عن قابلية أعمال المجلس الدستوري لرقابة القاضي الإداري _ تعليق على قرار صادر عن مجلس الدولة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

عن قابلية أعمال المجلس الدستوري لرقابة القاضي الإداري _ تعليق على قرار صادر عن مجلس الدولة

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 27 أغسطس 2017, 11:22

عن قابلية أعمال المجلس الدستوري لرقابة القاضي الإداري
تعليق على قرار صادر عن مجلس الدولة
بقلم الأستاذ: غناي رمضان
كلية العلوم القانونية
جامعة بومرداس
        نشرت مجلة مجلس الدولة في عددها الأول ص: 142 قرارا مؤرخا في 2001/11/12 قضى فيه مجلس الدولة برفض اختصاصه للفصل في دعوى إلغاء قرار صادر عن المجلس الدستوري الذي رفض ملف ترشح الطاعن للانتخابات الرئاسية لعدم إثبات مشاركته في ثورة التحرير الوطني مثلما تقتضيه المادة 73 من الدستور.
        رفض مجلس الدولة الاختصاص بدعوى أن القرار المطعون فيه هو من "الأعمال الدستورية" التي "لا تخضع نظرا لطبيعتها لمراقبة مجلس الدولة".
        تضمن هذا القرار حيثيتين أساسيتين تحملان دلالات مهمة:
- جاء في الحيثية الرابعة ما يلي:"حيث أنه من الثابت أن المجلس الدستوري مكلف بموجب أحكام المادة 163 من الدستور بالسهر على صحة عمليات انتخاب رئيس الجمهورية ومنها مراقبة الشروط المحددة في المادة 73 من الدستور وتفسيرها".
- بينما جاء في الحيثية الخامسة ما يلي:"حيث أن القرارات الصادرة في هذا الإطار تندرج ضمن الأعمال الدستورية للمجلس الدستوري والتي لا تخضع نظرا لطبيعتها لمراقبة مجلس الدولة كما استقر عليه اجتهاده مما يتعين التصريح بعدم اختصاصه للفصل في الطعن المرفوع".
        يتبين بوضوح أن مجلس الدولة استبعد الأعمال الدستورية من رقابته.
        أثار هذا القرار وقت صدوره انتقادات بعض الصحافة الوطنية مفادها أن موقف مجلس الدولة أملته الاعتبارات السياسية وأنه يفتقر للأساس القانوني.
        هل عدم اختصاص مجلس الدولة هو فعلا منعدم الأساس القانوني؟
        وهل التسبيب المأخوذ به في قرار مجلس الدولة هو تسبيب موفق ومناسب؟
        إن محاولة الإجابة على هذين التساؤلين تقتضي جرد أعمال المجلس الدستوري قصد التأكد من طبيعتها القانونية، ومنه التأكد من مدى قابلية كل فئة منها لرقابة القاضي الإداري.
        أعمال المجلس الدستوري تختلف من حيث طبيعتها باختلاف الاختصاص الذي تأتي بمناسبة ممارسته، فهي إما أن تكون أعمالا تتعلق بالرقابة الدستورية (أولا) أو بمراقبة صحة العمليات الانتخابية (ثانيا) أو أنها صادرة عن المجلس بصفته هيئة مكلفة بالمعاينات وتقديم الاستشارة (ثالثا).
        أولا: عن قابلية أعمال الرقابة الدستورية لرقابة القاضي الإداري:
        المجلس الدستوري هو مؤسسة دستورية صنفها المؤسس الدستوري ضمن المؤسسات الرقابية والاستشارية (1) بصفته هيئة رقابية يضطلع المجلس دون سواه باختصاص الرقابة الدستورية على القوانين والمعاهدات والتنظيمات طبقا لنص المادة 165 دستور.
        بمناسبة ممارسته لهذا الاختصاص يصدر المجلس الدستوري أعماله في شكل قرارات وآراء:
- قرارات الرقابة الدستورية: يصدرها المجلس الدستوري بمناسبة ممارسة الرقابة الدستورية للمعاهدات والقوانين والتنظيمات عندما تكون واجبة التنفيذ (م 165 فقرة 1) أي بعد إصدارها من قبل رئيس الجمهورية و نشرها في الجريدة الرسمية(2).
        قوة الإلزام في هذه القرارات تتمثل في فقدان النصوص التشريعية والتنظيمية غير الدستورية لجميع أثارها من تاريخ إصدار المجلس لقراره (م169) وعدم إمكان تصديق رئيس الجمهورية على الاتفاقيات المخالفة لإحكام الدستور (م 168).
        طبيعة هذه القرارات هي مستمدة من طبيعة الاختصاص الذي صدرت بشأنه فهي من أعمال الرقابة الدستورية، هذه الأعمال غير قابلة لرقابة القاضي الإداري لما يذكر لاحقا من أسباب،  مثلها مثل الآراء الصادرة عنه في إطار الرقابة الدستورية .
- آراء الرقابة الدستورية: عكس ما يتبادر للذهن فإن الآراء التي يصدرها المجلس الدستوري لا تتعلق فقط بالأعمال التي يأتيها بصفته هيئة استشارية و إنما تتعلق كذلك بأعمال يصدرها هذا المجلس بصفته هيئة رقابية.
        يصدرها المجلس الدستوري بمناسبة ممارسته لــــ:
- الرقابة الاختيارية لدستورية المعاهدات والقوانين والتنظيمات عندما تكون غير واجبة التنفيذ (م 165 فقرة 1 دستور)، تدعى بأنها اختيارية لكونها مرتبطة بالسلطة التقديرية التي يتمتع بها الرؤساء الثلاث في إخطار المجلس الدستوري(3).
- الرقابة الوجوبية لدستورية القوانين العضوية والأنظمة الداخلية لغرفتي البرلمان (م 165 فقرة 2و 3 دستور)، تدعى وجوبية لأن إصدار القوانين العضوية من قبل رئيس الجمهورية لا تكون ممكنة إلا بعد خضوعها لرقابة المطابقة الدستورية من طرف المجلس لدستوري .
        هذه الآراء تكتسي قوة الإلزام بحيث يترتب عنها عدم إمكان تصديق رئيس الجمهورية على الاتفاقية غير الدستورية (م 168) وفقدان النصوص التشريعية والتنظيمية المصرح بعدم دستوريتها لجميع أثارها ابتداء من يوم صدور رأي المجلس الدستوري (م 169).
        طبيعة هذه الآراء مستمدة من طبيعة الاختصاص الذي جاءت بمناسبة ممارسته فهي أعمال تتعلق بالرقابة الدستورية مثلها مثل القرارات السالفة الذكر.
        مهما اختلفت تسمياتها فإن أعمال المجلس الدستوري المرتبطة بممارسة اختصاص الرقابة الدستورية (آراء أو قرارات) لا يمكن أن تكون محل رقابة قضائية للأسباب التالية:
- أن الرقابة القضائية على هذه الأعمال تعتبر بمثابة ممارسة غير مباشرة للرقابة الدستورية التي هي بموجب أحكام الدستور احتكار على المجلس الدستوري، وبالتالي تعتبر هذه الرقابة من قبيل تجاوز سلطة هذا المجلس من جهة و تجاوز القاضي الإداري لاختصاصاته من جهة أخرى.
- أن اختصاصات جهات القضاء الإداري محددة على وجه الحصر في القوانين الوضعية ولاسيما القانون العضوي المنظم لمجلس الدولة والقانون المنظم للمحاكم الإدارية ولا يوجد بهذه القوانين ما يفيد بأن هذه الجهات هي مختصة تجاه أعمال المجلس الدستوري الصادرة عنه في إطار ممارسة الرقابة الدستورية ولو كان العكس صحيحا لكرس المؤسس الدستوري ذلك كما فعله بالنسبة لقرارات مجلس المحاسبة التي يجوز بصريح نص المادة 801 من القانون رقم 98-01 الطعن فيها بالنقض أمام مجلس الدولة.
- أن السلطة القضائية كغيرها من السلطات العمومية هي ملزمة بآراء وقرارات المجلس الدستوري وهذا ما تنص عليه صراحة المادة 49 من النظام الداخلي للمجلس الدستوري التي تقرر بأن " آراء و قرارات المجلس الدستوري ملزمة لكافة السلطات العمومية و القضائية و الإدارية ..."، وإذا كانت الجهات القضائية ملزمة بآراء وقرارات المجلس الدستوري فإنه من باب تحصيل الحاصل القول بأنه لا يمكنها رقابة أعماله سواء بالإلغاء أو التعديل. الملزم مجبر على الاحترام و التنفيذ لا الرقابة و التقييد.
        إن آراء وقرارات المجلس الدستوري هي بصريح المادة السالفة الذكر غير قابلة لأي طعن.
        إن "آراء وقرارات المجلس الدستوري ملزمة للسلطات العمومية والقضائية والإدارية وهي غير قابلة لأي طعن".
- أنه تكريسا لمبدأ عدم قابلية الطعن قضائيا في قرارات وآراء المجلس الدستوري اتخذ هذا الأخير في إحدى قراراته موقفا أكد فيه بأن أعماله القانونية"تكتسي الصبغة النهائية و ذات النفاذ الفوري و تلزم كل السلطات"(4).
        قد يتساءل البعض عن القيمة القانونية لهذا النظام الداخلي، ينبغي القول بأن هذا النظام في غياب قانون عضوي ينظم نشاط المجلس الدستوري يعتبر أهم مصدر قانوني يحدد قواعد عمل المجلس الدستوري، هذا النظام هو منشور في الجريدة الرسمية بهذه الصفة و ليس مفرغا في شكل قانون أو مرسوم(5).
        إن القيمة القانونية لهذا النظام مستمدة من نص المادة 167 فقرة 2 من الدستور التي تكرس حق المجلس الدستوري في تحديد "قواعد عمله".
        إن غياب قانون عضوي يحدد اختصاصات وقواعد عمل المجلس الدستوري يرجع في رأينا إلى مجموعة من الاعتبارات:
- أن المؤسس الدستوري هو الذي حدد ونظم بشكل دقيق اختصاصات المجلس الدستوري مما يغني عن صدور قانون في هذا الشأن.
- أن البرلمان وفق القراءة الضيقة لنصوص الدستور هو غير مختص في تنظيم اختصاصات وقواعد عمل المجلس الدستوري، ذلك أن مجالات القانون محددة دستوريا على وجه الحصر سواء بالنسبة لمجالات القوانين العادية أو القوانين العضوية، ولأنه لا يوجد نص دستوري صريح يفيد اختصاص البرلمان، بالعكس فإن تكريس الدستور لحق المجلس الدستوري في تحديد قواعد عمله يستبعد ضمنيا اختصاص البرلمان.
- إن المؤسس الدستوري يكون قد تعمد هذا الوضع قصد منح المجلس الدستوري ضمانات الاستقلالية المطلوبة تجاه السلطات الثلاث. هذه الاستقلالية ضرورية لأن المجلس الدستوري هو مكلف بشكل خاص بمراقبة مدى مطابقة نشاط السلطتين التنفيذية والتشريعية لأحكام الدستور ( م 176).
        هذا القصد قد لا يتحقق عندما يخضع المجلس الدستوري لنظام قانوني من صنع البرلمان أو من صنع التشريع الفرعي الصادر عن السلطة التنفيذية(6)، ولتأكيد هذا سهر المشرع الدستوري على تحديد جميع اختصاصات المجلس الدستوري من جهة وتكريس مبدأ تحديد المجلس الدستوري لقواعد عمله من جهة أخرى، وهذا عكس ما سطره بالنسبة لمجلس المحاسبة إذ نصت الفقرة الأخيرة من المادة 170 فقرة 3 من الدستور على أنه:"يحدد القانون صلاحيات مجلس المحاسبة ويضبط تنظيمه وعمله وجزاء تحقيقاته "، علما بان مجلس المحاسبة هو بدوره مؤسسة دستورية رقابية ورد ذكرها في نفس الفصل المنظم للمجلس الدستوري.
        ثانيا: عن قابلية أعمال مراقبة صحة العمليات الانتخابية لرقابة القاضي الإداري:
        مراقبة صحة العمليات الانتخابية في أنواعها الثلاث رئاسية تشريعية واستفتاء هي من اختصاص المجلس الدستوري بموجب نص المادة 163 فقرة 2 دستور. في إطار ممارسة هذا الاختصاص يصدر المجلس الدستوري أعمالا تنتمي إلى فضاءات مختلفة فهي لا تخص عملية الاقتراع في مفهومها الضيق بل تمتد إلى ما قبلها وما بعدها من عمليات. هو الذي يقرر مدى استيفاء المترشحين للانتخابات الرئاسية لشروط المادة 73 من الدستور كما انه هو الجهة المكلفة بالفصل في المنازعات الانتخابية التشريعية والرئاسية والاستفتائية.
        أعمال رقابة استيفاء شروط المادة 73 دستور:
        هي قرارات يصدرها المجلس الدستوري في إطار مراقبته لصحة عمليات الانتخابات الرئاسية. تشترط المادة 73 دستور لقبول ملفات الترشح للانتخابات الرئاسية أن يستجيب أصحابها ليس فقط للشروط الثمانية المعدودة في صلب هذه المادة بل كذلك لشروط أخرى يحددها القانون(7).
        عملية التحقق من مدى استيفاء هذه الشروط تشكل بطبيعة الحال جزءا من عمليات الانتخابات الرئاسية في مفهومها الواسع و هذا ما يدخل في اختصاص المجلس الدستوري كما سبق بيانه. ومن جهة أخرى فإن هذا التحقق يستدعي إجراء مطابقة مع أحكام الدستور وهذا ما يختص به المجلس الدستوري.
        إن قرار المجلس الدستوري المعروض على رقابة مجلس الدولة في قضية الحال هو قرار ينتمي إلى هذه الفئة من الأعمال.
        هذه القرارات لا يمكن أن تكون محل رقابة مجلس الدولة ليس لأنها تندرج ضمن الأعمال الدستورية كما ذهب إليه قرار المجلس وإنما:
- لكونها أولا من أعمال المطابقة مع أحكام الدستور التي يختص بها المجلس الدستوري دون سواه من المؤسسات الدستورية. أعمال المطابقة الدستورية غير قابلة للرقابة القضائية كما سبق شرحه.
- ثانيا لكونها مرتبطة باختصاص مراقبة صحة العمليات الانتخابية التي هي من احتكار المجلس الدستوري بعد ما كانت من نصيب المحكمة العليا في غرفتها الإدارية في ظل دستور 1976 ومن نصيب لجنة وطنية في ظل دستور 1989.
        زد عن ذلك، فإن عدم قابلية هذه الأعمال للرقابة القضائية يمكن استخلاصها من مجموعة من الاعتبارات:
- إن الرقابة القضائية على هذه الأعمال قد تؤدي إلى ضرب مسعى المؤسس الدستوري الذي ضمانا للنزاهة المطلوبة في العمليات الانتخابية منح اختصاص مراقبة هذه العمليات إلى المجلس الدستوري للصفة التي يتحلى بها في كونه مؤسسة دستورية مستقلة يفترض أنها مؤهلة أكثر من غيرها لضمان هذه النزاهة.
- إن هذا الاختيار الدستوري يحسم مسالة عدم وجوب خضوع أعمال مراقبة العمليات الانتخابية لرقابة القاضي الإداري والعكس يكون صحيحا لو أن المؤسس الدستوري خول هذا الاختصاص إلى أجهزة السلطة التنفيذية أو أي سلطة مستقلة  (Cool بسبب أن أعمالهما تخضع لرقابة القاضي الإداري استعمالا لمختلف معايير الاختصاص القانونية والقضائية.
- إن عدم تحديد الدستور لحجية قرارات المجلس الدستوري الصادرة عنه في إطار ممارسة اختصاص مراقبة مدى صحة العمليات الانتخابية يدفع الباحث إلى الاستئناس بموقف المؤسس الدستوري الفرنسي في هذا الموضوع لاسيما وأن المجلس الدستوري الجزائري يماثل من حيث الاختصاص المجلس الدستوري الفرنسي الذي تعتبر قراراته في مجال مراقبة صحة العمليات الانتخابية نهائية بحكم المادة 60 من دستور الجمهورية الرابعة(9).
- إن رجال القانون يرفضون فكرة إخضاع قرارات المجلس الدستوري هذه لرقابة القاضي الإداري ذلك أن هذه القرارات لا تندرج ضمن المهام الإدارية، وإنما ضمن "النشاطات الدستورية" التي تباشرها السلطات العامة والتي تخرج بفعلها هذا "عن رقابة القضاء"(10).
        أعمال الفصل في المنازعات الانتخابية:
        يصدرها المجلس الدستوري بمناسبة الفصل في المنازعات الانتخابية عملا بالاختصاص المخول له في مراقبة صحة عمليات الاستفتاء والانتخابات التشريعية والرئاسية.
        لا جدال في أن المنازعة الانتخابية هي من صميم المنازعات الإدارية إلا أن تنظيمها يختلف من نظام قانوني إلى آخر تبعا لخصوصيات كل مجتمع. في الجزائر كرس المشرع نظاما قضائيا يتسم بتعدد واختلاف الجهات المختصة للفصل في المنازعات الانتخابية:
- بالنسبة للمنازعات المتعلقة بمشروعية عمليات التصويت في الانتخابات المحلية ولائية وبلدية تختص بها لجان انتخابية ولائية تتكون من ثلاثة قضاة مما يضفي عليها الطابع القضائي(11) (طبقا لنص المادة 71 من قانون الانتخابات تفصل هذه اللجان "بصفة نهائية" وقراراتها "لا تقبل أي طعن").
- بالنسبة للمنازعات المتعلقة بالقوائم الانتخابية من تسجيل وغيرها من مواطن النزاع فإن المحاكم العادية هي المختصة في حلها وهذا يعد في حد ذاته استثناء على مبدأ شمولية اختصاص القضاء الإداري في المنازعات الإدارية.
- بالنسبة للمنازعات المتعلقة بالانتخابات التشريعية والرئاسية والاستفتاء فإن المجلس الدستوري هو المختص بها بناء على نص المادة 163 فقرة 2 دستور، وكذا ما تضمنه قانون الانتخابات من أحكام تفصيلية.
        في إطار ممارسة هذا الاختصاص يصدر المجلس الدستوري قرارات ذات طبيعة قضائية لا شك في ذلك لاسيما بالنظر إلى طبيعة الإجراءات المتبعة أمامه من جهة ولكونه بدرجة أقل حل محل الغرفة الإدارية لدى المحكمة العليا فيما يتعلق بالاختصاص.
        هل طبيعة هذه القرارات لا تسمح برقابتها من طرف مجلس الدولة الذي يعتبر الجهة المقومة لأعمال جهات القضاء الإداري ؟
        إن رجال القانون يرفضون فكرة إخضاع قرارات المجلس الدستوري هذه لرقابة القاضي الإداري ذلك ان هذه القرارات كما يرى بعضهم هي "نهائية غير قابلة لأي طعن رغم عدم النص على ذل لبداهة الأمر.
        إن المجلس الدستوري بتشكيلته وبمكانته في قمة هرم مؤسسات الرقابة على المستوى الوطني يكون في مرتبة المحكمة العليا (مجلس الدولة صاحب الاختصاص حاليا) ومن ثم من غير المعقول إخضاع قراراته لرقابتها "(12) ( نفس الموقف اتخذه الأستاذ أحمد محيو بشأن قرارات اللجنة الوطنية أيام سيادتها)(13).
        صراحة هذا الموقف الفقهي لا يغني عن طرح التساؤل فيما يخص إمكانية الطعن بالنقض ضد قرارات اللجان الانتخابية والمجلس الدستوري عندما نتأكد بان نية المشرع عندما كرس عدم جواز الطعن في قرارات اللجان الولائية انصرفت إلى استبعاد إمكانية إحداث درجة ثانية للتقاضي في المنازعة الانتخابية ولم تنصرف إلى عدم جواز الطعن فيها عن طريق النقض.
        إذا كانت هذه اللجان وكذلك المجلس الدستوري بمثابة جهات قضائية من درجة أولى وأخيرة فإن أعمال الجهات القضائية الإدارية تخضع من غير شك إلى تقويم مجلس الدولة عن طريق الطعن بالنقض.
        ثالثا: مدى قابلية أعمال الاستشارة والمعاينات لرقابة القاضي الإداري:
        باعتباره هيئة استشارية يقدم المجلس الدستوري الاستشارات المطلوبة منه من قبل رئيس الجمهورية وفق الحالات والمسائل المذكورة في صلب الدستور كما أن المجلس الدستوري مكلف دستوريا دون غيره بإثبات بعض المعاينات.
        ممارسا لاختصاصه الاستشاري يفرغ المجلس أعماله في شكل آراء استشارية في حين أنه يصدر إعلانات لإثبات معايناته.
        الأعمال الاستشارية:
        يصدرها المجلس الدستوري في الحالات التالية:
- عندما يستشار من قبل رئيس الجمهورية بشأن إعلان حالتي الطوارئ والحصار وكذا الحالة الاستثنائية طبقا للمواد 90 فقرة 4 و 93 فقرة 2 دستور.
- عندما يستشار من قبل رئيس الجمهورية فيما إذا كان مشروع تعديل الدستور لا يمس بالمبادئ الدستورية العامة طبقا لنص المادة 176 دستور.
- عندما يستشار بشأن تمديد مهمة البرلمان عندما يتعذر إجراء انتخابات عادية لحدوث ظروف خطيرة طبقا للمادة 102 دستور.
        هذه الآراء وإن كانت لا تنتمي إلى فئة الآراء الصادرة عن المجلس الدستوري في إطار ممارسة الرقابة الدستورية فإنها رغم ذلك لا يمكن أن تكون موضوع رقابة القاضي الإداري لسببين اثنين:
- أنها مجرد آراء استشارية ليس بوسعها تغيير المراكز القانونية بمعنى أنها "لا تنتج آثارا قانونية في مواجهة من تعنيهم"(14) لكونها تفتقر إلى أهم مواصفات القرار الإداري وفق ما استقر عليه الاجتهاد القضائي ألا وهي خاصية النفاذ.
- أنها أعمال لاحقة لقرار رئيس الجمهورية الذي بواسطته يلتمس من المجلس الدستوري إبداء رأيه حول المسألة المعروضة عليه. هذا القرار هو قرار سيادي يمنحه الدستور خصيصا لرئيس الجمهورية الذي له سلطة الملاءمة في اتخاذه أو عدم اتخاذه دون أن يكون في ذلك معرضا للرقابة القضائية.
        استقر اجتهاد القضاء الإداري على اعتبار الأعمال اللاحقة للقرار الإداري مثلها مثل الأعمال السابقة له بمثابة أعمال غير قابلة لرقابة القاضي الإداري لأنها لا تلحق أذى بذاتها و إنما هي إما تحضير للقرار الإداري أو نتيجة له.
        إعلانات المجلس الدستوري:
        يصدرها المجلس الدستوري للإعلان عن:
- أسماء المترشحين للانتخابات الرئاسية( م 28 ن د).
- نتائج الاقتراع ( م 29 ن د).
- اسماء المترشحين الاثنين المدعويين للمشاركة في الدور الثاني عند الاقتضاء بطبيعة الحال.
- البت في حساب الحملة الانتخابية لكل مترشح للانتخابات الرئاسية (م 30 ن د).
- البت في حساب الحملة الانتخابية للمترشحين لانتخابات م ش و (م 43 ن د).
- النتائج النهائية الرسمية لعملية الاستفتاء (م 48 ن د).
- النتائج النهائية الرسمية لعملية الاستفتاء (م 48 ن د).
        تبدو هذه الأعمال وكأنها مستمدة من اختصاص المجلس الدستوري المتعلق بمراقبة مدى صحة العمليات الانتخابية، لكنها في الواقع تختلف عنها من حيث مصدرها القانوني، إذ أن أعمال مراقبة صحة العمليات الانتخابية مستمدة أولا وأساسا من أحكام الدستور، في حين أن إعلانات المجلس الدستوري مستمدة بشكل خاص من قانون الانتخابات والنظام الداخلي للمجلس بشكل خاص، لان الدستور ينص هو بدوره على بعض المعاينات.
        هذا بالإضافة إلى اختلاف قيمة كل منهما إذ ان أعمال مراقبة العمليات الانتخابية تتسم إما بكونها أعمالا قضائية وإما بكونها أعمال مطابقة مع أحكام الدستور بينما لا تتعدى إعلانات المجلس الدستوري عن إثبات واقع أو حالات معينة لكي تتصرف السلطات المعنية كما يجب قانونا.
        ليس هناك اجتهاد يكرس قابلية هذه القرارات لرقابة القاضي الإداري وفي نفس الوقت لا يمكن انطلاقا من خصوصيات هذه الأعمال الجزم بأنها غير قابلة للرقابة القضائية و هذا للاعتبارات التالية:
- أنها لا تتعلق بمراقبة المطابقة مع أحكام الدستور بقدر ما أنها تهدف إلى ضمان حسن تطبيق مقتضيات قانون الانتخابات.
- إن الآثار التي ترتبها بعض هذه الأعمال في حق الغير كالإعلانات المتعلقة بالبت في حساب الحملة الانتخابية للمترشحين لا يعقل أن تعفي هذه الأعمال من الرقابة القضائية.
- إذا كان من شأن المطابقة الدستورية أن تحصن قرارات المجلس الواردة في ظلها فإنه لا يعقل إفادة إعلانات المجلس بنفس الحصانة في حين انها تخرج عن مهام المطابقة الدستورية.
        يتبين من خلال جرد مختلف أعمال المجلس الدستوري التي يأتيها بمناسبة ممارسة اختصاصاته الدستورية أن هذه الأعمال تتباين فيما بينها من حيث طبيعتها القانونية فهي إما أن تكون مرتبطة بممارسة اختصاص الرقابة الدستورية أو باختصاص مراقبة صحة العمليات الانتخابية أو باختصاص تقديم الاستشارة والمعاينات.
        إن أسباب عدم قابليتها لرقابة القاضي الإداري تختلف في الحقيقة باختلاف طبيعة الاختصاص الذي تأتي في إطار ممارسته.
        إن التسبيب الذي أخذ به قرار مجلس الدولة يبدو تسبيبا غير مناسب لما ظهر من أسباب في معرض الحديث عن كل فئة من فئات أعمال المجلس الدستوري وكذا لما يلي من الاعتبارات:
- إن رفض الاختصاص بدعوى أن القرار المعروض على رقابة مجلس الدولة هو من "الأعمال الدستورية" هو رفض لا يتناسب مع ما لمجلس الدولة من اختصاص في رقابة أعمال مؤسسات دستورية أخرى كما هو الشأن بالنسبة لقرارات مجلس المحاسبة التي تقبل الطعن بالنقض ضدها أمام المجلس الموقر بموجب نص المادة 11 من القانون العضوي . نفس الملاحظة يمكن إبداؤها بالنسبة للقرارات التأديبية الصادرة عن المجلس الأعلى للقضاء التي اعترف مجلس الدولة باختصاصه لرقابتها كما تبينه قرارات مجلس الدولة المنشورة في العدد الأول من هذه المجلة.
        يستمد كل من مجلس المحاسبة والمجلس الأعلى للقضاء اختصاصاته من أحكام الدستور ولكن رغم ذلك يعترف مجلس الدولة باختصاصه للنظر في أعمالهما. ما يصلح من تسبيب للبعض ينبغي أن يصلح للكل و إلا صار غير موفق.
- إن مصطلح " الأعمال الدستورية " يفيد معنيين لدى عموم فقهاء القانون الدستوري: إما أن يكون العمل مطابقا لمقتضيات الدستور وإما مستمدا منه. إن الأعمال تصدر عن الأشخاص الطبيعية والمعنوية في حين أن الدستور ليس بطبيعة الحال شخصا من أشخاص القانون و لا يمكن أن تنسب إليه أعمال أيا كانت إلا من باب المجاز.
- إن طبيعة أعمال المؤسسات الدستورية هي طبيعة مستمدة من طبيعة الاختصاص الذي تأتي بمناسبة ممارسته. باختلاف طبيعة الاختصاصات تختلف طبيعة الأعمال ولذا كان من المستحسن أن يسبب مجلس الدولة رفض اختصاصه لا لكون القرار المعروض على رقابته هو من الأعمال الدستورية وإنما لكونه من أعمال الرقابة الدستورية التي يحتكرها المجلس الدستوري والتي لا يسمح الدستور الطعن فيها أمام أية جهة كانت. هذا بالإضافة إلى كون الاعتراف باختصاص مجلس الدولة يعني منح مجلس الدولة حق ممارسة الرقابة الدستورية بشكل غير مباشر لأن رقابة الرقابة الدستورية هي بكل بساطة رقابة دستورية وإذا ما حصل هذا الأمر فغنه يعد تجاوزا لسلطة المجلس الدستوري.
- إن المجلس الدستوري ليس جهة إدارية وإنما هو مؤسسة دستورية مستقلة مبدئيا عن السلطات الثلاث وأن هذه الاستقلالية ضرورية لضمان التوازنات الدستورية المطلوبة في كل مجتمع يستحق التقدير. إذا كانت الأعمال التي يصدرها المجلس الدستوري في إطار ممارسته لاختصاصاته في منأى عن رقابة مجلس الدولة فإن الأعمال التي يأتيها بصفته شخصا اعتباريا عاما يحتوي على أمانة عامة وموظفين ويتمتع بأهلية الوجوب والأداء هي أعمال تخضع بطبيعة الحال إلى رقابة القاضي الإداري.
        إن إثراء هذا الموضوع يستدعي من مجلس الدولة المزيد من الاجتهاد لتسطير قواعد قضائية من شأنها تغطية فراغات القانون مع العلم بأن قانون المنازعات الإدارية هو قانون قضائي بدرجة أولى.


الأستاذ غناي رمضان
كلية العلوم الحقوق
جامعة بومرداس
--------------
(1) وصف الأستاذ بن سهلة ثاني بن علي هيئة المجلس الدستوري الجزائري بأنه"نمط متأصل بخصوصياته" و أنه "أسلوب حديث في تطبيق الرقابة الدستورية"، مقال منشور في مجلة الإدارة الوطنية، 2001، رقم 22، تحت عنوان: "المجلس الدستوري بين الرقابتين السياسية والقضائية ودراسة مقارنة على ضوء التطور الدستوري في الجزائر"، ص 93.
(2)  طبقا للفقرة الثانية مادة أربعة من القانون المدني تكون القوانين نافذة المفعول بعد مضي يوم كامل من تاريخ نشرها في الجريدة الرسمية بالنسبة للجزائر العاصمة ويوم كامل من تاريخ وصول هذه الجريدة إلى مقر كل دائرة بالنسبة لنواحي الجمهورية الأخرى.
(3) طبقا للمادة 166 دستور يقتصر حق إخطار المجلس الدستوري على رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الشعبي ورئيس مجلس الأمة. إن فعالية هذه الرقابة تقتضي توسيع دائرة الأشخاص المؤهلين بإخطار المجلس الدستوري وقد يكون ذلك بتأهيل البرلمانيين وجهات القضاء.
(4) قرار رقم 01  مؤرخ في 06/08/1995،  ذكرته الأستاذة دبياش سهيلة في  بحثها لنيل شهادة الماجستير تحت عنوان " المجلس الدستوري و مجلس الدولة" كلية الحقوق بن عكنون ، ص 90.
(5) الجريدة الرسمية 06 أوت 2000 عدد 48 ص 27 إلى 32.
(6) نقول هذا مع كثير من التحفظ لان تنظيم المجلس الدستوري في ظل دستور 1989 عرف تدخل السلطة التنفيذية لاسيما بموجب المرسوم الرئاسي 89-143 المؤرخ في 7 أوت 1989 المتعلق بتحديد القواعد الخاصة لتنظيم المجلس الدستوري والقانون الأساسي لبعض موظفيه. تضمن هذا المرسوم إنشاء أمانة عامة ومصلحة إدارية على مستوى المجلس بالإضافة إلى اعتنائه بتنظيم مسائل تخص مركز رئيس المجلس كتنظيم حالة وفاته واستقالته. ترى الأستاذة ديباش بان السبب في هذا الاهتمام يرجع إلى "أهمية المهام المسندة" لرئيس المجلس " كإمكانية توليه لرئاسة الدولة عند ثبوت الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية وحصول مانع لرئيس مجلس الدولة" مرجع مذكور سابقا ص 26.
(7) تشترط المادة 73:  أن يكون المترشح من جنسية جزائرية أصلية  أن يدين بالإسلام  أن يبلغ من العمر 40 سنة فأكثر  أن يتمتع بكامل حقوقه المدنية والسياسية  أن يثبت الجنسية الجزائرية لزوجه  أن يثبت مشاركته في ثورة التحرير بالنسبة للمولودين قبل شهر جويليا 1942  أن يثبت عدم تورط أبويه في أعمال ضد ثورة التحرير بالنسبة للمولودين بعد شهر جويليا 1942  أن يقدم التصريح العلني بممتلكاته العقارية بالإضافة إلى هذه الشروط. تنص الفقرة الثانية من هذه المادة على إمكانية إضافة القانون لشروط أخرى.
(Cool السلطات المستقلة هي نوع جديد من المؤسسات التي تتكون منها الدولة، انظر مقال الأستاذ ناصر لباد "السلطات الإدارية المستقلة " مجلة  المدرسة الوطنية للإدارة 2001 عدد 21 ص 7 إلى 23.
(9) Jean Vincent et autres : la justice et ses institutions . Dalloz 1985  pp.478 à 486.
(10) محمد تقية : "مبدأ المشروعية و رقابة القضاء على أعمال الإدارة " ملتقى قضاة الغرف الإدارية .الديوان الوطني للأشغال التربوية 1992 ص 147.
(11)  ces commissions électorales sont de véritables juridictions comm le montre l’examen de leur composition et de leurs règles de fonctionnement . A . Mahiou « contenieux administratif opu 1979 p 45.
(12) (م) شيهوب " المبادئ العامة للمنازعات الإدارية " ديوان المطبوعات الحامعية طبعة 1999 ج 2 ص 231.
(13) cette commission est incontestablement une juridiction …..elle statue en premier et dernier ressort et ses décisions échappent au contrôle de la cour suprême….parcequ"elle est au même niveau que la cour suprême . précité p 47.
(14) فريدة ابركان " مدى رقابة القضاء على الأعمال الإدارية " ملتقى قضاة الغرف الإدارية .الديوان الوطني للأشغال التربوية 1992 ص 115.


avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى