الظروف المشددة في جريمة القتل بالنظر إلى الوسيلة المستعملة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الظروف المشددة في جريمة القتل بالنظر إلى الوسيلة المستعملة

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 31 ديسمبر 2009, 21:12


الظروف المشددة بالنظر إلى الوسيلة المستعملة:
إذا كانت القاعدة العامة أن المشرع لا يهتم بالوسيلة التي تتم بها الجريمة، إلا أنه قد يلجأ أحيانا لجعل الوسيلة التي تستخدم لارتكاب الجريمة ظرفا مشددا، وهذا ما سلكه المشرع الجزائري عند تناوله لجريمة القتل العمد باعتبارها من الجرائم ذات الوسيلة المطلقة، بمعنى أنها قد تتم باستعمال أية وسيلة دون تمييز ثم خرج عن هذا الأصل من خلال اقراره بالوسيلة المقيدة، إذ قرر المشرع الجزائري أن استخدام السم في القتل أو استخدام وسائل التعذيب وأعمال وحشية يضعنا أمام نموذج خاص جدير بعقوبة شديدة وخاصة، بل أكثر من ذلك جعل مثل هذه الظروف تغير من وصف الجريمة.
فاستعمال السم كوسيلة للقتل يغير الجريمة من قتل عمد (254-263/3 من ق.ع) وعقوبتها السجن المؤبد إلى التسميم (260-261) وعقوبتها الإعدام. فالتسميم في القانون الجزائري يشكل جريمة مستقلة وقائمة بذاتها عن جريمة القتل العمد سيما عدم اشتراط جريمة التسميم للنتيجة وهي إزهاق الروح التي تعد من الأركان الأساسية لقيام جريمة القتل العمد، وهذا ما سوف نتناوله بالشرح في المطلب الأول .
ثم أن استعمال وسائل التعذيب والأعمال الوحشية يغير الجريمة من قتل عمد إلى قتل مكيف على أساس أنه اغتيال وهذا ما يتضح من نص المادة 262 ق.ع باللغة الفرنسية وهذا ما سوف نتطرق إليه في المطلب الثاني.
وقبل تفصيل ذلك تجدر بنا الملاحظة أن استخدام السم لو لم يستثنيه المشرع بنص خاص لكان حسب اعتقادنا داخلا في عموم استعمال وسائل التعذيب والأعمال الوحشية.
------------
(1) راجع الموسوعة القضائية (قرص مضغوط (CD بتاريخ/03/2003.
المطلب الأول: التسميم .
تنص المادة 260 ق.ع على مايلي: "التسميم هو الإعتداء على حياة إنسان بتأثير مواد يمكن أن تؤدي إلى الوفاة عاجلا أو آجلا أيا كان استعمال أو إعطاء هذه المواد ومهما كانت النتائج التي تؤدي إليها".
لقد اعتبر المشرع الجزائري استخدام المواد السامة كوسيلة للقتل جدير بالتشديد من غيره من الوسائل الأخرى ذلك أن القتل باستخدام وسائل سامة يدل على غدر ونذالة لا مثيل لهما في صور القتل الأخرى، فضلا عن سهولة تنفيذها وإخفاء آثارها ذلك أن المجني عليه في هذه الجريمة غالبا ما يتناول هذه المادة السامة ممن يثق فيهم ويأمن لهم.
لذلك لقد صدر قرار عن الغرفة الجنائية بالمحكمة العليا بتاريخ 09 ديسمبر 1980 في الطعن رقم 218-23 جاء فيه :"إن الوسيلة المستعملة في القتل لا تعد ظرفا مشددا فيما عدا التسميم الذي له حكم خاص" (1).
فهذا الإجتهاد يؤكد ما سبق وأن ذكرناه في مقدمة هذا المبحث من أن جريمة القتل من الجرائم ذات الوسيلة المطلقة بمعنى أنها تتم باستخدام أية وسيلة، إلا أن المشرع قد خرج على هذا الأصل وقرر أن استخدام السم في القتل يضعنا أمام نموذج خاص جديد بعقوبة شديدة وخاصة، فجريمة التسميم إذن من الجرائم ذات الوسيلة المقيدة.
على أن المشرع الجزائري على غرار المشرع الفرنسي لم يشأ أن يجعل من جريمة القتل بالسم جريمة تتحد مع جريمة القتل العمد في كل عناصرها وتتميز عنها فقط بعنصر الوسيلة، وإنما جعلها جريمة شكلية العبرة فيها باستخدام المادة السامة ولو لم تتم الوفاة بالفعل لذلك فإن جريمة التسميم تعتبر تامة لا مجرد شروع بمجرد استخدام السم ووضعه في متناول المجني عليه. فالنتيجة لا تتحقق بالقضاء على الحياة (بإزهاق الروح) شأن جريمة القتل العمد. وإنما يكفي لتحقق النتيجة الاعتداء بواسطة المادة السامة وهذا ما أكده الإجتهاد السابق الذكر عندما ذكر أن التسميم له حكم خاص وسوف نفصل كل ما سبق ذكره فيما يلي:
الفرع الأول: شروط تطبيق المادة 260.ق.ع .
I- الوسيلة المستعملة .
تشترط المادة 260 ق.ع وقوع الإعتداء على حياة إنسان بتأثير مواد يمكن أن تؤدي إلى الوفاة عاجلا أو آجلا (2).
أول تساؤل تطرحه هذه المادة هو ما هي طبيعة المواد المستعملة ؟
بالرجوع إلى نص المادة السابقة الذكر نلاحظ أن المشرع لم يحدد صراحة طبيعة المواد المستعملة مكتفيا بقوله: "مواد يمكن أن تؤدي إلى الوفاة … "
------------
(1) أنظر جيلالي بغدادي. الإجتهاد القضائي في المواد الجزائية الجزء الأول الطبعة الأولى الديوان الوطني للأشغال التربوية 2002.ص 258.
(2) تقابلها المادة 233 ق.عقوبات مصري والتي تستعمل مصطلح جواهر+المادة 301 ق.ع فرنسي المعدلة بموجب المادة 221/05

وقد أثارت مسألة طبيعة المواد المستعملة جدلا واختلافا في الفقه الفرنسي (1) إلا أن الراجح في الجزائر فقها (2) وقضاءا أنه لكي ينطبق نص المادة 260 ق.ع يجب أن تكون المادة القاتلة سامة وهذا ما يستشف من سياق النص بقوله "التسميم".
كما أن المادة 260 ق.ع لا تتضمن وصف للمواد السامة، إلا أنه يشترط أن تكون صالحة بطبيعتها لإحداث نتيجة القتل ولا يهم بعد ذلك وقوع النتيجة حتما، وهذا ما يستشف من قوله: "يمكن أن … "بمعنى أنه قد يخيب أثرها كون الكمية المقدمة للمجني عليه غير كافية للقتل أو لعدم تناول المجني عليه للسم المقدم إليه، ففي كل هذه الأحوال يعاقب الجاني على أساس الشروع في جريمة القتل بالتسميم وهذا ما جرى عليه القضاء بأن الجريمة تعتبر خائبة لا مستحيلة.
وتطبيقا لذلك قضي في مصر (3) "أنه متى كانت المادة المستعملة للتسميم صالحة بطبيعتها لإحداث النتيجة المبتغاة فلا محل للأخذ بنظرية الجريمة المستحيلة، لأن مقتضى القول بهذه النظرية ألا يكون في الإمكان تحقق الجريمة مطلقا لإنعدام الغاية التي ارتكبت من أجلها الجريمة أو لعدم صلاحية الوسيلة التي استخدمت في ارتكابها. أما كون هذه المادة – سلفات النحاس- لا تحدث التسميم إلا إذا أخذت بكمية كبيرة وكونها يندر استعمالها في التسميم الجنائي لخواصها الظاهرة، فهذا كله لا يفيد استحالة تحقق الجريمة بواسطة تلك المادة، وإنما هي ظروف خارجة عن إرادة الجاني".
وبمفهوم المخالفة لما سبق ذكره فإنه إذا تم تقديم للمجني عليه مادة غير سامة وغير ضارة وكان الجاني يعتقد أنها مادة سامة، وقصد من ذلك قتل المجني عليه، إلا أن الوفاة لم تحدث لعدم صلاحية الوسيلة للقتل، فهنا الجاني لا يمكن أن يسأل لا عن جريمة القتل بالتسميم ولا الشروع فيها على أساس أن أهم ركن من أركان هذه الجريمة وهو الوسيلة المستعملة والتي يجب أن تكون صالحة بطبيعتها لإحداث نتيجة القتل لم تتوفر وأنه طبقا للقواعد العامة إذا إنتفى عنصر من عناصر قيام الجريمة إنتفت بذلك الجريمة وتبعا لذلك تنتفي المسؤولية. وعليه فإن عدم صلاحية الوسيلة المستعملة لإحداث القتل على حسب ما ورد في نص المادة 260 ق.ع يؤدي إلى عدم مساءلة الجاني في المثال السابق عن جريمة قتل بالتسميم ولا الشروع فيها حتى إن كانت نيته قد اتجهت إلى القتل فعلا.
وإن القول بأنه يجب أن تكون المادة بطبيعتها صالحة لإحداث التسميم فهذا يعني حسب بعض الفقهاء (4) أنه يمكن أن تكون المادة غير سامة ولكن إذا ما أضيفت لها مادة أخرى أصبحت كذلك كمادة الأنتيمونيا المعدنية فهي غير سامة بطبيعتها ولكنها تصبح سامة متى أخلطت بالنبيذ ومن ثمة نأخذ حكم المادة السامة، وعلى العكس من ذلك فقد تكون المادة سامة بطبيعتها ولكنها عندما يضاف إليها مادة أخرى تزيل أثرها السام وتصبح بالتالي مادة غير سامة.
------------
(1) إذ ذهب رأي من الفقه إلى تطبيق حكم المادة 301 على القتل الذي يحدث باستعمال مادة يمكن أن تؤدي إلى الوفاة وهذا ما يستشف من عموم النص الذي لم يتطلب أن تكون تلك المادة سامة وعليه فالعقوبة تشدد سواء كانت المادة سامة أو غير سامة ولكنها قاتلة. أما الرأي الراجح فذهب إلى قصد تطبيق المادة 301 على حالة استعمال المادة السامة، لأن المشرع أشار إلى عبارة "القتل بالسم" لذلك فإن المحاكم الفرنسية تميل إلى هذا الرأي فقد اعتبرت قتلا عمدا لا قتلا بالتسميم. إعطاء زوجة لزوجها كمية كبيرة من الخمر تفصد قتله فمات فعلا. أنظر الدكتور علي عبد القادر القهوجي + فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 79.
(2) أنظر الدكتور أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 33 + د.عبد المجيد زعلاني قانون عقوبات خاص مطبعة الكاهنة الجزائري 2000 ص.86.
(3) أنظر إلى سيد البغال المرجع السابق ص 139 + د.أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 33 و 34.
(4) أنظر الدكتور علي عبدالقادر القهوجي والدكتور فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 81.

فالأمر إذن يتعلق بدراسة كل حالة على حدى لمعرفة ما إذا كانت المادة التي استعملت سامة أو غير سامة وأن تحديد هذا الأمر مسألة فنية يجوز فيها للقاضي أن يستعين برأي أهل الخبرة كالخبراء في السموم والكيميائيين والأطباء.
والمواد السامة قد تكون حيوانية – كسم الثعابين- أو معدنية – كالزرنيخ وسلفات النحاس- أو نباتية – كالكوكايين- كما قد تكون صلبة أو سائلة أو غازية.
* استعمال المادة السامة:
لم يحدد المشرع الجزائري طريقة استعمال المواد السامة وهذا ما أقرته المادة 260 ق.ع. بقولها: "أيا كان استعمال أو إعطاء هذه المواد … " وعلى هذا الأساس فلا فرق بين ما إذا وضعت هذه المواد في طعام أو شراب أو دواء ولا يهم إن كان المجني عليه تناولها عن طريق الفم أو الأنف أو الحقن، ولا أهمية كذلك أن يقدم دفعة واحدة أو على دفعات متقاربة.
ب-النتيجة :
ليس من الضروري لتكون جناية القتل بالتسميم قائمة أن تتوفى الضحية، فالإعتداء كاف بمفرده، فالمهم هو استعمال المواد السامة، ولا تهم بعد ذلك النتيجة فنص المادة 260 ق.ع صريح في ذلك بقوله "مهما كانت النتائج التي تؤدي إلى ذلك".
وعلى هذا الأساس متى تناولت الضحية المواد السامة تكون الجريمة تامة مهما كانت النتيجة والآثار المترتبة عنها (1) كأن تنجو الضحية من الوفاة أو لم يصبها مكروه لتناولها سائلا ضد السم أو ناولها إياه مرتكب جناية التسميم أو لأي دافع آخر فإن الجريمة تبقى قائمة.
فمعنى هذا أن الجاني طبقا لقانون العقوبات الجزائري يعد مسؤولا عن فعلته بمجرد وضع السم تحت تصرف المجني عليه وتناول هذا الأخير إياه ولو عدل الجاني بعد ذلك عدولا اختياريا وكشف عما فعله للمجني عليه وأسعفه بالعلاج.
أما إذا تدخل قبل تناول الضحية لهذه المواد فإن المحاولة لا توجد لكون الجريمة لم تحدث للعدول الإختياري والإرادي للفاعل.
وعليه فيسأل عن الشروع من وضع السم في متناول المجني عليه، ولم يتناوله لأسباب مستقلة عن إرادة الجاني (2) كما يسأل عن الشروع أيضا من يعطي خطأ مادة سامة بكمية ضعيفة.
ج- العلاقة السببية :
لكي يكتمل النشاط المادي لجريمة القتل بالتسميم فلا بد أن تتوافر الرابطة السببية بين تقديم المادة السامة والنتيجة التي حصلت فإذا انتفت هذه الرابطة فلا يعاقب الفاعل على جريمة القتل بالتسميم (3).
------------
(1) أما القانون المصري فإن الجريمة تعد تامة متى حدثت الوفاة نتيجة تناول المجني عليه.أنظر الدكتور سيد البغال المرجع السابق ص 138 و 139.
(2) أنظر الأستاذ شيخ لحسين + الدكتور أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 39.
(3) أنظر الدكتور أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 34.

إلا أن إشتراط علاقة السببية في جريمة القتل بالتسميم، كانت محل نقاش في مصر (1)، وذلك بمناسبة قضية تتلخص وقائعها في أن شخص عزم على قتل أخته (هانم) نظرا لسوء سلوكها فوضع زرنيخا في قطعة حلوى ثم انتهز فرصة وجودها معه بالحقل فأعطاها الحلوى لتأكلها ولكنها أخذتها معها إلى المنزل وفي الصباح عثرت إبنة عمها (ندا) على تلك الحلوى فأكلت منها جزءا وسألت هانم عنها فأخبرتها هذه أن أخاها أعطاها لها، كما عرضت عليها أن تأخذها لتأكلها هي وأختها (فهيمة)، وبعد ذلك أكلت منها فهيمة أيضا وما لبث أن ظهرت أعراض التسميم على البنتين فماتت فهيمة وشفيت ندا وقدم المتهم للمحاكمة فبرأته محكمة الجنايات من تهمتي قتل فهيمة عمدا والشروع في قتل ندا وقد أيدت محكمة النقض المصرية محكمة الجنايات فيما ذهبت إليه.
فهذا الحكم كان محل تأييد من بعض الشراح المصريين وذهبوا إلى تعليل ذلك بالقول بعدم قيام مسؤولية الجاني عن قتل فهيمة وندا لإنقطاع علاقة السببية بين فعله وإصابة إحداهما ووفاة الأخرى. وذلك بتدخل إرادة المجني عليها المقصودة كعامل شاذ في حدوث تلك النتيجة.
في حين جانب آخر من الشراح المصريين ذهبوا إلى القول بأن الجاني يسأل عما وقع لكل من فهيمة وندى لأنه بفعله جعل المادة السامة تحت تصرف البنتين وأن الواقعة لا تخرج عن كونها غلط في شخص المجني عليها.
واعتبارا لما سبق فإننا نرى وأن اشتراط علاقة سببية في جناية القتل بالتسميم يتعارض فعلا مع فكرة الغلط في الشخص المجني عليها التي لا عبرة لها في قيام مسؤولية الجاني في القانون الجزائري، إذا توافرت نية القتل طبعا.
وإن فكرة الغلط في شخص المجني عليه هي تطبيقا لمسألة القصد الإحتمالي الذي يقتضي أن يسأل الجاني عن النتائج المحتمل وقوعها بمناسبة ارتكابه لجريمة معينة حتى وإن لم يكن يقصد اتيانها، وهذا ما حدث في المثال السابق.
وعلى هذا الأساس فإن الجاني في المثال السابق الذكر وطبقا للتشريع الجزائري يكون مرتكبا لجناية تسميم كل من فهيمة وندا على أساس أنه لا عبرة للغلط في شخص المجني عليه طالما لديه نية القتل والشروع في تسميم هانم.
د-نية القتل:
يستوجب التسميم توفر نية القتل، أي يتعين توفر القصد الجنائي بعنصرية العلم والإرادة، إذ يجب أن ينصرف علم الجاني إلى أن وسيلته في القتل هي مادة سامة وأنه يريد تحقيق النتيجة باستخدامها، وعليه إذا انتفى عنصر العلم والإرادة انتفت بذلك جريمة التسميم ولكن قد تقوم جريمة القتل الخطأ -قتل بالإهمال- مثال ذلك أن يخطىء الصيدلي فيضيف إلى الدواء مادة سامة فيتناولها المريض فيموت أو يزيد من كمية المادة السامة في تركيبة الدواء.
أو تقوم جريمة إعطاء مواد ضارة كاعتقاد الجاني على غير الحقيقة أن المادة ضارة لا سامة ويقدمها المجني عليه فلا يتناولها. كما تقوم نفس الجريمة في حالة تقديم الجاني للمجني عليه مادة سامة مع علمه بحقيقتها دون أن يقصد بذلك قتله فإنه إذا أضفى فعله إلى الموت فيسأل عن جريمة إعطاء مادة ضارة أفضت إلى الموت طبقا للمادة 275 لفقرة الأخيرة من قانون العقوبات.
------------
(1) أنظر سيد البغال المرجع السابق ص 140 و 141.
* النية غير المحددة في جريمة التسميم:
تتحقق جناية القتل بالتسميم، ولو كانت نية الجاني غير محدودة أي ولو كان لم يقصد قتل شخص معنيا بذاته. وبالتالي يعد قاتلا بالتسميم من يضع سما في بئر يسقي منه عامة الناس سواء ترتب عن فعلة هذا موت شخص أو أكثر أو لم يترتب عليه ذلك.
* الخطأ في شخص المجني عليه:
متى توفرت نية القتل فإن الغلط في شخص المجني عليه لا ينفي قيام جريمة القتل بالتسميم، وعلى ذلك يعد قاتلا بالتسميم من يضع طعاما أو شرابا مسموما تحت تصرف شخص معين فيقوم آخر ويتناوله ويموت بسببه، إذ يعتبر موت هذا الشخص الآخر داخلا في القصد الإحتمالي للجاني وهذا ما سبق شرحه عندما تطرقنا لفكرة العلاقة السببية وتعارضها مع فكرة الغلط في شخص المجني عليه.
الفرع الثاني: إثبات التسميم وبيانه في الحكم :
- إثبات التسميم مسألة موضوعية تخضع للقواعد العامة في الإثبات، فللمحكمة أن تلجأ إلى الخبرة الطبية الشرعية ذات الأهمية القصوى في هذه المسألة الفنية المحضة فضلا على القرائن والإمارات وشهادة الشهود.
- ويقع عبئ الإثبات على النيابة العامة، ولقاضي الموضوع السلطة التقديرية بعد ذلك.
- وإن حكم القاضي بإدانة المتهم بجريمة القتل بالتسميم فلا بد أن يستظهر في حكمه الأسئلة المتعلقة بأركان الجريمة، سيما الوسيلة التي استعملها الجاني وهل كان يعلم أن المادة يمكن أن تؤدي إلى الوفاة وهل كان يقصد الإعتداء على حياة الضحية.
- فلا يشترط في جريمة التسميم أن يطرح سؤال عن فعلية القتل ثم سؤال آخر مستقل ومميز عن استعمال المواد السامة. وقد جاء في قرار صادر عن المحكمة العليا بتاريخ 22 جوان 1993 (1).
"إن جريمة القتل بالتسميم هي جريمة خاصة بذاتها كاملة في تعريفها وذلك من خلال الوصف الذي منحه إياها القانون، وإن استعمال المادة السامة هو عنصر من عناصر الجريمة، إن طرح سؤال واحد يكفي للقضاة في التهمة بكاملها".
- وليس من الضروري بعد ذلك أن يبين مقدار المادة السامة ولا نوعها (2). أما عن طريقة فعل التسميم فقد صدر قرار عن المحكمة العليا- غرفة جنائية بتاريخ 15/5/2001 رقم الملف 151.264 جاء فيه: "كما أنه لم يوضح بالسؤال طريقة فعل تسميم الضحية زرفاوي نور الدين مما يجعل هذا السؤال لكل واحد من الطاعتين غير كامل (3).
------------
(1) أنظر الموسوعة القضائية (قرص مضغوط C.D ) بتاريخ 1/03/2003.
(2) الدكتور صبحي نجم المرجع السابق ص 46.
(3) طعن بالنقض رفعه كل من غلاب رضا ومالك عبد الحق ضد النيابة العامة في الحكم الصادر بتاريخ 14/06/2000 عن محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة.

وإن كنا نرى أن كيفية أو بطريقة تقديم السم لا أهمية لذكرها في الحكم إذا ما تم إثبات تقديم السم فعلا على النحو الذي سبق شرحه.
واستعمال السم هو عنصر من العناصر المكونة للركن المادي للجريمة لذلك فإن أثره يسري على جميع مرتكبي الجريمة سواء كانوا فاعلين أصليين أو مجرد شركاء وسواء علموا به أو لم يعلموا به.
وعقوبة التسميم تناولها المشرع في هذه المادة 261 ق.ع والمتمثلة في الإعدام بقولها "يعاقب بالإعدام....أو التسميم...".
المطلب الثاني: القتل باستخدام وسائل التعذيب أو أعمال وحشية .
لقد نص قانون العقوبات على تشديد عقوبة القتل العمد الذي ينفذ باستعمال وسائل التعذيب وأعمال وحشية وذلك في المادة 262 ق.ع بقوله: "يعاقب باعتباره قاتلا كل مجرم مهما كان وصفه استعمل التعذيب أو ارتكب أعمالا وحشية لإرتكاب جنايته". وإن النص باللغة الفرنسية أكثر وضوحا إذ جاء فيه: "يعاقب باعتباره قاتلا اغتيالا كل مجرم مهما كان وصفه استعمل التعذيب أو ارتكب أعمالا وحشية في تنفيذ جرائمه" (1)، لذلك يذهب بعض الفقهاء (2) إلى اعتبار اللجوء إلى التعذيب والأعمال الوحشية يأخذ تكييف الاغتيال أي أنه قتل عمد مكيف بأنه اغتيال.
وترجع علة التشديد إلى فضاعة ووحشية من طرف مرتكبيها وعدم إكتراثهم بحياة الآخرين، وبالتالي يستحق عقوبة أشد من العقوبة الإعتيادية بما يحقق الردع لمن تسول له نفسه أن يأخذ هذا المنحى لإرتكاب جنايته.
فركز المشرع نظره على "وسيلة" القتل ورأى أن القتل تعذيبا أو باستخدام وسائل وحشية أمر يجب أن يوضع في الاعتبار ومن ثمة رفع العقاب حتى يصل إلى الإعدام.
الفرع الأول: العناصر المكونة للجناية :
من خلال قراءتنا المتمعنة للمادة 262 ق.ع السالفة الذكر يستنتج وأن جناية القتل باستخدام وسائل التعذيب أو أعمال وحشية تتطلب توافر العنصرين التاليين:
العنصر الأول: أعمال التعذيب أو الوحشية .
لم يحدد المشرع الجزائري وسائل التعذيب ولا الأعمال الوحشية لذلك فهناك من يرى وأن المقصود منها هو أن الجاني لا يجهز على ضحيته دفعة واحدة بفعل يؤدي مباشرة إلى إزهاق روحه بل يعمد إلى تعذيبه بتقطيع أطرافه مثلا أو بتسليط تيارات كهربائية عليه بصفة متقطعة أو بتحريض كلاب شرسة عليه أو غير ذلك من أنواع الشراسة والتعذيب" (3).
------------
(1) Article 262 c.p : "sont punis comme coupables d'assassinat, tous malfaiteurs, quelle que soit leur dénomination, qui pour l'exécution de leur crimes, emploient des tortures ou commettent des actes de cruauté.
(2) أنظر الأستاذ بن شيخ لحسين المرجع السابق ص 41 + د.عبد المجيد زعلاني المرجع السابق ص 85.
(3) أنظر الدكتور عبد المجيد زعلاني المرجع السابق ص 85.

وهناك من ذهب إلى اعتبار وسائل التعذيب هي كل عمل وحشي مبالغ فيه كالحرق أو نزع أجزاء من الجسم (1). كما يدخل في مدلوله أيضا قتل إنسان بعد حبسه ونزع أظافره أو حبس الماء أو الطعام أياما.
العنصر الثاني: أن يكون القصد من استعمال التعذيب هو تنفيذ الجنايات.
- وهذا العنصر واضح من نص المادة 262 بقولها: "لإرتكابه جنايته"
- أول ما يلاحظ وأن عبارة جنايته هناك من فسرها على أنها جاءت عامة فهي لا تتعلق بالقتل فحسب بل تتعدى إلى كل الجنايات التي قد ترتكب ضد الأشخاص وضد الأموال (2).
إلا أننا وعكس هذا التفسير نرى أن عبارة جنايته تنصرف إلى جناية القتل فقط ذلك أنه في بداية المادة ذكر الشرع "يعاقب باعتباره قاتلا" والهاء في عبارة جنايته إنما تعود على جريمة القتل لا إلى كل الجنايات الأخرى وإلا أدى ذلك إلى نتيجة غير معقولة فكيف يمكن أن نعتبر من يستعمل وسائل وحشية للسرقة قاتلا.
- كذلك يشترط أن يستعمل التعذيب والوسائل الوحشية لتنفيذ "جناية القتل ضد الأحياء إذ يجب أن يكون قصد الجاني من استعمال هذه الوسائل هو قتل المجني عليه وبالتالي إذا وقع القتل ثم تلته استخدام طرق وحشية فلا تعد هذه الوسائل ظرفا مشددا لجريمة القتل لأن الجاني يقصد هنا إخفاء معالم الجريمة ومحو آثارها.
- لذلك فقد تمت متابعة متهمين في قضية طرحت على مجلس قضاء تبسة (3) الذين بعدما تأكدوا من وفاة الضحية قاموا بإخراج كمية من البنزين من الخزان، رشوا بها الجثة وأشعلوا فيها النار بواسطة ولاعة سجائر ولاذوا بالفرار لطمس معالم جريمتهم واكتشاف أمرهم، فأتلفت السيارة وتضخمت الجثة فقد تمت متابعتهم إضافة إلى جريمة القتل العمدي مع سبق الإصرار والترصد بالحرق العمدي ولم يعتبروا ذلك من قبل الأعمال الوحشية وقد أصابوا في ذلك كون أن عملية الحرق جاءت بعد وفاة الضحية وليست عندما كان حيا.
الفرع الثاني: إثباته وبيانه في الحكم .
تطبق القواعد العامة في إثبات توفر هذا الظرف وهذا راجع لأنه يعد من الظروف الموضوعية التي يكن أن تثبت بكافة طرق الإثبات، لذلك فالقاضي عادة ما يلجأ في هذه الحالة إلى تعيين أطباء شرعيين من أجل إثبات استخدام وسائل التعذيب والطرق الوحشية في القتل.
وهذا الظرف كغيره من الظروف المشددة لا بد أن تبينه محكمة الجنايات في الحكم الفاصل في جريمة القتل العمد باستخدام وسائل التعذيب والطرق الوحشية وذلك بطرح سؤال مستقل يتعلق بهذا الظرف ثم الإجابة عنه من طرف تشكيلة محكمة الجنايات بعد المداولة بلا بالأغلبية أو بنعم بالأغلبية حسب ما توصل إليه اقتناعهم، ولا رقابة للمحكمة العليا بعد ذلك.
------------
(1) أنظر الأستاذ بن شيخ لحسين المرجع السابق ص 41.
(2) أنظر الأستاذ بن شيخ لحسين المرجع السابق ص 42.
(3) قضية رقم 28/2003 والتي صدر بشأنها الحكم المؤرخ في 06/11/2003 عن محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة

وما تجدر الملاحظة إليه في هذا الصدد وأن المادة 262 ق.ع قليلا ما تطبق من طرف القضاة حتى وإن كانت الوقائع تشكل جريمة القتل العمد مع استعمال وسائل التعذيب وأعمال وحشية ومثال ذلك (1) قضية (ب.ع) الذي توبع من طرف نيابة تبسة من أجل ارتكابه لجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد أضرارا بالضحية (ر.ز) وعلى هذا الأساس أحيل الملف على غرفة الإتهام التي أصدرت قرار بإحالة المتهم على محكمة الجنايات بنفس التهمة، وتتلخص وقائع هذه القضية في: "أن المتهم قام بأفعال شنيعة على الضحية قبل أن تتوفى إذ اعتدى عليها جنسيا ثم وضع لها مادة الفلفل داخل فرجها وقام بعدها بتقييدها ووضع قطعة قماش بفمها وعلى رأسها علب الموز وأكياس البلاستيك وصعد فوق بطنها وأخذ يضربها بركلات واستمر كذلك إلى غاية وفاتها، هذا كله بعد أن كان قد احتجزها لعدة أيام".
فحسب رأينا بعد دراستنا لهذا الظرف فإننا نرى كل هذه الأفعال لا تعدو أن تخرج من كونها أفعال وحشية شنيعة تخضع في تكييفها إلى نص المادة 262 ق.ع.
لذلك فيعاب على نيابة تبسة وكذا غرفة الإتهام أنهم أخطئوا في تكييف الوقائع بعدم إعطائها الوصف الصحيح وهو القتل العمدي مع استعمال وسائل التعذيب واستخدام الوسائل الوحشية.
وبناءا على قرار الإحالة تمت محاكمة المتهم على أساس القتل العمدي مع سبق الإصرار والترصد من طرف محكمة الجنايات التي يعاب على قضاتها عدم إعادة تكييفهم للوقائع وإعطائها الوصف الصحيح، لأنه لا يوجد ما يمنعهم من إعادة تكييف الوقائع على النحو الذي رأيناه سابقا.
بل أكثر من ذلك فقد أجابت على ظرف سبق الإصرار بنعم بالأغلبية رغم أنه لا يوجد في الوقائع المطروحة سابقا ما يفيد وأن المتهم كان قد عقد العزم فعلا على قتل الضحية وأنه كان هادئ البال وأنه فكر ودبر في فعلته.
لذلك نقول ونكرر أن هذا المثال وغيره من الأمثلة السابقة إن دلت على شيء فإنما تدل على عدم تحكم القضاة في مفهوم الظروف المشددة.
وإذا أدين المتهم على أساس تهمة قتل عمد باستخدام وسائل التعذيب وأعمال وحشية فيتعين على القاضي أن يرتب الأثر المباشر على توافر هذا الظرف ويرفع العقوبة إلى الإعدام طبقا للمادة 261 ق.ع.
------------
(1) قضية رقم 203/2003 رقم الفهرس 413/2003 صدر فيها حكم بتاريخ 13/04/2003.


avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الظروف المشددة في جريمة القتل بالنظر إلى الوسيلة المستعملة

مُساهمة من طرف dingo في الخميس 01 سبتمبر 2011, 15:08

barak laho bik

dingo
عضو نشط


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الظروف المشددة في جريمة القتل بالنظر إلى الوسيلة المستعملة

مُساهمة من طرف kidigreen في الإثنين 02 أبريل 2012, 00:14

شكرا و بارك الله فيك

kidigreen
عضو نشط


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى