفكرة الإستعارة قد انتهى حيث عالج مشكلة سريان الظروف الشخصية إلى نتائج مغايرة لهذه الفكرة، فبعد أن مثل لها بالعود وهو ظرف شخصي بحت ثم صفة الأبوة والبنوة وسبق الإصرار وهي ظروف يكيفها القضاء الفرنسي بالمختلطة ويقرر لها حكم العينية وأوضح أن هذه الظروف لا تسري من مساهم لآخر كما أنها لاتسري على الشريك إذا لم تتوافر لديه هذه النتائج لاتتفق مع المبدأ الذي رأى المشرع الجزائري قد أخذ به، ولذا انتقد ما تضمنته المادة 44/2 من قانون العقوبات الجزائري من إقرارها استغلال المساهمين لهذه الظروف الشخصية معللا ذلك بأن هذه الظروف تنعكس على الجريمة فتشدد من إثمها ولذا وجب سريانها من مساهم لآخر، إن الفقيه كوكيلات قد انطلق من منطلق خاطئ في تكييفه لأحكام الإشتراك فقد افترض أن المشرع الجزائري قد أخذ بفكرة الإستعارة، ثم لما رأى أن الأحكام القانونية لا تتلاءم مع هذا المبدأ انتقدها، ولو انطلق من النصوص وحاول استخلاص المبدأ منها لانتهى إلى نتيجة مغايرة، لكن عند التعرض لأهم نتائج الإستعارة نجده ينسبها إلى القانون الجزائري كما أن شراح القانون الجزائري من ذكر صراحة أن هذا القانون قد رفض صراحة فكرة الإستعارة المطلقة للإجرام، إلا أنه قد صنف الظروف المختلطة مع العينية، وهذا ما فعله القضاء الفرنسي، أن الفعل الأصلي لا يستمد وصفه في هذه الحالة إلا من الفاعل الأصلي وهو جوهر فكرة وحدة الجريمة، بينما فكرة الإشتراك جريمة مستقلة أو تعدد الجرائم يؤدي إلى أن الفعل الأصلي يستمد وصفه من الشريك كما يستمده من الفاعل، وأن القانون الجزائري يشترط العلم بالظروف العينية لسريانها وهوما يؤدي بالقول إلى وحدة الجريمة إذا توافر العلم لدى الشريك.

2- الإشتراك جريمة مستقلة:
إن المشرع الجزائري جرم فعل الشريك تحريما مستقلا أي أنه أنشأ جريمة خاصة أطلق عليها جريمة الإشتراك، وحيث وصف القانون الجزائري ضمن التشريعات التي تأخذ بمذهب الإشتراك جريمة مستقلة وترتب على اعتبار فعل الشريك في القانون الجزائري جريمة مستقلة بعض النتائج منها:
- امكانية عقاب الشريك دون وقوع جريمة من الفاعل الأصلي.
- امكانية العقاب على الشروع في الإشتراك.
- امكانية الإشتراك غي الإشتراك.

3- الإجرام الخاص بالشريك:
إن تطبيقات الإجرام الخاص بالشريك في قانون العقوبات الجزائري أقرته المادة 44/2 ، 3 منه على عدم سريان الظروف الشخصية على الشريك إلا إذا كانت متصلة به واشتراط العلم بالظروف العينية لسريانها، وقول أحد دراس القانون الجزائري أن هذا الأخير قد نبذ جزئيا فكرة استعارة الإجرام وقصره على الظروف الشخصية المنصوص عليها في المادة44 قانون العقوبات مما يفيد أنه يخضع الظروف المختلطة للعينية، ويفيد بالتالي أن الشريك يسأل عن الجريمة الأصلية مع أنها تستمد وصفها من قصد الفاعل وهو ما تؤدي إليه فكرة الإستعارة أو وحدة الجريمة[20]. ومنه فالمشرع الجزائري أخذ مذهبا وسطا بين النظرية التبعية ونظرية الإستقلالية ويظهر هذا في:

أ- مظاهر تأثره بالنظرية التبعية:
- النص على معاقبة الشريك بنفس العقوبة المقررة لجريمة المساهم فيها جناية أو جنحة المادة 44/1 قانون العقوبات.
- النص على تأثر المساهم في الجريمة بالظروف العينية (الموضوعية أو المادية) اللصيقة بالجريمة المشدد منها والمخفف متى كان يعلم بها المادة 44/3 قانون العقوبات.

ب- مظاهر تأثره بالنظرية الإستقلالية:
- النص على معاقبة المحرض على الجريمة بالعقوبة المقررة للجريمة المحرض عليها المادة 64 قانون العقوبات.
- النص على مسؤولية الفاعل المعنوي عن الجريمة التي دفع إليها شخصا غير مسؤول جزائيا المادة 64 قانون العقوبات.
- النص على استقلال كل مساهم قي الجريمة بظروفه الشخصية المادة 44/2 قانون العقوبات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - د/ عبد الفتاح مصطفى الصيفي ق ع دار الهدى ص 398.
[2] - د/ عبد الله أوهايبية محاضرات في شرح قانون العقوبات ص 147.
[3] - عبد الله سليمان قانون شرح العقوبات دار الهدى ص 156.
[4] - د/ محمد العساكر نظرية الإشتراك في الجرمة ق.ع.ج والقانون المقارن دكتوراه 78 جامعة بن عكنون ص 26-286.
[5]- د/ عبد الفتاح الصيفي قانون العقوبات دار الهدى ص 399.
[6]- د/ محمد زكي أبو عامر قانون العقوبات القسم العام دار الجامعة الجديدة للنشر 1996، ص266.
[7] - د/ عبد الله سليمان المرجع سبق ذكره.
[8] - د/ عبد القادر الستار المساهمة الأصلية في الجريمة دار النهظة العربية 1967، ص 80،19،16.
[9] - فوزية عبد الستار المرجع السابق، ص 123-124.
[10] - فوزية عبد الستار المرجع السابق.
[11] - د/ محمد زكي ابو عامر قانون العقوبات القسم العام دار الجامعة الجديدة للنشر 1996، ص 266.
[12] - د/ محمد زكي ابو عامر قانون العقوبات القسم العام دار الجامعة الجديدة للنشر 1996، ص 399.
[13] - د/ عوض محمد قانون العقوبات القسم العام 1998 ص 365.
[14] - د/ عبد الله أوهايبية محاضرات في شرح القانون الجزائري ص13 إلى 148.
[15] - د/ عادل قودة محاضرات في قانون العقوبات ديوان المطبوعات الجامعية 1988 ص 127.
[16] - د/ عبد الله أوهايبية محاضرات في شرح القانون الجزائري ص 148.
[17] - د/ عادل قودة محاضرات المرجع السابق ص 128.
[18] - د/عبد الله سليمان شرح القانون الجزائري ص 148.
[19] - - د/ عادل قودة محاضرات المرجع السابق ص 128.
[20] - د/ عبد الله أوهايبية المرجع السابق ص 150-151.
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى