السببية الجنائية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

السببية الجنائية

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 06 يناير 2010, 19:07

السببية الجنائية

لا يكفي لقيام الركن المادي للجريمة أن يصدر سلوك إجرامي عن الجاني و أن تحصل نتيجة ضارة . بل لابد أن تنسب هذه النتيجة إلى ذلك السلوك أي أن يكون بينهما علاقة سببية .
و يقصد بالسببية إسناد أمر من أمور الحياة إلى مصدره ، و الإسناد في النطاق الجنائي على نوعين إسناد مادي و إسناد معنوي ، و يقتضي الإسناد المادي نسبة الجريمة إلى فاعل معين ، و يقتضي الإسناد المعنوي نسبة الجريمة إلى شخص متمتع بالأهلية المتطلبة لتحمل المسؤولية الجنائية ، و لا يعتبر الشخص متمتعا بهذه الأهلية إلاّ إذا توافر لديه الإدراك و حرية الاختيار ، تنتهي المساءلة الجنائية باختفاء أحدهما.
و لا يثار أي إشكال في علاقة السببية بين السلوك الإجرامي و النتيجة ، إذا كان الفعل الذي أتاه الجاني هو سبب تحقق النتيجة كأن يطلق الجاني النار على المجني عليه فيرد به قتيلا ، فإنّ السبب في مثل هذه الحال بين السلوك الإجرامي المصدر الوحيد و النتيجة واضحة لا غموض فيها . و لكن الإشكال يثار إذا تداخلت أسباب أخرى في إحداث النتيجة الضارة إلى جانب نشاط الجاني ، و قد تكون هذه الأسباب سابقة على الفعل الجرمي مثل اعتلال صحة المجني عليه ، و قد تكون معاصرة للفعل الجرمي مثل اعتداء آخر على المجني عليه في نفس الوقت الذي يحصل الاعتداء بين الجاني، وقد تكون تلك الأسباب لاحقة للفعل الجرمي كأن يطلق الجاني عيارا ناريا يصيب به المجني عليه الذي لا يقتل على الفور بل بتراخي الموت لفترة طويلة قد تتدخل فيها عوامل أخرى مثل خطأ الطبيب في علاج المجني عليه أو إهمال هذا الأخير في العلاج ، الأمر الذي يثير التساءل عن الدور الذي لعبته هذه العوامل في إحداث النتيجة و بالتالي تأثيرها على علاقة السببية بين الوجود و العدم.
ولقد كانت دراسة السببية ولا سيما في حالة تعددها مبحثا لاجتهادات فقهية هامة وتتلخص الاتجاهات الفقهية السائدة في هذا الخصوص في ثلاث اتجاهات :

1- نظرية تعادل الأسباب :
بنى نظرية تعادل الاسباب الفقيه الالماني von buri في النصف الاخير من القرن التاسع عشر. ومؤداها ان كافة العوامل التي ساهمت في احداث النتيجة الاجرامية تعتبر مكتافئة متعادلة، وان كلا منها تعتبر سببا كافيا بذاته في وقوعها، وعلى حد قول الفقيه الالماني: ان «كل نشاط مشترك يسبب كل النتيجة اي ان فعل الجاني يساوي سائر العوامل الاخرى التي ساهمت معه في احداث النتيجة الاجرامية تعتبر متكافئة متعادلة، وان كلا منها تعتبر سببا كافيا بذاته في وقوعها، وعلى حد قول الفقيه الالماني: ان «كل نشاط مشترك يسبب كل النتيجة اي ان فعل الجاني يساوي سائر العوامل الاخرى التي ساهمت معه في احداث النتيجة، فتوافر علاقة السببية بين نشاط الجاني وبين النتيجة التي ترتب عليه، مهما كان نصيبه في المساهمة في وقوعها بالقياس الى سائر العوامل الاخرى سابقة او مرافقة او لاحقة، فكل هذه الأسباب تستوي وتتعادل في إحداث النتيجة النهائية التي يسأل عنها الفاعل الأصلي لأن فعله كان سبباً لها، أو أنها حصلت بسببه، أو لم يكن لها أن تحدث لولا الفعل الأصلي.
نقد نظرية تعادل الأسباب: يجب الاعتراف بأن نظرية تعادل الأسباب هي من أوسع النظريات التي عالجت مشكلة السببية، كما أنها لا تخلو من مظهر السهولة والبساطة، حيث توفر على القاضي مشقة الموازنة بين قوة الأسباب المتعددة واختيار أحد هذه الأسباب، ولكن ذلك لا ينفي الغموض على هذه النظرية فيما تتخذ اساسا لحل مشكلة السببية، لذلك أخذ على هذه النظرية الملاحظات التالية:
1- أنها متناقضة مع نفسها، فهي تقول بتعادل الأسباب، ثم تلقي تبعة النتيجة على سبب واحد منها.
2- أنها تترخص في تفسير علاقة السببية الى درجة مساءلة الجاني عن العوامل الشاذة وغير المألوفة في الحياة عادة.
3- لم تفرق بين العامل الفعال والمؤثر في إحداث النتيجة الضارة، وبين ما يكون دورة ثانويا وضعيفا غير مؤثر.
ولتوضيح حقيقة هذه الملاحظات الثلاث نضرب الأمثلة الآتية:
فلو أن شخصا طعن آخر بقصد قتله، فأحدث به إصابة، نقل على إثرها الى المستشفى، فأهمل الطبيب رعاية المصاب مما أخر علاجه، ثم شب حريق بالمستشفى قضى عليه، فإن هذه النتيجة تسند الى محدث الإصابة، لأنه لولاها لما كان المجني عليه، قد دخل المستشفى، ولما كان قد أصابه الموت بما اشتعل فيها من حريق.
فإذا وضع شخص سما في طعام المجني عليه، وكان هذا السم غير كاف لإحداث الوفاة، إلا أن المجني عليه لم يلق العناية الكافية من الطبيب، فساءت حالته الصحية وطال أمر علاجه، ثم شب حريق في المستشفى أودى بحياته، فإن الجاني في هذه الحالة يعتبر مسؤولا عن الوفاة، إذ لولا اعتداؤه على حياة المجني عليه بوضع السم في طعامه، لما نقل الى المستشفى، ولما أهمل الطبيب في علاجه، ولما طالت مدة مكوثه على فراش المرض، ولما صادف وجوده في المستشفى ساعة الحريق، وموته متأثرا من حروقه.
ويلاحظ على الأمثلة أنها تحمل العمل الإنساني تبعة جميع النتائج، حتى ولو تداخلت فيها الطبيعة بالقسط الأكبر، أما إذا اجتمع مع افعال إنسانية عديدة وأخرى طبيعية، فإن السببية تتركز في الفعل الإنساني الأول، أي الذي أثار الأفعال الإنسانية الأخرى، وكذلك الأفعال الطبيعية.
وقد أهلمت هذه النظرية، لأنها تقود الى نتائج شاذة، مادام تسلسل الأسباب يعرض اصحابها للمسؤولية التامة.

2- نظرية السبب الأقوى او الفعال :
مؤدى هذه النظرية أن الجاني يسأل عن النتيجة الإجرامية التي أحدثها إذا كان فعله هو السبب الأقوى بين الأفعال الأخرى التي ساهمت في إحداث النتيجة. أو بعبارة اخرى أن يكون فعله هو السبب الأساسي، وتكون الأفعال الأخرى مجرد عوامل مساعدة ساعدت هذا السبب، وهيأت له، ومعنى ذلك أنه إذا قام بالدور الأول أو الفعال عامل آخر سابق على فعل الجاني، أو لاحق عليه، فإن هذا العامل يعتبر سببا للنتيجة، ولا يعد فعل الجاني إلا مجرد شرط أو ظرف عارض ساعد في إحداث النتيجة، ولكنها لا تستند إليه.
نقد نظرية السبب الأقوى: يؤخذ على هذه النظرية الآتي:
1- أنها تقوم على تقسيم العوامل التي ادت الى وقع النتيجة، الى عوام اساسية وعوامل مساعدة، وهو تقسيم معيب، فمن غير الممكن في ظروف الجرائم المتشابكة عادة، اجراء عملية فرز الافعال وتوزيعها بين قوي وضعيف، كما انه يمكن القول بأن العوامل الطبيعية، رغم ضعفها كانت ضرورية لاحداث النتيجة، بل ما كان من الممكن ان تحدث لولا وجودها.
2- انها تؤدي الى افلات المتهم احيانا من عاقبة أفعاله اذا ما تدخلت الى جانبها عوامل اخرى، او افعال اجنبية، ولو بقسط يسير غير محقق الأثر، وان تطبيق هذه النظرية يؤدي الى حصر السببية في أضيق نطاق.
ولتوضيح حقيقة هذين الانتقادين نضرب الأمثلة الآتية: لو اخطأ الطبيب في علاج المجني عليه، او اخطأ في عملية الجراحة، فإن هذه العوامل تبقى علاقة السببية في حق المتهم، لانها تكون السبب المباشر او الاقوى في احداث النتيجة الضارة وليس نشاط الجاني، ويلاحظ ان من تدخل العوامل الاجنبية الى جانب نشاط الجاني ما يعد مألوفا في حياتنا اليومية، مثل خطأ الطبيب، أو حتى مجرد اهمال المجني عليه في العلاج، وقد تعد هي السبب المباشر في احداث النتيجة، فيفلت من ثم الجاني من العقاب ومن هنا ينذر خطورة هذه النظرية.
فاذا اطلق الجاني عيارا على المجني عليه بقصد قتله، ولكن الطلقة النارية اصابته في ذراعه، وعند نقله بواسطة سيارة الاسعاف الى المستشفى انقلبت هذه السيارة فمات المجني عليه، فهنا يعد السبب المباشر في احداث الوفاة، والسبب الاقوى ليس نشاط المتهم المادي، وانما هو سبب اخر اجنبي عنه.

3- نظرية السببية الملائمة :
هذا الاتجاه يرسم للسببية نطاق أوسع من سابقه وتنسب هذه النظرية في المقام الأول إلى الفقيهين الألمانيين''humelui-vonkries'' وبمقتضاها أن الفعل الصادر عن الجاني لا يعتبر سببا لوقوع نتيجة جرمية معينة إلا إذا تبين أن هذا الفعل صالح الأحداث تلك النتيجة وفقا للمجرى العادي للأمور ويعتبر فعل الجاني سببا مناسبا أو ملائما للنتيجة التي حصلت إذا كان كافي بذاته لحصولها مادامت ظروف الحال تنبؤ بأنه قد توقعها وبصرف النظر عن العوامل الأجنبية والتي تكون قد توسطت بين فعله والنتيجة النهائية ومن تم فإن السببية الملائمة لا تكتفي بوجود رابطة طبيعية بين السلوك والنتيجة وإنما تتطلب في السلوك مواصفات خاصة وهي أن يملك الإمكانيات الموضوعية لتحقق النتيجة بحيث تبدو هذه متوقعة وفقا للمجرى العادي للأمور.
فالعبرة في هذا الاتجاه إذن هي بكون النتيجة ممكنة وعادية مع مراعاة الأمور و العوامل التي حدثت فإن تداخل في مجرى الحوادث عامل شاد أو استثنائي-انقطعت رابطة السببية كما كان موت المصاب قد حصل نتيجة إحراق المستشفى الذي نقل إليها .
اذن فهذه النظرية لا تعتبر نشاط الجاني سببا لوقوع نتيجة إجرامية معينة الا اذا تبين ان هذا النشاط صالح لإحداث تلك النتيجة وفقا للسير العادي للامور. فيعتبر نشاط الجاني سببا في النتيجة ولو ساهمت معه في إحداثها عوامل اخرى ما دامت هذه العوامل متوقعة ومألوفة.
أما اذا تضافر مع نشاط الجاني في إحداث النتيجة عامل شاذ غير متوقع فانه ينفي رابطة السببية بين الوفاة وبين نشاط الجاني، ويسأل عن شروع في القتل اذا توافر لديه القصد. ويقاس التوقع بمعيار موضوعي هو ما يتوقعه الشخص العادي اذا وجد في مثل ظروف الجاني. ومن أمثلة العوامل المتوقعة المألوفة التي لا تقطع علاقة السببية ان يهمل المجني عليه في علاج نفسه إهمالا ينتظر عادة ممن كان في مثل ظروفه وبيئته ، او ان يخطئ الطبيب المعالج خطأ يسيرا في علاجه. ويعد من قبيل العوامل الشاذة غير المألوفة التي تقطع علاقة السببية ان يتعمد المجني عليه عدم معالجة نفسه بقصد تسويء مركز المتهم، وخطأ الطبيب في علاج المجني عليه خطأ جسيما.
وتعد هذه النظرية من أكثر النظريات شيوعا سواء في الفقه أو القضاء في تحديد السببية لكن يؤخذ عليها مع ذلك كونها لا تخلو من التحكم والتقدير فاعتبار النتيجة متوقعة أم شاذة مع مراعاة الظروف التي حدثت فيها مسألة تقديرية يختلف فيها تقدير الناس ولا يصح أن تبنى أحكام القانون الجنائي على أسس تقديرية.



avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى