حالات المساهمة الأصلية والمساهمة التبعية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

حالات المساهمة الأصلية والمساهمة التبعية

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 12 نوفمبر 2009, 14:44


حالات المساهمة الأصلية والمساهمة التبعية


تتجسد المساهمة الأصلية في مختلف الحالات التي تعتري الفاعل الأصلي كما تختلف أحوال المساهمة التبعية وذلك بتوفر أركان الجريمة (شرعي، مادي، معنوي).

أولا: حالات المساهمة الأصلية (الفاعل الأصلي)
قد يتخذ الفاعل الأصلي عند ارتكاب الجريمة صفة الفاعل المادي أو المعنوي أو المحرض كما أنه يكون مفتعل الجريمة.

1- الفاعل المادي للجريمة:
وهو من يرتكب الجريمة وحده، فإذا كات الجريمة تتكون من فعل واحد فيكون هو وحده الذي صدر عنه هذا الفعل الذي يقوم به الركن المادي للجريمة وتتحقق على أثره النتيجة الإجرامية التي يحددها القانون، أما إذا كانت الجريمة تتكون من جملة أفعال، فالفاعل المادي هو من أتى جميع الأفعال المكونة له[1].

أ- بالنسبة لمن ارتكب الجريمة وحده:
أول حالات الفاعل المادي للجريمة، هو من ارتكب الجريمة وحده أي من ينفرد بالدور الرئيسي في تنفيذها، فإذا كانت الجريمة تتكون من فعل واحد أي فيكون هو وحده الذي صدر عنه هذا الفعل الذي يقوم الركن المادي للجريمة وتتحقق على إثر النتيجة الإجرامية التي يحددها القانون أو أن يكون الركن المادي للجريمة قد تحقق على يديه.
فمثلا الفاعل المادي في جريمة القتل هو من أطلق الرصاص على الضحية فقتله أو من دس له السم في الطعام فحدثت وفاته، والفاعل المادي في جريمة السرقة هو من اخرج المال المنقول المملوك للغير من حيازته وأنشأ لنفسه أو لغيره حيازة جديدة عليه.
وإذا كانت الجريمة تتكون من جملة أفعال كما هو الشأن في جريمة الإفتراض بربا فاحش هو من صدرت عنه جملة الوقائع التي كشفت اعتياده الإقراض بربا فاحش.
وبالنسبة لجرائم ذوي الصفة أي الجرائم التي لاتقوم إلا إذا توافرت في مرتكبها صفة خاصة كصفة الموظفة، في جريمة الرشوة، فلا يعد فاعلا ماديا لها إلا من يحمل تلك الصفة كما أن جرائم الإمتناع لا يعد فاعلا لها إلا من يلقي القانون على عاتقه والواجب القانوني الذي تقوم الجريمة بالإحجام عن أدائه.
إن المسؤولية الجنائية لا تقوم على عاتق الفاعل المادي لمجرد أنه ارتكب وحده الركنة المادي للجريمة بل يلزم حتى تقوم المسؤولية ويستحق العقاب المقرر قانونا للجريمة أن تتوافر العناصر القانونية الأخرى اللازمة لقيام المسؤولية وعلى الأخص الركن المعنوي[2].

ب- بالنسبة لمن ارتكب الجريمة مع غيره:
حسب نص المادة 41 قانون عقوبات أنه يعتبر فاعلا كل من ساهم مساهمة مباشرة في تنفيذ الجريمة، فإرتكاب الأعمال التنفيذية قد يكون في حالة تعدد الجناة مثلا أن يلجأ شخصان لقتل أحد الأشخاص فيطعناه بطعنات تؤدي بحياته، هنا يعد كل واحد مشاركا في تنفيذ الركن المادي للجريمة وبالتالي فإن كل واحد يكون فاعلا لجريمة القتل وكذلك الحال إذا حاول شخصان سرقة منزل.
كما أن الفاعل هو من يحقق ماديا الجريمة ومعنوياتها ولكن الأمر يحتاج إلى الإيضاح في تعدد الجناة إذ يجب أن يكون الفاعل على علم بكافة الأعمال التي تتظافر لتحقق الركن المادي للجريمة ما كان منها نتيجة لفعله أو لفعل غيره على حد سواء ولا يكفي العلم بكافة العناصر إذ يتطلب الأمر أيضا ضرورة أن يريد النتائج المتوقعة وعليه فلا مساهمة إذا لم يتوافر للجناة وحدة الرابطة الذهنية[3].
وهو مايتحقق في الحالة التي يتعدد فيها الجناة الذين ساهموا في الفعل الذي يقوم به الركن المادي للجريمة فالفاعل في هذه الحالة هو شخص ساهم بدور رئيسي وأصلي في تنفيذ الركن المادي للجريمة إلى جانب آخر أو آخرين، قام هو أيضا بدور من ذات الطبيعة.
وقد عبر القانون المصري عن الفاعل في هذه الحالة بنصه " يعد فاعلا للجريمة من يرتكبها..... مع غيره" مثال ذلك كأن تدخل شخصا بيت للسرقة ويأخذ كل منهم من محتوياته، إذ في هذه الحالة كل مساهم في هذه الجريمة فاعلا مع صاحبه أو أصحابه.
ولا يلزم لقيام مسؤولية مرتكب الجريمة باعتباره فاعلا أن تكون النتيجة الإجرامية قد تحققت بفعله وحده بل تقوم مسؤوليته بإعتباره فاعلا لها ولو كانت النتيجة الإجرامية قد تحققت بناءا على فعله وفعل غيره معا لأن كل منهما يكون قد ساهم في إحداثها بفعل أصلي كما لو إتفق جمعة على قتل شخص وضربوه بالعصي قصد قتله فمات بسبب ذلك الضرب[4].

ج- بالنسبة لمن يدخل في ارتكاب الجريمة عمدا عملا من الأعمال المكونة لها:
قد يكون الركن المادي للجريمة يتكون من جملة أفعال كجريمة النصب ففي مثل هذه الجريمة يكون فاعلا من أتى عمدا عملا من الأعمال المكونة لها، فمن يدلي بأقوال كاذبة لشخص آخر ثم يتولى ثالث تدعيم هذه الأقوال بمظاهر خارجية يعتبر فاعلا في جريمة نصب مع دعم أقواله، وكذلك من يستغل العنف على فتاة ليتمكن آخر من اغتصابها يكون فاعلا في جريمة اغتصاب.
والواقع أن الفاعل غيره في هاتين الحالتين يقوم بدور رئيسي أو أصلي في تنفيذ الجريمة عن طريق إبراز عناصر الجريمة إلى الوجود.
لكن فاعل الجريمة من جهة أخرى هو من يدخل في إرتكابها بإتيانه عمدا عملا من الأعمال المكونة لها حسب تنفيذها لا بحسب طبيعة الركن المادي لها ومثله يكون في القانون فاعلا لأنه يقوم بدور رئيسي في تنفيذ الجريمة عن طريق فعل لا يتدخل في تركيب الركن المادي وإن ارتبط به من حيث كونه في ذاته شكل شروعا في ارتكاب الجريمة، مثلا شخص يقوم بكسر باب منزل ليتمكن ثاني من الدخول للسرقة، فالأول يقوم بدور رئيسي في تنفيذ الجريمة ومع ذلك فإن الفعل الصادر منه (كسر باب) لا يدخل في تركيب الركن المادي لجريمة "السرقة" لكن الأمر يختلف إذا اقتصر نشاط هذا الشخص على مجرد تقديم خطة للمكان الذي يريد السرقة منه.
فمثل هذا الفعل وإن كان هاما إلا أنه ليس رئيسيا ولا أصليا في تنفيذ الجريمة وهو مالا يشكل مساهمة أصلية وإنما مساهمة تبعية( نشاط شريك).
وعليه متى يكون نشاط المساهم بفعل خارج عن تركيب الركن المادي رئيسيا أو أصليا ومن ثم يكون مرتكبه "فاعلا" في القانون، ومتى يكون هذا الفعل تبعيا ومن ثم يكون فاعله "شريكا" في القانون[5].
يجيب الفقهاء على هذه التساؤلات أن التفرقة بين نشاط الفاعل ونشاط الشريك يكمن في ذات الضابط الذي يميز البدأ في التنفيذ والعمل التحضيري وتطبيقا لذلك يعد فاعلا في الجريمة من يمسك بشخص ليمكن الآخر من قتله ويعد شريكا شريكا في الجريمة لا فاعلا من يقتصر دوره على امداد القاتل بالسلاح، والشرط الأساسي الذي يتطلبه قضاء النقض في تحديد مفهوم الفاعل الذي يرقى عمله التحضيري إلى حد اعتباره دورا رئيسيا في تنفيذ الجريمة، يجعل منه فاعلا لها هو أن يكون دور المتهم بحسب خطة تنفيذ الجريمة رئيسيا أو أصليا في تنفيذها وهو ما يفترض أمران هما ظهور الجاني بفعله على مسرح الجريمة وأن يصدر عنه فعل في ذات لحظات تنفيذ الجريمة[6]. مثلا من يفتح باب مسكن الضحية ليتمكن آخر من الدخول للسرقة أو إمساك المجني عليه لشل مقاومته لتمكين آخر من الهجوم عليه وقتله، هذه الأفعال وإن كانت خارجة عن الفعل المادي للجريمة، إلا أنها ذات أهمية في تنفيذ الجريمة.

2- الفاعل المعنوي للجريمة:
أ- مفهوم الفاعل المعنوي:
الفاعل المعنوي للجريمة لا يرتكب الجريمة بيديه أي لا يصدر عنه الفعل الإجرامي الذي يقوم به الركن المادي للجريمة، غير أنه يكلف آخر لتنفيذ الجريمة سواء يكون بين يديه بمثابة أداة يتوصل بها لتنفيذ الجريمة، إما لأن هذا الغير حسن النية وأنه غير أهل لتحمل المسؤولية كالمجنون أو الصبي ماديا فإنها معنويا وقعت من شخص يقف وراءهم كلفهم لتنفيذ جريمة على أنهم كانوا (مجنون، صبي، حسن النية) أداة لتنفيذ الجريمة[7].
وقد نصت المادة 45 قانون العقوبات " من يحمل شخصا لا يخضع لعقوبة بسبب وضعه أو صفته الشخصية على ارتكاب جريمة يعاقب بالقانون المقرر لها" ومفادها هذا النص أن يلجأ شخص يريد ارتكاب الجريمة بواسطة غيره غير مسؤول جنائيا وهو ما يعرف بالفاعل المعنوي.
أو الفاعل بالواسطة أو الفاعل غير المباشر[8]. وتستند فكرة الفاعل المعنوي إلى عدم وصفه بالمرخص لأن في التحريض لا يتصور المرخص إلا شخص أهلا للمسؤولية الجنائية تتوافر لديه الأهلية والقصد الجنائي لأنه يقوم على بث وخلق فكرة الجريمة في ذهن الغير الذي يمكن تصوره إلا بالنسبة لفاعل مدرك، فإذا كان غير ذلك أي غير أهل وسخر لإرتكاب الجريمة فيكون أداة لمن سخره فيسأل هذا الأخير بإعتباره فاعلا معنويا للجريمة ولا يمكن مساءلته بإعتباره محرضا[9].

ب- حالات الفاعل المعنوي:
تنقسم هذه الحالات إلى :
- الحالة الأولى: حالات الفاعل المعنوي بأن المنفذ المادي للجريمة فيها يختلف لديه أما العلم يتحقق الركن المادي لها وإما إرادة تحقيق هذا الركن، ففيما يتعلق بتخلف العلم يتحقق الركن المادي للجريمة مثلها الممرضة التي تستلم من الطبيب حقنة مليئة بكمية كبيرة من المورفين وتحقن بها بناءا على أمر الطبيب أحد المرضى فيموت هذا الأخير، ويتضح أن الطبيب خصمه فأراد التخلص منه فهنا لا يتوفر لدى الممرضة العلم بأنها تنفذ العمل المكون لجريمة القتل.
أما فيما يتعلق بوجود العلم بتحقيق الركن المادي لجريمة الإجهاض والفعل هنا وليد انتقاص من حرية الإرادة.
- الحالة الثانية: تتمثل في حالات تختلف فيها لدى المنفذ المادي للجريمة العناصر اللازم أن تتوافر في فاعلها سواء أكانت مادية أو معنوية والتي بدونها لاتقوم الجريمة.

أ- تخلف العنصر المادي الشخصي اللازم في الفاعل، كأن يكلف الموثق شخص بتحرير بيانات كاذبة في عقد رسمي، فالتزوير المرتقب والمرتكب من موظف عمومي في محرر رسمي يستلزم توافر عنصر شخصي مادي في من يدون هذا المحرر وهو أن يكون هذا المدون موظف عمومي مختص بالتدوين فإذا حدث تدوين بيان المحرر الرسمي من شخص ليس هو المختص بهذا التدوين فلا تتوافر جريمة تزوير الموظف العمومي في محرر رسمي إذ يتعلق في المدون العنصر الشخصي المادي الذي يلزم لهذه الجريمة، فهذا يعتبر الموظف العمومي الذي جعل شخصا يدون بيانات مزورة بمثابة الفاعل المعنوي لجريمة تزوير الموظف في محرر رسمي.

ب- تخلف العنصر الشخصي المعنوي اللازم توافره في الفاعل لقيام الجريمة كأن يكلف جار شخص خادما له بإحضار دجاجة من دجاج الجار فيأتي بها الخادم، هنا تتخلف نية الخادم بملك الدجاجة أي تخلف العنصر الشخصي المعنوي اللازم توافره في الفاعل لتحقيق جريمة السرقة وبالتالي فإن الجريمة تعتبر فاعلها المعنوي هو الجار أما الخادم مجرد شريك.
- الحالة الثالثة:في هذه الحالة تكون الجريمة فيها بالنسبة لمنفذها المادي فعلا مباحا دون أن تكون كذلك بالنسبة لمن حمله إتيانها ماديا عن طريق إيجاده في حالة دفاع أو حالة غلط.

أ- وضع إنسان في حالة دفاع: هذه الحالة تحمله على إتيان الفعل المادي المكون للجريمة أن تنصرف إلى إرادة شخص إلى قتل المجنون فيحرض هذا المجنون على أحد الرجال ويجد هذا الأخير نفسه أمام ضرورة الدفاع عن نفسه فيقتل المجنون هنا تعتبر جريمة القتل بالنسبة له جريمة ويعتبر هو فاعلها المعنوي.

ب- إجاد الغير في حالة غلط: هذه الحالة تؤدي به إلى تنفيذ الفعل المادي المكون للجريمة دون أن يكون هذا الفعل جريمة بالنسبة له مثل أن يتقدم "س" بشهادة زور أمام القاضي ضد "ع" فيحكم القاضي على "ع" بالحبس هنا يعتبر الحبس بالنسبة للقاضي الذي أصدر الحكم به فعلا مباحا لا جريمة فيه لأن من جانب القاضي أداء الواجب أما بالنسبة لـ "س" الذي تسبب في هذا الحبس بسبب شهادته فيعتبر جريمة حبس بدون حق وفاعلها المعنوي هو"س" .

ج- عناصر فكرة الفاعل المعنوي:
مما سبق يمكن تحديد عناصر الفاعل المعنوي كمايلي:

أ- تقسيم عناصر الجريمة بين شخصين: يمكن التمييز بين نوعين من عناصر الجريمة، ماديات الإجرام، معنويات الإجرام والأصل أن تجتمع هذه العناصر لدى شخص واحد فيكون الفاعل المادي للجريمة لكن نظرية الفاعل المعنوي للجريمة تجزؤها بين شخصين المنفذ المادي الذي يقوم بإرتكاب الفعل المكون لها أي الذي يحقق ماديات الجريمة أما معنويات الجريمة فتتحقق لدى من دفعه إلى ارتكاب الفعل أي لدى الفاعل المعنوي.

ب- استغلال الفاعل المعنوي للمنفذ المادي:يعني أن الفاعل المعنوي يعتبر المنفذ المادي مجرد أداة يستعملها من أجل تحقيق النتيجة الإجرامية.

ج- نشاط يصدر عن المعنوي: لا يمكن أن نتصور أن الفاعل المعنوي لا يصدر منه نشاط مادي وإلا لا يمكن مساءلته لأنه لا يسأل الشخص عن نيته مادام لم يصدر عنه من الماديات للتعبير عن فعله.

د- عدم جواز اعتبار المنفذ المادي فاعلا للجريمة: إن نظرية الفاعل المعنوي أي المنفذ المادي لا يمكن أن يعتبر فاعلا للجريمة لأنه لا تتوافر لديه الشروط التي يتطلبها القانون فمن يعتبر فاعلا لهذه الجريمة، فلا تتوافر لديه الأهلية الجزائية أو القصد المتطلب للجريمة أو تتخلف عنه الصفة المطلوبة كصفة الموظف العام في جرائم الوظيفة العامة.

و- إتحاد فكرتي الفاعل المعنوي والفاعل المادي: يرى بعض الفقهاء أن فكرة الفاعل المعنوي تشارك مع فكرة الفاعل المادي، إذ لا يمكن ان يعتبر شخص فاعلا معنويا لجريمة إلا إذا كان في الإستطاعة اعتباره فاعلا ماديا لها، مثلا لا يمكن اعتبار المرأة فاعلا معنويا لجريمة اغتصاب إذا دفعت مجنون إلى تنفيذها وذلك لتخلف الصفة لهذه الجريمة وهي صفة الذكور ولذلك يجب أن تتوافر فيه جميع الشروط التي يتطلبها القانون لإعتبار الشخص فاعلا للجريمة[10].

د- التمييز بين الفاعل المعنوي وبعض صور المساهمة في الجريمة:
إن حالة الفاعل المادي تتميز بالدقة وتظهر دقتها في الصعوبة التي صادفها الفقه في رسم حدود واضحة بينها وبين الصور الأخرى من المساهمة في الجريمة فمثلا نشاط الفاعل المعنوي يشبه نشاط المساهم التبعي (الشريك) وبالنظر إلى الإرادة نجدها تشابه إرادة الفاعل الأصلي، وهذا ما أدى إلى التفرقة بين الفاعل المعنوي وبعض الصور الأخرى من المساهمة في الجريمة مما أدى إلى إثارة الخلاف حول التكييف القانوني لهذه الحالات.

1- التمييز بين الفاعل الفاعل المعنوي والفاعل المادي: يتحد الفاعل المادي مع الفاعل المعنوي في أنه يسيطر مثله على تنفيذ الفعل الإجرامي، ولكلاهما إرادة ارتكاب الجريمة لحسابه بإعتبارها المشروع الإجرامي الخاص، إضافة إلى أن لهما نفس الحكم قانونا، إذ يطبق على الفاعل المعنوي بإعتباره مساهما أصليا في الجريمة لذات الأحكام التي تطبق على الفاعل المادي، ولهذا الإتفاق في الحكم أهمية كبرى في القوانين التي تجعل للشريك عقوبة أخف من عقوبة الجريمة التي ساهم فيها، إذ الفاعل المعنوي لا يستفيد من هذا التخفيف بإعتباره يعامل معاملة الفاعل المادي[11].

ويختلف الفاعل المادي عن الفاعل المعنوي في:
- الفاعل المادي يقوم بتنفيذ جريمته بنفسه أو بمساعدة غيره له مع سيطرته على تنفيذ الجريمة، في حين أن الفاعل المعنوي لا صفة له بالتنفيذ إذ يقوم به شخص آخر غير مسؤول جنائيا وإن كان هو بدوره يسيطر على تنفيذ الجريمة بسيطرته على المنفذ[12].
- توافر الركن المعنوي دون الركن المادي، لدى الفاعل المعنوي بينما الفاعل المادي يتوافر لديه الركن المادي والمعنوي للجريمة وما يثير الصعوبة في التمييز بين الفاعل المادي والفاعل المعنوي أن بعض رجال القانون رأوا أن حالة تعدد المساهمين الماديين تعتبر تطبيقا لفكرة الفاعل المعنوي لأن كل مساهم منهم يسأل عن فعل غيره بحيث يحاسب كل واحد منهم كما لو كان نفذ الجريمة لوحده، وهو نفس الشيئ في حالة الفاعل المعنوي لكن نشير إلى أن في حالة تعدد الفاعلين يوجد عدد من المجرمين متساويين، أما في حالة الفاعل المعنوي فيوجد شخصان لأحدهما سيطرة على الآخر، والثاني يكون مجرد آلة مسخرة في يد الأول ففي الحالة الأولى المتهمون في مركز واحد وفي الحالة الثانية أحدهما دون مركز الآخر[13].

2- التمييز بين الفاعل المعنوي والمحرض:
يتفق الفاعل المعنوي مع المحرض في أنه لا يرتكب بنفسه الفعل الذي يقوم عليه الركن المادي للجريمة وإنما يرتكبه غيره[14]. حيث أن كلاهما يقف وراء التنفيذ دون التدخل مباشرة فيها لأنه شخص مسؤول جنائيا ويعاقب على التحريض بغض النظر عن موقف المحرض من التنفيذ، لأن تبعة المحرّض مستقلة عن تبعة المحّرض، بإعتبار أن التحريض جريمة قائمة بذاتها عكس الفاعل المعنوي الذي يسيطر سيطرة كاملة عن مجريات التنفيذ، حمله شخص غير مسؤول جنائيا على ارتكاب الجريمة إلا أنه لا يمكن معاقبة الفاعل المعنوي إذا لم يرتكب الجريمة[15].
كما تتوافر لدى الفاعل المعنوي و المحرض إرادة السيطرة على المشروع ارتكاب الجريمة، وكذلك المحرض الذي تتوافر فيه هذه الإرادة فهو يرى أن المشروع الإجرامي خاص به، والمشرع الجزائري اعتبر المحرض فاعل أصلي للجريمة المادة 41 قانون العقوبات.

لكن الفرق بين الفاعل الأصلي والمحرض أساسا نبينها في:
هناك تطابق في العقد وفي التصور لدى كل من المحرض والمحرض، بينما هذا التطابق لا وجود له في حالة المعنوي.
يختلف الفاعل المعنوي عن المحرض في أنه يؤثر في إرادة غير معتبرة قانونا فيدفع صاحبها إلى ارتكاب الفعل، بينما المحرض يؤثر في إرادة يعتد بها القانون بإعتباره إرادة شخص كامل الأهلية، فيخلق لديه قرار ارتكاب الجريمة ويعني ذلك أن الفاعل المعنوي يسيئ إستغلال شخص غير حر، أما المحرض فيستغل شخص حر.

3- التمييز بين الفاعل المعنوي والشريك:
يتفق الفاعل المعنوي فيتخذ نشاط صورة المساعدة مع الشريك في أن كلا منهم يقوم بعمل هو من حيث طبيعة تكملة لنشاط الشخص الذي يرتكب الفعل المكون للجريمة[16]. فكل منهما يقف وراء عملية التنفيذ دون أن يقوم بها بنفسه ويختلفان في أن الفاعل المعنوي لديه إرادة ارتكاب الجريمة لحسابه وعن طريق شخص يرى فيه أداة في يده فتكون فتكون إرادته هي الإرادة الوحيدة بالنسبة للجريمة التي ارتكبت، أما الشريك فتتوافر لديه إرادة المساهمة في الجريمة بإعتبارها جريمة غيره وإرادته ليست الوحيدة في المشروع الإجرامي، وإنما هي إرادة ثانوية بالنسبة لإرادة الفاعل الأصلي[17]. أي أن وقوف الشريك وراء عملية التنفيذ لا يجعل له على هذه العملية سيادة وسيطرة، أما الفاعل المعنوي فموقفه يختلف كونه يتيح لهذا الأخير أن يكون السيد المسيطر عليها.
وفي الأخير نقول أن الفاعل المعنوي يتفق مع الشريك في أن كليهما لا يفيد بيديه العمل المكون للجريمة ويختلف عنه في أنه يملك غيره على عملية تنفيذ هذا الفعل.

4- نطاق تطبيق المادة45 ق.ع.ج ومدلولها:
اختلفت الآراء حول مدلول المادة 45 ق.ع.ج ونطاقها فمنهم الرأي الموسع ومنهم الرأي الضيق.

أ- الآراء الموسعة:
ذهب بعض شراح القانون الجزائري إلى اعطاء المادة مدلول واسع من حيث نطاق المساهمين الذين يخضعون للعقوبة.
من حيث نطاق الذين لا يخضعون لها بمقتضى المادة45 ق.ع.ج[18]، فمن حيث الأشخاص الذين يخضعون للعقوبة لم يقتصر لفظ عمل على التحريض بل وسه من مدلوله فجمع وسائل الإشتراك المنصوص عليها في المادة42 ق.ع.ج وهي إضافة إلى التحريض تقديم أفعال المساعدة أما من حيث الأشخاص غير المعاقبين ذكر أن المادة لا تنطبق على غير المعاقبين لجنون أو صغر السن أو الإكراه بل تتمثل حالات أخرى أهمها السرقات بين الأصول والأزواج والفروع المادة 362 ق.ع.ج.
وجلي أن نطاق تطبيق نص المادة 45 قانون عقوبات جزائري لا ينحصر على موانع المسؤولية بل يوسعه ليشمل نطاقها الحالات المعروفة بموانع العقاب، وقد وسع من نطاق الأشخاص غير الخاضعين للعقوبة قد حمل فعلا من طرف الشريك أو لم يكن كذلك متروكا للقاضي، لأنه لو حصر نطاق الأشخاص غير الخاضعين للعقوبة في غير المسؤولين فحسب، كان وقوع الجريمة من أولئك قرينة على تحقق الحمل وبالتالي خضوعهم للعقاب.

2- الآراء الضيقة:
وذهب بعض شراح القانون إلى حصر نطاق المادة على المحرض وعلى حالات موانع المسؤولية وذهب الأستاذ رضا فرج بالرغم من قوله أن المشرع الجزائري قد أعطى تطبيقا أوسع لفكرة الفاعل المعنوي " بالرغم من قوله لم يشأالمشرع إطلاق كلمة محرض بل اكتفى بالتعبير عنها من حمل شخصا" فإنه لم يذكر كمثال للمادة 45 ق.ع إلا تحريض المجنون أو الصبي غير المميز دون أن يشير إلى فعل المساعدة أو إلى حالات أخرى غير حالات موانع المسؤولية غير أن الأستاذ محمد العساكر يرفض القول بأن المادة 45 ق.ع.ج تقرر نظرية الفاعل المعنوي وذلك لعدم الحاجة إليها وعدم جدواها وملا ئمتها مع المادة[19].

- عدم جدوى الأخذ بنظرية الفاعل المعنوي في القانون الجزائري:
استقر الفقه في فرنسا على معاقبة الشريك إذا لم يتوافر الفعل لدى الفاعل أو كان غير مسؤول ولذا لم يكن في حاجة إلى ابتداع فكرة الفاعل المعنوي و الأستاذ محمد العساكر يرى بأن نظرية الفاعل المعنوي لا تسمح بمعاقبة المحرض إذا لم يشرع المنفذ المادي في الجريمة، وحتى ولو فرضنا أن تؤدي إلى معاقبته في هذه الحالة فإنه لاحاجة إليها مع ذلك في القانون الجزائري لأن المادة 46 ق.ع.ج تعاقب المحرض حتى ولو لم يرتكب الجريمة[20].

- عدم تلاؤمها مع نص المادة 45 قانون عقوبات جزائري:
إن عبارة لا يخضع للعقوبة بسبب وضعه أو صفته الشخصية تشمل هذه الفقرة حالات لاتتطابق مع الحالات التي نظرية الفاعل المعنوي، فهي في مدلولها الواسع تشمل عديمي الإدراك والتمييز ومن يتوافر لديه حسن النية بينما عبارة المادة 45 ق.ع.ج تتسع حتى موانع العقاب وأية حالة أخرى يتمتع فيها العقاب بظرف شخصي كالحصانة النيابية، وبناءا عليه فإنه يرفض الاعتراف بنظرية الفاعل المعنوي في القانون الجزائري بعدم ضرورتها وعدم جدواها ولعدم تلاؤمها مع نص المادة 45 ق.ع.ج ولأن الأخذ بها يعني الإقرار الضمني بأن هذا القانون يأخذ بفكرة الإستعارة المطلقة.

- عدم ضرورة نص المادة 45 من قانون العقوبات الجزائري:
تنص المادة 44/2 على أنه " لا تؤثر الظروف الشخصية التي ينتج عنها تشديد العقوبة أو الإعفاء منها إلا بالنسبة للفاعل أو الشريك الذي تتصل به هذه الظروف" ويثور التساؤل عن مدى شمول هذه المادة للحالات الواردة في المادة 45 ق.ع.ج لا شك في شمول المادة 44/1 ق.ع لحالات موانع العقاب، مما لا يدخل تحت حالات الفاعل المعنوي، وإنما الذي قد يكون محمل خلاف هو شمولها لحالات موانع المسؤولية تسبب تضمن هذه المادة عبارة "الظروف المعفية من العقاب" وقد يتبادر إلى الذهن أن الإعفاء يفترض قيام الجريمة والمسؤولية وهذا لا يتحقق بالنسبة للمنفذ في حالة الفاعل المعنوي وهذا ما تفيده الصياغةالعربية، أما الصياغة بالنص الفرنسي (LES CIRCANSTANCES DOU RESULTENT) فإنها لا تستبعد إمكان دخول حالات موانع المسؤولية فيها، والفقهاء الذين يعارضون فكرة الفاعل المعنوي يدخلون حالات موانع المسؤولية ضمن الظروف الشخصية التي تسري من مساهم لآخر وبالتالي يعاقب الشريك دون حاجة إلى تكييفه بالفاعل المعنوي إذا كان المنفذ المادي غير مسؤول.

- النتيجة النادرة التي تؤدي إليها المادة 45 ق.ع:
تظهر من التدليل على إمكان معاقبة الشريك إذا كان الفاعل غير مسؤول بالإسناد إلى النص السابق على المادة 45 عدم الحاجة إلى إيرادها وقد ترتب على شمول المادة 44/2 ق.ع لحالات المادة 45 ق.ع أن الأمثلة التي يوردها الشراح للمادتين متماثلة مما يؤدي إلى التكرار، وهنا عيب أساسي يتمثل في نتيجة أخرى وهي قصر المادة 45 ق.ع على معاقبته المحرض " الذي يحمل شخصا غير معاقب بسبب وضعه أو صفته الشخصية"، يفيد خروج الشريك عن نطاق حكم هذه المادة، وهنا يثور مشكل معاقبته، فهل من حسن السياسة التشريعية أن يفلت من العقاب شخص ذو أهلية جزائية قدم سلاحا لمجنون أو صغير وهو يعلم ويريد أن يرتكب جريمة معينة.
والواقع أن قبول أي من الفرضيتين إلى نتيجة غير معقولة، والقول بأن الأحكام العامة تقضي بمعاقبة الشريك يترتب عليه القول، بمعاقبة المحرض لأنه لا مبرر للتمييز وهذا يؤدي إلى القول بأن المادة 45 ق.ع زائدة.

- التبرير الممكن للمادة 45 قانون عقوبات:
يمكن أن يوجد لها تبرير إذا اعتبرنا المحرض في المادة 45 ق.ع مرتكبا لجريمة مستقلة، ويؤدي هذا أن يختلف التحريض فيها عن المادة 42 ويكون الجديد في المادة 45 أو الحكمة منها هي التشديد على المحرض، والتبرير يكون معقولا لو أن المادة 45 ق.ع مقصورة على حالات موانع المسؤلية وحسن نية المنفذ، أما وهي متسعة المدلول حيث تشمل كل حالة لا يعاقب فيها المنفذ المادي بسبب وعيه أو صفته الشخصية، فنرى أن التفسير يعيد الإحتمال ولا يكون بالتالي مبررا للإحتفاظ بهذه المادة على الأقل في صيغتها الحالية[21].

3- المحرض على الجريمة:
تنص المادة 41 قانون العقوبات " يعتبر فاعلا كل من......أو حرض على ارتكاب الفعل"، واتجاه المشرع الجزائري خرج عن الإتجاه الذي تأخذ به أغلبية التشريعات والذي يعتبر المحرض مجرد شريك لا فاعل.

1- تعريف التحريض:
التحريض هو خلق فكرة الجريمة لدى شخص آخر ودفعه إلى التصميم على ارتكابها، وعليه فإن التأثير يؤدي دوره على نفسية شخص آخر، إذ تزرع في ذهنه فكرة الجريمة لتنفيذها ماديا[22] ومنه يظهر أن نشاط المحرض لا يتجه إلى ماديات الجريمة التي يريد أن تتحقق، وإنما ينصب على نفسية المحرض بقصد خلق فكرة الجريمة دائما في ذهنه حتى يقرر إدراجها إلى حيث الوجود فيرتكبها هو دون المحرض، فالذي يميز المحرض عن الفاعل المادي أن نشلط الأول ذو أثر نفسي بينما نشاط الفاعل يغلب أن يكون ذا أمر مادي[23]. والقانون الجزائري واضح فيما يخص التكييف القانوني للمحرض بوصفه فاعلا.

2- التعليل القانوني لإعتبار المحرض فاعل:
أ- النظرية المادية:
وهي النظرية التي يقضي جوهرها بأن الفاعل هو من يرتكب فعلا يعد سببا للنتيجة الإجرامية.[24] ووفقا لهذه النظرية يعتبر المحرض مساهما أصليا لأن نشاطه يعتبر سببا للنتيجة الإجرامية، إذ هو الذي أقر التصميم الإجرامي، وهذا التصميم هو الذي أنتج الفعل الإجرامي الذي تتوافر بينه وبين النية علاقة سببية.

ب- النظرية الشخصية:
وهي التي تعتبر الفاعل من توافرت لديه نية الفاعل أو من ارتكب الجريمة لمصلحة غيره، ووقفا لهذه النظرية يعتبر المحرض كذلك مساهما أصليا، إذا توافرت لديه نية الفاعل وهو غالبا ما يكون صاحب المصلحة في ارتكاب الجريمة ويستدل على ذلك من كونه صاحب فكرتها الذي بذل الجهد في إقناع المنفذ بها[25].

3- أركان المساهمة في التحريض:
أ- الركن المادي:
حسب نص المادة 41 ق.ع يتبين أن المشرع قد حدد على سبيل الحصر الأعمال التي يقوم عليها التحريض وهي الهبة، الوعد، التهديد، إساءة استغلال السلطة أو الولاية أو التحايل أو التدليس، وكون المشرع بنصه على هده على هذه الأعمال قد اعتد بأعمال مادية يمكن إدراك ماهيتها ودورها في تنفيذ الجريمة.

ب- الركن المعنوي:
لا يكفي أن يتوافر للتحريض جانبه المادي بل يتطلب الجانب المعنوي إلى جانب المادي، وبما أن جريمة التحريض هي جريمة عمدية، فإن صورة الزكن المعنوي تظهر في توافر القصد الجنائي لدى المحرض، والقصد الجنائي يتوافر بتوافر ركنيه الإدراك والعلم، فإذا كانت إرادة المحرض سليمة أي مدركة ومميزة ثم أحاط علما بكل عناصر الجريمة التي سيقدم عليها، فإنه يعتبر مرتكبا لجريمة التحريض إذ ما أراد النتيجة التي يتوقع أن تحدث أما إذا حدثت نتيجة لم يكن الفاعل يتوقعها فإنه لا يكون مسؤولا عنها مثلا لو انصب التحريض على السرقة فقام المنفذ بالقتل، فهنا تبقى مسؤولية المحرض محصورة في جريمة السرقة.

4- التحريض التام أو الشروع فيه:
إن تنفيذ الجريمة من طرف المحرض قد تتم بنجاح وقد لا تتم بنجاح فالمحرض جريمته تامة ولو لم يقم المحرض بتنظيمها وهذا ما ورد في نص المادة 46 ق.ع.ج " إذا لم ترتكب الجريمة المزمع ارتكابها لمجرد امتناع من كان ينوي ارتكابها بإرادته وحدها فإن المحرض عليها يعاقب رغم ذلك بالعقوبات المقررة لهذه الجريمة"
ونلاحظ من هذا النص أن المحرض فاعل أصلي مستقل بجريمته فلا مجال لأن يستفيد من عدول من كان ينوي تنفيذها[26].

ثانيا: حالات المساهمة التبعيةSadالشريك)
لكي يكون الشخص متابع كشريك في جريمة مرتكبة من طرف فاعل أصلي، يجب أن يكون فعل أصلي معاقب عليه يرتبط به فعل الشريك، الركن الشرعي والركن المادي والركن المعنوي.

1- وجود فعل أصلي معاقب عليه يرتبط به فعل الشريك ( الركن الشرعي):
أفعال الشريك هي أعمال تحضيرية لا يعاقب عليها لذاتها وإنما تنجذب إلى دائرة التجريم بوصفها حلقة من المساهمة التبعية في ارتكاب الجريمة، وهذا يعني ان أفعال الشريك لا يعاقب عليها إلا إذا ارتكب االفاعل الجريمة أو شرع فيها والمبدأ أن جريمة الإشتراك لا تتحقق إلا إذا ساهم المتدخل في مساعدة الفاعل الذي يرتكب عمل يعاقب عليه القانون بإستثناء الإشتراك في المخالفات لا يعاقب عليها القانون[27].

1- فعل أصلي معاقب عليه:
بما أن فعل الشريك يستمد تجريمه من فعل الفاعل الأصلي فإن الفعل الأصلي يكون معاقب عليه عندما يكون منصوص عليه في القانون الجزائري ويمثل جريمة، فإذا كان هذا الفعل غير مجرم فمن كان له شريك فيه فلا يعاقب إذ تبعية الإشتراك تقف عند وقوع الفعل الأصلي غير المشروع ماديا معنى هذا أن الإشتراك يكتسب الصفة غير المشروعية من اللحظة التي بوشر فيها وإنما هي لحظة تالية التي يتحقق فيها من فاعل سلوك غير مشروع من الناحية المادية[28]. ولا يكون الفعل الأصلي غير مشروع إلا إذا كان معاقب عليه وهو لا يتحقق إلا إذا كان خاضعا لنص تجريمي ولم يكن من جهة أخرى خاضع لسبب من أسباب الإباحة.

2- الفعل الأصلي يشكل جناية أو جنحة:
كل الجنايات والجنح قابلة للإشتراك فيها، معاقب عليه في جرائم الضرب والجرح طبقا لنص المادة 442/1 ق.ع.ج، ومن المسلم به أنه يمكن أن يكون هناك اشتراك في الشروع وبالمقابل فإنه لا شروع في الإشتراك لأن الشروع في معناه أن الشريك قد فرغ نشاطه ولم يرتكب الجريمة التي اشترك فيها، إما لأنها لم ترتكب أصلا وإما لأنها ارتكبت بناءل على أسباب أخرى غير سلوك الشريك، بالتالي فإن هذا السلوك يفقد ارتباطه بالسلوك الأصلي الذي يصبغ عليه الصفة الإجرامية، ويفقد بالتالي شرطا من شروط تجريمه.
ومع هذا ينبغي عدم الخلط في "لا شروع في الإشتراك" و " امكانية الإشتراك في الشروع" لأن الإشتراك في الفرض الأخير يرتبط بواقعة إجرامية غاية الأمر أن الجريمة لم تقع تامة بل وقعت عند حد الشروع، والشروع جريمة، كما ينبغي عدم الخلط بين الإشتراك قي الشروع والإشتراك في الإشتراك، فمثلا المعلومات التي يقدمها شخص لشريك ما دام قصد مساعدة الفاعل الأصلي وتوفرت صلة السببية بين نشاط الشريك وبين الجريمة وهذه الصلة تتوفر إذا أمكن القول لولا نشاط الشريك في الإشتراك ما أتى الشريك نشاطه وما ارتكبت الجريمة على النحو الذي ارتكبت به[29].

2- الركن المادي في المساهمة التبعية(الإشتراك):
يتكون الركن المادي في المساهمة التبعية (الإشتراك) من سلوك يصدر عن المساهم والمشرع الجزائري في المادتين 42 و43 ق.ع حدد صور السلوك الإجرامي المعتبر مساهمة غير مباشرة في الجريمة لأن الشريك أو المساهم ساهم في الجريمة مساهمة غير مباشرة في تنفيذها واقتصر دوره على المشاركة ويتبين من نص المادتين السالفتي الذكر، يصنف الإشتراك إلى اشتراك حقيقي بالمساعدة واشتراك حكمي كتقديم مسكن لإجتماع الأشرار[30].

أ- الإشتراك الحقيقي (المساعدة أوالمعاونة):
تعرف المساعدة بأنها مساعدة الفاعل وتقديم العون له لإرتكاب جريمته عن طريق تقديم الوسائل والإمكانيات التي من شأنها أن تسهل للفاعل إرتكاب الجريمة حيث تنص المادة 42 ق.ع " يعتبر شريكا في الجريمة من لم يشترك اشتراكا مباشرا ولكنه ساعد بكل الطرق أو عاون الفاعل أو الفاعلين على ارتكاب الأفعال التحضيرية أو المسهلة أو المنفذة لها مع علمه بذلك" .
تبين من هذا النص أن المشرع الجزائري يعتبر شريكا في الجريمة من لم يشترك مباشرة في الجريمة ولكنه ساعد بكل الطرق، وهي ألفاظ عامة تتسع لكل عمل يقوم به الشخص مساعدة أو معاونة للفاعل في ارتكاب الجريمة [31].
إذا فالمساعدة تتحقق بجمع صور العون الذي يقدم إلى الفاعل في الأفعال التي هيأت أو جهزت لإرتكاب الجريمة أو سهلت ذلك أو أعانت على ارتكابها وقد تتخذ المساعدة صور تقديم المساعدة بالنصح وذلك بمد الفاعل بكل ما يدل على ارتكابها.
فالمساعدة تتحقق بتدخل الشريك مع الفاعل تدخلا مقصودا يتجاوب مع فعله ويتحقق فيه معنى تسهيل ارتكاب الجريمة، ويتمثل العون في تقديم الوسائل المادية المهيئة لإرتكاب الجريمة كتقديم سلاح للقاتل، كما قد يتمثل في تقديم الوسائل المعنوية إلى الفاعل لتسهل له عملية ارتكاب الجريمة كإرشاد السارق إلى مكان المال المراد سرقته[32].

ب- الإشتراك الحكمي:
تنص المادة 43 ق.ع.ج على " يأخذ حكم الشريك من اعتاد تقديم مسكنا أو ملجأ أو مكان للإجتماع لواحد أو أكثر من الأشرار الذين يمارسون اللصوصية أو العنف ضد أمن الدولة أو الأمن العام أو ضد الأشخاص أو الأموال مع علمه بسلوكه الإجرامي".
يفهم من هذا النص أن إضفاء وصف الشريك حكما على من اعتاد تقديم مسكن لأحد المجرمين أو لمجموعة منهم للإجتماع فيه بغرض اللصوصية والعنف ضد أمن الدولة أو الأمن العام وحتى أو حتى الأشخاص أو الأموال، كان على علم بقصد جمعيات الأشرار ولما تشكله هذه الجمعيات من خطر على الأمن العام.
إن إضفاء وصف الشريك حكما يتطلب شرطين أساسيين يتمثلان في:
- الإعتياد على تقديم مسكن أو ملجأ لأن عدم توافر الإعتياد ينفي صفة الإشتراك الحكمي، ويكون جريمة خاصة لأن المشرع الجزائري يميز بينهما وبين صورة الإشتراك الحكمي لأن عدم الإعتياد على تثديم المسكن يجعل منه مرتكب لجريمة خاصة طبقا لنص المادة 178 ق.ع.
أن يعلم من يقدم المسكن أو الملجأ أو مكان للإجتماع لما ينويه من يقدم لهم المساعدة من سلوك إجرامي لأن عدم علمه بذلك ينفي عنه صفة الشريك حكما[33].
ومن تطبيقات الإشتراك الحكمي في قانون العقوبات الجزائري إضافة لحكم المادة 43 ق.ع، إضفاء وصف الشريك حكما على الأشخاص لاتتوافر فيهم صفة الفاعل ولا صفة الشريك نص المادة 91/2 ق.ع.ج، التي تنص " علاوة على الأشخاص المبينين في المادة 41 ق.ع.ج، يعاقب بإعتباره شريكا من يرتكب دون أن يكون فاعلا أو شريكا أحد الأفعال التالية"
- تزيد مرتكبي الجنايات أو الجنح ضد أمن الدولة بالمؤن أو وسائل المعيشة وتهيئة مساكن لهم أو أماكن لإخفائهم أو تجمعهم وذلك دون أن يكون قد وقع إكراه ومع علمه بنواياهم.
- حمل مراسلات مرتكبي هذه الجنايات وتلك الجنح وتسهل لهم الوصول إلى موضوع الجناية أو الجنحة أو إخفائه أو ثقله أو توصله وذلك بأي طريقة كانت مع علمه بذلك.

ج- الإشتراك في الإشتراك:
تساءل أهل القانون والفقه عن من قام بمساعدة الشريك في ارتكاب الجريمة دون أن يكون له عنصر الفاعل الأصلي، فمثلا لو قام "أ" بالإستعانة بـ"ج" للحصول على وسيلة لإرتكاب جريمة ثم "ج" سلمها إلى "د" الذي استعمل هذه الوسيلة في ارتكاب الجريمة فما هو موقع "ج" من هذه الجريمة ؟.
يرى البعض أن "ج" بعيد عن الجريمة ولا علاقة له بها فالعلاقة بينه وبين تنفيذ الجريمة علاقة غير مباشرة تبرر عدم مساءلته عن الجريمة، إذ القانون يحاسب على العلاقة المباشرة، ونصوصه واضحة في العلاقة التي تربط الفاعل والشريك "عاون أو ساعد" أما الذي تقتصر علاقته على الشريك دون الفاعل فلا يعد شريكا فالقانون في هذه الحالة لا يعترف إلا بالفاعل أو الشريك ولا تمتد نصوصه بشريك الشريك.
وهناك رأي آخر يرى بأن العلاقة المباشرة التي يتطلبها القانون أن يكون هناك ارتباط بين نشاط الشرير والجريمة المرتكبة، فنشاط "ج" في المثال السابق له علاقة بتحديد النتيجة ولهذا فهو شريك يحاسب على ذلك بشرط أن يكون على علم بما يجري ويتوقع حدوث النتيجة وهدا الرأي الأجدر بالإتباع عند بعض الفقهاء.

3- الركن المعنوي: (القصد الجنائي):
إذا وقعت الجريمة بفعل جاني واحد فلا يمكن أن نتصور وجود فاعل أصلي للجريمة ووجود شريك له، وإذا وقعت بفعل عدة أشخاص فلا يمكن تصور وجودها أيضا إذا لم يكن سلوك كل منهم مرتبط بسلوك الآخر برابطة معنوية وما يحقق هذه الرابطة هو القصد الجنائي الذي يجب توافره لدى كل واحد منهم، إذ بدون هذا القصد لا يمكن أن تتحقق مساءلتهم المشتركة والشخصية في وقت واحد عند هذه الجريمة، وهذا القصد هو الشرط لعقاب الإشتراك فهو يشكل الركن المعنوي لتجريم الإشتراك ولكي يكون الشريك معاقب يجب أن يساهم بعلمه في الجريمة الأصلية وعلى علم بأنه يشترك في جناية أو جنحة.

1- مفهوم قصد الشريك (الإشتراك):
أ- إشتراط العلم والإرادة:
يرى أصحاب هذا الرأي أن جوهر القصد يتمثل في العلم والإرادة أي علم الشريك بأنه يقوم بمساهمته في فعل أصلي وعلمه بالطبيعة الإجرامية لهذا الفعل وكذلك إرادة تسهيل ارتكابه.

ب- الإكتفاء بالعلم:
يرى البعض الآخر الإكتفاء بالعلم أي أن يكون الشريك على علم بأنه ساهم في فعل إجرامي[34]. ونص المادة 42 ق.ع.ج يشترط الإشتراك بالمساعدة أن يكون لدى الشريك قصد جنائي "والملاحظ أن هذه المادة لم تتحدث إلا على العلم " "مع علمه بذلك"، واشتراط الإرادة من المسلم به تقتضيه المبادئ العامة ينطبق أيضا على العلم إذ لا يمكن أن يسأل شخص عن الإشتراك في الجريمة إذا لم يكن يحيط علمه بها، لذا فإن القانون بنصه على العلم دون الإرادة إنما يريد أن يضيف جديد بالنسبة للقواعد العامة وهو الإقتصار على توافره لتحقق المسؤولية.

2- القصد الإحتمالي والشريك في قانون العقوبات الجزائري:
إن العلاقة الواجب توافرها لدى الشريك بالنسبة للفعل الذي يرتكبه إنما هو العلم والإرادة أما العلاقة التي تربطه بالفعل الأصلي فإن النصوص تشترط العلم بها أي توقع حدوثها نظرا لصراحة النص فلا يمكن أن يكتفي بإفتراض التوقع أو إمكانيته أو التزامه.
إن طبيعة الإشتراك تقضي عدم قصد نطاق المسؤولية العمدية على إمكانية الحدوث ذلك لأن علم الشريك بالجريمة محل المساهمة وإن كان يشترط فيه أن يكون محددا، إلا أنه في كثير من الحالات يكون تحقق هذه الجريمة المحددة في ذهنه أمرا محتملا ممكن الحدوث، لان قرار ارتكاب الجريمة يرجع دائما إلى مشيئة الفاعل فالقانون لا يميز بين توقع الإعتداء كأثر لازم للفعل وتوقعه كأثر مكن له لأنه لا يكتفي بتجريم الإعتداء الفعلي على الحق بل يجرم كذلك الإعتداء الممكن عليه أي مجرد تهديده للخطر فليس هناك ما يتعارض مع القواعد العامة في مساءلة الشريك في هذه الحالة مسائلته عمدية عن الجريمة الأصلية لأنه كان عليه الإمتناع عن المساهمة في إحداث الإعتداء وقد توقع احتمال حدوثه أو ينسحب في الوقت الملائم إذا كان قد قدمها، أما إذا قام بها وستمر فيها بإرادته بالرغم من توقعه إمكان حدوث النتيجة فإنه يعتبر مؤيدا لها إذا تمت مسائلة الشريك في هذه الحالة عن القصد الإحتمالي فلا يسأل عنه مجردا بل كذلك عن قصد الشريك في حقيقته وهو يتكون من عنصرين، وهما:
- قصد مباشر بالنسبة لفعله.
- قصد احتمالي بالنسبة للجريمة محل المساهمة.

ــــــــــــــــــــــــــــ
[1] - د/ محمد زكي أبو عامر قانون العقوبات ص 382-387.

[2]- د/ محمد زكي أبو عامر قانون العقوبات ص 382-387.

[3] - د/ محمد زكي أبو عامر قانون العقوبات ص 382-387.

[4] - د/ عبد الله سليمان شرح العقوبات دار الهدى ص 166-167-168.

[5] - د/ محمد زكي أبو عامر المرجع السابق ص 389.

[6] - د/ محمد زكي أبو عامر المرجع السابق ص 390.

[7] - د/ عبد الله أوهايبية محاضرات في شرح قانون العقوبات ص 153.

[8] - د/ عبد الله أوهايبية محاضرات في شرح قانون العقوبات ص 153.

[9] - د/ عبد الله سليمان شرح العقوبات دار الهدى ص

[10] - د/ فوزية عبد الستار المرجع السابق ص 347-348.

[11] - 2 - د/ فوزية عبد الستار المرجع السابق ص 352-353.

3- د/ عبد الله أوهايبية المرجع السابق ص 153.



[14] - 2 - د/ فوزية عبد الستار المرجع السابق ص 353.



[16] - 2- د/ فوزية عبد الستار المرجع السابق ص 349-353.



[18] - د/ محمد العساكر نظرية الإشتراك في الجريمة في ق.ع.ج والمقارن رسالة دكتوراه 1978.

[19] - 2- د/ محمد العساكر المرجع السابق ص 333-337.



[21] - د/ محمد العساكر المرجع السابق ص 339-340-341.

2- د/ عبد الاه سليمان شرح العقوبات دار الهدى ص 170.

3- د/ فوزية عبد الستار المرجع السابق دلر النهضة العربية 1967م ص 260.



[24] - د/ فوزية عبد الستار المرجع السابق ص 261- 262.

[25] - د/ فوزية عبد الستار المرجع السابق ص 267- 262.

[26] - د/ عبد الله سليمان المرجع السابق ص 173- 174.

[27] - د/ عبد الله سليمان المرجع السابق ص 178.

[28] - د/ مامون سلامة قانون العقوبات دار الفكر العربي ص 410.

[29] - د/ محمد زكي أبو عامر المرجع السابق ص 400.

[30] - د/ عبد الله أوهايبية المرج السابق ص 159.

[31] . - د/ عبد الله أوهايبية المرج السابق ص 160.

[32] - د/ محمد زكي أبو عامر المرجع السابق ص 402.

[33] - د/ عبد الله أوهايبية المرج السابق ص 162.

[34] - د/ محمد العساكر المرجع السابق ص 305.
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى