محاضرات في قانون القضاء العسكري الجزائري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

محاضرات في قانون القضاء العسكري الجزائري

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 27 أغسطس 2017, 07:14


محاضرات في قانون القضاء العسكري الجزائري
للمشاهدة من موقع موقع الأستاذ بوصيدة فيصل

الكود:
انسخ الرابط الموالي في صفحة جديدة
https://sites.google.com/site/bouseidafaissal/archives/mhadrat-alqanwn-aljnayy-alskry
المحاضرة الأولى:حول وجود القانون الجنائي العسكري
1-   مدخل هام حول التطور في عدد الجرائم في قانون العقوبات
       لقد بدأ القانون العقابي بمجموعة يسيرة من الجرائم، يمكن ردها إلى مقتضيات حماية القيم الجوهرية للمجتمع، فلم تكن هذه الجرائم تتجاوز صور الاعتداء على الحياة أو سلامة الجسم، كما في القتل والجرح والضرب؛ والاعتداء على مال الغير، كما في السرقة وخيانة الأمانة؛ والاعتداء على العرض، كما في الاغتصاب.
       ومع تطور المجتمع اتسع نطاق التجريم والعقاب، حيث تدخل المشرع بتجريم سلوكات تعبر عن التطورات الجديدة التي يعيشها المجتمع. فالانتقال من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي استتبع بالضرورة ظهور جرائم جديدة كجرائم الإهمال، وجرائم القتل الخطأ الناشئ عن حوادث السيارات، كما مضى تطور قانون العقوبات في منحى حضاري يتماشى مع احترام حقوق الإنسان الحديث، فلا يحمي الأفراد في حياتهم وسلامة أبدانهم وأموالهم وأعراضهم فحسب، بل كذلك في اعتبارهم وكرامتهم وحريتهم. فظهرت جرائم القذف والسب والبلاغ الكاذب واستخدام القسوة مع الأفراد وتعذيب المتهمين لحملهم على الاعتراف وتقييد حرية الأفراد بغير حق.
       واستجاب المشرع الجنائي كذلك إلى التطور الناشئ عن اتساع دور الدولة التي أصحبت تتدخل في كافة مجالات النشاط الإنساني. ولهذا كان من الطبيعي تجريم الأفعال الماسة بأمن الدولة من جهة الخارج كجرائم التجسس أو التخابر مع جهات أجنبية. وكان ظهور ما أطلق جرائم المصلحة العامة. فاعتبار الوظيفة العامة إحدى ركائز النشاط الإداري في الدولة الحديثة استوجب تجريم أشكالا من السلوك التي تخل بنزاهة هذه الوظيفة، كما هو الحال بالنسبة لجرائم الرشوة. وظهرت كذلك جرائم الاعتداء على الأموال العامة التي لا تخص فرداً بعينه، بل تعد ملكاً للمجتمع بأسره، كجرائم الاختلاس أو أخذ غير المستحق من الصفقات العمومية.
وفي نفس السياق كان من اللازم تجريم السلوكات التي تهدر الثقة في المحررات الرسمية أو العرفية التي يتداولها الأفراد فيما بينهم، كالتزوير بكافة أنواعه.
ومع ظهور الحاسوب والأنترنت ظهرت أيضا طائفة جديدة من الجرائم هي جرائم المعلوماتية. ومع بزوغ رياح العولمة وما نتج عنها من تذويب للحدود بين الدول وتحرير للأسواق وإزالة القيود المحيطة بها بدأت تبدو في الأفق جرائم جديدة أطلق عليها غسل الأموال.
وقد استتبع هذا التضخم «الكمي» في عدد الجرائم التي يتضمنها القسم الخاص من قانون العقوبات تطورا في «الكيف»، وهو ما تمثل في استقلال طوائف معينة من الجرائم بذواتها وتفردها بأحكام خاصة بها، حتى أضحت في النهاية فروعا خاصة داخل القسم الخاص. ويبدو مستساغا اليوم القول بأن عددا كبيرا من الجرائم يعاقب عليه بمقتضى قوانين خاصة، لا يتضمنها قانون العقوبات بمعناه الضيق. وفي تعبير آخر، يمكن القول بأن القسم الخاص من قانون العقوبات قد تحول تحت ضغط التطور إلى أقسام خاصة، يضم كل منها طائفة من الجرائم تشترك في وحدة المصلحة القانونية التي ابتغى المشرع حمايتها. وتستقل هذه الجرائم بأحكام موضوعية وإجرائية تقتضيها طبيعتها، وقد تختلف عن الأحكام العامة التي تسري على باقي أنواع الجرائم.
وهكذا، ظهرت عشرات من التشريعات الجنائية الخاصة التي تحتوي على عدد من الجرائم يفوق جرائم القسم الخاص من قانون العقوبات، وتمثل معالجة خاصة لنوع محدد من الإجرام

2-   التضخم التشريعي والتضخم الجنائي
إن الظاهرة السابقة يعبر عنها الفقه باستخدام مصطلح التضخم التشريعي (inflation législative). ويطلق بعض الفقه على هذه الظاهرة اصطلاح التضخم الجنائي (L'inflation pénale)، مؤكدا أنها إحدى صور التضخم التشريعي بصفة عامة، والذي تعاني منه باقي أفرع القانون الأخرى. ولكن الظاهرة تبدو مقلقة أكثر في المجال الجنائي، لما لهذا الأخير من خصوصية، ليس أقلها أن القانون الجنائي يمس الناس في حرياتهم. فقد أضحى من المتعذر حصر النصوص الجنائية، لفرط كثرتها وتناثرها. إذ أصبح من النادر أن يصدر تشريع جديد يعالج موضوعا ما دون أن يستعين بسلاح التجريم والعقاب، مما أفضى إلى تضخم تشريعي جنائي، بكل ما يحمله ذلك من آثار سلبية على إدارة العدالة الجنائية برمتها.

3-   الآثار المترتبة على هذا التضخم
إذا كان العلم بالنصوص المتفرقة بين قوانين وتشريعات مختلفة غدا أمرا صعبا، حتى على المتخصصين، فإن حسم مسألة التنازع بين هذه النصوص ومعرفة النص واجب التطبيق على الواقعة الإجرامية لا يقل صعوبة. وما يزيد الأمر صعوبة أن المشرع قد ينص على ذات الجريمة في أكثر من قانون جنائي خاص، وبحيث يكون ذات السلوك الإجرامي خاضعا لقانون العقوبات العام وواحد أو أكثر من القوانين الجنائية الخاصة. وهذه الصعوبة تزداد إذا علمنا أن المشرع الجنائي يلجأ عادة – في القوانين الجنائية الخاصة – إلى مبدأ الإلغاء الضمني، وليس الإلغاء الصريح، بحيث يقرر إلغاء كل حكم يخالف الأحكام الواردة به، الأمر الذي يستلزم البحث فيما إذا كان النص التجريمي الخاص الوارد في قانون ما قد ألغى نصا تجريميا خاصا واردا في قانون آخر أم لا.
من ناحية ثانية، يلاحظ أن الفقه الفرنسي قد أسهب في دراسة القوانين الجنائية الخاصة، بحيث نجد مؤلفات عديدة تتناول كافة الجرائم الواردة في تشريعات خاصة. على النقيض من ذلك، نادرة هي المؤلفات العربية التي تتناول بالبحث والتحليل التشريعات الجنائية الخاصة. وربما يرجع ذلك إلى كثرة تعرض هذه التشريعات للتعديل والتبديل والتغيير. بل أن بعضها ألغي فعلا ولم يعد له وجود بعد انقضاء الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي اقتضت وجوده. ومن ثم، قد يخشى الفقيه أن ينفق الوقت والجهد في دراسة قانون جنائي خاص، وما إن ينتهي منه حتى يحدث تعديل تشريعي لنصوص هذا القانون، الأمر الذي يقلل كثيرا من قيمة الدراسة أو البحث. بل أن التعديل قد يأتي قبل الانتهاء من الدراسة، ومن ثم يتعين على الباحث أن يعاود البحث والتحليل من جديد، حتى تأتي الدراسة مواكبة لأحدث التعديلات التشريعية.

4-   حول التفرقة بين قانون العقوبات التكميلي والقوانين الجنائية الخاصة
       يقسم الفقه عادة قانون العقوبات إلى قسمين: قانون العقوبات الأصلي وقانون العقوبات التكميلي، لكنه يختلف حول تعريف هذا الأخير، فيقول بعض الفقه أنه «عبارة عن القوانين الجنائية التي تكمل النقص في قانون العقوبات الأصلي أو تعدل بعض أحكامه»، ووفقا لرأي فريق آخر من الفقه فإن قانون العقوبات التكميلي يطلق على «مجموعة التشريعات الجنائية التي تصدر فرادى لتجريم أفعال معينة
والواقع أن القوانين العقابية التكميلية تتضمن – في الغالب – بعض الأحكام الجنائية الإجرائية التي تتميز عن الأحكام الإجرائية العامة الواردة في قانون الإجراءات الجنائية أو قانون الإجراءات الجزائية.
       ووفقا لبعض الفقه، يطلق «قانون العقوبات التكميلي» على «مجموعة القوانين الجنائية التي تضاف إلى قانون العقوبات الأصلي أو الأساسي لكي تحمي هي الأخرى مصالح هامة في المجتمع ولكنها مصالح متطورة ومتغيرة مما اقتضى النص عليها في قوانين مستقلة عن تقنين قانون العقوبات حتى يتسنى تغييرها أو تعديلها بما يتلائم وطبيعة المرحلة التي يمر بها المجتمع، أو تضمينها نصوصا خاصة بها لكي تحقق حماية أوفى لتلك المصالح، مثل قوانين المخدرات والنقد والتهرب الجمركي والسلاح والمرور.
والحقيقة أن هناك العديد من المصطلحات الأخرى التي تستعمل في هذا الصدد منها:

أ- مصطلح القوانين العقابية الخاصة: وهناك بعض القوانين تنص صراحة على هذه التسمية، فمثلا يستخدم المشرع المصري مصطلح «قوانين عقوبات خاصة»، وذلك في المادة 224 من قانون العقوبات، بنصها على أن «لا تسري أحكام المواد 211 و212 و213 و214 و215 على أحوال التزوير المنصوص عليها في المواد 216 و217 و218 و219 و220 و221 و222 ولا على أحوال التزوير المنصوص عليها في قوانين عقوبات خاصة».

 ب- مصطلح قانون العقوبات الخاص: إن مصطلح «قوانين العقوبات الخاصة» غير دقيق. فلفظ «قوانين» هنا قد استخدم في صيغة الجمع، ومفردها «قانون». فإذا استخدمنا هذا اللفظ في صيغة المفرد، أصبح المصطلح المستخدم هو «قانون عقوبات خاص». وغني عن البيان أن اصطلاح «قانون العقوبات» يستخدم للدلالة على مجموعة الأحكام الموضوعية ذات الصلة بالتجريم والعقاب. ولا شأن لهذا المصطلح بالأحكام الإجرائية، وذلك خلافا لاصطلاح «القانون الجنائي» الذي يسوغ استخدامه في معنى واسع، بحيث يشمل كلا من الأحكام الموضوعية، أي قانون العقوبات، والأحكام الإجرائية، أي قانون الإجراءات الجنائية. ولما كانت القوانين الجنائية الخاصة تشتمل في الغالب على أحكام جنائية موضوعية وأخرى إجرائية، لذلك فمن غير الملائم استخدام مصطلح «قوانين العقوبات الخاصة.

ج- مصطلح القوانين الجنائية الخاصة: تميل بعض التشريعات إلى استعمال مصطلح «التشريعات الجنائية الخاصة» أو «القوانين الجنائية الخاصة». وبالإطلاع على بعض المؤلفات الفقهية في شرح قانون العقوبات المصري، نجدها تستخدم اصطلاح «التشريعات الجنائية الخاصة». ونجد مصطلح «القوانين الجنائية الخاصة» كذلك في كتابات ومقالات بعض المتخصصين في القانون الجنائي. وفي ديسمبر سنة 1995م أصدرت نقابة المحامين المصرية سلسلة من الكتب تحت عنوان «التشريعات الجنائية الخاصة»، وضم الجزء الأول منها نصوص ثلاثة من القوانين الجنائية الخاصة، هي: قانون الحراسة، وقانون الأحداث، وقانون الكسب غير المشروع، وقد ورد اصطلاح «القوانين الجنائية الخاصة» في بعض الأحكام الصادرة عن محكمة النقض المصرية.

د- مصطلح القوانين العقابية المكملة: يستعمل بعض الفقه اصطلاح «القوانين المكملة لقانون العقوبات». ويؤكد بعض الفق على استخدام مصطلح «القوانين الجنائية المكملة» أو «القوانين الجنائية الملحقة» بدلا من اصطلاح «القوانين الجنائية الخاصة»، وذلك حتى لا يحصل الخلط بين القوانين المكملة لقانون العقوبات – والتي تكون جزءا منه – وبين قوانين العقوبات الخاصة.
       وقريب من ذلك، يستخدم بعض الفقه اصطلاح «قانون العقوبات التكميلي». وهذا المصطلح هو الترجمة الحرفية للتعبير الفرنسي (Droit pénal complémentaire) المستخدم بواسطة بعض الفقه الجنائي الفرنسي.
       وبالإطلاع على الأحكام الصادرة عن محكمة النقض المصرية، نجدها تستخدم مصطلح «القوانين المكملة لقانون العقوبات» أو «القوانين العقابية المكملة» في بعض هذه الأحكام.

5-   تفضيل مصطلح «القوانين الجنائية الخاصة»
       بعد التدقيق والمقارنة بين المصطلحات السابقة، نعتقد أن مصطلح «القوانين الجنائية الخاصة» هو أفضلها دلالة على مضمون القانون الجنائي الخاص ذاته، والأكثر اتساقا مع بعض المفاهيم المستقرة في فقه القانون الجنائي. فمن ناحية، يلاحظ أن التشريع الجنائي الخاص لا يقتصر في العادة على الأحكام الموضوعية المتعلقة بالتجريم والعقاب، وإنما يشتمل كذلك على بعض الأحكام الإجرائية ذات الصلة بكشف هذه الجرائم وملاحقة مرتكبيها. ومن ثم، نرى من الواجب استخدام مصطلح «القوانين الجنائية الخاصة»، وذلك حتى يكون مفهوما أن الأمر لا يتعلق بقواعد جنائية موضوعية فحسب، وإنما قد ينصرف الأمر كذلك إلى بعض الأحكام الإجرائية الخاصة بالجرائم الواردة في التشريع الجنائي الخاص. إذ أن اصطلاح القانون الجنائي يستخدم – أو على الأقل ينبغي أن يستخدم – في معنى واسع، بحيث يشمل كلا من قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية. ومن ثم، يكون قانون العقوبات هو القانون الجنائي الموضوعي، ويكون قانون الإجراءات الجنائية هو القانون الجنائي الإجرائي.
يضاف إلى ذلك أن مصطلح «القوانين الجنائية الخاصة» له فضل الدلالة على أن الأحكام الجنائية الموضوعية الواردة في هذه القوانين إنما تتعلق – في الأساس – بالقسم «الخاص» من قانون العقوبات، ولا شأن لها – كقاعدة عامة – بالقسم «العام» من هذا القانون. إذ أن القاعدة العامة في هذا الصدد تقضي بسريان الأحكام العامة لقانون العقوبات العام على القوانين الجنائية الخاصة، ما لم يوجد بها نص مخالف. كذلك، فإن الأمر في القوانين الجنائية الخاصة قد لا يتعلق «بتكملة» نقص موجود في قانون العقوبات العام، وإنما ينصرف الوضع – في الأغلب الأعم من الأحوال – إلى وضع أحكام «خاصة» بجرائم وسلوكيات إجرامية معينة، قد يكون لها نظير ومثيل في قانون العقوبات، وإنما ارتأى المشرع تمييز هذه الأفعال الإجرامية بنصوص «خاصة» مغايرة، سواء من حيث التجريم والعقاب أو من حيث الأحكام الإجرائية.
من ناحية أخرى، نرى من الملائم أن نلفت النظر إلى إحدى قواعد حسم التنازع الظاهري للنصوص الجنائية، ونعني بذلك قاعدة أن النص الخاص مقدم على النص العام. فالمقابلة بين النص العام والنص الخاص تجعل من الملائم استخدام مصطلح «القوانين الجنائية الخاصة»، والذي يوحي بالمقابلة بينه وبين «قانون العقوبات العام». بل، يمكن القول بأن القانون الجنائي الخاص يقابل كلا من قانون العقوبات العام وقانون الإجراءات الجنائية العام.
بالإضافة إلى ما سبق، فإن مصطلح «القوانين الجنائية الخاصة» يبرز – أكثر من غيره – حقيقة العلاقة بينها وبين قانون العقوبات العام. فالقوانين الجنائية الخاصة – كما هو واضح من اسمها – تنطوي على نصوص خاصة، وذلك بالمقارنة بالنصوص العامة الواردة في قانون العقوبات. نعم قد ترد بعض النصوص الخاصة في قانون العقوبات العام ذاته. ومع ذلك، فإن من المتصور ورود هذه النصوص كذلك في بعض القوانين الخاصة. فعلى سبيل المثال، من المتصور أن يرد النص على تزوير جوازات السفر في القانون الخاص بالجنسية وجوازات السفر. ومن المتصور كذلك أن يرد النص على تزوير شهادات الميلاد في القانون المنظم للقيد في سجلات المواليد، وهكذا.
وعلى كل حال، وأيا كان المصطلح المستخدم، فإن التعبيرات آنفة الذكر تشير جميعها إلى أحد التقسيمات التي درج الفقه على إجراؤها داخل النظام القانوني الجنائي الذي يحكم التجريم والعقاب في المجتمع. إذ يجري الفقه على التمييز بين قانون العقوبات الأصلي من جهة وقانون العقوبات التكميلي أو القوانين العقابية الخاصة أو القوانين المكملة لقانون العقوبات من جهة أخرى. ويقصد بقانون العقوبات الأصلي مجموعة قانون العقوبات، أي القواعد التي تحكم التجريم والعقاب في المجتمع، وتصدر في شكل مجموعة تحتوي على الأفعال المنهي عنها والعقوبة المترتبة على ارتكابها. أما قانون العقوبات التكميلي، فهو عبارة عن القوانين الجنائية التي تكمل النقص في قانون العقوبات الأصلي أو تعدل بعض أحكامه.
وأخيرا، نود التنويه إلى أن اصطلاح «القوانين الجنائية الخاصة» لا يقتصر على تلك القوانين الخاصة بطائفة معينة من الجرائم، بحيث يخصص القانون بكامله للنص على هذه الجرائم، وإنما يشمل أيضا نصوص التجريم والعقاب الواردة في بعض التشريعات التي تتضمن تنظيما وافيا لموضوع معين، كما هو الشأن بالنسبة لنصوص التجريم والعقاب الواردة في قانون العمل أو في قانون الشركات.

6-   ظاهرة التفريع في قانون العقوبات
       يذهب بعض الفقهاء إلى وجود قوانين متعددة بتعدد المصالح التي تحميها، فيسمى «بقانون العقوبات المالي» عندما يحمي المصالح المالية. ويسمى «بقانون العقوبات التجاري» عندما يحمي المصالح التجارية. ويسمى «بقانون العقوبات البحري» عندما يحمي المصالح البحرية... وهكذا، تتعدد قوانين العقوبات في نظر هؤلاء بتعدد المصالح التي تحميها.
وبمطالعة عناوين العديد من المؤلفات الفقهية ورسائل الدكتوراه في الموضوعات ذات الصلة بالتشريعات الجنائية الخاصة، يسوغ القول – دون تردد – أن هذا هو الاتجاه السائد في الفقه الفرنسي. إذ كثيرا ما نصادف تعبيرات مثل القانون الجنائي للعمل، ويعكس هذا الفرع تدخل الدولة في مجال علاقات العمل بين العمال وأصحاب الأعمال، وتجريم بعض صور السلوك أو الامتناع المنطوية على إخلال بالالتزامات التي يفرضها قانون العمل. ويستخدم البعض مصطلح «القانون الجنائي الاجتماعي»، كمرادف لاصطلاح «القانون الجنائي للعمل». ومن القوانين الجنائية الخاصة، نذكر أيضا القانون الجنائي للأعمال، وهو ذلك الفرع الذي يضم الجرائم الواقعة في ميدان النشاط التجاري والجزاءات الخاصة بها. كذلك، نذكر قانون العقوبات المالي، وقانون العقوبات الاقتصادي، أو القانون الجنائي للأعمال الاقتصادية والمالية، والقانون الجنائي الضريبي، ويقصد بهذا الفرع من القوانين الجنائية الخاصة كافة صور السلوك المعتبرة جرائم في المجال الضريبي والأحكام التي تختص بها هذه الجرائم، وهي تخرج في كثير من الأحيان عن الأحكام العامة المشتركة التي تسري على كافة أنواع الجرائم. وثمة قانون جنائي خاص يطلق عليه اصطلاح «القانون الجنائي الجمركي»، ويضم كافة الجرائم الجمركية، وأهمها جريمة التهرب الجمركي. ويتعين أن نذكر كذلك القانون الجنائي للهجر، والقانون الجنائي الإداري، والقانون الجنائي للصحافة. وثمة قانون جنائي للطيران المدني، ويطلق عليه أيضا اصطلاح قانون العقوبات الجوي. وهناك أيضا القانون الجنائي المروري، ويضم كافة الجرائم المرورية والعقوبات المقررة لها والإجراءات الجنائية الخاصة بها. والقانون الجنائي المدرسي، والقانون الجنائي العائلي. وظهر أيضا مصطلح «القانون الجنائي الزراعي»، وهو فرع يضم على حد سواء صورا من الجرائم بعيدة العهد وجرائم أخرى مستحدثة، وكلها تتعلق باستغلال الثروات الزراعية. ومن القوانين الجنائية الخاصة التي ظهرت في وقت حديث نسبيا، نذكر «القانون الجنائي للبيئة»، والذي يضم الجرائم الضارة بالبيئة، كما هو الشأن بالنسبة لجرائم التلوث البيئي، وسواء كان هذا التلوث ضارا بالتربة أو بالماء أو بالهواء. أما أحدث القوانين الجنائية الخاصة، فهو «القانون الجنائي للمعلوماتية»، وهو فرع حديث يهتم بدراسة صور السلوك التي جرمها المشرع الجنائي الفرنسي في الآونة الأخيرة في مجال المعلوماتية، كتقليد برامج المعلوماتية واستعمالها وكافة صور الغش غير المشروع الأخرى في هذا المجال.
كذلك، فإن الدوريات القانونية الفرنسية بدأت مؤخرا في تخصيص أبواب ثابتة للتعليق على الأحكام القضائية الصادرة في شأن الجرائم المنصوص عليها في بعض القوانين الجنائية الخاصة؛ فيعهد مثلا إلى أحد الفقهاء بالتعليق على أحكام القضاء ذات الصلة بجرائم القانون الجنائي للشركات. ويعهد إلى فقيه آخر بالتعليق على أحكام القضاء في شأن الجرائم الواردة في قانون البيئة. ويعهد إلى فقيه ثالث بالتعليق على أحكام القضاء في شأن جرائم القانون الاجتماعي.
ونجد المسميات آنفة الذكر كذلك لدى الفقه الجنائي في الدول الأوربية الأخرى. ويتبنى بعض الفقه العربي ذات النهج، بحيث نجد عددا من المؤلفات الفقهية التي تتخذ عنوانا لها نفس التعبيرات المستخدمة بواسطة الفقهاء الفرنسيين أو تعبيرات مشابهة لها. فعلى سبيل المثال، يستخدم بعض الفقه العربي مصطلح «القانون الجنائي للمعاملات التجارية» ومصطلح «القانون الجنائي للشركات»، للدلالة على طائفة من النصوص الجنائية ذات الصلة بالمعاملات التجارية أو بالشركات على وجه الخصوص. ويستخدم بعض الفقه الجنائي العربي مصطلح «القانون الجنائي للعمل»، للدلالة على النصوص الجنائية الواردة في قانون العمل.
   أكثر من ذلك، أن بعض الفروع بدأت تعرف تقسيمات فرعية؛ فالقانون الجنائي للأعمال المالية والاقتصادية بدأت تظهر له فروعا، مثل القانون الجنائي للبنوك والائتمان. ويقصد به الفرع الذي يهتم بكافة صور الجرائم المرتكبة في مجال النشاط المصرفي أو بمناسبته. وكذلك الحال بالنسبة للقانون الجنائي للشركات الذي يعتبر أحد فروع القانون الجنائي للأعمال التجارية.
       وقد كانت بعض الفروع آنفة الذكر موضوعا لمؤتمرات دولية. فعلى سبيل المثال، كان «قانون العقوبات الاقتصادي والاجتماعي» أحد موضوعات المؤتمر الدولي السادس لقانون العقوبات، الذي عقد في روما في سبتمبر سنة 1953م. كذلك، كان «قانون العقوبات الجوي» أحد الموضوعات الأربعة التي تناولها بالبحث المؤتمر الدولي السابع لقانون العقوبات، الذي انعقد في أثينا في سبتمبر سنة 1957م.

       ورغم اتفاق أنصار هذا الاتجاه على ضرورة التمييز بين القسم الخاص من قانون العقوبات وبين القوانين الجنائية الخاصة، فإن معيار أو ضابط التمييز بين كل منهما غير متفق عليه: إذ ذهب رأي إلى أن ما يميز قواعد القسم الخاص من قانون العقوبات عن القوانين الجنائية الخاصة هو موضوع الحق الذي ينصب عليه الاعتداء، بحيث نكون بصدد قانون جنائي خاص كلما كانت الأفعال المجرمة تشكل اعتداء على مصالح مرتبطة من الناحية النوعية. فعلى سبيل المثال، يستهدف قانون العقوبات الاقتصادي حماية المصالح الاقتصادية، ويستهدف قانون العقوبات المالي حماية المصالح المالية. ويقول رأي آخر بمعيار شكلي قائم على الاستقلال التشريعي، أي دخول مجموعة من الجرائم في نطاق أو إطار تشريعي مستقل عن المدونة العقابية بقسميها العام والخاص.
وتجدر الإشارة أخيرا إلى أنه رغم اتفاق أنصار هذا الاتجاه على ضرورة التفريع في قانون العقوبات، إلا أنهم يختلفون في بعض المسميات المستخدمة لبعض القوانين الجنائية الخاصة. فعلى سبيل المثال، يستخدم البعض اصطلاح «القانون الجنائي الإداري»، بينما يفضل البعض الآخر استخدام مصطلح «القانون الإداري الجنائي»، ويميل فريق ثالث إلى استخدام تعبير «قانون العقوبات الإداري».

7-   الاتجاه المعارض للتفريع في قانون العقوبات
يعارض بعض الفقه الاتجاه السابق، خشية أن يؤدي إلى تحويل القسم الخاص من قانون العقوبات إلى فروع لا حصر لها من هذا القانون، وبعثرة نصوصه. وقد ورد هذا الرأي بمناسبة التعليق على دعوة بعض الفقه إلى نشأة «القانون الجنائي للعمل»، أي وجود ذاتية أو شخصية خاصة لفرع من فروع القانون الجنائي، يطلق عليه «القانون الجنائي للعمل» أو «القانون الجنائي للعلاقات العمالية» أو «القانون الجنائي الاجتماعي».
ويبدو أن بعض الفقه يشاطرون هذا الرأي. إذ يتحدث هؤلاء عما أسموه «انفلات قانون العقوبات الخاص»، مؤكدين أنهم آثروا القول «انفلات» وليس «تضخم قانون العقوبات الخاص»، باعتبار أن ظاهرة انفلات هذا الفرع تعني تطوره الكيفي وانسلاخ طوائف معينة من جرائمه لتكون فروعا خاصة بذاتها، بينما ظاهرة التضخم تعكس فقط التطور الكمي لهذا الفرع بزيادة عدد جرائمه. ويقول هؤلاء أنه بقدر ما تضيف ظاهرة انفلات قانون العقوبات الخاص إلى أقسام خاصة متعددة من ثراء فقهي إلى القسم الأم، إلا أنها تفقده الانسجام اللازم. يضاف إلى ذلك أنها تؤكد التساؤل المطروح منذ فترة عن مدى جدوى ظاهرة الإفراط في التجريم وإقحام الأداة الجنائية في كثير من مظاهر السلوك المخالف للقانون، والتي كان يمكن مواجهتها بأدوات غير جنائية تكفلها داخل النظام القانوني أفرع قانونية أخرى.
ويؤكد بعض الفقه ميله إلى الرأي الذي يرى عدم التسليم بوجود قانون عقوبات خاص إلى جانب قانون العقوبات العام، لأن الاستقلال الشكلي لا يفيد شيئا طالما أن الجرائم التي ينظمها القانون الجنائي الخاص تخضع لذات المبادىء التي تخضع لها جرائم القانون الجنائي العام. كما أن تميز المصلحة أو المصالح التي يحميها القانون الجنائي الخاص لا يمكن التعويل عليه، لأن جرائم القانون الجنائي العام تحمي هي الأخرى مصالح متعددة ومتميزة ومستقلة عن بعضها. ولا ينهض الاستقلال القاعدي أيضا دليلا على وجود قانون العقوبات الخاص، لأن قانون العقوبات العام يحدد لكل جريمة نموذجها المستقل وأحكامها الخاصة. كما أن الأحكام العامة لذلك القانون تسمح بذلك. فكثيرا ما ينص فيها على المبدأ العام، ثم يردف ذلك بعبارة «إلا إذا وجد نص يخالف ذلك».
وهكذا، يخلص أنصار هذا الاتجاه إلى أنه لا مبرر للتمييز بين القسم الخاص من قانون العقوبات وبين القوانين الجنائية الخاصة؛ إذ القسم الخاص ينبغي أن يتضمن كافة الأفعال المعدودة من الجرائم، سواء وردت في المدونة العقابية أم ورد النص عليها في قوانين خاصة.
ولعل مما يدعم الرأي المعارض للتفريع في قانون العقوبات أن الأمر لم يقتصر على مجرد ظهور بعض الفروع لقانون العقوبات، وإنما بدأت الفروع بدورها تعرف تقسيمات فرعية؛ فالقانون الجنائي للأعمال المالية والاقتصادية بدأت تظهر له فروعا، مثل القانون الجنائي للبنوك والائتمان. وكذلك الحال بالنسبة للقانون الجنائي للشركات الذي يعتبر أحد فروع القانون الجنائي للأعمال التجارية. كما ثار التساؤل عن ماهية بعض الفروع، وما إذا كانت متفرعة عن قانون العقوبات ذاته، أم أنها تتفرع بدورها عن بعض الفروع. فعلى سبيل المثال، ثار التساؤل عما إذا كان القانون الجنائي للعمل يعد فرعا مستقلا بصفة مطلقة، أم أنه يعد فرعا داخل نطاق القانون الجنائي للأعمال بوجه عام. وفي الإجابة على هذا التساؤل، يذهب بعض الفقه إلى أن القانون الجنائي لعلاقات العمل يعد في الأصل فرعا من فروع القانون الجنائي للأعمال. إلا أن هذا الفرع يتمتع بذاتية خاصة، وذلك بالنظر إلى البعد الإنساني لذلك القانون، بطريقة تتصف بالشمولية والاتساع عن نطاق القانون الجنائي للأعمال. كما أن القانون الجنائي لعلاقات العمل يضفي قواعد قانونية جديدة خاصة فيما يتعلق بالمسئولية الجنائية للأشخاص المعنوية. ولا شك أن هذه الإجابة تبعث على الغموض، وتجعلنا ندور في حلقة غير متناهية من التفريعات.

8-   الاتجاه الوسطي
يتوسط بعض الفقه بين الرأيين السابقين، مؤكدا أن تعدد القوانين الجنائية بتعدد المصالح التي تحميها لا يتفق مع الدقة العلمية. ذلك أن قانون العقوبات بحسب طبيعته يعالج مصالح المجتمع العديدة المتنوعة، فلا يجوز تجزئته أو تمزيقه إلى عدة قوانين – ولو وردت في تشريعات خاصة – بقدر تعدد هذه المصالح، لأن وحدة قانون العقوبات ترتكز على القسم العام بوصفه الإطار القانوني الذي يجمع قائمة الجرائم التي ينص عليها، إما في مجموعته الأصلية أو في التشريعات الخاصة. وطالما كانت الجرائم المنصوص عليها تدخل في هذا الإطار القانوني، أي تخضع للقسم العام، كانت جزءا من قانون العقوبات، مهما تعددت واختلفت المصالح المعتدى عليها بهذه الجرائم.
وإذا كان الميل إلى التخصص يعتبر في ذاته اتجاها محمودا، فإن المبالغة فيه قد ينبني عليها نتائج غير مقبولة، هي في هذا المقام القضاء على وحدة قانون العقوبات والخروج على أحكامه العامة. ويخلط كثير من الفقهاء بين موضوع قانون العقوبات الخاص وموضوع العلاقة بين قانون العقوبات العام وفروع القانون الأخرى. إن فروع القانون تتعاون جميعا في تحقيق أهداف القانون، الاستقرار والعدالة وحماية المصالح المشتركة، وكل فرع من فروع القانون له جزاءاته الخاصة، ويتدخل قانون العقوبات بجزاءاته الشديدة لمعاونة الفروع الأخرى في احترام قواعدها كلما اقتضى الحال. ومجموعة النصوص التي يتدخل بها قانون العقوبات لمعاونة فرع آخر تخضع في تفسيرها وتطبيقها للأحكام العامة في هذا القانون، لأن الشارع لم يخصها بأحكام متميزة.
ومع ذلك، ثمة تشريعات خاصة أعلنت خروجها على أحكام القسم العام من قانون العقوبات، واستأثرت – بوجه عام – في معالجتها للجرائم والعقوبات بمبادئ عامة متميزة. وفي تعبير آخر، من المصالح ما يتميز بطابع معين يبرر وضع مجموعة خاصة به تكون نظاما مستقلا إلى حد ما عن قانون العقوبات، ويطلق عليها قانون العقوبات الخاص. ولعل أبرز مثال على ذلك يكمن في قانون العقوبات العسكري. إذ يتميز هذا القانون عن قانون العقوبات بأنه ينص على جرائم تتصل بالنظام العسكري، ولا نظير لها في قانون العقوبات. كما ينص على عقوبات غير مألوفة في قانون العقوبات العام. ومن قوانين العقوبات الخاصة أيضا، يذكر هذا الفريق من الفقه قانون العقوبات الاقتصادي. فقد اقتضى التوجيه الاقتصادي إصدار تشريعات متعددة تحد من ارتفاع الأسعار أو تمنع تهريب الأموال أو استيراد السلع بغير ترخيص... الخ. ومن الطبيعي أن تدعم هذه القوانين بجزاءات جنائية لتوفير الحماية لتنفيذ السياسة الاقتصادية. وقد اضطر المشرع في سبيل ذلك إلى الخروج على الأحكام العامة الواردة في قانون العقوبات إلى حد يسوغ معه القول بوجود قانون عقوبات خاص باسم قانون العقوبات الاقتصادي. ومن هذا القبيل كذلك، قانون العقوبات المالي أو الضريبي. ويعني هذا المصطلح مجموعة النصوص التي تحمي مصلحة الخزانة. فهذه النصوص تتضمن قواعد قانونية تختلف إلى حد ما عن الأحكام العامة في قانون العقوبات العام. ففي هذه الأحوال الاستثنائية، لا تتميز هذه التشريعات الخاصة بمجرد نوع المصلحة التي تحميها، وما إذا كانت عسكرية أو اقتصادية أو ضريبية، وإنما تتميز حقيقة بأن لها قسما عاما متميزا عن القسم العام لقانون العقوبات في كثير من المبادئ. ولهذا، يسمى هذا النوع الأخير من القوانين «بقانون العقوبات الخاص» لتمييزه عن «قانون العقوبات العام».
ويحرص أنصار هذا الاتجاه على التنويه إلى أن استقلال قانون العقوبات الخاص لا يعني انفصاله تماما عن قانون العقوبات العام. فهذا القانون هو الأصل العام الذي ينبغي الرجوع إليه لسد النقص، أو استجلاء الغموض في القانون الخاص. ذلك أن قانون العقوبات نفسه يكون جزءا من النظام القانوني يستعين بالفروع الأخرى في المسائل التي لم ينظمه. ولتوضيح هذه العبارة، يمكن أن نلفت النظر إلى العلاقة بين قانون الإجراءات الجنائية وقانون الإجراءات المدنية أو قانون المرافعات كما يطلق عليه في بعض التشريعات. إذ لا ينازع أحد في استقلال كل من القانونين عن الآخر. ومع ذلك، فإن الرأي مستقر فقهاً وقضاءً على أن قانون الإجراءات المدنية يعتبر القانون العام للإجراءات القضائية كافة، المدنية والجنائية على السواء، بحيث ترجع المحاكم الجنائية إلى هذا القانون في كل ما لم يرد بشأنه نص خاص في قانون الإجراءات الجنائية.
وهكذا، يميز أنصار هذا الاتجاه بين قانون العقوبات العام وقانون العقوبات الخاص. ويقوم هذا التقسيم على أساس الاعتداد بذاتية الأحكام التي تخضع لها مجموعة معينة من الجرائم. فإذا أخضع المشرع مجموعة من الجرائم لأحكام قانونية خاصة متميزة – كقاعدة عامة – عن أحكام القسم العام من قانون العقوبات، فإنه يسوغ القول بأن هذه المجموعة تخضع لقانون العقوبات الخاص.
وقريبا من هذا الاتجاه، ينادي بعض الفقه بالتفرقة بين قانون العقوبات العام وقانون العقوبات الخاص. والمعيار الذي يستند إليه هذا التقسيم هو نطاق التطبيق المتعلق بالأشخاص أو بالوقائع. فحيث يكون القانون مطبقا على جميع الأفراد وعلى جميع الوقائع التي تقع تحت سلطانه، فإنه يأخذ صفة العموم. وعلى ذلك فقانون العقوبات الأصلي هو قانون العقوبات العام. أما حيث يكون نطاق تطبيق القانون مقصورا على طائفة معينة من الأفراد بسبب توافر صفات خاصة بهم أو بسبب وجودهم في ظروف معينة، ومقصورا على وقائع محددة بحسب موضوعها أو بسبب شخص مرتكبها أو مكان وقوعها، فهذا القانون يعتبر خاصا. وبعبارة واحدة، فإن قانون العقوبات الخاص هو الذي يحكم التجريم والعقاب بالنسبة لبعض الأفعال ، سواء أكانت واردة أم غير واردة بقانون العقوبات العام، بأحكام تختلف عن الأحكام المنصوص عليها في هذا الأخير. ومثال قوانين العقوبات الخاصة قانون العقوبات المالي وقانون العقوبات الاقتصادي وقانون العقوبات العسكري. 

9-   الأسباب الداعية إلى إصدار قوانين جنائية خاصة
       تتعدد الأسباب الداعية إلى إصدار قوانين جنائية خاصة. وأول هذه الأسباب أن التطبيق العملي لقانون العقوبات قد يظهر بعض جوانب النقص في التشريع الجنائي القائم، بحيث تقتضي الحاجة ضرورة تجريم أفعال أخرى لم يتضمنها قانون العقوبات. وهكذا، كثيرا ما يتدخل المشرع الجنائي حماية لمصالح المجتمع، ويجرم بعض الأفعال التي لم تكن معروفة من قبل بقوانين لاحقة ومستقلة، قد تختلف أحكامها عن أحكام قانون العقوبات الأصلي وقد لا تختلف، وذلك وفقا للغاية التي يهدف إليها المشرع في حمايته للمصلحة العامة.
       غير أن التطبيق لا يظهر التشريع الجنائي من تلك الزاوية فحسب، أي عدم قيام المشرع بتجريم بعض الأفعال الجديرة بالعقاب، بل يظهر في زوايا أخرى تتمثل في قصور النصوص القائمة عن تحقيق الغاية منها أو عن قدرتها على ضمان الحماية الكافية للمصلحة المحمية. فقد يبرز التطبيق العملي للقاعدة الجنائية أن الواقعة المجرمة فعلا بنص تشريعي قد يكون لها ثقل معين إذا ما ارتكبت في ظروف خاصة أو من قبل أشخاص معينين لهم صفة خاصة. ومن ثم، قد يجد المشرع من الملائم التدخل وإصدار قانون مستقل يشدد فيه العقوبة أو يخففها، أو يضيف أحكاما جديدة قد تكون مغايرة للأحكام العامة الواردة بقانون العقوبات وقد تكون تطبيقا لها.
وقد يرى المشرع أن يعالج بعض الجرائم في تشريعات خاصة مكملة لقانون العقوبات، وذلك بالنظر إلى أنها تقع اعتداء على مصالح متغيرة أو طارئة، مما يجدر معه عدم وضعها في مجموعة قانون العقوبات حتى لا يصيبه كثير من التعديل أو التغيير. وفي تعبير آخر، يمكن القول بأن من حسن السياسة التشريعية أن يضمن المشرع لمجموعة قانون العقوبات قدرا معينا من الثبات، فلا يتناول أحكامها بالتعديل إلا لضرورة ملحة. ذلك أنه عندما يضع المشرع قانون العقوبات يراعي مبادىء دستورية معلومة استقرت في الأذهان فأصبحت من الأصول المفهومة بحكم الضرورة، قلما تتغير باختلاف الزمان والمكان، بل أنها لم تعد في حاجة إلى نصوص تقررها. واستقرار قانون العقوبات يقتضي أن تقتصر حمايته على المصالح الثابتة، كحق الإنسان في الحياة وسلامة الجسم والملكية... الخ. أما المصالح المتغيرة أو الطارئة، فمن حسن السياسة التشريعية أن يتكفل قانون خاص بحمايتها. ولعل هذا يفسر لنا لجوء المشرع الجنائي في كل الدول – على حد علمنا – إلى إصدار قوانين ملحقة بقوانين العقوبات أو مكملة له، لحماية مصالح خاصة أو متغيرة أو طارئة.
وقد يكون الدافع إلى إصدار قانون خاص هو أن تكون الأفعال الإجرامية الواردة في هذا القانون الخاص مما تنفرد ببعض الإجراءات الجنائية الخاصة، ومن ثم، يرى المشرع إصدار قانون خاص يضم بين دفتيه كلا من الأحكام الموضوعية والأحكام الإجرائية الخاصة بهذه الطائفة من الجرائم.
وقد يكون الهدف من إصدار القانون الخاص سياسيا أو إعلاميا. ولعل أبرز مثال على ذلك يكمن في قانون غسل الأموال وقانون مكافحة جرائم الاتجار في البشر. بيان ذلك أن وزارة الخارجية الأمريكية قد درجت في السنوات الأخيرة على إصدار تقرير عن حالة حقوق الإنسان في العالم.
وقد يكون السبب الدافع إلى إصدار قانون خاص هو وجود تشريع جنائي نموذجي في شأن ذات الموضوع.
وقد يقف أكثر من سبب وراء إصدار قانون جنائي خاص. ولعل أبرز مثال على ذلك يكمن في لجوء المشرع الكويتي إلى إصدار القانون رقم 1 لسنة 1993م بشأن حماية الأموال العامة. ويرى بعض الفقه أن سبب صدور هذا القانون يرجع إلى تفشي بعض السلوكيات الماسة بالأموال العامة في مطلع التسعينيات، خاصة بعد أحداث الغزو العراقي لدولة الكويت في الثاني من أغسطس سنة 1990م. فمع زوال الاحتلال العراقي، وعودة الرقابة البرلمانية على أعمال السلطة التنفيذية، تم اكتشاف بعض حالات الاستيلاء على المال العام المرتكبة بواسطة بعض أصحاب النفوذ، مستغلين غياب وسائل الرقابة التي كان يمارسها مجلس الأمة على المؤسسات العامة، أو الأوضاع التي كانت تمر بها دولة الكويت خلال مرحلة إعادة الإعمار، ومكافحة الآثار المتبقية من الغزو العراقي.
وأبرز مثال على ذلك أيضا عندنا في الجزائر ويتمثل في قانون الوقاية من الفساد، فكلنا يعرف أن هذا القانون الذي تناول كثيرا من الجرائم التي كانت منظمة بقانون العقوبات، مع تعديلات يسيرة، وكذلك إضافة بعض الجرائم الأخرى، والسبب هو تفشي ظاهرة الفساد، وقد يكون السبب سياسيا كما سبق البيان.
وقد يعالج التشريع موضوعا معينا، متضمنا الأحكام القانونية المنظمة له من جميع جوانبه، سواء كانت إدارية أو تنظيمية. وفي هذه الحالة، قد يرى المشرع من الملائم الاستعانة بسلاح التجريم والعقاب لإضفاء الفعالية على أحكامه، فينشئ جرائم ويضع عقوبات لمخالفة القواعد الجوهرية في هذا التشريع. ومن قبيل ذلك، التشريعات المتعلقة بالمرور، والجمارك، والضرائب، والتموين، والشركات، والصيد، والزراعة، والعمل والتأمينات الاجتماعية، والتجارة، ودخول وإقامة الأجانب، والأحوال المدنية، والمباني والتخطيط العمراني، والملكية الفكرية، وغيرها من التشريعات الخاصة المنظمة لمجالات شتى غير جنائية بطبيعته.
وأيا ما كان السبب وراء صدور القانون الجنائي الخاص، فإننا نجد أنفسنا أمام قوانين قائمة بذاتها إلى جانب قانون العقوبات الأصلي. وعن هذه القوانين القائمة بذاتها، يتحدث الفقه عما يسمى «بقانون العقوبات التكميلي» الذي يشمل جميع القوانين التي تتناول بالتجريم والعقاب أفعالا لا تندرج تحت نصوص قانون العقوبات الأصلي، أو يتضمن قواعد جنائية خاصة غير موجودة بالقانون الأصلي. والفرض أن قانون العقوبات التكميلي يكمل قانون العقوبات الأصلي، ومنهما معا يتكون النظام القانوني الجنائي.

10-                     حول تسمية القانون الجنائي العسكري
إن عبارة القانون الجنائي الخاص غالبا تطلق على ذلك الفرع من الدراسة الذي يتناول آحاد الجرائم ويفصلها، سواء بعد ذلك وردت في قانون العقوبات أو القوانين التكميلية مادام أن الدراسة ستتناول الجريمة كما تناولها المشرع بكل خصوصياتها، وليس بالضرورة أن تكون متسقة مع قواعد قانون العقوبات العامة.
أما عبارة قانون جنائي خاص، فقد تطلق على نص قانوني واحد يتميز باستعماله للجزاءات الجنائية، كما قد يتميز باستعماله لإجراءات جزائية خاصة غير تلك المعروفة في قانون الإجراءات الجزائية المعمول به، وسواء بعد ذلك سماه المشرع بذلك الاسم أم سماه الفقه، فقد ينص المشرع على قانون الجمارك بينما يتحدث الفقه عن القانون الجنائي الجمركي، وقد يسمى القانون بقانون البيئة بينما يدرس الفقه القانون الجنائي البيئي.
أما ما يسمى القانون الجنائي العسكري فهو يتعلق بنص قانون القضاء العسكري، ويبدو أن المشرع لم يسمه قانون العقوبات العسكري لأنه يتضمن الجانب الموضوعي والإجرائي معا، وما العقوبات إلا جزء يسير منه، ومن هنا فلا يسوغ لنا أيضا تسميته بقانون العقوبات العسكري مع أن هذه التسمية هي الأقرب وفقا للتحليل الذي رأيناه، ولذلك فدراستنا للقانون الجنائي العسكري ستكون على أساس اعتباره قانونا جنائيا خاصا يلحق بقانون العقوبات العام، وذلك بالنظر إلى اعتبارات عديدة سنراها لعل أهمها أن هذا القانون وإن كان يخص العسكريين فإنه لا يمنع بتاتا من أن يمثل أمامه غير العسكريين، ومن ثمة فهو قانون بقدر ما له من خصوصيات واستثناءات فله أيضا قسم كبير من القواسم المشتركة مع قانون العقوبات العام.



.../...


عدل سابقا من قبل Admin في الإثنين 06 نوفمبر 2017, 07:04 عدل 2 مرات
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اختصاص المحاكم العسكرية

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 27 أغسطس 2017, 08:08


اختصاص المحاكم العسكرية

مخطط: تمهيد:

1-              بالنسبة للاختصاص المحلي.

2-              بالنسبة للاختصاص النوعي.

3-              بالنسبة للدعوى المدنية التبعية.

4-              اجتهاد للمحكمة العليا حول الدعوى المدنية التبعية أثار التباسا.

 

تحميل الموضوع في شكل ملف PDF
اختصاص المحاكم العسكرية
تمهيد:
الاختصاص هو من الشروط الشكلية للدعوى، وهو شرط من النظام العام، أي لا يمكن اتفاق الأطراف على مخالفته، فهو موضوع لحسن سير العدالة، وهو يعني المجال الذي يسمح للمحكمة في نطاقه أن تنظر الدعوى بأن تكون مَختصة بها محليا ونوعيا، فهو إن صح التعبير معبر أو جسر يمر منه الاتهام أو الدعوى، فلا يسمح للمحكمة أن تفصل في الدعوى إلا إذا مرت عبر المعبر الصحيح محليا ونوعيا.

1-           بالنسبة للاختصاص المحلي:
أي النطاق الجغرافي الذي تمارس فيه المحكمة العسكرية اختصاصها، وقد رأينا الاختصاص مرتبطا بالنواحي العسكرية (راجع المرسوم رقم 84-358 مؤرخ في 5 ربيع الأول عام 1405 الموافق 28 نوفمبر سنة 1984 يتضمن إعادة التنظيم الإقليمي للنواحي العسكرية)، وطبقا للمادة 4 من قانون القضاء العسكري (يشار إليه لاحقا ق.ق.ع):"يمتد اختصاص المحاكم العسكرية لكامل الناحية العسكرية التي يوجد بها مقر المحكمة بغض النظر عن مساحتها أو عدد الأفراد أو الوحدات".
أما معيار الاختصاص فقد جاء في المادة 30 ق.ق.ع، ويمكن تلخيصها في الآتي:
-      تختص المحكمة العسكرية إذا كانت الجريمة مرتكبة على إقليمها، أي أن يقع الجرم في دائرة اختصاصها؛
-      تختص إذا تم توقيف المتهم أو المتهمين في دائرة اختصاصها؛
-      تختص إذا كان المتهم أو المتهمون يتبعون وحدة خاضعة لاختصاصها؛
-      في حالة التنازع يعود الاختصاص للمحكمة التي وقع الجرم بدائرة اختصاصها؛ وهو أفضل الضوابط التي اختارتها القوانين المقارنة؛
-      إن الاختصاص يختلف عندما يكون المتهم نقيبا أو ذا رتبة أعلى، فوزير الدفاع الوطني يعين محكمة لا تكون هي المحكمة التي يتبعا في العادة المتهم أو المتهمون، إلا في حالة الاستحالة المادية لذلك كأن يكون المتهمون تابعين لكل النواحي العسكرية؛ وهذا يعبر عنه بامتياز التقاضي، مثلما هو الحال بالنسبة للوزراء وغيرهم.
-      إن الاختصاص بالنسبة لموظفي السفن المحروسة يعود للمحكمة التي يحال إليها موظفو سفينة الحراسة طبقا للمادة 31 ق.ق.ع؛
-      إن الاختصاص عندما يتعلق الأمر بأجنبي عن الجيش (في حالة الجرائم التي ينص على وقوعها من الأجانب عن الجيش) أو محرر من التزاماته العسكرية قبل الشروع في الملاحقات يتحدد بمكان إقامة المتهم طبقا للمادتين: 34 و 35 ق.ق.ع؛
-      بالنسبة للمعتقلين في دائرة اختصاص محكمة عسكرية تنظر هذه الأخيرة فيما يرتكبون من جرائم طبقا للمادة 36 ق.ق.ع؛
-      طبقا للمادة 280 ق.ق.ع فإن حالات تنازع الاختصاص بين القضاء العام والقضاء العسكري أو بين جهتين للقضاء العسكري تحل عن طريق عريضة توجه من المحكمة العسكرية إلى المحكمة العليا تثير فيها الإشكال، وتحل الأخيرة الإشكال طبقا للمادة 545 ق.إ.ج، وهذا الحل أي إسناد الفصل في تنازع الاختصاص للمحكمة العليا يوافق الحل الذي كان يأخذ به التشريع الفرنسي، وطبقا للمبادئ القضائية في كل من الجزائر وفرنسا فإن القضاء سواء منه العادي أو العسكري ليس له أن يتنازل عن الاختصاص، وإنما يحل تنازع الاختصاص عن طريق المحكمة العليا، أما القانون المصري فهو يسمح للقضاء العسكري وحده أن يقبل الاختصاص أو يتنازل عنه دون أن ينازعه أحد.

قضية (1): ألقت الشرطة على (أ) وفي حيازته كمية من المخدرات، وصرح (أ) بأن البضاعة سلمت له من (ب) وهو عسكري أحضرها بمساعدة (ج) و(د)،  تم فتح تحقيق ضد (ب) و(ج) فقط، انتهى بصدور أمر بإحالتهما إلى محكمة الجنح بتهمة الاتجار في المخدرات، والتي قضت بعدم اختصاصها على أساس أن أحد المتهمين عسكري وارتكب الوقائع في الخدمة، ولما أرسل ملف القضية إلى المحكمة العسكرية فإن نيابة هذه المحكمة قررت متابعة (ج) و(د)، ولما عرضت القضية على المحكمة صرحت بعدم اختصاصها بنظر الدعوى، قدم النائب العام لدى المجلس التابعة إليه محكمة الجنح طلبا إلى المحكمة العليا ملتمسا فيه الفصل في تنازع الاختصاص السلبي مع العلم أن الحكمين الصادرين كلاهما قد اكتسبا قوة الشيء المقضي به لعدم وقوع طعن فيهما، فماذا سيكون موقف المحكمة العليا؟

جواب: هذه القضية نظرت بالفعل أمام المحكمة العليا، وأصدرت فيها قرارها رقم 34620 بتاريخ 24/05/1983، وقد قررت المحكمة العليا أنه من المقرر قانونا أنه ينشأ عن صدور حكمين نهائيين من محكمة الجنح والمحكمة العسكرية الدائمة بعدم اختصاص كل منهما بنظر الدعوى تنازع في الاختصاص يمنع السير في الدعوى، ولعدم وجود هيئة عليا مشتركة بين الجهتين المذكورتين حسب التدرج في السلك القضائي فإن الغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى (المحكمة العليا) هي المختصة بالفصل في هذا التنازع وفقا للقانون، ولكن لما تبين أن النيابة العامة العسكرية لم تفصل في التهمة الموجهة من طرف قاضي التحقيق بالمحكمة العادية إلى (ب) الذي هو عسكري مما يجعل أنها لم تستنفذ ولايتها في الدعوى وكان لذلك حكمها باطلا، وعليه قضت المكمة العليا بإبطال الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية الدائمة وبإحالة القضية وجميع الأطراف أي (أ،وب، وج، ود) إلى محكمة عسكرية دائمة غير الأولى للفصل فيها من جديد طبقا للقانون.

قضية (2): أدين (أ) وهو عسكري برتبة رائد من طرف المحكمة العسكرية الدائمة للبليدة التي يتبعها بتهمة مخالفة التعليمات العسكرية، وقد طعن (أ) بالنقض في حكم المحكمة العسكرية بناء على أن قانون القضاء العسكري في مادته 30 ق.ق.ع ينص على أنه عندما يكون المتهم بدرجة نقيب فأعلى يعين وزي الدفاع الوطني المحكمة العسكرية المختصة والتي لا تكون محكمة الناحية العسكرية التي يتبعها المتهم أو المتهمون، فماذا سيكون موقف المحكمة العليا؟

جواب: هذه القضية نظرت بالفعل أمام المحكمة العليا، وأصدرت فيها قرارها رقم 41772 بتاريخ 21/11/2007، وقد قررت المحكمة العليا أنه من المقرر قانونا أنه لا تكون المحكمة العسكرية التابع لها المتهم بدرجة نقيب فأعلى مختصة بالفصل في الجريمة المنسوبة إليه، وأن وزير الدفاع هو من يعين المحكمة المختصة، وحيث أن ما ذكره الطاعن وجيه إذ أن امتياز التقاضي من النظام العام لا تجوز مخالفته، وبما أن الطاعن له رتبة رائد وكان يعمل بإقليم الناحية العسكرية الأولى فإن المحكمة العسكرية بالبليدة غير مختصة لمحاكمته عن الأفعال المنسوبة إليه، وعليه يتعين نقض وإبطال الحكم المطعون فيه وإحالة القضية والأطراف أمام المحكمة العسكرية بقسنطينة للفصل فيها مجددا.

2-           بالنسبة للاختصاص النوعي:
كرست المادة 3 ق.ق.ع معيارا شخصيا عاما بمقتضاه تعتبر من اختصاص المحاكم العسكرية الجرائم المرتكبة من العسكريين التابعين لمختلف الأسلحة والمصالح العسكرية والأفراد المماثلين لهم.
هذا المعيار في الحقيقة غير كاف لأن المادة 25 من نفس القانون تسلك مسلكا مخالفا، وهو ما أكدته المحكمة العليا أيضا في قرار لها بتاريخ: 08/01/1991 حيث جاء فيه:" إن صفة العسكري وحدها لا تخول الاختصاص للمحكمة العسكرية إذا كانت الجريمة المرتكبة عادية وكان اقترافها قد وقع خارج المؤسسة أو الخدمة العسكرية "، وجاء في قرار أخرى لنفس المحكمة صادر عن الغرفة الجنائية الأولى بتاريخ: 23/11/1982 ما يلي:" " إن صفة العسكري لا تكفي وحدها لجعل الجريمة العادية من اختصاص المحكمة العسكرية بل لا بد من توافر أحد الشروط المقررة بالمادة 25 الفقرة الأولى من قانون القضاء العسكري، و هي أن تقع الجريمة داخل المؤسسة العسكرية أو في الخدمة أو لدى المضيف .وبناء على ذلك، إذا ثبت أن السرقات التي ارتكبها المتهم لم تقع ضمن الشروط المذكورة و قضت المحكمة العسكرية بعدم اختصاصها فإن حكمها هذا يكون مطابقا للقانون".
فهناك إذن معايير أخرى استند إليها قرار المحكمة العليا، وهي التي جاءت بها المادة 25 ق.ق.ع والتي تتمثل بالأساس في المعيار الموضوعي الذي يستند إلى الأفعال المرتكبة ذاتها، ومكان ارتكابها، أو ظروف ارتكابها.

أ- الأخذ بالمعيار الشخصي بمفرده: في الحقيقة أن المعيار الشخصي يعد كافيا لوحدة لاختصاص القضاء العسكري، وذلك في حالة الحصار أو حالة الطوارئ تطبيقا لنص المادة 40/2 ق.ق.ع؛ ويراد بالعسكريين ما جاءت به المادة 26 ق.ق.ع الأشخاص القائمون بالخدمة أو المعدودون في حالة حضور أو استيداع أو غياب نظامي خلال مدة العفو السابقة للفرار، أو الأشخاص غير القائمين بالخدمة وهم باقون تحت تصرف وزارة الدفاع الوطني ويتقاضون الراتب"، أما المماثلون والذين جاء ذكرهم في المادة 3 ق.ق.ع فهم قد يكونون أشخاصا مدنيين يعملون بجانب العسكريين ويتقاضون راتبهم من وزارة الدفاع الوطني رغم عدم خضوعهم لنظام الخدمة في الجيش، أو عسكريون في وضعية خارج الخدمة الفعلية، لكنه يظلون تابعين لوزارة الدفاع الوطني، ولا يدخل ضمن قائمة المماثلين ، أفراد الأسلاك شبه العسكرية مثل عناصر الشرطة والجمارك رغم تقراب أساليب الانضباط لدى هذه الهيئات بالمقارنة مع ما هو معمول به تجاه العسكريين.
وقد أضيف بموجب المادتين 27 و28 ق.ق.ع طائفة أخرى تتضمن أشخاصا يأخذون حكم العسكريين دو نأن يرد ذكرهم في المادة 26 ق.ق.ع، والفرق بين هؤلاء يكمن في الوضعية المهنية لكل منهم، فالعسكريون والمماثلون لهم المشار إليهم في المادة 26 يوجدون ضمن قائمة مستخدمي وزارة الدفاع الوطني وفقا للتشريع المعمول به، بينما يعود انتساب من جاء ذكرهم في المادتين المذكورتين إلى الجيش لأسباب عرضية مثلما هو الشأن بالنسبة للمتطوعين والمعفيين من الخدمة والمطرودين من الجيش.

ب-ارتكاب عسكري لفعل مجرم أثناء الخدمة، وعبارة أثناء الخدمة تفيد –حسب الفقه والقضاء-ارتكاب الفعل المجرم أثناء تنفيذ أمر صادر من السلطة التدرجية، ومثالهم: العسكريون المتمركزون بشكل مستقر على قارعة الطريق من أجل دعم وحدات الشرطة مثلا، فهؤلاء لا يبرر تواجدهم خارج موقعهم الطبيعي في المؤسسات العسكرية إلا أمر صادر عن السلطة التدرجية وإن طال مقامهم. ويأخذ حكمهم أيضا العسكريون الذين يتلقون أوامر بالتوجه إلى نقطة ما ولو بصورة عرضية، فلا يثبت بالتالي عنصر الخدمة ما لم يكن العسكري في موضع المتلقي للأمر، فمتى تحقق ذلك عاد الاختصاص للمحاكم العسكرية.
إذن فكلما ارتكبت جريمة من طرف عسكري أو مماثل له أثناء الخدمة بالمفهوم المذكور فإن اختصاص النظر فيها يعود للقضاء العسكري، سواء تعلق الأمر بجناية أو جنحة أو مخالفة ذات طابع عسكري محض، أو تلك المنصوص عليها في القانون العام، ومثاله: الجندي الذي يضبط في حالة سكر أثناء قيادته لعربة عسكرية بموجب أمر بمهمة، فيكون عرضة للمتابعة أما م القضاء العسكري، وذلك رغم أن الجريمة المرتكبة هي السياقة في حالة سكر والمعاقب عليها بموجب قانون المرور وليس لها أي طابع عسكري.
كما لا يختلف الوضع بالنسبة لاختصاص المحاكم العسكرية إن كان العسكري أو المماثل له فاعلا لجرم أو ضحية له، فمعيار الخدمة يمتد ليشمل الفرضيتين، وهذا ما سبق أن فصلت فيه المحكمة العليا في قرار لها بتاريخ 25/01/2000، وذلك بمناسبة النظر في طعن بالنقض حول تنازع الاختصاص بين القضاء العادي والقضاء العسكري نتيجة كون العسكري توفي أثناء الوظيفة، وجاء فيه:" إن الجرائم المرتكبة من طرف عسكريين ضد عسكريين أو مدنيين ضد عسكريين إذا وقعت بسبب الوظيفة فإنها تخرج عن اختصاص القضاء العادي وأن القرار المطعون فيه لما صرح بعدم الاختصاص النوعي بسبب صفة المجني عليه كعسكري ووقوع الجريمة أثناء الخدمة يمنع القاضي العادي من التحقيق في ظروف الوفاة.
وبهذا القضاء من المحكمة العليا يمكن القول أن القضاء العسكري قد بسط ولايته الكاملة على القضايا الجزائية المرتكبة أثناء الخدمة.

قضية: ارتكب (س) وهو عسكري، وأثناء قيامه بمهمة عسكرية جريمة قتل وجرح خطأ، وتمت متابعته أمام القضاء العادي وإدانته، ولدى متابعته أمام المحكمة العسكرية تبين للمحكمة أن القضية منظورة أمام القضاء العادي، فطلبت المحكمة العسكرية من المحكمة العادية التخلي عن القضية إلا أن هذه الأخيرة كانت قد فصلت فيها، بل أن المجلس القضائي صادق على الحكم بعد الاستئناف أيضا، ورفعت النيابة العامة لدى المحكمة العليا طعنا لصالح القانون تنفيذا لتعلميات وزير العدل طالبة نقض الحكم الصادر عن غرفة الاستئناف الجزائية وإحالة القضية إلى المحكمة العسكرية، فماذا سيكون موقف المحكمة العليا؟

جواب: هذه القضية نظرت بالفعل أمام المحكمة العليا، وأصدرت فيها قرارها رقم 23007 بتاريخ 17/04/1984، وقد قررت المحكمة العليا أنه إذا كان مؤدى حكم المادة 25 ق.ق.ع هو أن المحكمة العسكرية تختص بمحاكمة الفاعل الأصلي للجريمة متى كانت مرتكبة من عسكري في إطار الخدمة أو ضمن مؤسسات عسكرية فإن القضاء بما يخالف هذا المبدأ يعد خطأ في تطبيق القانون ويستوجب إبطاله لصدوره من جهة غير مختصة قانونا، وعليه فمتى طعن لصالح القانون ضد الحكم المطعون فيه وفقا للمادة 530 الفقرة 3 ق.إ.ج فإن ذلك يؤدي إلى البطلان لا إلى النقض كما أن المحكوم عليه يستفيد من هذا البطلان، وعليه يستوجب إبطال حكم محكمة الجنح وقرار المجلس بدون إحالة.

ج- وقوع الجريمة داخل مؤسسة عسكرية:  ويقصد بالمؤسسة العسكرية في مفهوم قانون القضاء العسكري كل بناية موضوعة تحت تصرف الجيش لأجل القيام بمهامه بغض النظر عن طريقة الاستعمال، فقد تأخذ شكل مكاتب إدارية كمقر النواحي العسكرية، أو مقر القيادات أو المديريات الجهوية، وقد تستعمل للتدريب والتأهيل مثل مراكز التكوين والمدارس العسكرية، كما قد تأخذ شكل المؤسسات الخدماتية كالمستشفيات وقد تكون مهيأة للصناعة الحربية ؛ فكل هذه المواقع على اختلاف ما أعدت له تخضع للنظام العسكري، وبالتالي تختص المحاكم العسكرية بالنظر في كل الجرائم المرتكبة بداخلها سواء تلك المنصوص عليها في قانون القضاء العسكري أو في القانون العام.
والسفن البحرية أيضا تأخذ حكم المؤسسة العسكرية وفقا للمادة 29 ق.ق.ع، وكذلك الطائرات العسكرية والمنشآت المحدثة بصفة نهائية أو مؤقتة والمستعملة من طرف الجيش لتحط بها الفيالق المتنقلة والأرضيات المهيأة لاستقبال السفن والطائرات الحربية؛ بينما يستثنى من مجال اختصاص القضاء العسكري الأحياء السكنية الموضوعة تحت تصرف وزارة الدفاع الوطني والمتواجدة خارج أسوار الوحدات العسكرية.
فالجرائم المرتكبة داخل المؤسسات العسكرية المذكورة كلها تخضع بقوة القانون لاختصاص المحاكم العسكرية، وذلك مهما كانت طبيعتها، أو صفة مرتكبها (عسكريا أم مدنيا، أو الحالة التي يكون عليها الفاعل (في الخدمة أو خلال فترات الراحة أو التوقيف).

قضية: على إثر شجار مع موظفي شركة التأمين وتدخل قوات الدرك الوطني وداخل ثكنتهم قام المساعد الأول (أ) بإهانة رجال الدرك وسبهم بعد أن سبق له إهانة وسب موظفي شركة التأمين، ولدى عرض القضية على المحكمة العسكرية الدائمة قضت الأخيرة بعدم الاختصاص، وقد رفع وكيل الجمهورية العسكري طعنا بالنقض ضد هذا الحكم، فماذا سيكون موقف المحكمة العليا؟

جواب: هذه القضية نظرت بالفعل أمام المحكمة العليا، وأصدرت فيها قرارها رقم 56137 بتاريخ 19/05/1987، وقد قررت المحكمة العليا أنه من المقرر قانونا الجريمة التي يرتكبها عسكري داخل مؤسسة عسكرية تدخل في اختصاص المحكمة العسكرية، ومن المقرر أيضا أن تعدد الجرائم المرتبطة ارتباطا لا يقبل التجزئة والصادرة من متهم واحد يقتضي ضمها وإحالتها على جهة قضائية واحدة، ولما كان من الثابت في قضية الحال أن المتهم قام بأفعال السب والإهانة بادئ الأمر بمقر شركة التأمين ثم تواصلت بمقر فرقة الدرك الوطني الذي هو بمثابة مؤسسة عسكرية، وأن هذه الجريمة بالتالي ارتكبها عسكري داخل مؤسسة عسكرية فهي تدخل في اختصاص المحكمة العسكرية، وحيث أنها أيضا مرتبطة ارتباطا لا يقبل التجزئة مع أفعال السب والإهانة المرتكبة على مستوى شركة التأمين، وأن حسن سير العدالة يقتضي ضم الأفعال كلها وإحالة المتهم (أ) على جهة واحدة، ولما كانت المحكمة العسكرية قد قضت بعدم الاختصاص فهي بذلك أخطأت في تطبيق القانون، ومتى كان ذلك استوجب نقض الحكم المطعون فيه.

د-ارتكاب الجريمة لدى المضيف، والمضيف هو كل شخص طبيعي أو معنوي من غير العسكريين، يستوي في ذلك أشخاص القانون العام والخاص، حيث يسخر ما في حيازتهم لإيواء عسكريين بمناسبة ظروف معينة أو لأجل القيام بمهمة رسمية، إذ يجبر صاحب الموقع أو مسيره على استقبالهم وتجنب مزاحمتهم على الأما كن. فإذا ما ارتكبت جريمة لدى المضيف مهما كانت طبيعتها عاد الاختصاص للقضاء العسكري؛ ومن أمثلة المضيف، تواجد فصيلة من قوات الجيش داخل حرم الجامعة أو المدرسة أو ملعب رياضي أو مسكن مواطن غير مأهول، تحسبا لوقوع أعمال شغب أو للرد على أعمال إرهابية في تلك المنطقة. إذ كلما دعت الضرورة لتواجد قوات مسلحة في مكان معين ليست به مؤسسة عسكرية تقوم هذه ا لقوات باستعمال المنشأة المعدة لأغراض مدنية من أجل إقامة عناصرها وتمركزهم، ويأخذ حكم المضيف أيضا المكاتب الموضوعة تحت تصرف العسكريين المكلفين بالأمن لدى المصالح الإدارية للدولة.
ولا يكون مضيفا بالمعنى المقصود في نص المادة 25 ق.ق.ع صاحب موقع تقاضى أجرا مقابل تسليمه لإدارة الجيش، فقد اعتبر المشرع الجرائم المرتكبة لدى المضيف من الجرائم العسكرية، وأخرجها بالتالي من اختصاص قضاء القانون العام وذلك استنادا إلى رغبة المشرع في توفير حماية أكثر فعالية للأشخاص الملزمين بقبول الغير ضمن محيط حيازتهم، وأيضا اعتبار ذلك المكان امتداد للمؤسسة العسكرية.

ه-حالة الارتباط، والارتباط هو الصلة التي تجمع عدة جرائم بعضها البعض دون أن تمنع من بقاء كل جريمة حينما تكون الأفعال غير مستقلة عن الأخرى، ونميز بين حالة عدم التجزئة حينما تكون الأفعال غير قابلة للتجزئة مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا إلى درجة تجعل منها تشكل جريمة واحدة. أما الارتباط فهو الصلة التي تجمع عدة جرائم ببعضها دون أن تمنع استقلال كل منها عن الأخرى، ويترتب على كل من الارتباط وعدم التجزئة ضم الدعاوى وبالتالي امتداد الاختصاص بالنسبة للنوع أو المكان إذا كانت الجرائم بسبب الزمن أو الأمكنة التي ارتكبت فيها من اختصاص محاكم مختلفة أو نتيجة علاقة سببية أو تسهيل الواحدة للأخرى، ويتحقق هذا الأثر ليس في مرحلة الحكم فحسب بل خلال التحقيق أيضا، والفائدة من الضم ترجع إلى تمكين القاضي من الإحاطة بجميع الوقائع المرتبطة ببعضها ومنع تضارب الأحكام وتوفير الوقت والمصاريف.
وقد وردت حالات الارتباط في المادة 188 من قانون الإجراءات الجزائية، وجاءت ضمن أربع حالات تكون فيها الجرائم مرتبطة من بينها: أن ترتكب هذه الجرائم في وقت واحد من عدة أشخاص مجتمعين، نتيجة الارتباط الوثيق بين جريمتين، ويفترض لقيام هذه الحالة عدم إمكانية التجزئة أو الفصل بين الجرائم نتيجة الارتباط الوثيق بين جريمتين أو أكثر بحيث لا يمكن فهم الواقعة من دون بقية الوقائع كأن يقوم الفاعل بتزوير محررات لأجل النصب أو ارتكاب مجموعة جرائم من أجل تحقيق غرض واحد كسرقة الضحية ثم قتلها وتحطيم منزلها  بغرض تضليل التحقيق، فيترتب على وجود هذه الحالة أنه  إذا كانت الجريمة الأصلية من اختصاص المحاكم العسكرية لكن وقوعها مرتبط بجرائم للقانون العام عاد الاختصاص للقضاء العسكري،  وفي قرار للمحكمة العليا اعتبرت هذه الأخيرة مطابقا للقانون حكم المحكمة العسكرية الفاصل في جرائم مرتبطة ارتكبها نفس المتهمين وكانت الجريمة الرئيسية تدخل في اختصاص المحاكم العسكرية.

و-حالة الطوارئ، وهي الحالة القانونية التي تكون عليها الدولة في ظروف غير مألوفة تدفع بالسلطة إلى اتخاذ إجراءات استثنائية مناسبة لمواجهة الوضع الطارئ دون أن يمس ذلك بمبدأ الفصل بين السلطات أو يؤدي إلى تعليق العمل بالدستور، فالمادة 91 من الدستور تنص على:" يقرر رئيس الجمهورية إذا دعت الضرورة الملحة حالة الطوارئ أو الحصار لمدة معينة بعد اجتماع المجلس الأعلى للأمن واستشارة رئيس المجلس الشعبي الوطني، ورئيس مجلس الأمة، ورئيس الحكومة، ورئيس المجلس الدستوري، ويتخذ كل التّدابير اللازمة لاستتباب الوضع "، فحالة الطوارئ ليست بالوضعية العادية التي يكون فيها حكم الدولة نافذا أو ينعم فيها المواطنون بالأمن والاستقرار، و لا ترقى كذلك إلى درجة حالة الحرب التي يجمد فيها الدستور وما يتبع ذلك من انحصار للحريات وتراجع في الحقوق عملا بنص المادة 96 من الدستور، فإذا ما قامت ضرورة تفرض على السلطة الخروج على المبادئ المعتادة عن طريق ممارسة بعض الإجراءات التي تمكنها من مواجهة الظروف الطارئة، يجب أن يكون ثمة تناسب بين حجم الصلاحيات الممنوحة للهيئات العامة و بين متطلبات الظروف الطارئة .
إن الاختصاص النوعي للمحاكم العسكرية في مثل هذه الأوضاع لا يستند إلى صفة الفاعل ولا على ظروف ارتكاب الجريمة، وإنما يؤسس على مدى ما يلحقه الفعل من ضرر بالنظام العام، ويستوي في ذلك أن يكون مرجع التجريم قانون العقوبات أو قانون القضاء العسكري أو أي قانون آخر.
وبالرجوع إلى حالة الطوارئ التي عرفتها الجزائر في وقت أزمتها، وبالتحديد إلى المرسوم الرئاسي المتضمن إعلان حالة الطوارئ وكذا المرسوم التشريعي المتضمن تمديد فترة حالة الطوارئ المعلنة سنجد أن من أهم الإجراءات التي أقرها ما يلي:

-1 منح وزير الداخلية و الجماعات المحلية صلاحية تقرير وضع الأشخاص الذين يقومون بنشاطات تحتمل الإضرار بالنظام العام، في مرا كز أمن لمدة غير محددة و دون الحاجة إلى حكم قضائي؛
-2 منح والي الولاية صلاحية الأمر بالتفتيش ليلا أو نهارا؛
-3 تمكين المحاكم العسكرية من النظر في كافة الجنايات و الجنح الخطيرة الماسة بأمن الدولة ت صفة مرتكبها أو الشريك أو المحرض.

        وفي الحقيقة فهذا النص في فقرته الثالثة التي تعنينا لا حاجة إليه مادام أن قانون القضاء العسكري قد نص في الفقرة 2 من المادة 40 على هذا الحكم:" أما في زمن السلم، وفي حالة إعلان الحكم العرفي أو حالة الطوارئ، فيمتد اختصاص المحاكم العسكرية الدائمة على جميع أنواع الجرائم المرتكبة من المتقاضين المبينين في المواد 26 و27  و 28 مع مراعاة أحكام الفقرة 3 من المادة 25.

ز-اختصاص القضاء العسكري بناء على وصف الجريمة (نوعها)
بالإضافة إلى المعايير المختلفة التي رأينها فهناك معيار آخر يتحدد به اختصاص المحاكم العسكرية، عملا بنص الفقرتين الأولى والثالثة من المادة 25ق.ق.ع، وهو نوع الجريمة المرتكبة، ويتعلق الأمر أساسا بنوعين من الجرائم:
النوع الأول: يشمل الجرائم الوارد ذكرها في الكتاب الثالث من قانون القضاء العسكري، وهي عبارة عن جرائم عسكرية محضة يمكن أن يرتكبها إلا من كان منتميا لعناصر الجيش أو المماثلين لهم .
النوع الثاني: الجرائم الماسة بأمن الدولة متى تجاوزت مدة العقوبة المقررة لها خمس سنوات حبسا.
الجرائم العسكرية المحضة، يقصد بها تلك الجرائم المشار إليها في الفقرة الأولى من المادة 25 ق.ق.، وهي مخالفات من ذلك النوع الذي يتعارض مع نظام الخدمة في الجيش كالعصيان والفرار والتمرد العسكري ورفض  الطاعة والفرار أو الفرار أمام العدو والتشويه المتعمد و الاستسلام و مخالفة التعليمات العسكرية، فكلما ارتكبت جريمة عسكرية محضة عاد الاختصاص للمحاكم العسكرية، وذلك عملا بالنص الصريح للفقرة الأولى :" تنظر المحاكم العسكرية الدائمة في المخالفات الخاصة بالنظام العسكري والمنصوص عليها في الكتاب الثالث الوارد بعده . فيحال إليها كل فاعل أصلي للجريمة وكل مشترك آخر وكل شريك في الجريمة، سواء كان عسكريا أم لا".
وقد جاء التأكيد على هذا من خلال قرار صادر عن الغرفة الجنائية الأولى للمحكمة العليا مؤرخ في 24/01/1984 حيث اعتبرت الجرائم ذات الطابع العسكري المحض هي من اختصاص المحاكم العسكرية. إلا أن مثل هذا النص يجعلنا نفترض أن مثل هذه الجرائم ترتكب في العادة من طرف عسكريين، وبالتالي فهو أقرب إلى المعيار الشخصي، ولكن هذا الافتراض غير سليم دائما، فليس هناك ما يمنع من اشتراك المدنيين مع العسكريين في ارتكاب هذه الجرائم، كالتحريض على الفرار أو إخفاء الفار، ولكن يبقى أن الأصل في هذه الجرائم هو وجود طرف عسكري، ومن ثمة يبقى رجحان كفة ارتكاب عسكري أو مماثل له للجرائم الواردة في الكتاب الثالث من قانون القضاء العسكري أفضل معيار للقول فيما إذا كان الأمر يتعلق بجريمة ذات طابع عسكري أم لا.

 هذا يعني أن خطورة الفعل لا تصلح معيارا لاعتبار الجريمة ذات طابع عسكري فهناك العديد من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات، لكنها لا تعتبر جرائم عسكرية، وتبقى من اختصاص جهات القانون العام، ولا تخضع لاختصاص المحاكم العسكرية إلا على أساس الارتباط بين الجرائم الذي سبق شرحه، ومن أمثلة ذلك جنايات المساهمة في حركات التمرد (المادة 88 إلى 90 من قانون العقوبات).
الجرائم الماسة بأمن الدولة، لم يرد أي تعريف دقيق أو وصف موحد بشأن المقصود بجرائم أمن الدولة في أي من النصوص التي تضمنت هذه الطائفة من الجرائم ، غير أن الفقه والقضاء يكاد يتفق على أن جرائم أمن الدولة هي جرائم سياسية، لكن هذا تعريف بغير معرف، وعلى الرغم من كثرة النصوص الصادرة في شأن الأفعال الموصوفة بالجرائم الماسة بأمن الدولة لم يحاول المشرع تحديد المقصود بأمن الدولة واكتفى بالنص عليها، مما أحدث تضاربا حول الأفعال التي يمكن اعتبارها حقيقة ماسة بأمن الدولة، فتارة يكون الأمن بمفهوم السكينة هو المستهدف من خلال ما يرتكب من أفعال يكون الغرض منها التوصل إلى فقدان المواطن لثقته في سلطان الدولة، وتارة أخرى نجد المرغوب في حمايته هو الاقتصاد الوطني على اعتبار أن المساس بالمصالح الاقتصادية للدولة يعد بمثابة اعتداء عليها، ومرة يقترن أمن الدولة بعدم الإضرار بنظام الحكم.
هكذا إذن يختلف مفهوم أمن الدولة باختلاف الحالات الجديرة بالحماية تبعا للموضوع والظروف التي استدعت التجريم، وقد جاء في قرار صادر عن المحكمة العليا:"تعاقب المادة 71 الفقرة 3 من قانون العقوبات بالسجن من عشر سنوات إلى عشرين سنة كل من أجرى مع عملاء دولة أجنبية مخابرات من شأنها الإضرار بالمركز العسكري أو الدبلوماسي للجزائر أو بمصالحها الاقتصادية الجوهرية. يستفاد من مراجعة هذا النص ومقارنته بالمواد السابقة والموالية له أن هذه الجريمة تكون جناية ضد أمن الدولة، ويلزم لتوافرها إفشاء الأسرار لدولة أجنبية أو لمن يعملون لصالحها وأن يكون من شأن هذا الإفشاء الإضرار بمركز الجزائر العسكري أو الدبلوماسي أو الاقتصادي. وطبقا لأحكام المادة 25 من قانون القضاء العسكري تختص المحاكم العسكرية بالمتابعة والفصل في هذه الجناية سواء كان مرتكبها عسكريا أم لا، كما يستفاد من الفقرة الثالثة من المادة 25 ق.ق.ع تنص :" وتختص المحاكم العسكرية الدائمة خلافا لأحكام المادة 248 من قانون الإجراءات الجزائية بالفصل في الجرائم المرتكبة ضد أمن الدولة وفقا للنص الوارد في قانون العقوبات وذلك عندما تزيد عقوبة السجن عن خمس سنوات"، وعندما تكون الجريمة من نوع الجنحة فلا تختص المحاكم العسكرية بها إلا إذا كان الفاعل  عسكريا أو مماثلا له .
يتضح مما سبق بأن المشرع أحال اختصاص النظر في الجرائم الماسة بأمن الدولة إلى القضاء العسكري متى تحق أحد الفرضين، أولهما: أن تزيد العقوبة المقررة للفعل المجرم عن 5 سنوات سجنا فيحال عليها أطراف وملف الدعوى بغض النظر عن صفتهم؛ وثانيهما: أن تكون العقوبة أقل من خمس سنوات، فلا تنظر المحكمة العسكرية إلا في الوقائع التي يكون قد ارتكبها عسكري أو مماثل له.
أما في زمن الحرب فيعود الاختصاص بالنسبة لجرائم أمن الدولة إلى القضاء العسكري مهما كان وصف الجريمة أو صفة مرتكبها.
أما الجرائم الإرهابية والتخريبية فمع أن المستقر عليه هو كونها من الجرائم الماسة بأمن الدولة إلا أن قانون الإجراءات الجزائية في المادة 248 قرر بأن محكمة الجنايات هي الجهة القضائية الوحيدة المختصة بالفصل في الجرائم الموصوفة بأفعال إرهابية أو تخريبية طبقا للمواد 87 مكرر إلى 87 مكرر 9.
يرى الدكتور بربارة عبد الرحمان في رسالة الدكتوراه التي تعد مرجعا أساسيا لهذه المحاضرات أن منح المحاكم العسكرية اختصاص النظر في القضايا الماسة بأمن الدولة أدى إلى توسيع مجال تدخلها بالنظر إلى كونها جهات قضاء غير عادية ويفترض مبدئيا عدم نظرها إلا في القضايا المرتكبة من طرف عسكريين أثناء الخدمة دون أن يمتد اختصاصها ليشمل مقاضاة المدنيين بمناسبة ارتكابهم لجرائم واردة في التشريعات العامة، مما يشكل تعديا على الاختصاص الموضوعي للقانون العام.

قضية: حكمت المحكمة العسكرية الدائمة على (أ) وهو مدني بالسجن لمدة خمسة عشر عاما لارتكابه الأفعال المنصوص عليها في المادة 71/3 من قانون العقوبات، والتي اعتبرتها المحكمة جناية ضد أمن الدولة، طعن (أ) في الحكم بالنقض أمام المحكمة العليا، وجاء في عريضة النقض أن المتهم ليس عسكريا وأن الجريمة المسندة إليه ليس لها طابع عسكري، وأنه يتوجب التالي إحالة قضيته على المحاكم العادية، فماذا سيكون موقف المحكمة العليا؟

جواب: هذه القضية نظرت بالفعل أمام المحكمة العليا، وأصدرت فيها قرارها رقم 47851 بتاريخ 10/03/1987، وقد قررت المحكمة العليا أن قواعد الاختصاص هي من النظام العام، وأن مخالفتها يترتب عليه البطلان، وحيث يستفاد من المادة 25/3 ق.ق.ع أن المشرع قسم الجرائم ضد أمن الدولة إلى نوعين:
أولا: جرائم يعاقب عليها القانون لمدة تقل عن خمس سنوات وتختص بالنظر فيها المحاكم العسكرية سواء على شرط أن يكون فاعلها عسكريا أو شبيها بالعسكري؛
ثانيا: جرائم يعاقب عليها القانون بأكثر من خمس سنوات وتختص بالفصل فيها المحاكم العسكرية سواء كان فاعلها عسكريا أم لا.
وحيث أن الجريمة المتابع من أجلها المتهم والمنصوص عليها بالمادة 71/3 ق.ع والمعاقب عليها بالسجن لمدة عشرين سنة فإن هذه الجريمة تختص بالنظر فيها المحاكم العسكرية سواء كان فاعلها عسكريا أم لا، وعليه فالدفع بعدم الاختصاص غير مؤسس ويتعين رفضه.


.../... يتبع
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع للاختصاص العسكري

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 27 أغسطس 2017, 08:09

3-           بالنسبة للدعوى المدنية التبعية،
مراجعة:
تنشأ بمجرد ارتكاب أي جريمة دعوى عمومية تحفظ للمجتمع حقه في القصاص وتوقيع العقاب ضد الفاعل، غير أن النشأة لا تعني بالضرورة تحريك الدعوى العمومية كلما ارتكبت جريمة، إنما هو أمر متروك لنظر النيابة العامة بوصفها الطرف القائم عن الحق العام، لها أن تأمر بملاحقة من تعتبره مرتكبا للجريمة وتقديمه للقضاء من أجل توقيع الجزاء عليه عملا بمبدأ ملاءمة المتابعة تنفرد به دون سواها، ويستفاد من خلال قرار صادر عن المحكمة العليا، بأن المقصود من تحريك الدعوى العمومية أو الجزائية، بداية السير فيها ورفعها إلى قاضي التحقيق أو للمحكمة بغية الفصل فيها.
والأصل أن النيابة العامة حرة في تحريك الدعوى العمومية أو عدم تحريكها ما لم ينص القانون صراحة على خلاف ذلك، فبمجرد ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص والمعاقب عليها وفقا للتشريع الجزائي تولد دعوى عمومية سواء كانت الجريمة من الجرائم بالمجتمع بأسره أدون مساس بمصلحة معينة لفرد من الأفراد، أو كانت بالإضافة إلى إضرارها الأكيد بالمجتمع لها ضرر خاص بآحاد الأفراد، فإن كانت الجريمة من هذا النوع الأخير فإن من تعرض حقه أو مركزه القانوني للتعدي ولم يتخذ في شأن الاعتداء أي إجراء يرمي إلى جبر الضرر اعتبر موقفه تنازلا منه عن حقه المدني، وليس مانعا من نشوء الدعوى العمومية أو عائقا أمام النيابة العامة لممارسة صلاحياتها في تحريك الدعوى العمومية لكونها دعوى يراد من ورائها المطالبة بالجزاء عن جريمة وقعت، وذلك ما لم يوجد قيد قانوني يحول دون ذلك.

        في الحقيقة أن أغلب الجرائم تتولد عنها بالإضافة إلى الدعوى الجزائية دعوى أخرى تخص بالدرجة الأولى الضحايا من الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين، وهي التي اصطلح على تسميتها بالدعوى المدنية التبعية، ولها قواعد عديدة، منها أنه يسمح برفعها أمام القضاء الجزائي بدلا من القضاء المدني (م 2 ق.إ.ج)، طبقا لمبدأ تضامن الدعوى المدنية مع الدعوى العمومية، مع احتفاظ كل واحدة منهما باختصاصها وغايتها، فالدعوى الجزائية من اختصاص الدعوى العمومية من حيث مباشرتها (أي إجراءاتها أما تحريكها فتشترك أطراف أخرى معها في التحريك)، والدعوى المدنية تبقى خاضعة لنفس الإجراءات المتبعة أمام القضاء المدني (من حيث التقادم والتنازل والسير ...).
        ينبغي التفرقة بين الدعوى المدنية التبعية والطلبات المدنية، فهذه الأخيرة تعني كافة الدعاوى الناشئة عن الجريمة عدا دعوى التعويض، مثال ذلك: دعوى بطلان العقد الناشئة عن جريمة التزوير، ودعوى الحرمان من الإرث الناشئة عن جريمة قتل المورث، ودعوى تعويض ضرر لم ينشأ مباشرة عن الجريمة، ودعوى رجوع المسئول عن الحقوق المدنية على المتهم بما دفعه من تعويض وهكذا، وهذه الطلبات لا تدخل في اختصاص القضاء الجزائي تبعا للدعوى الجنائية؛ أما الأمر برد الأشياء الموضوعة تحت يد القضاء فلا يعد قضاء في موضوع الدعوى المدنية وإنما هو إجراء يؤمر به لمن هو أحق بحيازة الشيء في الظاهر ولا يمنع من عرض النزاع بعد ذلك على المحكمة المدنية.
        إن الاعتراف للقاضي الجزائي باختصاصه في الدعوى المدنية متى اقترنت بدعوى جزائية يرجع إلى أسباب ودواعي عديدة أهمها: حسن أداء للعدالة، والقصاص في ظرف زمني معقول، مصلحة المتضرر في إبقاء دعاه أمام القاضي الجزائي، تبسيط الإجراءات واختصارها كي لا يضار الطرف المدني من أحالته مرة ثانية على القضاء المدني بعد الفصل في الشق الجزائي، الاحتكام إلى قناعة واحدة تكون قد ترسخت لدى قاضي الأصل وهو القاضي الجزائي، توفير الوقت والجهد والنفقات، الاستفادة من ميزات الإثبات الجنائية الحرة مع دور القاضي الإيجابي في البحث عن الحقيقة وباستعمال القوة العمومية عكس القاضي المدني الذي له دور سلبي حيادي يتمثل في الفصل بناء على ما قدمه الخصوم.
        ليس هذا فحسب فالطرف المدني لم يعد فقط يحصل على هذا الامتياز، بل له امتيازات أخرى أكبر، منها أن له الحق في تحريك الدعوى العمومية، ومزاحمة النيابة العامة في ذلك، عن طريق الادعاء المباشر(م1/2 ق.إ.ج)، أو عن طريق التكليف المباشر بالحضور إلى جلسة المحاكمة(م324و337 مكرر ق.إ.ج)، أو عن طريق الشكوى المصحوبة بالادعاء المدني أمام قاضي التحقيق (م72و73 ق.إ.ج)، وبالنظر إلى هذه الطرق خاصة منها الطريق الثاني نجد أنه لا يقتصر على التحريك بل حتى التكييف والتبليغ ولا يبقى للنيابة العامة سوى تسجيل القضية، بينما يتحمل الطرف المكلف بالحضور كامل المسؤولية بالنسبة لادعائه.

        هذا وكما أن للطرف المضرور حق اختيار الطريق الجزائي لنظر دعواه المدنية التبعية فله حق اللجوء إلى قاضيه الطبيعي أي القاضي المدني، فإذا كانت الدعوى المدنية منظورة أمام محاكم الجنح أو الجنايات تفصل فيها طبقا للمادتين 316 و357/2 ق.إ.ج، ولا شك أن ذلك لا يكون إلا إذا كان الضرر المطلوب التعويض عنه ناشئا مباشرة عن الجريمة، ويترتب عن الارتباط بين المدني والجزائي هنا 3 قواعد في غاية الأهمية:
1- أن الجزائي يوقف المدني: وذلك منعا لتضارب الأحكام، ومنعا لتأثر القاضي الجنائي بالحكم المدني، فإذا أخطرت المحكمة الناظرة في دعوى مدنية بأن موضوع النزاع معروض بالموازاة أمام محكمة جزائية كان عليها وجوبا توقيف سير الدعوى إلى حين الفصل في الدعوى العمومية بصفة نهائية، أي بعد استنفاذه لكافة طرق الطعن العادية وغير العادية مهما طال أمد ذلك، وهي قاعدة من النظام العام تثيرها المحكمة المدنية من تلقاء نفسها ولو لم يتمسك بها المدعى عليه وإن لم تفعل وقع حكمها باطلا، وجاز للمدعى عليه التمسك ببطلانه ولو لأول مرة أمام المحكمة العليا.
2- أن الحكم الجزائي له حجية على المدني ويقيده، وهذا مراعاة لما يقتضيه النظام العام من منع التضارب بين الأحكام، فالحكم الجزائي متى أصبح نهائيا وجب على الكافة احترامه، والأحكام الصادرة بالإدانة لها حجيتها أمام القضاء المدني فيما يتعلق بالخطأ المسبب للضرر، وعلى القاضي المدني أن يأخذ ويؤسس حكمه على ما نطق به القاضي الجزائي، ويتقيد بما فصل فيه من وقائع وكان فصله فيها ضروريا، فإذا حدث على سبيل المثال أن قضت المحكمة الجزائية بإدانة المتهم نتيجة ثبوت الوقائع المنسوبة إليه، ولم تتصد للتعويض، وعرض ذلك على القاضي المدني فليس للأخير إلا الأخذ بما استقر عليه الأول، والحكم بالتعويض عملا بمبدأ حجية ما يصدر عن القاضي الجنائي، وليس للقاضي المدني أن يرى عكس ذلك، وبلا شك فإن الحكم الجنائي لو صدر بالبراءة فذلك لا يعني انتفاء التعويض أمام القاضي المدني لأن الفعل الضار الموجب للتعويض قد يتحقق ولو لم تتحقق الجريمة، وبالعكس فإن الطرف المحكوم له بالبراءة هو الذي له أن يطلب التعويض وأمام نفس المحكمة التي قضت بالبراءة، وذلك بسبب إساءة الحق في الادعاء مدنيا (في حالة تحريك الدعوى العمومية من طرف المضرور).
3- بالنسبة للمسائل العارضة، أو الدفوع العارضة أو الفرعية التي تعرض على القضاء الجزائي، وهي التي يجب الفصل فيها من طرف جهات قضائية أخرى، مثل: إثبات حق عيني عقاري أو إثبات رابطة الزوجية، فهي تشكل استثناء من قاعدة أن قاضي الأصل هو قاضي الفرع، ويتعين إحالة الأطراف إلى الجهات المختصة لنظرها خلال مهلة معينة، فإن لم يقم المتهم خلال المهلة المحددة برفع الدعوى أما الجهة المختصة صرف النظر عن دفعه، أما إذا فعل فإنه يغل يد القاضي الجزائي عن الفصل في الدعوى العمومية لغاية فصل القضاء الآخر في النزاع المرفوع أمامه.
ينبغي التفرقة تماما بين المسائل العارضة والمسائل الأولية، فهذه الأخيرة هي دفوع تتعلق بنفس الدعوى كالدفع بسقوط الحق في إقامة الدعوى العمومية أو سبق الفصل فيها أو بصدور عفو، أو انعدام الشكوى التي يشترطها القانون، فالقاضي الجزائي إذا أثيرت أمامه مسألة أولية من هذا القبيل فإنه لا يحيلها بل يفصل فيها، ويجب إبداؤها قبل أي دفاع في الموضوع ولا تكون مقبولة إلا إذا كانت بطبيعتها تنفي عن الواقعة التي تعتبر أساسا للمتابعة وصف الجريمة.

الآن، بالنسبة لهذه المسائل أمام المحاكم العسكرية:
بالنسبة الدعوى المدنية التبعية لا تنظر فهي المحاكم العسكرية أصلا، فهي ممنوعة من البت فيها بموجب المادة 24 ق.ق.ع، ويستتبع ذلك أنه من غير الجائز الادعاء مدنيا أصلا أمام المحكمة العسكرية، كما لا يجوز تحريك الدعوى العمومية أمام المحاكم العسكرية سواء بالطريق المباشر أيا كانت طبيعة الجريمة أو صفة المتهم، أو عن طريق الشكوى أمام سلطات التحقيق العسكرية، ومن باب أولى التكليف المباشر بالحضور، ويستتبع ذلك كذلك أن المحاكم العسكرية بعد أن تفصل في الدعوى العمومية وإذا حدث أن حصل مطالبة بالتعويضات أمامها فإنها تحكم بعدم الاختصاص بنظر الدعوى المدنية التبعية، وهذا الأمر من النظام العام بحيث تستجيب له المحكمة لدى إثارته من النيابة العامة أو من أي طرف له مصلحة، أو تثيره من تلقاء نفسها، وهذا المنع من ممارسة الدعوى المدنية أمام القضاء العسكري جاء به قانون القضاء العسكري رغم كل المزايا التي يحققها الجمع بين الدعويين ونظرهما أمام جهة واحدة، ورغم المبدأ القائل بأن قاضي الأصل هو قاضي الاستثناء.
بالنسبة لرد الأشياء: طبقا للفقرتين 2 و 3 من المادة 169 ق.ق.ع فإن للمحكمة العسكرية أن تأمر أثناء جلسة المحاكمة برد جميع الأشياء المحجوزة لصالح مالكها، و إذا لم يحكم أثناء جلسة المحاكمة برد الأشياء المحجوزة يجوز لمن له مصلحة تقديم طلب حول الموضوع في شكل عريضة يوجه إلى المحكمة العسكرية التي أصدرت الحكم.
بالنسبة لقاعدة الجزائي يوقف المدني: ولأن القضاء العسكري لا ينظر إلا في الشق الجزائي، فإن المحكمة المدنية ملزمة بوقف السير في الدعوى إلى حين القضاء في الدعوى العمومية، وعلى هذا يظل القاضي المدني مغلول الأيدي لا يستطيع السير في الدعوى المدنية رغم اختصاصه بنظرها إلا بعد الفصل نهائيا في الدعوى الجزائية.
بالنسبة لقاعدة الجزائي يقيد المدني، إن للحكم الصادر عن المحاكم العسكرية نفس حجية الحكم الصادر عن المحاكم الجزائية العادية، ولذلك فمن دون شك أن القاضي المدني يرتبط بالحكم الجزائي الصادر عن المحاكم العسكرية فيما فصلت فيه من وقائع وكان فصله فيها ضروريا.
بالنسبة للمسائل العارضة، فهي تحال إلى الجهات المختصة من طرف المحاكم العسكرية، على عكس الدفوع أو المسائل الأولية التي لا تحال بل تفصل فيها المحكمة العسكرية إذا أثيرت وقبل أي دفاع في الموضوع.

سؤال: ماذا لو أن الطرف المدني طلب التأسيس أمام المحكمة العسكرية وقبلت تأسيسه ولكنها لم تفصل في الدعوى المدنية فهل تكون بذلك قد خرقت القانون أو خالفت قاعدة جوهرية للإجراءات؟
هذا هو موضوع قرار مهم للمحكمة العليا ( قرار رقم 108129، مؤرخ في 12 جانفي 1993، مجلة قضائية للمحكمة العليا عدد 2 لسنة 1995، ص.163) ندرسه فيما يلي:

4-           اجتهاد للمحكمة العليا حول الدعوى المدنية التبعية أثار التباسا،
الوقائع:
- متابعة س-ط ومن معه بتهمة ارتكاب جريمة الاعتداء على سلطة الدولة.
- التماس أحد المحامين بالجلسة من رئيس المحكمة الإشهاد له بأن جمعية "المجتمع المدني" تأسست طرف مدني واستجابة رئيس المحكمة لذلك
الإجراءات:
- رئيس المحكمة العسكرية بورقلة قبل تأسيس جمعية مدنية تدعى "المجتمع المدني" كطرف متضرر وأعطى إشهادا بذلك بناء على طلب من الدفاع.
- النيابة العامة طعنت في الحكم بناء على أن تأسيس الجمعية كطرف مدني يعد إخلالا وخرقا جوهريا للإجراءات.
- المحكمة العليا رفضت الطعن بناء على أن تأسيس الجمعية كطرف مدني لا يشكل خرقا جوهريا للإجراءات مادام أن المحكمة لم تفصل في الدعوى المدنية.
- تضمن الطعن بالنقض عدة أوجها أهمها الوجه المشار إليه سابقا والمتعلق بمخالفة الأشكال الجوهرية في الإجراءات، والثاني يتعلق بخرق القانون، بناء على قبول تأسيس الجمعية والسماح لمحاميها بتناول الكلمة، وذلك أن المادة 24 ق.ق.ع تمنع المحكمة العسكرية من نظر الدعوى المدنية.
مناقشة قرار المحكمة العليا
إن اعتبار المحكمة العليا لموقف المحكمة العسكرية بورقلة القاضي بقبول التأسيس كطرف مدني أمرا غير مخالف للأشكال الجوهرية في الإجراءات ما دامت المحكمة العسكرية لم تفصل في الدعوى المدنية فيه نظر،
فمن جهة، إن مجرد إعطاء صفة الطرف المدني للجمعية ومشاركتها في المرافعات يمثل اعترافا من الجهة القضائية الناظرة في الوقائع بوجود طرف في النزاع لم يأت ذكره إطلاقا في قانون القضاء العسكري مما يعتبر استحداثا لعنصر غير وارد في التشريع.
ومن جهة ثانية، فإن قانون الإجراءات الجزائية عندما أقر باختصاص القاضي الجزائي بالفصل في الدعوى المدنية التبعية بين كيفية ممارسة هذا الاختصاص، من حيث تدخل الطرف المضرور وحقوقه إلى غاية الفصل في الدعوى، لكن قانون القضاء العسكري لم يتضمن أيا من ذلك على اعتبار أن هذا القضاء غير مختص تماما بنظر كل ما له صلة بالتعويض.
وعليه فلعل هذا القضاء من المحكمة العليا سيعتبر سابقة من شأنها أن تسمح في المستقبل بمزيد من التدخل من القضاء العسكري في الجانب المدني، وقد يصل الأمر بالمحاكم العسكرية أن تحكم مثلا بتعيين خبير لتقدير الضرر، ومع ذلك لا يعد عملها هذا خرقا لإجراءات جوهرية، مع العلم أن إعطاء صفة معينة لمن ليس له صفة والسماح له بالتدخل في الدعوى له أضرار كثيرة على سير الدعوى وعلى حقوق الدفاع، خاصة أن إعطاء الصفة يستتبع السماح لصاحب الصفة باعتباره طرفا بتقديم طلباته، ومن ثم لا يسعنا إلا القول بأن قضاء المحكمة العليا المذكور هو قضاء غير سديد، ولكن المشرع مدعو من جهة أخرى للسماح للمحاكم العسكرية بنظر الدعوى المدنية التبعية بنص صريح نظرا لما يحققه الجمع بين الدعويين العمومية والمدنية من مزايا كثيرة ومتنوعة أشرنا إليها في هذه المحاضرة.
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الجرائم العسكرية

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 27 أغسطس 2017, 08:19

الجرائم العسكرية

1- الاشتراك في الجرائم العسكرية: جاء النص على العقوبات المطبقة على الجرائم العسكرية قبل النص على هذه الجرائم، وذلك في الكتاب الثالث من قانون القضاء العسكري، وما يلاحظ على العقوبات أنها لم تنص على حالة الاشتراك في الجريمة مثلما فعل قانون العقوبات، فإذا كانت القاعدة العامة في هذا الأخير هي ما نصت عليه المادة 44 بالعقاب على الاشتراك في الجناية أو الجنحة دون المخالفة بنفس عقوبة الجناية أو الجنحة، فلسنا نحتاج إلى مثل هذا النص في قانون القضاء العسكري على اعتبار أن المادة 25 من هذا القانون والخاصة بالاختصاص النوعي قد حددت أن الفعل مثل الشريك كلاهما يتابعان معا ولو كان الشريك غير عسكري.

2- وصف عام وتقسيم للجرائم العسكرية: الجرائم المنظورة أمام القضاء العسكري نوعان فبعضها يتعلق بالقانون العام مثل جرائم القتل والسرقة، ومنها ما يتعلق بالحياة العسكرية، أو ما يطلق عليه الجرائم العسكرية المحضة.
وقد تناول قانون القضاء العسكري أنواع الجرائم العسكرية البحتة، وقسمها إلى أربعة أصناف رئيسية:
2-1- جرائم الإفلات من الخدمة العسكرية: العصيان والفرار والتحريض على الفرار وإخفاء الفار والتشويه المتعمد.
2-2- جرائم الإخلال بالشرف أو الواجب: الاستسلام والخيانة والتجسس والمؤامرة العسكرية والنهب والتدمير والتزوير والغش والاختلاس وانتحال البذل العسكرية والأوسمة والشارات المتميزة والشعارات وإهانة العلم أو الجيش والتحريض على ارتكاب أعمال مخالفة للواجب والنظام.
2-3- الجرائم المرتكبة ضد النظام: العصيان (التمرد العسكري والتمرد وأعمال العنف وإهانة الرؤساء وأعمال العنف والشتائم المرتكبة بحق الخفير أو الحارس ورفض أداء الخدمة الواجبة قانونا) وإساءة استعمال السلطة (أعمال العنف بحق المرؤوسين وإهانتهم وسوء استعمال حق المصادرة).
2-4- مخالفة التعليمات العسكرية.
هذه الجرائم لا يرتكبها إلا أفراد الجيش ولا مقابل له في القانون العام.

وبالمقابل فإن جرائم القانون العام التي ترتكب قد تكون من اختصاص المحاكم العسكرية أو من اختصاص القضاء العادي فهي إذن على نوعين:
بعضها يعتبر بمثابة جرائم عسكرية، وهي التي ترتكب في الخدمة أو ضمن مؤسسات عسكرية أو لدى المضيف كالسرقة التي يرتكبها عسكري داخل الثكنة.
وبعضها تبقى متصفة بصفة جرائم القانون العام، وهي التي ترتكب خارج الخدمة وخارج المؤسسة العسكرية وليس لدى المضيف.
والفائدة في التفرقة بين الجريمة العسكرية والجريمة غير العسكرية يكمن في أن الجرائم ذات الطابع العسكري المحض تكون من اختصاص المحاكم العسكرية سواء كان مرتكبها فاعلا أصليا أو فاعلا أصليا مساعدا أو شريكا ، وسواء كان عسكريا أم لا (المادة 25/1 ق.ق.ع) أما جرائم القانون العام فتكون المحكمة العسكرية مختصة بنظرها إذا توفر المعيار الشخصي المتمثل في كون الفاعل عسكريا أي الجاني (وحتى المجني عليه) أو شبه عسكري أثناء الخدمة أو في المؤسسات العسكرية أو لدى المضيف سواء كانوا فاعلين أصليين أو فاعلين أصليين مساعدين أو شركاء (م25/2 ق.ق.ع)
وقد سبق لنا الحديث عن المادة 324 ق.ق.ع التي تتحدث عن مخالفة التعليمات العسكرية، وهي جريمة ذات ركن مادي فضفاض وموسع مما يجعلها مخالفة لمبدأ الشرعية الجنائية، وعلى سبيل المثال فإن زواج العسكري دون أخذ رخصة من السلطة العسكرية المختصة اعتبر بمثابة جريمة مخالفة التعليمات العسكرية، بينما كان يمكن اعتباره مخالفة تأديبية تتعلق بمخالفة نظام الخدمة في الجيش، ومن هنا فلا يوجد تمييز واضح بين الأولى والثانية.
ثمة ملاحظة أخرى تتعلق بجريمة إهانة العلم المنصوص عليها في قانون القضاء العسكري في المادة 300، وعقوبتها الحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات، في حين أن هناك نصا أشد منصوص عليه في قانون العقوبات في المادة 160 مكرر، والتي تنص على أنه يعاقب بالحبس من خمس إلى عشر سنوات كل من قام عمدا وعلانية بتمزيق أو تشويه أو تدنيس العلم الوطني، فنرى أن من اللازم الاكتفاء بالنص الموجود في القانون العام بدلا من هذه الازدواجية غير المبررة.
هناك نصوص عديدة متشابهة أو مزدوجة الأوصاف بين القانونين، وهذا قد يؤدي إلى تنازع في الاختصاص.

3- إحصاء عام للجرائم العسكرية: إن الجرائم العسكرية المحضة وفق عملية إحصاء قام بها الدكتور عبد الرحمان بربارة هي 26 جريمة، وذلك بالنظر إلى هناك جرائم كثيرة تتشابه من حيث المصطلح مع جرائم القانون العام دون أن تتشابه معها كلية من حيث المضمون، كالخيانة والتجسس (م 277 ق.ق.ع – م 61 ق.ع)، والعصيان (المواد 304، 137، 254  ق.ق.ع – م 183 ق.ع) والفرار أو الهروب ( م 255 وما يليها ق.ق.ع بالنسبة للفرار- م 188 وما يليها ق.ع بالنسبة للهروب)، والتزوير والغش (م293 وما يليها ق.ق.ع – م 197 وما يليها ق.ع)، والاختلاس (م295 ق.ق.ع – م 29 من القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20-02-2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته) وإهانة العلم والجيش (م 300 ق.ق.ع – م 160 مكرر و 146 ق.ع) والعنف ( م 310 ق.ق.ع – م 264 وما يليها ق.ع) والنهب والتدمير (م 286 و288 ق.ق.ع – م 411 ق.ع) وانتحال البذلة العسكرية والأوسمة والشارات (م298 و 299 ق.ق.ع – م 244 وما يليها ق.ع).
أما بقية الجرائم فهي جرائم لا نظير لها في قانون العقوبات، فهي عسكرية صرفة، مثل التمرد (انظر المادة 305 ق.ق.ع – بينما نص قانون العقوبات في المادة 88 وما يليها على جرائم المساهمة في حركات التمرد)، والتمرد العسكري (م 302 وما يليها ق.ق.ع) ورفض الطاعة (م 307 وما يليها ق.ق.ع)، ومخالفة التعليمات العسكرية (م 324 وما يليها ق.ق.ع) والتشويه المتعمد (م 273 وما يليها ق.ق.ع) وجرائم الإخلال بالشرف والواجب ( م 275 و276 ق.ق.ع).

4- حول جريمة الفرار: وبالعودة إلى القسم الأول من الجرائم، وهي الجرائم التي تتشابه تسمياتها مع التسميات المعروفة في القانون العام نجد مثلا جريمة الفرار في قانون القضاء العسكري، وهي تختلف تماما عن جريمة الهروب المنصوص عليها في قانون العقوبات، فالأولى تتعلق بمغادرة العسكري للوحدة العسكرية من دون إذن أو سبب مشروع، بينما الثاني هو مغادرة المقبوض عليه أو المعتقل قانونا أو المحبوس أو المسجون للأماكن التي خصصتها السلطة لحبسه، وأحكام الجريمتين مختلفة تماما، فعلى سبيل المثال فإن تقادم جريمة الفرار غير تقادم جريمة الهروب، فجريمة الفرار بالنسبة للعسكري لا تتقادم إلا ابتداء من يوم بلوغ العسكري سنة الخمسين سنة، أي تضاف إليها مدة التقادم والتي هي خمس سنوات مثلا، وذلك تطبيقا للمادة 236 ق.ق.ع.

قضية: حكمت المحكمة العسكرية بالبليدة على المتهم (ح.ص) بعام حبس نافذ بتاريخ: 09/07/2007 بسبب ارتكابه جنحة الفرار التي ارتكبها في الفترة ما بين 14/08/1994 إلى غاية 20/05/2007 علما أنه مولود بتاريخ: 20/03/1957، فطعن (ح.ص) في الحكم بالنقض مبديا وجها وحيدا للطعن يتمثل في مخالفة قاعدة جوهرية في الإجراءات بحكم أنه كان يبلغ من العمر وقت محاكمته أكثر من خمسين سنة مما يعد خرقا لنص المادة 236 ق.ق.ع لكون العقوبة المحكوم بها تعتبر عقوبة متقادمة، وبما أن التقادم من النظام العام يمكن إثارته في أي مرحلة من مراحل الدعوى، فما هو وجه سداد هذا الطعن؟

جواب: هذه القضية عرضت بالفعل أمام المحكمة العليا في الملف رقم 520653 وفصلت فيها بتاريخ: 19/12/2008، حيث جاء في قرارها ما يلي:"حيث أن حاصل ما ينعاه الطاعن غير سديد، ذلك أن المادة 236 ق.ق.ع لا تنص على أن تقادم العقوبة الصادرة عن القرار تبدأ من يوم بلوغ الفار سن الخمسين، بل تنص على أن لا يسري إلا ابتداء من اليوم الذي يبلغ فيه العاصي أو الفار سن الخمسين"، أي أنه لا يبدأ سريان مدى تقادم العقوبة إلا عند بلوغ الفار سن الخمسين، وفي قضية الحال فإن تقادم العقوبة يبدأ بعد مضي خمس سنوات كاملة من يوم 20/03/2007 أي تاريخ بلوغ المتهم خمسين سنة، وهذا طبقا للمادة 614 ق.إ.ج (خاصة بتقادم العقوبات في الجنح) مما يتعين معه رفض الطعن.
وبالمثل قضت المحكمة العليا في قرار لها بتاريخ: 26/11/1985 أنه:" لما كانت المادة 70 من قانون القضاء العسكري تنص على أن سريان تقادم الدعوى الناجمة عن العصيان أو الفرار لا يبدأ إلا من اليوم الذي يبلغ فيه العاصي أو الفار سن الخمسين وكان من الثابت أن المتهم كان يبلغ من العمر يوم محاكمته خمسة وعشرين سنة فإن حكم المحكمة العسكرية القاضي بتقادم الدعوى الناجمة عن الفرار من الجيش يكون خاطئا في تطبيق القانون مما يستوجب بطلانه ونقضه".

5- حول جريمة العصيان: أما بالنسبة لجريمة العصيان المنوه والمعاقب عنها بالمادة 254 من قانون القضاء العسكري والتي تنص:" كل شخص يرتكب جرم العصيان المنصوص عليه في القوانين المتعلقة بالتجنيد، يعاقب في زمن السلم، بالحبس من 3 أشهر إلى خمس سنوات "، ليست هي جريمة العصيان الواردة في المادة 183 من قانون العقوبات :" كل هجوم على الموظفين أو ممثلي السلطة العمومية الذين يقومون بتنفيذ الأوامر أو القرارات الصادرة منها أو القوانين أو اللوائح أو القرارات أو الأوامر القضائية وكذلك كل مقاومة لهم بالعنف أو التعدي تكون جريمة العصيان. والتهديد بالعنف يعتبر حكم العنف ذاته "
والمراد من العصيان الأول Insoumission هو رفض الالتحاق بالوحدة العسكرية في إطار التجنيد، بينما المقصود من العصيان في القانون العام Rébellion مقاومة الضباط العموميون أثناء تنفيذهم للقرارات والأوامر الإدارية أو القضائية كالتصدي للمحضر القضائي أثناء التنفيذ.
إن تعبير العصيان ورد في قانون القضاء العسكري في ثلاث مناسبات، في المرة الأولى في المادة 137، وهي تتعلق بمن يحدثون الشغب أو الضجة أثناء جلسات المحاكمة في المحكمة العسكرية، حيث يعتبر المشوشون مهما كانوا (أي متهمين أو مدافعين) مرتكبين جرم العصيان، وتطبق عليهم العقوبة الخاصة بجريمة التمرد المنصوص عليها في المادة 305، وفي المرة الثانية في المادة 254 سابقة الذكر، وفي المرة الثالثة جاء عنوان ضمن الفصل الثالث من الباب الثاني الخاص بالجرائم ذات الطابع العسكري، وتضمن هذا الفصل الثالث ستة أنواع من الجرائم يطلف عليها جميعا وصف العصيان، وهي: التمرد العسكري، والتمرد، ورفض الطاعةّ، وأعمال العنف وإهانة الرؤساء، وأعمال العنف والشتائم المرتكبة بحق الخفير أو الحارس، وأخيرا رفض أداء الخدمة الواجبة قانونا، ومن هنا يمكن القول أن هذا التعدد غير مستساغ ويشكل عيبا من عيوب الصياغة يحسن بالمشرع تلافيه بإيجاد أوصاف مختلفة أو بجمع جميع الأوصاف تحت عنوان واحد.

6- الخيانة والتجسس: يكمن الفرق بين جريمتي الخيانة والتجسس المنصوص عليهما في كل من قانون القضاء العسكري وفقا لمواده من 277 إلى 282 وقانون العقوبات وفقا للمواد من 61 إلى 64، في الغاية من ارتكاب الجريمتين وصفة مرتكبهما وظروف ارتكابهما وإن كان ظاهر المصطلحين باللغتين العربية والفرنسية يوحي لأول وهلة بوجود تشابه بين النصين.
إن الهدف من تجريم الخيانة والتجسس وفقا للقانون العام هو حماية أمن الدولة بما فيها أمنها الاقتصادي دون أي اعتبار لصفة مرتكبهما أو لظروف ارتكابهما مع اختلاف وحيد بين الجريمتين يتعلق بجنسية الفاعل، بحيث لا تنسب الخيانة إلا لمواطن، أما الخيانة والتجسس من منظور قانون القضاء العسكري فهما موجهتان أساسا للعسكريين أثناء المواجهة مع العدو أو بمناسبة ذلك بغض النظر عن جنسية الفاعل.
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

المقارنة بين الإجراءات أمام القضاء العسكري والقضاء العادي

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 27 أغسطس 2017, 08:32


المقارنة بين الإجراءات أمام القضاء العسكري والقضاء العادي


تمهيد: دون الخوض في كل الإجراءات الجزائية العسكري والتي تتشابه إلى حد كبير من الإجراءات المعروفة أمام القضاء العادي فيكفي أن نقوم بمقارنة بين القضاءين لتبيان أوجه التشابه والاختلاف بينهما، والتي نلخصها في الفقرات التالية:

1- حالات التشابه:
لقد أشار قانون القضاء العسكري صراحة في كثير من المواد إلى القواعد العامة للإجراءات المنصوص عليها سواء في قانون الإجراءات المدنية والإدارية أو في قانون الإجراءات الجزائية.
فمثلا أخضع أداء اليمين بالنسبة للقضاة العسكريين المشاركين في تشكيلات المحاكم العسكرية وكذلك كتاب الضبط لنفس التدابير الخاصة بأداء اليمين في قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وأخضع ضباط وأعوان الدرك الوطني لالتزامات ضباط الشرطة القضائية التي نص عليها قانون الإجراءات الجزائية، وكذلك منح القضاة العسكريين نفس الصلاحيات التي يتمتع بها القضاة المدنيون في حالة التلبس بالجرائم من حيث التحقيق في الوقائع والتصدي لها.
وقد كانت إحالة قانون القضاء العسكري إلى القانونين المذكورين أحيانا صريحة بالنص على المادة بعينها المعنية بالتطبيق كما جاء مثلا في المادة 81/1 ق.ق.ع التي نصت على تطبيق أحكام المادة 97 ق.إ.ج على الشاهد الممتنع، ولكنه في بعض الأحيان لم يلجأ إلى الإحالة الصريحة المتضمنة للمادة برقمها بل أحال جملة من الأحكام إلى أحد القانونين المذكورين مثلما فعل بالنسبة لكيفية تنظيم العلاقة بين النيابة العسكرية وقضاة التحقيق العسكريين حيث جاءت المدارة 78 ق.ق.ع صريحة في أن تلك العلاقة يحكمها ما يحكم وكيل الدولة تجاه قاضي التحقيق في القانون العام سواء من حيث الإخطار بالوقائع أو من حيث التكليف بالتحقيق ...إلخ، وكذلك بالنسبة لأحكام الإنابة القضائية (م 76 ق.ق.ع) وأحكام الخبرة (م 83 ق.ق.ع)، وتنفيذ أوامر القضاء(م 84 ق.ق.ع)، وتصفية الأموال المصادرة وقواعد انقضاء الدعوى العمومية (م 69 ق.ق.ع)، والإفراج المشروط (م299 ق.ق.ع)، ورد الاعتبار وصحيفة السوابق القضائية هي كلها تخضع لأحكام متشابهة مطابقة للأوضاع المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجزائية.
وفي أحيان أخرى وجدنا قانون القضاء العسكري يحيل إلى مجموعة مواد متتابعة في قانون الإجراءات الجزائية إذ أن بعض الأحكام منظمة بمواد متتالية مثل أحكام العود المنظمة بالمواد من 54 إلى 59 ق.إج، والوضع تحت النظر (من 51 إلى 53 ق.إ.ج) والإكراه البدني (م597 إلى 611 ق.إ.ج) وتنظيم الجلسات (م258 إلى 315 ق.إ.ج).
فعلى كل حال كل هذه الإحالات تدل على وجود تشابه كبير بين قانون القضاء العسكري في أحكامه مع الأحكام العامة للإجراءات سواء منها المدنية أو الجزائية، سواء تمت الإحالة بشكل صريح أو ضمن مجموعة أحكام أو في شكل إحالة إلى نصوص متتابعة، ولكنه أحيانا يستعير بعض الأحكام ويقوم بصياغتها صياغة جديدة دون الخروج عن حقيقة التشابه، وعموما يمكننا الحديث عن أوجه التشابه في كل مرحلة من مراحل الدعوى بالشكل التالي:

1-1-تشابه الأحكام المتعلقة بمرحلة التحري: إن المهام المسندة لضباط الشرطة القضائية أثناء مرحلة التحريات الأولية من اختصاص وجمع للأدلة هي ذاتها بين التشريعين وإن وردت في ظل صياغة مختلفة، حيث تنص المادة 43 من ق.ق.ع: "يناط بضباط الشرطة القضائية العسكرية التحقيق في الجرائم وجمع الأدلة والبحث عن الفاعلين الأصليين ما دام لم يفتح التحقيق، وعندما يشرع في تحقيق تحضيري فإنهم ينفذون تفويضات قضاة التحقيق ويحيلونها حسب طلبه ".
يقابل هذا النص محتوى الفقرة الأخيرة من 12 والمادة 13 ق.إ.ج، حيث تقضي المادة 12:"ويناط بالضبط القضائي مهمة البحث والتحري عن الجرائم المقررة في قانون العقوبات وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها مادام لم يبدأ فيها بتحقيق قضائي"، وكذلك تنص المادة 13:"إذا ما افتتح التحقيق فإن على الضبط القضائي تنفيذ تفويضات جهات التحقيق وتلبية طلباتها".

1-2-تشابه الأحكام المتعلقة بمرحلة المتابعة والتحقيق القضائي: يجيز قانون القضاء العسكري إصدار أمر بملاحقة شخص مسمي أو مجهول عملا بمادته 73 والتي تنص: "عندما ترتكب جريمة تعود لاختصاص المحاكم العسكرية ويبقى مرتكبوها مجهولين أو تدل القرائن بأن صفة الفاعلين تجعلهم خاضعين لهذه المحاكم، رغما عن عدم التحقق من هويتهم بشكل صريح بواسطة الوثائق المقدمة فإنه يجوز إصدار أمر الملاحقة ضد أشخاص مجهولي الاسم "، وهذا الحكم الذي جاء به قانون القضاء العسكري ليس حكما جديدا، ذلك أن المادة 67/2 ق.إ.ج نصت على نفس هذا الحكم بقولها: "ويجوز أن يوجه الطلب ضد شخص مسمى أو غير مسمى).
وبالمثل أيضا فإذا كنا نعرف ما يسمى بمبدأ الملاءمة الذي تتمنع به النيابة العامة العادية في تحريك الدعوى العمومية والذي تناولته المادة 36 ق.إ.ج فإن قانون القضاء العسكري يأخذ بنفس المبدأ، والذي نصت عليه المادة 56 ق.ق.ع بقولها: "وإذا كان الجرم تابعا للقضاء العسكري فيقرر وكيل الدولة العسكري إذا كان ينبغي الشروع في الملاحقات أم لا".
ومن الأمور اللازمة سواء بالنسبة للنيابة العامة أو قضاء التحقيق هو المحافظة على سرية التحقيق فهو مبدأ دستوري، وعلى هذا الأساس فقانون القضاء العسكري لم يغفل هذه النقطة ونص في المادة 41 منه على:" تكون الإجراءات خلال التحقيق والاستنطاق سرية، إلا في الأحوال التي ينص القانون على خلاف ذلك، ودون الإخلال بحقوق الدفاع، ويتعين على كل شخص يشترك في هذه الإجراءات أن يحافظ على السر المهني ضمن الشروط وتحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في المادة 301 من قانون العقوبات"، وهي المادة التي تقابلها المادة 11 ق.إ.ج.
وإذا نظرنا إلى إلزامية التحقيق في الجنايات واختياريته في الجنح والمخالفات إلا إذا طلبه وكيل الجمهورية سنجد قانون القضاء العسكري يعتمد نفس المبدأ في المادة 75 منه التي تطابق المادة 66 ق.إ.ج.
وبالمثل فمن أهم المبادئ المكرسة في قانون الإجراءات الجزائية ما تضمنته المادة 100 باعتبارها تضمنت أهم حقوق الدفاع (إحاطة المتهم علما بالتهمة، اختيار المحامي...)، فإن قانون القضاء العسكري نص على نفس الأحكام من خلال المادتين 79 و80.
أيضا فإن أوامر التصرف بعد انتهاء التحقيق هي نفسها في القانونين (المادة 95 ق.ق.ع والمواد من 162 إلى 169 ق.إ.ج).
وبشأن غرفة الاتهام فانعقادها وصلاحياتها وأحكامها تكاد تكون متطابقة (انعقادها بدعوة من الرئيس أو النيابة العامة م116 ق.ق.ع والمادة 178 ق.إ.ج؛ حق التصدي م123و124 ق.ق.ع والمادتين 191 و195 ق.إ.ج).

1-3-تشابه الأحكام المتعلقة بمرحلة المحاكمة والتنفيذ: في كثير من المواد المتعلقة بالمرافعات ومجريات المحاكمة هناك تشابه كبير بين القانونين، فنجد حالات التعارض التي تمنع القضاة من نظر الدعاوى واحدة (م 554 و556 و558 ق.إ.ج والمادتين 13 و14 ق.ق.ع).
وبالنسبة لحقوق المتهم في المحاكمة العادلة كحق المتهم في الاتصال بمحاميه مثلا فهي أيضا متشابهة (م132 ق.ق.ع والمادتان 102 و272 ق.إ.ج)
ومن حيث ما يطلبه القانون في الأحكام من بيانات وشكلية وموضوعية بغرض تمكين المحكمة العليا من ممارسة رقابتها على الأحكام فهي متشابهة (م127 ق.ق.ع، والمادة 199 ق.إ.ج).
    كذلك من حيث خضوع كيفية حضور المتهم لجلسة المحاكمة إلى تدابير معينة كتوجيه إنذار للمتهم المتغيب بدون سبب أو يلجأ حتى إلى إحضاره بالقوة العمومية، فهو متطابق بين المادتين 142 ق.ق.ع وم294 ق.إ.ج) وإناطة ضبط الجلسة برئيسها (م152 ق.ق.ع و م286 ق.إ.ج)، وعدم جواز محاكمة الشخص عن ذات الفعل مرتين (بتكييف مختلف مثلا) فهو منصوص عليه في كلا القانونين، وإثارة الدفوع قبل التصدي للموضوع، وتطبيق العقوبة الأشد في حالة تعدد الجرائم، واحتساب مدة الحبس المؤقت وإنقاصها من العقوبة المحكوم بها، وكيفية تحصيل الرسوم القضائية هي كلها مجالات عديدة يلتقي فيها القانونان في أحكامهما مما يثير أكثر من تساؤل حول المبررات التي تبقى لوجود قانون قضاء عسكري.

2-أوجه الاختلاف:
إن أوجه الاختلاف بين القانونين موجودة ولا شك بسبب وجود جهات قضائية مستقلة تتطلب أحكاما عديدة من حيث تشكيلتها وعددها واختصاصها ورقابة أحكامها وموظفيها وإجراءات جلساتها، فهناك أحكام تتعلق بهذه الأمور هي بدون شك لا تتطابق مع ما هو موجود في قانون الإجراءات الجزائية على اعتبار أن هذا الأخير لا يعرف نصوصا مماثلة تتحدث عن إنشاء المحاكم العسكرية أو اختصاصها أو موظفيها.
وهذا لا يعني أن الوجه الوحيد للاختلاف بين القانونية هو في الأحكام الخاصة والمتربطة بوجود هذه الجهات المستقلة، فبالفعل هناك أحكام مختلفة عما هو موجود في قانون الإجراءات الجزائية نتطرق لبعضها في النقاط التالية:

2-1-من حيث الإجراءات:
لا يخفى ما لوزير الدفاع الوطني من دور بارز في الإجراءات الجزائية العسكرية، فهو ممارس للسلطة القضائية بامتياز رغم كونه يمثل السلطة التنفيذية، ولا تتوقف سلطته على تحريك الدعوى العمومية بل تتعداها إلى علاقته بالنيابة العسكرية ودوره في تنفيذ الأحكام، حتى أن المادة 2 ق.ق.ع جاءت صريحة في أن وزير الدفاع يمارس السلطة القضائية المنصوص عليها في هذا القانون.
فيعين وزير الدفاع القضاة العسكريين بالاشتراك مع وزير العدل (م 6) ويكون وكلاء الدولة العسكريين تحت سلطة وزير الدفاع (م 45)، ويجوز له الأمر بالتفتيشات الخاصة بالتحقيقات حتى في الليل بموجب تعليمات كتابية(م 53)، ويجوز لوزير الدفاع إيقاف تنفيذ الأحكام التي صارت نهائية (م225) ويعود له الحق بمنح الإفراج المشروط (م229) وله الرجوع عن ذلك.
وبالإضافة إلى سلطات وزير الدفاع التي لا نظير لها في قانون الإجراءات الجزائية فثمة أيضا سلطات خاصة بالتحري ممنوحة لقادة الوحدات العسكرية والسفن والطائرات الحربية.
وعموما يمكن الإشارة إلى بعض نقاط الاختلاف الخاصة بالإجراءات ضمن الموضوعات التالية:

2-1-1-الحبس المؤقت أمام القضاء العسكري، قانون القضاء العسكري لا يتضمن سوى مادتين حول الحبس المؤقت، وهما لا توفران أي ضمانات للمتهم، فالمادة 103 ق.ق.ع تنص على إبقاء أوامر الإيداع في السجن (الحبس المؤقت) سارية المفعول إلى حين البت في القضية دون حاجز زمني أو حاجة للتجديد، وإن كان القانون لا يعرف الحبس المؤقت أصلا فهو بالتالي يتجاهل تسبيب الأمر بالحبس وبالتالي مبررات هذا الحبس.
فإذا كان قانون الإجراءات الجزائية يعتبر الحبس المؤقت إجراء استثنائيا فهذا يعني أن هناك قاعدة، والقاعدة هي الإفراج المؤقت (الذي يتناسب مع قرينة البراءة) أو الرقابة القضائية إذا وجد ما يبررها فإن لم يوجد ما يبررها كان اللجوء إلى الحبس المؤقت، ولذلك فمن أهم مبررات الحبس المؤقت هو عدم كفاية التزامات الرقابة القضائية، أما قانون القضاء العسكري فهو لا يراعي هذه القواعد، وأكثر من ذلك فهو لا يراعي بعض الحالات المشابهة لأمر الحبس المؤقت، وهو أمر الإيداع في حالة التلبس والتوقيف للنظر.
فالحالة الأولى طبقا للمادة 74 ق.ق.ع تبقى مفتوحة أيضا وغير محددة بزمن، أما التوقيف للنظر فقانون القضاء العسكري يأخذ به لكنه لا يأخذ ببعض ضماناته، ومنها رقابة غرفة الاتهام على الإخلالات التي يرتكبها ضباط الشرطة القضائية خلال فترة التوقيف للنظر وتسليط عقوبات تأديبية عليهم في حالة وقوع ذلك، فهذا غير منصوص عليه في القانون محل الدراسة.
وكما نعلم فإن قانون الإجراءات الجزائية حدد آجال الحبس المؤقت من بدايته وإلى ما بعد فترة التحقيق الثاني من طرف غرفة الاتهام وذلك في المادة 197 مكرر بينما لا يوجد أي تحديد في قانون القضاء العسكري، وهذا إخلال بحقوق المتهم، دون الحديث بالتالي عن تسبيب الأمر بالحبس ومن باب أولى التعويض عن الحبس المؤقت التعسفي لأنه لا وجود لهذا الأخير طالما أن المدة غير محددة في القانون، بينما نجد القانون الفرنسي والذي أدخل تعديلات جوهرية على أحكام الإجراءات الجزائية العسكرية فهو يعترف بكل هذه الضمانات.

2-1-2-الاستعانة بمحام، لقد أخذ قانون القضاء العسكري بمبدأ حق الاستعانة بمحام (المادة 18 والمادة 79)، وليس هناك من مساس بهذا الحق إلا من ناحية اشتراط إذن المحكمة العسكرية للتمثيل بمحام فيما يخص الجرائم العسكرية، وأن يكون مقيدا في جدول المحامين، فقانون الإجراءات الجزائية يسمح للمتهم أن يختار محاميا أو حتى مدافعا من أقاربه أو أصدقائه ولو بصفة استثنائية أي بعد الحصول على ترخيص بذلك، لكن قانون القضاء العسكري لا يسمح بذلك، كذلك فهو يسمح في بعض الأحيان برفض المدافع الذي اختاره المتهم وتعيين بديل له وهذا أخلال بحقه في اختيار المتهم الذي يراه مناسبا على اعتبار أن العلاقة بين المتهم ومحاميه هي علاقة خاصة (انظر المادة 18ق.ق.ع).
ملاحظة: استعمل قانون القضاء العسكري لفظ المحامي والمدافع، ولكنه استعمل لفظ المدافع أكثر، والمحامي معروف، أما المدافعون فهم بعض العسكريين الذين يمنحون صفة محام عسكري بناء على قبولهم من السلطة العسكرية.

2-1-3-درجات التقاضي، لعل مبدأ التقاضي على درجتين هو من أهم المبادئ والضمانات الإجرائية، وسنرى عند دراسة الطعون في أحكام المحاكم العسكرية رفض الاستئناف فيها، وهو إخلال بالمبدأ المذكور.

2-1-4-تسبيب الأحكام، على اعتبار عدم وجود الحق في الاستئناف فإن أحكام المحاكم العسكرية تشبه أحكام محاكم الجنايات التي هي أيضا لا تعتمد مبدأ التسبيب على اعتبار ما يعرف بأنها محاكم اقتناع، ومن ثمة فهي تخضع لنظام الأسئلة وذلك تبعا لتشكيلتها التي تشبه أيضا نظام المحلفين في محكمة الجنايات، وقرارات المحكمة العليا في رقابة أحكام المحاكم العسكرية تؤكد أنها لا تراقب التسبيب على اعتبار خضوعها لمبدأ الاقتناع، ويتم بالتالي تسليط الرقابة على ورقة الأسئلة.

2-1-5-الجمع بين وظيفة التحقيق والحكم، إن مبدأ الفصل بين جهات التحقيق والحكم المعروف في قانون الإجراءات الجزائية له أوجه عديدة، إلا أن هذا المبدأ لا وضوح له في قانون القضاء العسكري طبقا للمادة 123 منه، وهو ما يشكل إخلالا بحقوق الدفاع.

2-2-من حيث التجريم: يختلف محتوى التجريم في قانون القضاء العسكري عن محتوى الجرائم المعروفة في القانون العام، أي قانون العقوبات، على اعتبار أن هناك جرائم عسكرية محضة تضمنها القانون المذكور، لكن تسميات بعض الجرائم تشبه أحيانا تسميات الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات، ولكن المضمون مختلف، مثل الخيانة والتجسس، والعصيان، والفرار أو الهروب، وما يسترعي الانتباه في التجريم الذي احتواه قانون القضاء العسكري هو المادة 324 وما يليها التي تنص على مخالفة التعليمات العسكرية وهو من نوع التجريم غير الدقيق الذي يخالف مبدأ الشرعية الذي ينص على وجوب أن يكون التجريم دقيقا تحت طائلة تفسير الشك لصالح المتهم.

خاتمة:
لا يتعلق الأمر باختلاف بسيط بين إجراءات التحري والتحقيق والمحاكمة أمام القضاء العسكري والقضاء العادي بل يتعلق بإهدار بعض الضمانات الهامة تضمنها قانون القضاء العسكري، بينما تبقى أوجه التشابه تثير التساؤل حول مبررات وجود قانون مستقل يتناول الحياة الخاصة بالعسكريين والتي أصبحت قوانين الدول الديمقراطية تدرجها في نصوص قانون الإجراءات الجزائية العادية دون حاجة إلى فصل القضاء أو اللجوء إلى قضاء استثنائي في هذا المجال.
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

 القضاة العسكريون

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 27 أغسطس 2017, 08:36


 القضاة العسكريون


تمهيد:
شهد القضاء العسكري في الجزائر 03 مراحل: 1/ المرحلة الأولى: فترة الاستعمار الفرنسي (تطبيق القانون الفرنسي) .2/ المرحلة الثانية: صدور القانون رقم 64-242 مؤرخ في 22/08/1964، يتضمن 98 مادة. 3/ المرحلة الثالثة: صدور الأمر رقم 71-28 المؤرخ في 22/04/1971 الساري المفعول حاليا. هذا الأخير يكاد يكون مطابقا للقانون الفرنسي لسنة 1965.
إن قانون القضاء العسكري ليس قانونا يطبق في حالة الحرب فحسب، كما أنه ليس قانونا يطبق على العسكريين فقط، ولا يتعلق بجرائم ذات صفة عسكرية بحتة بل يتعلق بجرائم منصوص عليها في قانون العقوبات، ورغم أن جرائم خطيرة مثل الجرائم الإرهابية تبقى منظورة أمام القضاء العادي مع احترام كافة الضمانات فكأن استحداث قانون عسكري يستند فقط إلى وجود فئة العسكريين أي معيار وظيفي، أو بسبب السر العسكري.
نلاحظ أن وجود قانون عسكري وقضاء عسكري يفيد من بين ما يفيد أن القضاء العادي والمحكمة العليا ليس لها الحق في مراقبة هذا القضاء لكن المادة الأولى من قانون القضاء العسكري أشارت إلى خضوع أحكام هذا الأخير للنقض من طرف المحكمة العليا، وهو خضوع شكلي.
مما جاء به قانون القضاء العسكري من أحكام تسترعي الانتباه هو أن الهيئات القضائية في هذا النوع من القضاء تتشكل من عسكريين عاديين ليس لديهم تكوين خاص، أو لا يشترط فيهم تكوين خاص كل ما يشترط هو مسائل تتعلق بالرتب، فهؤلاء القضاة من جهة يحوزون على صفتين: صفة القضاة وصفة العسكريين، فمن حيث صفة القضاة يلاحظ أنهم لا يخضعون للقانون الأساسي للقضاء، ومن حيث صفة العسكريين فهم يخضعون لوزير الدفاع أي السلطة التنفيذية لوزير الدفاع.
        أفرد قانون القضاء العسكري للقضاة العسكريين حيزا هاما حيث جاء الحديث تبعيتهم لوزير الدفاع الوطني فيما يتعلق بمسيرتهم المهنية من تعيين ونقل  وإنهاء مهام، إلا أن الفرق بين القضاءين المدني والعسكري هو عدم اشتراط التخصص أو حتى الإلمام بالقراءة والكتابة لدى القاضي العسكري المساعد، مما قد يهدر حق المتهم في محاكمة عادلة. إذ من غير المستساغ أن يتحقق للمتهم عدل مع تشكيلة أغلبيتها من العسكريين دون أن يطلب منهم توفر عنصر التخصص القانوني ولا حتى المستوى العلمي الذي يمكنهم من إدراك حقائق الأمور والفصل في القضايا بنظرة المتعلم. فاختيار القضاة العسكريين المساعدين يعود لوزير الدفاع الوطني عملا بنص الفقرة الأولى من قانون القضاء العسكري:" يضع وزير الدفاع الوطني قائمة برتب وأقدمية الضباط وضباط الصف المدعوين للاشتراك في جلسات كل محاكمة عسكرية".
 
الإجراءات الجزائية العسكرية
الجهات القضائية العسكرية
عددها: هناك محاكم عسكرية دائمة (في زمن السلم) عددها ثلاثة، إحداها في الناحية العسكرية الأولى (الجزائر) والثانية (وهران، ويمتد اختصاصها إلى الثالثة أي بشار) والخامسة (قسنطينة، ويمتد اختصاصها إلى الرابعة أي ورقلة) [المادة 4]
ملاحظة: يمكن أن تنعقد في أي مكان في دائرة اختصاصها.
أما في زمن الحرب فتنشأ في مقر كل ناحية عسكرية محاكم عسكرية دائمة إذا اقتضت حاجة المصلحة ذلك [ المادة 19]، وتحدد مقراتها بموجب مرسوم يصدر بناء على تقرير وزير الدفاع الوطني، وفي هذه الحالة يكون أعضاء النيابة والتحقيق الذين يلحقون بها في وضعية مجندين طبقا للقوانين سارية المفعول.
تشكيلتها: تتشكل من رئيس وقاضيان مساعدان [المادة 5]
يتولى الرئاسة قاض من المجالس القضائية.
يعين بموجب قرار مشترك من وزير العدل ووزير الدفاع قضاة رسميون وآخرون احتياطيون لمدة سنة، يستمرون في أداء مهامهم بالنسبة للقضايا التي شاركوا في جلستها الأولى،ويحل الاحتياطيون محلهم.
بالنسبة للرتب المطلوبة في التشكيلة فهي تختلف حسب رتبة المتهم أيضا (وقت حصول الوقائع [المادة 7 ف 3])، فإذا كان الأخير جنديا أو ضابط صف يتعين أن يكون أحد القاضيين المساعدين ضابط صف [المادة 7]
وعندما يكون المتهم ضابط يتعين أن يكون القاضيان المساعدان ضابطان من نفس رتبته على الأقل.
إذا تعدد المتهمون تراعى الرتبة الأعلى والأقدمية.
طبعا تكون هناك قائمة من هؤلاء الضباط وضباط الصف الذين يكونون كقضاة مساعدين توضع من طرف وزير الدفاع الوطني، تعدل وتوضع في كتابات ضبط المحاكم العسكرية.
مهمة النيابة يقوم بها وكيل دولة عسكري، كل محكمة عسكرية لها وكيل دولة عسكري واحد، ويمكن تعيين وكيل مساعد واحد [المادة 10] بموجب قرار ممن وزير الدفاع،
ملاحظة على هذه التشكيلة: هي أشبه بنظام المحلفين المعروف في القضاء الجنائي العادي.

القضاة العسكريون
القضاة العسكريون ليس لهم نفس الحقوق التي يتمتع بها القضاة المدنيون، فهم غير خاضعين للقانون الأساسي للقضاء، وليس لديهم قانون أساسي خاص بهم يضمن استقلاليتهم(من ناحية التعيين والتأديب ...)، فهم بحكم كونهم عناصر في الجيش يخضعون لنظام  الخدمة في الجيش، مع ما قد يترتب على ذلك من إمكانية المساس بحرية القاضي ذاتها عن طريق احتجازه بسبب إخلاله بالنظام والذي يتمثل في الانضباط والسلوك اللذان يفرضهما نظام الخدمة في الجيش.
إن الفرق بين القضائين المدني والعسكري يتضح أولا من خلال عدم اشتراط قانون القضاء العسكري للتخصص أو حتى الإلمام بالقراءة والكتابة لدى القاضي العسكري المساعد مما قد يهدر حق المتهم في
محاكمة عادلة . وثانيا أن اختيار القضاة العسكريين المساعدين يعود لوزير الدفاع الوطني عملا بنص الفقرة الأولى من المادة 9 من قانون القضاء العسكري :" يضع وزير الدفاع الوطني قائمة برتب وأقدمية الضباط وضباط الصف المدعويين للاشتراك في جلسات كل محاكمة عسكرية ".
في قرار صادر عن الغرفة الجنائية للمحكمة العليا مؤرخ في يوم 20 فيفري 1968 تم نقض حكم شارك فيه محلف لا يتوفر فيه شرط معرفة القراءة والكتابة:" من الشروط الواجب توافرها في المساعد المحلف أن يكون ملما بالقراءة والكتابة كما تفرضه المادة 261 من قانون الإجراءات الجزائية لذلك يكون باطلا ويستوجب النقض الحكم الصادر عن هيئة تضمنت محلفا أميا لا يحسن القراءة و الكتابة".
المادة 261 من قانون الإجراءات الجزائية :" يجوز أن يباشر وظيفة المساعدين المحلفين الأشخاص ذكورا كانوا أو إناثا جزائريي الجنسية البالغين من العمر ثلاثين سنة كاملة الملمون بالقراءة والكتابة والمتمتعون بالحقوق الوطنية والمدنية والعائلية والذين لا يوجدون في أي حالة من حالات فقد الأهلية أو التعارض المعددة في المادتين 262 و 263"
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العقوبات العسكرية

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 27 أغسطس 2017, 08:41



العقوبات العسكرية

1-            القاعدة العامة:
طبقا للمادة 243 ق.ق.ع فإن المحاكم العسكرية تصدر نفس العقوبات التي تصدرها المحاكم التابعة للقانون العام باستثناء عقوبة الإبعاد.
تطبق هذه العقوبات وفقا للقواعد العامة   (مثل شخصية العقوبة، العقوبات التكميلية، بدائل العقوبة، الإعفاء من العقاب، ظروف التخفيف، تشديد العقوبة، العود، تعدد الجرائم ...إلخ)

2-            العقوبات الصادرة في الجنايات أو الصادرة بعقوبات جنائية:
2-1- القاعدة المطبقة على كل العسكريين:
كل عقوبة جنائية صادرة على عسكري وتتضمن تجريده من الحقوق الوطنية يترتب عليها خصوصا فصله من الجيش وحرمانه من الرتبة والحق في حمل الشارات والبزة العسكرية، مع العلم أن الحرمان من الحقوق الوطنية هو عقوبة تكميلية إلزامية في حالة العقوبة الجنائية طبقا للمادة 9 مكرر 1 من قانون العقوبات، أما إذا كانت العقوبة جنحية رغم أن الجريمة جناية فلا يكون القاضي ملزما بالحكم بهذه العقوبة التكميلية.
كذلك فكل عقوبة صادرة في أحد الحالات المبينة أدناه يترتب عليها فقدان الرتبة طبقا لنص المادة 249 ق.ق.ع، وهي التالية:
-       الجنح المنصوص عليها في المادة 126 ق.ع (الرشوة واستغلال النفوذ طبقا للقانون القديم طبعا).
-       جنح السرقة والنصب وخيانة الأمانة.
-       العقوبات المشار إليها في القانون الخاص بحرية الصحافة.
2-2- الشخص المتابع ضابط أو ضابط صف محترف أو ضابط صف متعاقد:
من جهة أخرى إذا كانت الجريمة هي جناية وكان الشخص المتابع ضابطا أو ضابط صف محترف أو ضابط صف قائم بالخدمة بموجب عقد فإنه يترتب على أية عقوبة كانت فقدان الرتبة تلقائيا، أي ولو لم يكن واجبا الحكم بالعقوبة التكميلية المتمثلة في الحرمان من الحقوق الوطنية، أي في الحالة التي ذكرنا أعلاه أي عندما تسلط عقوبة جنحية، وهذا ما جاءت به الفقرة الأولى من المادة 248 ق.ق.ع.
وطبقا للمادة 244 ق.ق.ع فإنه يمكن أيضا للمحاكم العسكرية زيادة على ذلك أن تقضي بعقوبة العزل العسكري وفقدان الرتبة، والأصل أن يكون في الجنايات ولو كانت العقوبة هي الحبس بعد الأخذ بأسباب التخفيف كما هو صريح المادة 246 ق.ق.ع.
أما آثار العزل فهي تتمثل أساسا في فقدان الرتبة والحق في حمل الشارات والبزة العسكرية، وكذلك الحق في المعاش والانتفاع به.
أما فقدان الرتبة لو تم النطق به بصفة منفردة فلا يؤثر على المعاش والحقوق المرتبطة به كالمكافأة عن الخدمة السابقة.

3-            العقوبات الصادرة في الجنح والمخالفات:
3-1- العقوبة هي الحبس لثلاثة أشهر فأكثر:
هذا بشأن العقوبات الجنائية والعقوبات الصادرة في الجنايات، أما في غيرها فقد جاء طبقا للمادة 248/2 ق.ق.ع أن كل حكم بعقوبة حبس لمدة ثلاثة أشهر فأكثر مع وقف التنفيذ أو بدونه صادرة ضد ضابط أو ضابط صف محترف أو ضابط صف متعاقد يترتب عليها فقدان الرتبة في الحالات التالية:
-       الجنح المنصوص عليها في المادة 126 ق.ع (الرشوة واستغلال النفوذ)
-       جنح السرقة والنصب وخيانة الأمانة.
-       العقوبات المشار إليها في القانون الخاص بحرية الصحافة.
3-2- العقوبة تقل عن ثلاثة أشهر:
أما إذا نزلت العقوبة عن ثلاثة أشهر في تلك الحالات وغيرها وكانت هناك عقوبة تكميلية تتمثل في المنع من الإقامة أو الحرمان كليا أو جزئيا من الحقوق الوطنية أو المدنية أو العائلية، أو عقوبة عدم أهلية المحكوم عليه لتولي الوظائف العمومية، فإن عقوبة فقدان الرتبة يكون لها محل أيضا.

4-            تلازم عقوبة العزل مع عقوبة فقدان الرتبة:
إن تطبيق عقوبة العزل يترتب عنه أيضا فقدان الرتبة طبقا للمادة 250 ق.ق.ع

5-            تطبيق عقوبة الحبس بدل الغرامة من طرف المحاكم العسكرية:
 كنوع من التشدد في قمع الجرائم المنظورة أمام المحاكم العسكرية والتابعة للقانون العام والمرتكبة من العسكريين أو المماثلين لهم فإن هذه الأخيرة تملك في حالة ما إذا كانت العقوبة هي الغرامة أن تعدل عن هذه الغرامة وتنطق بموجب نص خاص بعقوبة الحبس من 6 أيام إلى 3 أشهر مكان عقوبة الغرامة، بشرط أن لا يكونوا من الضباط، هذا بالنسبة للجنح أما المخالفات فتكون العقوبة البديلة عن عقوبة الغرامة هي الحبس من يومين إلى خمسة عشر يوما، وللمحكوم عليه في كل الأحوال أن يختار دفع الغرامة بدل الحبس، وهذا بصريح نص المادة 251 ق.ق.ع
إن عقوبة الغرامة تبقى محتفظة بطابعها رغم تطبيق عقوبة الحبس أي من حيث صحيفة السوابق العدلية على وجه الخصوص، وبالنسبة للجنايات حتى ولو أسعف مرتكبها بظروف التخفيف فإن عقوبة الغرامة لا تستبدل بعقوبة الحبس.

6-            العقوبات التأديبية:
هذه الأخيرة لا تخضع لاختصاص المحاكم العسكرية بداهة، بل هي من اختصاص السلطة العسكرية، والتي لا يمكن أن تتجاوز 60 يوما إن كانت سالبة للحرية، وهي تحدد بموجب مرسوم، وهذا تطبيقا للمادة 253 ق.ق.ع

7-            وقف تنفيذ الأحكام:
طبقا للمادة 225 ق.ق.ع يجوز لوزير الدفاع الوطني إيقاف تنفيذ الأحكام التي أصبحت نهائية مع حقه في الرجوع عن ذلك ما دام المحكوم عليه محتفظا بصفته العسكرية.
وهناك وقف التنفيذ العادي الذي تملكه المحاكم العسكرية دائما كلما تعلق الأمر بعقوبة الحبس أو الغرامة ضمن ما تنص عليه أحكام قانون الإجراءات الجزائية.

8-             الإفراج المشروط:
تطبق عليه أحكام قانون الإجراءات الجزائية، ويعود الحق بمنحه دائما لوزير الدفاع الوطني بناء على اقتراح رئيس المؤسسة التي يقضي فيها المعني عقوبته، وبعد أخذ رأي وكيل الدولة العسكرية وقائد الناحية.

9-            العود:
طبقا لنص المادة 232 ق.ق.ع فإن العقوبات الصادرة في الجنايات والجنح العسكرية (وليس جرائم القانون العام) لا تخضع لأحكام العود.

10-      رد الاعتبار:
يخضع لأحكام قانون الإجراءات الجزائية، مع توجيه الطلب إلى وكيل الدولة العسكري طبقا للمادة 233 ق.قع

avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الطعون في الأحكام الصادرة من المحاكم العسكرية

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 27 أغسطس 2017, 08:47

الطعون في الأحكام الصادرة من المحاكم العسكرية


تمهيد: سيتم تقسيم طرق الطعن في الأحكام الصادرة من المحاكم العسكرية وفق التقسيم التقليدي إلى طرق الطعن العادية وطرق الطعن غير العادية وفق الفقرات التالية:

•        طرق الطعن العادية:
إن طرق الطعن العادية تهدف إلى إعادة نظر القضية من جديد شكلا وموضوعا وصولا إلى تعديل مضمون الحكم، وتتمثل أساسا في: الاستئناف والمعارضة بالنسبة للمتهم المحكوم عليه غيابيا، ويتم الأول أمام درجة أعلى بينما الثاني يتم أمام نفس الجهة مصدرة الحكم.
فبالنسبة لقانون الإجراءات الجزائية تعتبر الأحكام الصادرة في الجنح والمخالفات قابلة للاستئناف (م416)، وبالمثل فالمعارضة تكون في الجنح والمخالفات(م414)، ولذلك فلا أثر لهذين الطريقين بالنسبة للجنايات، أما قانون القضاء العسكري فهو لا يقبل استئناف أحكام المحاكم العسكرية، بينما الطريق الوحيد للطعن العادي هو المعارضة.

1-1-حظر استئناف أحكام المحاكم العسكرية: من مظاهر ذاتية قانون القضاء العسكري هو حظر الاستئناف، فالمحاكم العسكرية توصف لهذا بأنها أحادية الدرجة، وذلك يعني أن أحكامها ابتدائية نهائية غير قابلة للاستئناف، ولعل الهدف من ذلك هو تفادي التعقيد وتطويل الإجراءات من جهة، وردعا للجرائم العسكرية من جهة أخرى، وعلى العكس من ذلك فقرارات قاضي التحقيق العسكري تبقى قابلة للاستئناف أمام غرفة الاتهام.
يمكننا القول باختصار أن مبدأ التقاضي على درجتين هو من أهم المبادئ الضامنة لحق التقاضي، وهو يترجم العديد من المصالح والمزايا الأكيدة التي منها: دفع بقاء الخطإ المحتمل النابع من بشرية المحكمة الناطقة بالحكم ولو لمرة واحدة من طرف قضاء أعلى يتميز بنوعية وعدد قضاة أفضل مما يزيد في احتمالية إصابة العدالة وتحقيق الطمأنينة لدى المحكوم عليه والمجتمع، ومن ثمة فإهداره هو إهدار لأهم الضمانات الإجرائية للمتهم.

1-2- قبول المعارضة وإجراءاتها، إن المتهم الذي لم يحضر أمام المحكمة بمحض إرادته أو قسرا يحكم عليه غيابيا، وإذ لم يتكن من عرض حججه فإن العدالة تقتضي إعطاءه فرصة ثانية لفعل ذلك، والطريق إلى ذلك هو السماح له بالمعارضة في الحكم، وهي تجد أساسها في المادة 199/5 ق.ق.ع، وهي لا تكون في الأحكام الحضورية ولا الحضورية الاعتبارية وإنما في الأحكام الغيابية وذلك بهدف منع إحرازها على الحجية.

1-2-1-قبول المعارضة: الأصل أن كل شخص كلف بالحضور تكليفا صحيحا وتخلف عن الحضور في اليوم والساعة المحددين في أمر التكليف تحكم عليه المحكمة غيابيا إذا ما ثبت أن التكليف بالحضور لم يكن قد سلم لشخص المتهم أو قدم المتهم عذرا مقبولا لتخلفه عن الحضور.
وقد نصت المادة 191 ق.ق.ع على ورقة التكليف بالحضور وبياناتها، والتي يخلص منها إلى أن التكليف بالحضور هو إجراء إجباري يجب أن يتخذ من طرف المحكمة العسكرية، سواء بالنسبة للمتهم أو الشهود، ونصت المواد 198،197،176 على كيفية تبليغها في حالة غياب المتهم وفي حالة غيابه غير الشرعي عن المؤسسة العسكرية، وقد حددت المادة 194/1 ق.ق.ع مهلة ثمانية أيام بين تاريخ تبليغ التكليف بالحضور وبين المثول أمام المحكمة دون احتساب أي وقت آخر كمسافة الطريق، وعليه فإذا تمت هذه الإجراءات ثم ثبت للمحكمة أن المتهم لم يتسلم التكليف شخصيا أو قدم مبررا مقبولا لغيابه كان الحكم غيابيا وكان له الحق في المعارضة.
والحقيقة أن العبرة في حضورية الحكم أو غيابيته تتعلق بمدى تمكن المتهم من الدفاع عن نفسه، وعليه:
- إذا لم يتمكن المتهم من الدفاع عن نفسه بسبب تغيبه عن جلسات المرافعة كلها أو بعضها فالحكم يكون غيابيا ولو حضر يوم النطق بالحكم.
- إذا تغيب المتهم عن جلسات المرافعة كلها أو بضعها لكنه حضر يوم النطق بالحكم ووجهت له التهمة ليبدي أوجه الدفاع عن نفسه كان الحكم حضوريا.
- إذا تغيب المتهم عن بعض الجلسات لكنه تمكن من الاطلاع على ما دار فيها والدفاع عن نفسه كان الحكم حضوريا.
- إذا تغيب المتهم يوم النطق بالحكم ولم تجر فيه مرافعة كان الحكم حضوريا.
- ونصت المادة 141 ق.ق.ع على أنه ينبغي للمتهم المبلغ شخصيا أن يحضر أمام المحكمة فإذا لم يحضر ولم يقدم عذرا صحيحا تقبل به المحكمة التي دعته للحضور فيحكم عليه بحكم يعتبر بمثابة حضوري(حضوري اعتباري)، وتسبب المحكمة ذلك ضمانا لحقوق المتهم.
- وهناك حالات أخرى يعتبر فيها الحكم حضوريا اعتباريا رغم غياب المتهم كحالة التشويش والضجيج (م143)، أو حالة رفض الامتثال رغم إنذاره (م142 ) وفيها كلها لا يكون للمتهم حق المعارضة.

1-2-2-إجراءات المعارضة: لا بد أولا أن نذكر بكيفية إصدار المحاكم العسكرية لأحكامها، ثم إلى الأحكام الجائز الطعن فيها بالمعارضة، ثم إلى إعلانها، ثم إلى آثار الأحكام الغيابية، ثم إلى شكل وميعاد المعارضة، وأخيرا إلى الجهة المختصة بنظر المعارضة وآثار المعارضة أمامها.
1-2-2-1-كيفية إصدار المحاكم العسكرية لأحكامها: لعلنا أصبحنا نعلم أن المحاكم العسكرية تصدر أحكامها طبقا للقواعد المنصوص عليها في المواد من 285 إلى 315 ق.إ.ج، مع مراعاة بعض التحفظات، ومن ثمة فإنه بعد إقفال باب المرافعة وتلاوة الأسئلة التي ينبغي على المحكمة أن تجيب عليها يأمر رئيس الجلسة بإخراج المتهم من قاعة الجلسة، وينسحب أعضاء المحكمة إلى غرفة المداولات، فيتداولون ويصوتون من غير حضور وكيل الدولة العسكري والدفاع وكاتب الضبط، ولا يبت في الأسئلة إلا بأغلبية الأصوات، وبالإجابة بكلم نعم أو لا.
والأسئلة لا ينبغي أن تكون متشعبة بل يكون لكل واقعة سؤال ولكل ظرف مشدد سؤال ولكل عذر قانوني سؤال وكذلك الأسئلة الاستدراكية، ويجب ألا تكون الأسئلة متناقضة.
وفي حالة الإجابة بنعم حول الإدانة بأغلبية الأصوات يتداول أعضاء المحكمة حول العقوبة عن طريق الاقتراع السري والأحادي(أي كل متهم على حدة)، ويجوز للمحكمة أن تقرر بأغلبية الأصوات توقيف تنفيذ العقوبة في حالة الجنح والمخالفات فقط (م166/4 ق.ق.ع)، أما العقوبات التبعية فهي ليست بحاجة إلى النطق بها، مع العلم أن هناك عقوبات تبعية عسكرية خاصة كالعزل والعسكري وفقدان الرتبة(م244.)
وتعود بعدها المحكمة إلى قاعة الجلسة ثم يستحضر الرئيس المتهم ويتلو أمام الحرس المسلح الأجوبة المعطاة عن الأسئلة وينطق بالحكم بالإدانة أو بالإعفاء من العقاب أو البراءة، ويعين المواد القانونية وأحكام القوانين الجزائية التي جرى تطبيقها، وفي حالة البراءة والإعفاء يخلى سبيل المتهم (نحو الوحدة التابع لها)، وفي حالة الإدانة يلزم بالمصاريف لصالح الخزينة، وبعد أن يصدر الرئيس الحكم ينبه المحكوم عليه بأن من حقه الطعن بالنقض ويذكر هل ملهة الطعن(م174 ق.ق.ع).
ويجب أن يكون أي دفع بعدم اختصاص المحكمة العسكرية نوعيا أو محليا قبل البدء في المرافعات وقبل أي دفاع في الموضوع وليس لأول مرة أمام المحكمة العليا، أما الدعوى المدنية التبعية فلا تنظر أمام المحكمة العسكرية بل يتعين الحكم فيها بعدم الاختصاص إن كانت قد رفعت، ولا يكون هناك تسبيب للأحكام الصادرة عن المحاكم العسكرية على اعتبار أنها تخضع كما رأينا للاقتناع، وبالنسبة لبيانات الحكم فيمكن مراجعتها في المادة 176 ق.ق.ع.
1-2-2-2-الأحكام الجائز الطعن فيها بالمعارضة، يجوز المعارضة في كل أحكام المحاكم العسكرية بما فيها الأحكام الصادرة في الجنايات، على عكس ما نعرف بالنسبة لقانون الإجراءات الجزائية حيث لا تجوز المعارضة في أحكام محكمة الجنايات، وذلك بالنظر إلى أن إجراءات التخلف عن الحضور هي الكفيلة بإحضار المتهم، أو يتم القبض عليه، فإذا حصل ذلك أعيدت المحاكمة وسقط الحكم الغيابي الصادر فيها.
ودون شك أنه لا يجوز الطعن بالمعارضة في الأحكام الصادرة عن المحكمة العليا، كما أنه لا يصح الطعن بالنقض ضد الحكم الغيابي إلا حين يصير الطعن بالمعارضة غير ممكن.
ويرى الدكتور صلاح الدين جبار أن استبعاد إجراءات التخلف عن الحضور بالنسبة للجنايات العسكرية والسماح بالمعارضة فيها يرجع إلى كونها إجراءات معقدة ومبالغ فيها، ولا تكون ملائمة لبعض العصاة والفارين.
1-2-2-3-كيفية إعلان(تبليغ)أحكام المحاكم العسكرية الغيابية: بعد انتهاء مدة الثمانية أيام المذكورة سابقا لمثول المتهم يصدر الحكم غيابيا بناء على طلبات وكيل الجمهورية العسكري، وإذا استحال على المتهم الحضور استحالة مطلقة الاستجابة للتكليف بالحضور فبإمكان ذويه أو أصدقائه تبيلغ عذره للمحكمة، وإذا رأت أن عذره مقبول تأمر بتأجيل المحاكمة لمدة معينة حسب العذر، ويمكن محاكمة المساهمين والأمر برد الأشياء لمالكيها.
أما الحكم الغيابي فيتم تبليغه طبقا للمادة 196 ق.ق.ع ويذكر فيه تنبيه المحكوم عليه بجواز المعارضة والأثر المترتب على عدم ممارسة هذا الحق، وفي حالة عدم العثور على المحكوم عليه في العنوان المذكور في ورقة التبليغ يحرر محضر يثبت فيه الغياب وكل الاستعلامات التي تؤدي إلى معرفة المكان الذي يقيم فيه المعني بعد الاستفسار عن ذلك، ويرسل إلى السيد وكيل الجمهورية العسكري، والنسبة للعسكريين المتغيبين بصفة غير قانونية فيتم التبليغ إلى الهيئة العسكرية التي ينتمون إليها.
1-2-2-4-آثار الأحكام الغيابية: إذا كان الحكم الغيابي صادرا ضد فار أو عاص التجأ إلى بلد أجنبي وبقي فيه زمن الحرب تهربا من واجباته العسكرية فإن المحكمة العسكرية تقضي بمصادرة جميع الأملاك العائدة إليه في الحاضر أو المستقبل لفائدة الأمة (م203/2 ق.ق.ع) ويكون الحارس القضائي هو وكيل الدولة العسكري ذاته.
        وإذا كان الحكم غيابيا وطعن فيه المحكوم عليه بالمعارضة لكنه بعد ذلك لم يحضر فلا تؤخذ معارضته بعين الاعتبار، وأكثر من ذلك يسقط حقه في ظروف التخفيف، وتسقط بقوة القانون سلطته الأبوية تجاه أولاده وفروعه (م200/3 ق.ق.ع)، وتجري الوصاية عليهم طبقا لقانون الأسرة، وهو نوع من الردع العام.
1-2-2-5-شكل وميعاد المعارضة: تكون المعارضة بموجب تصريح كتابي أو شفوي إلى كاتب ضبط السجن أي المؤسسة العسكرية للوقاية وإعادة التربية إذا تم توقيف المتهم (م199/5 ق.ق.ع)، أو إلى العون المكلف بتبليغ الحكم، أو إلى كاتب ضبط المحكمة العسكرية إن كان طليقا.
وتكون المعارضة جائزة القبول إذا قدمت في خلال (5) أيام من تاريخ التبليغ الشخصي تسري من تاريخ التوقيع على محضر التبليغ، وتجوز المعارضة في هذا الأجل ولو لم يتم التبليغ(إذا علم المحكوم عليه بالحكم بطريقة ما)، وتقلص المدة إلى 24 ساعة إذا جرى توقيفه (م199 ق.ق.ع).
ولم يتطرق قانون القضاء العسكري إلى مدى سريان الميعاد، ومن ثمة فالقواعد العامة تقضي بأن تتقادم العقوبة في مدة معينة، فإذا لم يبلغ المحكوم عليه خلال مدة سقوط العقوبة سقطت في مدة التقادم (م412 ق.إ.ج)، وإذا تقادمت العقوبة يصبح غير جائز إعادة المحاكمة (م616 ق.إ.ج).
1-2-2-5-الجهة المختصة بنظر المعارضة وآثار المعارضة أمامها:
إن المحكمة المختصة هي ذات المحكمة التي أصدرت الحكم الغيابي، ولكن هناك استثناءات معينة، فحينما يوقف المتهم في دائرة اختصاص محكمة أخرى فإنها تتحقق من هويته وبالتالي تفصل في مدى قبول المعارضة، ومن ثم التطرق للموضوع، وتكون محكمة محل إقامة المتهم مختصة أيضا بنظر المعارضة (م35 ق.ق.ع)، أما المتهمون الموجودون خارج البلد فتكون المحكمة المختصة هي الأقرب إليهم عند رجوعهم، ومحكمة مكان اعتقال المتهم مختصة بنظر معارضته، وأخيرا فإنه في حالة إلغاء المحكمة العسكرية التي أصدرت الحكم تعين محكمة من وزير الدفاع لنظر المعارضة، ولعل الغرض من هذه الاستثناءات هو تلافي بعد مكان المحكمة.
أما بالنسبة لأثر المعارضة فيتمثل أساسا في وقف تنفيذ الحكم الغيابي المعارض فيه، وإعادة الخصومة أمام المحكمة، فيظل الحكم القابل للمعارضة غير قابل للتنفيذ، فإذا انتهى الأجل أصبح قابلا للتنفيذ، أما إذا تمت المعارضة فيتوقف التنفيذ، وذلك بأن هذا الحكم ضعيف فيما قضى به، دون أن ينفى عنه صفة الحكم إلى أن يقضى في المعارضة، فقد يؤيد الحكم، أما إذا عدل فإن الحكم الأول يصبح لاغيا والثاني هو القابل للتنفيذ، وبعبارة أخرى أن المعارضة في الحقيقة تعلق التنفيذ إلى غاية البت في المعارضة.
إن الفصل في المعارضة يكون بناء على حضور المعارض، فإذا غاب أصبحت المعارضة كأن لم تكن، وتقوم المحكمة بتنفيذ الحكم الصادر في المعارضة والذي يؤيد الحكم الغيابي (انظر المادة 203 ق.ق.ع)، وحينئذ يتبقى للمحكوم عليه فقط حق الطعن بالنقض ضمن المهلة القانونية المنصوص عليها في المادة 181 ق.ق.ع ابتداء من تاريخ تبليغه بالحكم شخصيا.
أما إذا حضر المعارض فيجب على المحكمة إعادة النظر في الدعوى برمتها، حتى لو تخلف المعارض عن الحضور في الجلسات التي تؤجل إليها القضية، وحتى لو لم يبد دفاعا في الجلسة التي حضر فيها، وإذا تم إصدار الحكم بعد ذلك يكون حضوريا حتى لو غاب المعارض أيضا، ولا معارضة لو غاب إذ لا معارضة في المعارضة.
وليس المطلوب هو إعادة التحقيق بل فقط إعادة المحكمة والفصل في نفس الطلبات التي نظرتها في المرة الأولى، ويكون ذلك في أقرب جلسة (المادة 202 ق.ق.ع)، ولا يضار المعارض جراء معارضته، ولا يساء مركزه فيحكم عليه بأكثر مما حكم عليه في المرة الأولى، فالمعارضة لا بد أن تكون لمصلحة المعارض، ثم لا يجوز للمحكمة أيضا من باب أولى أن تحكم بعدم اختصاصها.

•        طرق الطعن العادية:
1-الطعن بالنقض لصالح الأطراف: حسب المادة 180 وما بعدها ق.ق.ع يمكن الطعن بالنقض ضد جميع الأحكام الصادرة عن المحاكم العسكرية
راجع كتاب الدكتور: جبار صلاح الدين
2-الطعن لصالح القانون: نصت المادة 186 ق.ق.ع على هذا الطريق من طرق الطعن غير العادية بقولها:"تسري على أحكام المحاكم العسكرية أحكام المادة 530 ق.إ.ج المتعلقة بالطعن لصالح القانون".
والطعن لصالح القانون هو حق للمجتمع من أجل صيانة حقوق الإنسان واحترام الضمانات والإجراءات التي نص عليها القانون لصالح استقرار المجتمع وحسن سير العدالة، فبالرغم من وجود الطعن بالنقض الذي يسمح بتصحيح الأخطاء القانونية للمحاكم الجزائية فإن هذه الأحكام رغم حيازتها لقوة الشيء المقضي فيه تبقى عرضة للأخطاء القانونية والإجرائية.
ومن المعروف أن الأحكام متى صارت نهائية واستنفذت طرق الطعن بالنقض حازت حجية الشيء المقضي فيه وأصبحت عنوانا للحقيقة وأن قاعدة حجية الشيء المحكوم فيه تقوم على فكرة الاستقرار القانوني، غير أن المشرع رأى أنه لا يكفي أن يكون الحكم صحيحا وعادلا، بل يجب أن يحترم القانون والقواعد الإجرائية الموصلة إلى الحقيقة القانونية والموضوعية، فإذا لم تتفطن النيابة العامة أو من له حق من الأطراف إلى تلك الأخطاء وانتهت آجال الطعن بالنقض فإن الفرصة تبقى قائمة، لأن النائب العام لدى المحكمة العليا له الحق في استخدام هذه المؤسسة القانونية التي يطلق عليها الطعن لصالح القانون.
فإذا وصل إلى علم النائب العام لدى المحكمة العليا صدور حكم نهائي من محكمة أو مجلس قضائي أو محكمة عسكرية، وكان هذا الحكم مخالفا للقانون أو لقواعد الإجراءات الجوهرية، فإن عليه أن يعرض الأمر على المحكمة العليا بموجب عريضة.
فالطعن لصالح القانون هو نوع من الطعن بالنقض، وإن كان يختلف معه في شروطه وآثاره وأطرافه، فمن حيث الأطراف أو الأشخاص فالنائب العام لدى المحكمة العليا هو المخول بإثارة هذا الطعن انطلاقا من عدم تجزئة النيابة العامة، وهو بمقابل التماس إعادة النظر الذي يكون في يد المحكوم عليه، وإن كان الطعن لصالح القانون قد يكون في صالح المتهم كما قد يكون ضد مصلحته، وليس النائب العام لدى المحكمة العليا هو الوحيد المخول بذلك بل أيضا كل من وزير الدفاع الوطني ووزير العدل لهما هذا الحق، فبالنسبة لوزير الدفاع فإنه يخطر وزارة العدل، وهذه الأخيرة يعطي التعليمات للنيابة العامة باعتبارها تقع تحت سلطته.
وقد يتبادر للذهن سؤال جوهري وهو: ماذا إذا كانت النيابة العامة قد صدرت الأحكام المطعون فيها لصالح القانون مطابقة لطلباتها، ودون شك أنه حتى لو صدرت الأحكام مطابقة لطلبات النيابة العامة فإن حق المجتمع يقتضي استعمال الطعن لصالح القانون مادامت غايته هي تحقيق العدالة.
        ويتضح من قراءة المادة 530 ق.إ.ج والتي أحال إليها قانون القضاء العسكري صراحة، والتي نظمت الطعن لصالح القانون أن لهذا الأخير شروطا نوجزها في الآتي:
1-  أن يكون الطعن متعلقا بحكم نهائي من محكمة أو مجلس أو محكمة عسكرية: والمقصود بالحكم النهائي الحكم البات أي غير القابل لأي طعن، فهذا الحكم ينهي الدعوى الجزائية طبقا للمادة  6 ق.إ.ج فلا يجوز طرحها على القضاء من جديد، والمشرع الجزائري استعمل مصطلح الحكم النهائي بينما هو يقصد الحكم البات، ولذلك فهناك من يرى أن الحكم القابل للطعن بالنقض هو حكم نهائي يقبل الطعن لصالح القانون، لكن هذا الأخير يخص الأحكام التي لا تقبل أي وجه طعن آخر غير الطعن لصالح القانون والتماس إعادة النظر.
2-  أن يكون هذا الحكم مخالفا للقانون أو لقواعد الإجراءات: أي أن الحكم قد تم الوصول إليه بعد المرور على سلسلة من الإجراءات مطابقة لما جاء به القانون سواء من قبل وكيل الجمهورية أو الأطراف أو التحقيق أو الحكم، ومثال ذلك وجود حالات تمنع القضاة من نظر الدعوى بسبب وجود قرابة بين القاضي والمتهم، أو قيام قاضي التحقيق بممارسة مهام المتابعة في القضايا التي حقق فيها، أو إغفال حقوق الدفاع أثناء الاستجواب، أو الحكم بعقوبة أكبر أو أكثر مما ينص عليه القانون.
3-  ألا يكون الخصوم قد طعنوا في ذلك الحكم في الميعاد المحدد: لأن الطعن بالنقض يخول للمحكمة العليا التصدي لجميع الأخطاء والمخالفات التي ينطوي عليها الحكم ولو لم يثرها الطاعن، كذلك لو نظرت المحكمة العليا في الطعن بالنقض وقضت برفضه شكلا فلا يمنع ذلك من أن تنظر بعدها في الطعن لصالح القانون (قرار المحكمة العليا في الملف رقم:750886 بتاريخ:22/10/2008)، وبالتالي وبمفهوم المخالفة أيضا لا يمكن قبول الطعن لصالح القانون في حكم مطعون فيه بالنقض مفصول فيه موضوعا (قرار المحكمة العليا الفاصل في الملف رقم:717900 بتاريخ:10/11/2010).
أما من حيث آثار هذا الطعن على أحكام المحاكم العسكرية فإنها تتلخص في أنه إذا نقض الحكم المطعون فيه بهذا الطريق فإن وكيل الجمهورية العسكري أو المحكوم  عليه ليس بإمكانها التمسك بهذا الحكم للتخلص مما قضى به الحكم المنقوض.
 
3- التماسات إعادة النظر المقدمة ضد أحكام المحاكم العسكرية
تمهيد: إن تقرير الحق في التماس إعادة النظر يرجع إلى مبررات عديدة منها: ظهور حالات مفجعة من الخطإ القضائي التي لا توجد وسيلة لإصلاحه، ومن هنا جاء قانون تحقيق الجنايات الفرنسي لسنة 1807 لتقرير هذا الطريق في ثلاثت حالات: تناقض الأحكام، حالة وجود المدعى قتله حيا، حالة الحكم بإدانة أحد شهود الإثبات في تهمة شهادة الزور، وهذه الصور لم تكن كافية لتغطية حالات أخرى ظهرت بعد ذلك، ومن هنا جاء قانون 8 يونيو 1885 والذي أضاف حالة رابعة وهي حالة حدوث أو ظهور واقعة جديدة أو تقديم أوراق لم تكن معلومة وقت المحاكمة وكان من شأنها ثبوت براءة المحكوم عليه، وهي نفس الحالات التي نص عليها قانون الإجراءات الجزائية الجزائري.
أما بالنسبة لأحكام المحكام العسكرية فقد نصت المادة 190 ق.ق.ع على أنه يسري عليها الإجراءات المنصوص عليها في المادة 531 ق.إ.ج، وبالرجوع إلى تلك المادة يمكن استخلاص الأحكام التالية:
1-             لا يجوز الخلط بين التماس إعادة النظر والطعن بالنقض، وإن كانا طريقين غير عاديين للطعن في الأحكام، ويرفعان إلى المحكمة العليا، فالفرق بينهما جلي وواضح من خلال الأوجه والأسباب التي يبنى عليها كل منهما، كذلك فالطعن بالنقض يكون لمواجهة الأخطاء التي تمس الجانب القانوني للحكم، بينما التماس إعادة النظر فيمس الجانب الواقعي ولا شأن له بالقانون، ومن جهة ثالثة فالتماس إعادة النظر لا يتقيد بمواعيد معينة عكس الطعن بالنقض المحدد بمهلة معينة في القانون، وأخيرا فالطعن بالنقض يتطرق إلى الأحكام الصادرة بالبراءة والإدانة معا بينما التماس إعادة النظر فيختص فقط بالأحكام الصادرة بالإدانة.
2-             كذلك فهناك فوارق بينة بين التماس إعادة النظر والطعن بالاستئناف، فهذا الأخير يكون في الأحكام التي لم تحز الحجية، سواء كانت صادرة الإدانة أو البراءة، وفي جميع أنواع الجرائم، ويتطرق إلى الجانبين القانوني والواقعي في الحكم المطعون فيه بالاستئناف، أما التماس إعادة النظر فيكون ضد الأحكام الحائزة للحجية، والصادرة بالإدانة، وفي أحكام الجنايات والجنح دون المخالفات، ويتطرق إلى الجانب الواقعي في الحكم، ولئن كان التماس إعادة النظر يجوز بناء على ظهور وقائع جديدة فإن الاستئناف يبنى على نفس الوقائع التي سبق للمحكمة مناقشتها.
3-             إن التماس إعادة النظر ليس هو الطريق النهائي لإصلاح الخطإ القضائي، فهناك العفو، والفرق بينهما أن العفو تملكه السلطة التنفيذية، أما التماس إعادة النظر فهو بيد المحكوم عليه، والعفو هو نوع من الرحمة بالمحكوم عليه ولو لم يتم اكتشاف الخطإ المستكن في الحكم، أما التماس إعادة النظر فيقوم على ظهور الخطإ وجلائه، وأخيرا فإن العفو لا يمحو الحكم ولا العقوبة المحكوم بها، بينما التماس إعادة النظر قد يفضي إلى حكم جديد يلغي الإدانة والعقوبة ويحل البراءة محلهما.
4-             إن طريق التماس إعادة النظر باعتباره يقدم أمام المحكمة العليا التي قد يكون سبق لها تقرير نفس الحكم المطعون فيه، والتي لم تنظر إلا جانبه القانوني تعود مرة أخرى لتقويم نفس الحكم لكن هذه المرة بأن تطال الجانب الواقعي له، وذلك بحجة عدم الإبقاء على الخطإ، وإذا كانت قاعدة حجية الأحكام تفيد أن الحكم متى صار نهائيا فقد أصبح عنوانا للحقيقة ولا يجوز الطعن فيه، ومع ذلك فيجوز الطعن فيه بطريق إعادة النظر فذلك يرجع إلى فكرة الموازنة بين الاستقرار القانوني والعدالة، فيتقدم تقديم وترجيح كفة العدالة لأن طبيعة المجتمع المتعلم لا تقبل ببقاء أحكام الإدانة الخاطئة.
5-             لقد نصت المادة 531 ق.إ.ج على الحالات التي يجب أن يؤسس عليها التماس إعادة النظر كما يلي:
-       إما على تقديم مستندات بعد الحكم بالإدانة في جناية قتل (سواء كانت عمدية أو متجاوزة القصد) وليس شروعا في القتل، يترتب عليها قيام أدلة كافية على وجود المجني عليه المزعوم قتله على قيد الحياة.
-       أو إذا أدين بشهادة الزور ضد المحكوم عليه شاهد سبق أن ساهم بشهادته في إثبات إدانة المحكوم عليه.
-       أو على إدانة متهم آخر من أجل ارتكاب الجناية أو الجنحة نفسها بحيث لا يمكن التوفيق بين الحكمين.
-       أو أخيرا بكشف واقعة جديدة أو تقديم مستندات كانت مجهولة من القضاة الذين حكموا بالإدانة مع أنه يبدو أن من شأنها التدليل على براءة المحكوم عليه.
6-             من حيث من لهم الحق في تقديم التماس إعادة النظر، بالنسبة للحالات الثلاثة الأولى المذكورة آنفا فقد نصت المادة 531 المشار إليها سلفا على أنه يرفع الأمر مباشرة من وزير العدل أو من المحكوم عليها أو نائبه القانوني في حالة عدم أهليته أو من زوجه أو فروع أو أصوله في حالة وفاته أو ثبوت غيابه. أما الحالة الرابعة فإن الاختصاص الحصري يكون للنائب العام لدى المحكمة العليا متصرفا بناء على طلب وزير العدل، ويرجع ذلك إلى أن الحالات الثلاثة الأولى هي حالات منضبطة عكس الحالة الرابعة التي هي حالة عامة ومعقدة.
7-             من حيث إجراءات إعادة النظر فبعد سماع مرافعات النيابة والخصوم، تنظر المحكمة في مدى توافر الشروط الشكلية لرفع الالتماس والمتمثل في رسالة أو عريضة تقدم من طرف كل من وزير العدل أو المحكوم عليه يبين فيها الحكم المطلوب إعادة النظر فيه والوجه الذي يستند إليه، ويكون مرفقا بالمستندات المؤيدة له، وكذا البحث فيما إذا كان الحكم المطعون فيه حائزا لقوة الشيء المقضي فيه، كما يتم بحث ما إذا كان وجه الطعن من بين الحالات المذكورة في القانون، وأن رافع الطعن من الأشخاص الذين يسمح لهم القانون بذلك، وما إذا كان الطلب قد استوفى إجراءات تقديمه، هذا من حيث الشكل، ثم تنتقل المحكمة إلى الموضوع فتتأكد من صحة الوجه المثار ( عن طريق التحقيق بنفسها أو بندب من يقوم بذلك) فإذا تأكد لها ذلك قضت بإلغاء الحكم وببراءة المتهم، ويذهب جمهور الشراح إلى أن المحكمة تتقيد بالأوجه المثارة عكس محكمة النقض الفرنسية التي ترى عكس ذلك بناء على أن القانون سمح للمحكمة بإجراء التحقيق ومن ثم يجوز لها إثارة أي وجه آخر تراه من خلال التحقيق.
8-             من حيث آثار التماس إعادة النظر فإنه إذا كان الحكم المطلوب إعادة النظر فيه لم ينفذ بعد فإن تنفيذه يتوقف بقوة القانون من تاريخ إحالة الطلب من طرف وزير العدل إلى المحكمة العليا، وإذا كان محبوسا قبل تنفيذ العقوبة قبل إحالة طلبه على المحكمة العليا فإن يمكن وقف تنفيذ العقوبة بناء على أمر من وزير العدل أو من وزير الدفاع الوطني (م225 ق.ق.ع) كما تستطيع المحكمة العليا بعد إحالة الطلب لديها أن توقف تنفيذ الحكم بواسطة قرار، هذا قبل الفصل في الالتماس أما بعد الفصل فإن قرار المحكمة العليا ببراءة المحكوم عليه يمحو عنه كل آثار الإدانة التأديبية والجزائية والمادية، فتعاد المصاريف والغرامة إن كانت قد نفذت، وترد الأشياء المصادرة، ويمنح للمحكوم عليه أو لذوي حقوقه تعويضات عن الضرر المعنوي والمادي، وتتحمل الدولة تلك التعويضات وكل المصاريف (مثل مصاريف نشر الحكم) ويحق للدولة الرجوع على الطرف المدني أو المبلغ أو الشاهد زورا، ثم إن قرار البراءة الصادر في التماس إعادة النظر ينشر في دائرة اختصاص المحكمة التي أصدرت الحكم، وفي دائرة المكان الذي ارتكبت فيه الجناية أو الجنحة، وفي دائرة محل سكنى الملتمس، وآخر محل سكن له إذا توفي، ولا يتم ذلك إلا بناء على طلب الملتمس، كما ينشر عن طريق الصحافة في ثلاث جرائد تابعة لدائرة اختصاص المحكمة التي أصدرت الحكم. أما الملتمس الذي يخسر دعواه فيتحمل كامل المصاريف.
 
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: محاضرات في قانون القضاء العسكري الجزائري

مُساهمة من طرف أم أحمد في الإثنين 06 نوفمبر 2017, 18:35

بارك الله فيك

أم أحمد
عضو


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى