الظروف المشددة لجريمة القتل العمد بالنظر إلى صفة المجني عليه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الظروف المشددة لجريمة القتل العمد بالنظر إلى صفة المجني عليه

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 31 ديسمبر 2009, 21:47



الظروف المشددة لجريمة القتل العمد بالنظر إلى صفة المجني عليه.
إذا كانت القاعدة العامة أن عقوبة القتل البسيط هي السجن المؤبد إذا كان المجني عليه أي شخصا عاديا كان، لكن قد يرد على هذه القاعدة استثناءا إذا كان المجني عليه أحد أصول الجاني، فتصبح صفة إبن المجني عليه في هذه الحالة ظرفا مشددا. ولقد سبق عند تعريفنا للظروف المشددة أنها تلك الملابسات والوقائع التي إذا ما اقترنت بالجريمة شددت عقوبتها وسواء أبقت على وصف الجريمة أو غيرت من وصفها" وعلى هذا الأساس فإن صفة ابن المجني عليه في جريمة القتل العمد هي في الحقيقة ظرفا مشددا إذ أنه أدى إلى تشديد العقوبة إلى الإعدام لكنه أدى في نفس الوقت إلى تغيير وصف الجريمة فأصبحت جناية قتل الأصول وهذا هو الوصف الذي منحه إياها المشرع الجزائري من خلال نص المادة 258 ق.ع فأصبحت بذلك جريمة خاصة بذاتها وكاملة في تعريفها وهذا ما سوف نتطرق إليه في المطلب الأول.
وكصورة مقابلة للوصف الأول (قتل الأصول) سوف نتناول في المطلب الثاني قتل الفروع والذي وإن كنا بتتبعنا لمواد قانون العقوبات لا نجد ما يوحي وأن المشرع جعل من قتل الفروع جريمة قتل مشددة بالنظر إلى صفة المجني عليه وهو الفرع إلا أن هناك من يرى وأنه ظرف مشدد لذلك سوف نتعرض لهذا الرأي ثم نقدم رأينا بعد ذلك حول هذا الموضوع.
المطلب الأول: قتل الأصول Parricide
تنص المادة 258 ق.ع على أن: "قتل الأصول هو إزهاق روح الأب أو الأم أو أي من الأصول الشرعيين.." وتنص المادة 261 ق.ع على أنه: "يعاقب بالإعدام كل من ارتكب جريمة القتل أو قتل الأصول..." فقتل الأصول حسب هاتين المادتين يعد قتلا عمديا مشددا وعلة التشديد هي علاقة الأبوة التي تربط بين الجاني والمجني عليه وأن كانت كافة الأديان والشرائع توجب احترام الوالدين فشريعتنا السمحاء توجب احترامهم وطاعتهم وذلك من خلال قوله تعالى: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا..."سورة الإسراء الآية 23.
فقتل الأصول جريمة بشعة وأمرا من الفضاعة والاستهتار لدرجة كبيرة تستوجب تشديد العقاب، فتنكر الفرع لأهله ووصول الخطورة الإجرامية الكامنة في نفسه الشريرة إلى حد إزهاق روح أصوله جعل المشرع يتدخل ليقضي ويتخلص من هذا الفرع الفاسد وذلك بتسليط عليه عقوبة تصل إلى حد الإعدام، وتأكيدا من المشرع على تشديد العقاب نص في المادة 282 قانون عقوبات على أنه: "لا عذر إطلاقا لمن يقتل أباه أو أمه أو أحد أصوله".
وقد أكدت المحكمة العليا في قرار صادر من الغرفة الجنائية الأولى في الطعن رقم 771.34 بتاريخ 29/05/84 على أنه "يكون عنصر الأبوة ظرفا مشددا في جناية قتل الأصول وبهذه الصفة يجب أن يكون محل سؤال مستقل ومميز طبقا لمقتضيات المادة 305 من قانون الإجراءات الجزائية إلا كان باطلا وترتب على ذلك بطلان الحكم المبني عليه" (1).
---------------
(1) أنظر المجلة القضائية للمحكمة العليا العدد 1 لسنة 1989 صفحة 294.

إلا أن المشرع لم يكتفي وكما سبق وأن ذكرنا بجعل صفة ابن المجني عليه في جريمة القتل ظرفا مشددا يرفع من العقوبة فحسب وإنما قرر أن هذه الصفة تضعنا أمام نموذج خاص أي أن من شأن هذا الظرف أن غير وصف الجريمة من قتل عمد إلى قتل الأصول.
الفرع الأول: شروط تحقق جناية قتل الأصول :
حتى يتحقق ظرف الأصول يجب أن تتوفر الشروط التالية:
أولا : أن يرتكب قتل عمدي بجميع عناصره القانونية.
ثانيا: العلاقة الأبوية ما بين القاتل والضحية.
الشرط الأول: أن يرتكب قتل عمدي .
فيجب في جريدة قتل الأصول أن يكون ثمة قتل عمد أو الشروع فيه، فإذا أفضى هذا الإعتداء إلى وفاة المجني عليه كانت جريمة القتل تامة. أما إذا لم تتوفر الضحية رغم الإعتداء عليها فتكون امام شروع في جناية قتل الأصول.
والفقه والقضاء متفق على أن الجريمة تقوم بغض النظر عن اقترانها بسبق الإصرار من عدمه (1) ولذلك لو فرضنا أن جناية قتل الأصول كانت عن سبق إصرار فإن ذلك لا يؤثر على العقوبة، وأنه ليس لازما على محكمة الجنايات أن تطرح أسئلة حول هذا الظرف إلا أنه إذا طرحت المحكمة أسئلة حول سبق الإصرار لا تكون باطلة (2).
الشرط الثاني: العلاقة الأبوية .
أي يجب أن يكون المجني عليه أحد أصول الجاني وهذا ماهو وارد في نص المادة 258 بقولها: "إزهاق روح الأب أو الأم أو أي من الأصول الشرعيين".
والمقصود بالأصول في المادة السابقة الذكر الأصول الشرعيون أي الأب، الأم والجد وإن علا والجدة وإن علت دون غيرهم، ومهما بلغت درجة قرابتهم بالجاني.
فالملاحظ إن المشرع الجزائري يأخذ بالشريعة الإسلامية في الأحوال الشخصية وهي لا تعترف إلا بالقرابة الشرعية ولا يوجد أي أثر لما يسمى في الشرائع الأوروبية بالقرابة الطبيعية ولا التبني، والكفالة لذلك فإن الفقه الجزائري (3) يجمع على أن هذا الظرف المشدد لا يطبق إلا في حالة القرابة الشرعية ولا يسري على القرابة الطبيعية ولا قرابة التبني.
ويترتب على ذلك أن القرابة التي يجب توافرها هي القرابة المباشرة (4) أما قرابة الحواشي فلا تؤلف الظرف المشدد المنصوص عليه في المادة 258 ق.ع ولهذا فلا سبيل لتشديد العقوبة في جريمة القتل العمد الذي يقع بين الأزواج والزوجات وبين الأخوة والأخوات أو بين الأعمام أو العمات او أولاد الأخ أو الأخت أو بين الصهر وحميه...إلخ.
---------------
(1) إلا أن الفقيه الإيطالي كرارا « carrara » يرى أن جناية القتل الأصول لا يمكن أن تكون إلا إذا وجد إضافة إلى القتل العمدي ظرف سبق الإصرار أنظر الأستاذ: بن شيخ لحسين المرجع السابق ص 30.
(2) أنظر: الأستاذ: بن شيخ لحسين المرجع السابق ص 31.
(3) أنظر: الأستاذ أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 31+ الأستاذ بن شيخ لحسين المرجع السابق ص 31 +د.عبد المجيد زعلاني، المرجع السابق ص 86.
(4) القرابة المباشرة عرفها قانون الأسرة في مادته 33 بأنها الصلة ما بين الفروع والأصول.


وهذا ما يجبرنا للتحدث على الغلط في الشخص، فإذا قتل شخص أحد أصوله نتيجة لغلط في شخص المجني عليه الذي كان يراد قتله أو أخطأ في التصويب فلا يعتبر الظرف المشدد متوفر وإنما يعاقب الفاعل على أساس جريمة قتل عمد فقط.
ولكن ما القول إذا انعكس الوضع، ووقع الجاني في الغلط المعاكس بأن أطلق النار ليقتل أباه وابنه فقتل هذا الشخص الغريب الذي لم يكن يقصده فهل تشدد عقوبته ويحكم عليه بالإعدام؟
الملاحظ أن أغلب التشريعات الجزائية تميل إلى الأخذ برأي العلامة الفرنسي "غارسون" في هذا الصدد بحيث أن الجاني الذي قصد قتل أحد أصوله أو فروعه فأصاب شخصا غريبا وقتله لغلط في الشخص أو لخطأ في التصويب إنما يعاقب بالعقوبة المقررة للقتل العمد ولا سبيل للأخذ بالظرف المشدد الناجم على القرابة المباشرة، وبهذا تنطوي هذه الواقعة على جريمتين جريمة القتل العمد الواقعة على الشخص الغريب المجني عليه وجريمة الشروع في قتل الأب وهي الجريمة الخائبة التي كان الجاني يهدف إلى تحقيقها في الأصل.
إلا أننا نرى وأن مبادئ العدالة توجب تشديد العقوبة المحددة للقتل العمد على الجاني الذي يطلق النار على أبيه مثلا فيخطئه ويقتل سواه.
الفرع الثاني: إثباته وبيانه في الحكم .
مسألة إثبات أن المجني عليه هو أصل الجاني مسألة موضوعية تخضع لتقدير القاضي بحيث يستعين بكافة طرق الإثبات كشهادة الشهود وغيرها من القرائن التي نصت عليها مدونة قانون الأسرة فيما يخص إثبات النسب كالإقرار والبينة.
إلا أنه وفي الحالة التي يدفع فيها المتهم أمام محكمة الجنايات بأنه ليس إبن المجني عليه (إنكار صفة البنوة) فهنا يكون القاضي أمام مسألة فرعية يتعين عليه في هذه الحالة أن يوقف الفصل في الدعوى الجنائية (الأصل) إلى غاية الفصل في المسألة الفرعية (الدفع).
ومتى ثبت لقاضي الموضوع أن المجني عليه هو أحد أصول الجاني طبق المادتين 258 و 261 ق.ع. وقد قضت المحكمة العليا في قرارها الصادر بتاريخ 22 جوان 1993 ملف رقم 103527، أنه "إذا كنا أمام حالة المتهم بالقتل مع سبق الإصرار والترصد فإنه لا بد من طرح سؤالين متميزين إلى القضاة والمحلفين المكونين لمحكمة الجنايات الأول حول القتل العمد والثاني حول ظرف سبق الإصرار والترصد فهذا لا يعني أننا ملزمون بطرح سؤالين كذلك فيما يتعلق بجريمة قتل الأصول إذ أنه سؤال واحد يكفي للقضاة في التهمة بكاملها، مع أنه لا يقع تحت طائلة البطلان في حالة طرح سؤالين الأول حول القتل العمد والثاني يتعلق بصلة القرابة" (1).
ومثال ذلك فإن الأسئلة التي طرحت في قضية (2) "برايس كمال" الذي أحيل على محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة بتهمة قتل الأصول طبقا للمواد 258-261 ق.ع كانت كما يلي :
---------------
(1) الموسوعة القضائية قرص مضغوط 2003 CD .
(2) حكم صادر عن محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة في 13/02/2000 ملف رقم 41/99.


السؤال الأول :
هل أن المتهم برايس كمال مذنب بإرتكابه بتاريخ … ..ومنذ زمن لم يمض عليه التقادم بالمكان … .اختصاص محكمة … .مجلس قضاء … ..محكمة الجنايات كذا جريمة القتل العمد وهي ازهاق روح الضحية غوتي مريم الفعل المنصوص والمعاقب عليه بالمواد 254، 258-261 ق.ع.
السؤال الثاني: هل أن الضحية غوتي مريم تعد أحد أصول المتهم.
السؤال الثالث: هل أن المتهم برايس كمال كان ينوي قتل الضحية غوتي مريم.
- ومتى توفرت الإقتناع الشخصي لأعضاء محكمة الجنايات بأن الجرم ثابت في حق المتهم وذلك بأن أجابت عن الأسئلة المطروحة بالإيجاب فإنه يتميز عليها أن تطبق أو تقضي في حق المتهم بالعقوبة المنصوص عليها في المادة 261 ق.ع والمتمثلة في الإعدام.
- ولا تأثير بعد ذلك للأعذار المخففة على عقوبة قتل الأصول وهذا ما نصت عليه المادة 282 ق.ع بنصها: "لا عذر لمن يقتل أباه أو أحد أصوله"
- بل لا تأثير حتى لرضا الضحية كان يقتل الابن والده بدافع الشفقة أو بطلب منه كونه يعاني من آلام حادة.
- وهذا على خلاف الأفعال المبررة أو المانعة للمسؤولية-أمر القانون-إذن القانون – الدفاع الشرعي أو الجنون-فإنها تطبق على قاتل الأصول.
وهذا ما حدث في قضية "برايس كمال" المتهم بقتل أمه، الذي أثبتت الخبرات الطبية الثلاث التي أجريت عليه من طرف اختصاصيين في الأمراض النفسية والعصبية والعقلية أنه لم يكن يتمتع بكل قواه العقلية أثناء ارتكابه الجريمة الحالية وأن مرضه مزمن يتمثل في انفصام شخصيته التي تصور له واقعا مشوها، وهذا يبدو في كل مراحل حياته ومن ثمة فهو غير قابل لتحمل المسؤولية الجزائية.
على هذا الأساس فقد طرحت محكمة الجنايات سؤالا احتياطيا بعد إعطاء الرأي للنيابة والدفاع طبقا لأحكام المادة 306 ق.إ.ج حول ما إذا كان المتهم وقت ارتكاب الوقائع المنسوبة إليه في حالة جنون طبقا لأحكام المادة 47 ق.ع وأجابت عن هذا السؤال بالإيجاب.
وبما انه وطبقا للمادة 47 ق.ع يعد الجنون مانع من موانع المسؤولية ويترتب عليه إعفاء المتهم من العقوبة وذلك دون الإخلال بأحكام الفقرة 02 مراعاة 21 (الأمر بالحجز القضائي في مؤسسة نفسية أو طبية للعلاج).
-فقد حكمت محكمة الجنايات بإدانة المتهم بجرم قتل الأصول وإعفائه من العقوبة طبقا لأحكام المادة 52 ق.ع والتي لم تميز بين نوع الجرائم، فللقاضي سلطة واسعة في تقدير العقوبة فإذا رأى أن هناك ما يدعو إلى تخفيف العقوبة فله أن يخففها على الجاني كما هو في الحكم التالي: "حيث أنه بتاريخ 30/12/78 قضت محكمة الجزائر في القضية رقم 23 بالسجن لمدة عشر سنوات على المتهم طبقا للمادتين 258 و 261 بعد استعمال الرأفة معه إذ أنه بتاريخ 29/04/77 أصاب والده بجروح خطيرة نتيجة طعنه بسكين وبعد نقله إلى المستشفى توفي متأثرا بجروحه وثبت للمحكمة أن المجني عليه اعتدى على والدة المتهم قبل الحادث والضرب بمنجل وأصابها بعدة إصابات مما أثار هذا الأخير ودفعه إلى ارتكاب الحادث". وواضح من هذا الحكم أن محكمة الجنايات قد استبدلت عقوبة الإعدام بعقوبة السجن لمدة عشر سنوات نظرا لأخذها بالظروف المخففة واستعمال الرأفة مع المتهم.
- وإن صفة ابن المجني عليه في جريمة القتل العمد تعد من الظروف المختلطة فهي ظرف شخصي وموضوعي في نفس الوقت فهي شخصية كونها تتصل بشخصية المعني بالأمر وهي موضوعية لكنها تؤثر في الإجرام (1).
- وعلى هذا الأساس فإنه في حالة مساهمة الإبن في قتل والده يكون الحال كالتالي (2):
-بالنسبة للإبن: سواء كان فاعلا أو شريكا تطبق عليه الظروف المشددة فيعاقب بالإعدام.
. إذا كان فاعلا اصليا يرتكب الابن جناية قتل الأصول عملا بالظروف الموضوعية تنطبق عليه عقوبة الإعدام.
. إذا كان شريكا لقاتل والده تطبق عليه عقوبة الإعدام أيضا عملا بقاعدة الظروف الشخصية.
- بالنسبة للمساهم الثاني في جريمة قتل الأصول : بحسب ما إذا كان يعلم بأن المجني عليه والد المساهم الأول أو لا يعلم بذلك تطبق عليه الظروف المشددة أو لا تطبق سواء كان فاعلا أو شريكا.
.يرتكب المساهم الثاني في القتل جناية القتل ويعاقب بالسجن المؤبد إذا كان يجهل صفة المجني عليه بالنسبة للمساهم الأول.
. يرتكب المساهم الثاني في القتل جناية قتل الأصول ويعاقب بالإعدام إذا كان يعلم صفة المجني عليه بالنسبة للمساهم الأول وهذا عملا بقاعدة الظروف الموضوعية.
---------------
(1) أنظر الدكتور أحسن بوسقيعة الوجيز في القانون الجزائي العام المرجع السابق ص 163 وما بعدها
(2) لقد تم التوصل لمثل هذا الحل تماشيا مع ما توصل إليه القضاء الفرنسي عندما طرحت عليه مسألة الظروف المختلطة إذا لم يتردد في اعتبار الشريك في المثال الذي يكون فيه الابن قاتلا لأبيه، فاعلا أصليا مساعدا coauteur حتى تطبق عليه العقوبة المقررة للفاعل الأصلي وهذا ما سلكه المشرع الجزائري في المادة 44 ق.ع أنظر الدكتور أحسن بوسقيعة الوجيز في القانون الجزائي العام المرجع السابق ص 164.

المطلب الثاني: قتل الفروع.
- بعد استعراضنا لقتل الأصول في المطلب السابق، وبينا الأحكام المتعلقة به والعلة في تشديد هذا الوصف من جريمة القتل العمد، تبادر إلى أذهاننا سؤالا يفرض نفسه علينا ألا وهو هل أن المشرع الجزائري قد تناول قتل الفروع كصورة نظيرة للوصف الأول الذي قمنا بتناوله في المطلب السابق ؟
في الوهلة الأولى نلاحظ أن المادة 258 ق.ع السابقة الذكر نصت على قتل الأصول أي حسب هذه المادة نقول وأن التشريع الجزائري من التشريعات الجزائية التي اتجهت حيال هذا الظرف المشدد المبني على أساس صلة القرابة إلى التضييق في مدلول القرابة واقتصر التشديد على قتل الأصول فقط دون الفروع.
إلا أن الدكتور "اسحاق ابراهيم منصور" يرى وأن قتل الفروع يعد ظرفا مشددا لجريمة القتل العمد.
لذلك سوف نتناول رأي هذا الدكتور في فرع أول لنقف على الأسانيد التي اعتمد عليها ثم نقدم رأينا عن قتل الفروع في الفرع الثاني.
الفرع الأول : استعراض الرأي الذي يرى وأن قتل الفروع ظرف مشدد لجريمة القتل العمد.
- ذهب هذا الرأي (1) إلى أن المشرع الجزائري تناول قتل الفروع في القسم الأول من هذا القانون المتعلق بأعمال العنف العمدية في نص المادة 272 ق.ع والتي نصت على أنه: "إذا كان الجناة هم أحد الوالدين الشرعيين أو غيرهما من الأصول الشرعيين أو أي شخص آخر له سلطة على الطفل أو يتولى رعايته، وبهذا قد تناول حالة قتل الفروع ويرى أن المادة 272 ق.ع تضمنت شروط التشديد والتي تتمثل في أنه يجب أن تقع جريمة القتل بأركانها الثلاثة ثم أنه يجب أن يرتكب القتل من طرف الأصل أو أحد الأشخاص الذين عددتهم المادة 272 ق.ع ثم أخيرا يشترط أن يكون الفرع هو المجني عليه وميز في هذا الشرط بين حالتين:
الحالة الأولى : إذا كان الفرع تجاوز سن السادسة عشر.
فيرى أنه يجب أن تطبق القواعد العامة فلا يطبق نص المادة 272 ق.ع.ج. بل نطبق نص المادة 263/03 ق.ع فتكون عقوبة السجن المؤبد وقد تكون عقوبة الإعدام إذا توافر ظرف قانوني مشدد كسبق الإصرار والترصد والقتل بالتسمم أو غيرها من الظروف المشددة التي سبق ذكرها.
الحالة الثانية : الفرع الذي لم يبلغ سن 16 سنة وقت ارتكاب الجريمة.
فيرى أن هذه الحالة هي التي يطبق عليها نص المادة 272/04 ق.ع. فمتى تحققت هذه الجريمة جاز عقاب مرتكبيها بعقوبة الإعدام بدل عقوبة السجن المؤبد ومبرر ذلك هو سلطة الأصل على الفرع في هذه الفقرة.
---------------
(1) أنظر الدكتور إسحاق ابراهيم منصور، المرجع السابق ص 42.
الفرع الثاني: رأينا في مسألة قتل الفروع .
* حسب رأينا أن قتل الفروع لا يعد قتلا مشددا بالنظر إلى صفة المجني عليه-الفرع- لذلك فإننا نعترض عما جاء به الرأي الذي سبق عرضه من عدة أوجه:
-أولا: نحن نرى أنه لا يمكن تشديد عقوبة القتل العمد في حالة ما إذا كان المجني عليه أحد الفروع والجاني أحد الأصول ذلك أن المشرع الجزائري لم يخصص لهذه الحالة نص خاص وصريح مثلما فعل بالنسبة لقتل الأصول والتي أورد لها نص صريح هو نص المادة 258 ق.ع. لذلك نعيد ونكرر أن التشريع الجزائري يبدو أنه إتجه حيال هذا الظرف المشدد المبني على أساس صلة القرابة إلى التضييق في مدلول القرابة واقتصر التشديد على قتل الأصول فقط دون الفروع هذا من جهة.
-ثانيا: ومن جهة أخرى لا يمكن ان نعتبر أن المشرع تناول قتل الفروع كظرف مشدد في القسم المتعلق بأعمال العنف العمدية إستنادا إلى منع قياس هذا الفرض مع الفرض المنصوص عليه في المادة 272/04 ق.ع طبقا إلى ما هو مستقر عليه من حظر القياس في مجال التجريم ومن ثمة في مجال التشديد.
-ثالثا: من أجل ما سبق فنحن نرى أن صفة الفرع الواردة في المادة 272 ق.ع فقرة 04 لا يمكن أن نعتبرها بأي حال من الأحوال أنها ظرف مشدد لجريمة القتل ذلك أن هذه المادة كما سبق القول جاءت ضمن القسم الخاص بجرائم العنف العمدية وعلى هذا الأساس فإن ظرف الفروع في هذه الحالة هو فعلا ظرفا مشددا ولكن ليس لجريمة القتل العمد وإنما لجريمة الضرب والجرح العمدي. المفضي إلى الوفاة دون قصد إحداثها المنصوص عليها في المادة 264/02 فالمبدأ أن هذه الجناية معاقب عليها بالسجن من 10 إلى 20 سنة إلا أنه في حالة ما إذا كان القاصر الذي لم يتجاوز 16 سنة مجني عليه (وضحية) والجاني من أحد الأصول أو ممن لهم سلطة عليه أو يتولى رعايته فتصبح في هذه الحالة جناية مشددة وعقوبتها ترفع إلى الإعدام طبقا للمادة 272/04 ق.ع.
- وأنه في حالة القاصر الذي تجاوز 16 سنة نرجع إلى تطبيق نص المادة 264/04 ق.ع لتكون عقوبته (السجن من 10 إلى 20 سنة لا السجن المؤبد طبقا للمادة 263/03 ق.ع كما جاء في الرأي السابق.
- وتعود حكمة التشديد المنصوص عليها في المادة 272/04 ق.ع إلى أنه إذا كان لمن يتولى تربية القاصر حق تأديبه وهذا الحق يبيح الضرب لأجل التعليم والتربية فإن ليس له الحق في أن يتجاوز الضارب حدود هذا الحق بأن يؤدي هذا الضرب إلى الوفاة. فإن حصل ذلك وجب العقاب ورفعه إلى عقوبة أشد.
- من أجل كل ما سبق فإننا نعيب على الرأي السابق، نرى أنه لا يمكننا أن نعتبر صفة الفرع المجني عليه في جريمة القتل ظرفا مشددا، بل أن الأب الذي يقتل أحد فروعه يكون طبقا للتشريع الجزائري خاضعا للنصوص العادية المجرمة للقتل العمد.
-نخلص في نهاية هذا الفصل إلى أنه إذا كان المتهم متابع بجناية القتل العمد المقترن بأي ظرف من الظروف المشددة التي سبق دراستها ظرفا ظرفا، فإنه يجب أن يطرح سؤال عن أركان جريمة القتل العمد ثم الأسئلة الخاصة بالظروف المشددة، والتي يجب أن تكون مستقلة ومتميزة وهذا ما نصت عليه المادة 305 من ق.إ.ج.وأكدته المحكمة العليا-غرفة جنائية- في العديد من قراراتها نذكر منها: القرار الصادر بتاريخ 23/102001 ملف رقم 277661 جاء فيه: "يجب أن يطرح السؤال مجردا عن كل ظرف شديد و أن طرح سؤال ومستقل عن هذا الظرف لا يصحح الخطأ الوارد في السؤال الرئيسي" (1).
كذلك القرار الصادر بتاريخ 24/03/1998-ملف رقم 186222 جا فيه أنه: "من المبادئ العامة أن الأسئلة توضع وتطرح عن كل واقعة معينة في منطوق قرار الإحالة وكل ظرف مشدد يكون محل سؤال مستقل وإن دمج الوقائع والظروف المشددة لهما في الأسئلة المطروحة من محكمة الجنايات يعرض حكمها للنقض" (2).
- كما انه لا يجوز الجمع بين ظرفين أو أكثر من الظروف المشددة تحت طائلة البطلان مثال ذلك الجمع بين ظرف الترصد وسبق الإصرار في سؤال واحد، وهذا ما قضت به المحكمة العليا- غرفة جنائية- في قرارها الصادر بتاريخ 23/11/99 ملف رقم 20293 جاء فيه: "من المقرر قانونا أن جمع ظرفين أو أكثر من الظروف المشددة في سؤال واحد يجعله متشعبا" (3).
- ثم انه لا يكفي وضع سؤال مستقل للظرف المشدد لكي يكون الحكم صحيحا، بل يجب بعد ذلك أن تكون طريقة طرحه سلمية وصحيحة، خاصة إذا علمنا أن طريقة طرح السؤال تعد من المسائل القانونية الخاضعة لرقابة المحكمة العليا، باعتبارها تعليلا وتسبيبا لحكم محكمة الجنايات.
- لذلك فإننا نعيب على اكتفاء قضاة الموضوع في السؤال المتعلق بالظروف المشددة بذكرها بلفظها فقط، مثال ذلك في ظرف الترصد عادة ما يكون السؤال كما يلي: "هل أن المتهم مذنب لإرتكابه في نفس الظروف الزمانية والمكانية جرم القتل العمد مع الترصد طبقا للمادة 275 ق.ع، فحسبنا أن مثل هذا السؤال يعد ناقصا كونه لا يتضمن العناصر القانونية الواردة في التعريف الذي جاء به المشرع في المادة 257 ق.ع والتي يجب أن تستخلص من وقائع الدعوى وملابساتها هذا من جهة، من جهة أخرى أن مثل هذه الطريقة تجعل قضاة الموضوع لا يتخذون الحيطة في تحرير السؤال ولا يتحملون المسؤولية التامة عند إثبات وجود هذا الظرف من عدمه على النحو الذي تطرقنا إليه سابقا ذلك أن هناك بعض القرائن والملابسات التي رجعنا إليها في بعض الملفات لا يمكن أن تؤدي عقلا ومنطقا إلى ما انتهت إليه محكمة الموضوع بل لا تتفق أصلا مع التعريف الوارد للظرف المشدد في ق.ع.
---------------
(1) أنظر الإجتهاد القضائي للغرفة الجنائية عدد خاص 2003-المحكمة العليا قسم الوثائق ص 529.
(2) أنظر د.أحسن بوسقيعة-قانون الإجراءات الجزائية في ضوء الممارسة القضائية الطبعة الثانية- الديوان الوطني للأشغال التربوية 2002 ص 117.
(3) أنظر الإجتهاد القضائي للغرفة الجنائية عدد خاص 2003 المرجع السابق ص 475.

- ولكي نتجنب سوء تطبيق القانون على الوقائع وما يرتبه من آثار في حق المتهم في بعض الأحيان ومن أجل تمكين المحكمة العليا من فرض رقابتها على طريق طرح السؤال باعتباره المجال الخصب لنقض أحكام محكمة الجنايات، فإننا نقترح أن تذكر الوقائع والظروف التي تثبت وجود الظرف المشدد في صلب السؤال المتعلق به وجوبا وبذلك يكونوا قد سببوا وعللوا حكمهم تعليلا صحيحا. فعوض مثلا أن يكون السؤال المتعلق بالترصد على النحو الذي سبق ذكره لما لا يكون مثلا على النحو التالي: "هل أن وجود ضغينة سابقة بين الجاني والمجني عليه ووجود الأول مختبئا ومعه سلاح في طريق المجني عليه دون أن يكون هناك مبرر لإختفائه في هذا الطريق يعد ترصدا طبقا للمادة 258 ق.ع".
- وعلى هذا الأساس سوف يكون السؤال ناقص وغامض ومنعدم التعليل متى كان غير متضمن للوقائع والملابسات التي استشف منها الظرف بالرغم من الإجابة عليه بالنفي أو الإيجاب، ومتى كان كذلك أرى أنه يتوجب نقض وإبطال مثل هذا الحكم على أساس القصور في التسبيب.
- ذلك أن قضاة محكمة الجنايات إن كانوا غير ملزمين بتبرير ما توصلوا إليه طبقا لقناعتهم الشخصية فإنهم ملزمون بطرح الأسئلة بطريقة صحيحة ذلك أن الأمر يتعلق بمسألة قانونية لا موضوعية تخضع لرقابة المحكمة العليا.
- قد يكون السؤال المطروح عن الظرف المشدد سؤال احتياطي، إذا تبين من خلال المرافعات والمناقشات التي دارت بالجلسة أن هناك ظروف مشددة غير مذكورة في منطوق قرار الإحالة للرئيس أن يطرح أسئلة خاصة بعد سماع طلبات النيابة العامة وشرح الدفاع وهذا ما نصت عليه المادة 306 ف1 ق.إ.ج ولا يجوز لهيئة المحكمة الإجابة عن أي سؤال إحتياطي لم يطرح بالجلسة ومخالفة هذه المادة يؤدي إلى البطلان.
- ومتى ثبت توافر أي ظرف من الظروف المشددة السابقة الذكر في حق المتهم فإنه يجب أن ترفع العقوبة من السجن المؤبد إلى الإعدام وهذا ما رأيناه سابقا- فضلا عن العقوبة الأصلية فإنه يجوز للقاضي أن يحكم على المتهم بأحد العقوبات التكميلية المنصوص عليها في المادة 09 ق.ع والمتمثلة في (1):
1- تحديد الإقامة لمدة لا تتجاوز 5 سنوات، وذلك من تاريخ إنقضاء العقوبة أو الإفراج عن المحكوم عليه.
2- المنع من الإقامة لمدة لا تتجاوز 10 سنوات من تاريخ الإفراج عن المحكوم عليه.
3- مصادرة الأسلحة والأشياء والآلات التي استعملت في ارتكاب الجريمة مع التحفظ بضمان حقوق الغير حسن النية.
إضافة إلى العقوبات التبعية التي تطبق في هذه الحالة بقوة القانون والمنصوص عليها في المادة 07 ق.ع. والمتمثلة في الحجر القانوني والحرمان من الحقوق الوطنية
---------------
(1) للمزيد من المعلومات حول العقوبات التكيملية والتبعية راجع الدكتور أحسن بوسقيعة-الوجيز في القانون الجزائي المرجع السابق ص 220 وما بعدها


avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الظروف المشددة لجريمة القتل العمد بالنظر إلى صفة المجني عليه

مُساهمة من طرف dingo في الخميس 01 سبتمبر 2011, 14:54

tachakorat lak

dingo
عضو نشط


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى