خصائص القانون الإداري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

خصائص القانون الإداري

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين 11 يناير 2010, 4:00 pm


خصائص القانون الإداري.
يتميّز القانون الإداري بمجموعة خصائص أضفت عليه طابعا مميزا و جعلت منه قانونا مستقلا وله ذاتيته الخاصة. ومن هذه الخصائص أنه حديث النشأة يتسم بالمرونة ودائم الحركة كثير التطور إلى جانب ذلك أنّه قانون غير مقنن ومن منشأ قضائي نوجز هذه الخصائص فيما يأتي:
1. القانون الإداري حديث النشأة:
سبق القول عند الحديث عن نشأة القانون الإداري أنّ هذا الفرع من القانون ظهر للوجود على يد محكمة التنازع ومجلس الدولة الفرنسيين ابتداء من المرحلة التي أعترف فيها لمجلس الدولة بالسلطة التقريرية ولم يعد جهة رأي واقتراح.
ومعنى ذلك أنّه قبل 1872 لا يمكن الحديث في علم القانون عن فرع اسمه القانون الإداري بالمعنى الفني كمجموعة قواعد استثنائية غير مألوفة في مجال القانون الخاص تحكم نشاط الإدارة و تنظيمها ومنازعاتها.
ولقد قلنا سابقا أنّ نشأة هذا القانون بالذات ارتبط بالظروف السياسية التي مرت بها فرنسا. وهذا أمر طبيعي طالما كان القانون الإداري يحكم السلطة التنفيذية في تنظيمها و عملها وعلاقاتها و منازعاتها.
ولا شك أنّ هذه السلطة في الزمن السابق للثورة كانت على الغالب الأعم لا تخضع للرقابة القضائية. ولا يسأل أعوانها عما سببوه من ضرر للغير. ومع التطور الذي طرأ على المجتمع الفرنسي خاصة بعد الثورة أصبحت الإدارة تسأل عن أعمالها التي تسبب ضررا للغير. وتخضع في نشاطها للرقابة القضائية. وهو ما ثبت عملا كما رأينا في قضية بلانكو الشهيرة.[1]
وهكذا فإن تغير نمط الحكم في فرنسا عقب الثورة وما تبعه من تشريعات كان له أثر كبير في ظهور القواعد الغير مألوفة أو القانون الإداري بالمعنى الفني. وحري بنا التنبيه أنّ حداثة نشأة هذا الفرع من القانون شكلت ولو نسبيا عائقا يقف وراء غموض كثير من مصطلحاته إلى غاية اليوم نذكر منها المرفق العام والسلطة العامة و المنفعة العامة...الخ
ورغم الجهود المبذولة من قبل الفقه و القضاء في فرنسا وخارجها فان بنيان هذه القانون لم يكتمل بعد.
2- القانون الإداري يتسم بالمرونة و التطور:
لماّ كان القانون الإداري يهتم أساسا بالإدارة العامة ويحكم نشاطها فانّه تبعا لذلك وجب أن يكون قانونا متطورا لا يعرف الاستقرار[2] ذلك أنّه ما صلح للإدارة اليوم قد لا يكون كذلك في وقت لاحق.
وتأسيسا على ذلك وجب أن يتكيف هذا القانون مع متطلبات الإدارة وفقا لما يتماشى ووظيفتها في إشباع الحاجات العامة للجمهور. وهذا الهدف وحده نراه في حركة دءوبة ودائمة. الأمر الذي سينعكس في النهاية على أحكام ومبادئ القانون الإداري فيجعلها قابلة للتطور و التغيير.
وإذا كانت قواعد القانون المدني و التجاري و البحري مثلا رغم ثباتها النسبي قابلة للتعديل من زمن إلى آخر، كلما اقتضى الأمر ذلك، فإنّ قواعد القانون الإداري و هي التي تتسم بعدم قابليتها للتقنين و الحصر كأصل عام ستفسح مجالا في حالات كثيرة للإدارة لاختيار القاعدة التي تليق بها. كما أنّ القضاء ذاته صرح في كثير من أحكامه و قراراته ومنها بلانكو المشار إليه أنّ أحكام هذا القانون قد تتغير بحسب مقتضيات المرفق العام.
ولا نجانب الصواب عند القول أنّ هذه المرونة كانت أحد أهم الأسباب التي حالت وتحول دون تقنين القانون الإداري. فإذا كانت خطوات الفرد وعلاقته محدّدة ومعلومة ويمكن معرفتها و التنبؤ بها وتنظيمها بمقتضى نصوص رغم تشعبها، فإنّ الأمر لا يكون كذلك إذا دخل في الاعتبار عنصر الإدارة العامة مما يتعذر معه التنبؤ بالنشاط مسبقا، وبالظروف المحيطة به، وتفاعل الإدارة مع هذه الظروف، وموقف القاضي منها...
ولا شك أن هذه المرونة ازدادت سعتها وامتد نطاقها بظهور ميادين وقطاعات جديدة أفرزها تدخل الدولة في مجالات كانت الإدارة بعيدة عنها فيما مضى كالنشاط الاقتصادي و الاجتماعي.
ولا تفوتنا الإشارة أنّ التقدم العلمي و التكنولوجي أيضا يساهم في إنشاء نشاطات إدارية مختلفة و التحكم فيها. فالاختراعات العلمية و الاكتشافات الكثيرة و المتنوعة وما لازمها من ظهور لمشروعات متنوعة أدى إلى تدخل الدولة لمباشرة هذه النشاطات والإشراف والرقابة عليها بما يؤدي إلى سيطرتها على مختلف أوجه النشاط وتنظيم الحركية الاقتصادية بهدف إشباع الحاجات العامة للجمهور.
3- القانون الإداري غير مقنن:
يقصد بالتقنين تجميع رسمي لأهم المبادئ القانونية بخصوص مسألة معيّنة في منظومة تشريعية كأن نقول القانون المدني أو القانون التجاري أو البحري. والتقنين على هذا النحو عملية تشريعية تتمثل في إصدار تشريع يضم المبادئ والقواعد التي تحكم فرعا معينا من الروابط و العلاقات.
ويظهر التقنين نتيجة جهود تقوم بها كل من السلطة التشريعية داخل كل دولة وكذلك جهود السلطة التنفيذية. كما يساهم الفقه أيضا وكذلك القضاء بشكل غير مباشر في ظهور التقنين.
ويأخذ ظهور التقنين زمنا غير قصير. وكلّما تضافرت الجهود من أجل صياغة تقنين معين كلّما ظهر التشريع في صورة يخلو من الثغرات القانونية والأخطاء.
ولاشك أنّ تقنين القاعدة وتبيان ألفاظها وحصر معانيها يؤدي إلى وضوحها فيسهل على القاضي معرفة مقصد المشرع ونيته من خلال ما أقره من قواعد مقننة. ومن ثمّ يسهل عليه الإلمام بها وتطبيقها أحسن تطبيق.
ولقد سبق البيان أنّ التشريع في غير المجال الإداري يتسم بالثبات ولو نسينا بحكم إمكانية التنبؤ بالعلاقة وما قد تثيره من إشكالات. ومن ثمّ فانّ مهمة المشرّع تكون يسيرة وهو يضع قواعد للقانون المدني أو التجاري أو البحري. وخلاف ذلك تماما تكون المهمة في غاية من التعقيد و العسر إن هو حاول حصر وجمع مختلف القواعد الّتي تنظم شتى صور النشاط الإداري بمجالاته المختلفة. من أجل ذلك ذهب الدكتور سليمان محمد الطماوي إلى القول: " إنّه لو قدر لهذا القانون أن يقنن لأصبح أكثر القوانين عرضة للتغيير و التبديل...".[3]
و إذا ما أتينا لحصر الأسباب التي تحول دون تقنين القانون الإداري لأمكن جمعها فيما يلي:
أ- حداثة نشأة هذا القانون: إنّ هذا القانون كما بينّا سابقا حديث النشأة فقواعده لم تظهر إلا في أواخر القرن 18 ولازالت لحد الساعة في طور التكوين. وهذا خلافا لقوانين أخرى كالقانون المدني و الجنائي و المالي يعود ظهورها إلى قرون خلت.
ب- مرونة النشاط الإداري: إنّ مرونة النّشاط الإداري وقابليته للتطور و صعوبة التنبؤ بمختلف جوانب النشاط الإداري وما يحيط به من إشكالات قانونية، كلها عوائق تقف دون إمكانية جمع مختلف أحكام ومبادئ القانون الإداري.
وإذا كان عدم التقنين يشكل أحد الخصائص التي تميّز القانون الإداري، فإنّه من جهة أخرى يعتبره البعض عيبا من عيوب هذا القانون ذلك أنّ عدم التقنين ينجر عنه عدم وضوح القواعد التي تحكم الإدارة العامة وعدم ثباتها مما يجعل في النهاية قواعد هذا القانون سرية لا يعلمها إلا من تخصص في القانون الإداري أو كان على صلة مباشرة بالإدارة مما يفقد أيضا الأفراد شعورهم بالاطمئنان خوفا من مراكزهم القانونية التي قد يصيبها الاهتزاز.
ونظرا لما أسفرت عنه ميزة عدم التقنين من نتائج، وهي أحد مساوئ القانون الإداري في نظر البعض، كثرت الصيحات التي تنادي بضرورة تقنين هذا القانون وجمع قواعده وأحكامه في منظومة واحدة. غير أنّ طبيعة هذا الفرع تأبى من أن يقنّن في مجموعة تشريعية شاملة تحكم مختلف أوجه النشاط الإداري.
وإذا كانت القاعدة العامة هي عدم قابلية القانون الإداري للتقنين و الحصر فانه استثناء من ذلك يجوز تقنين بعض لجوانب التنظيم الإداري أو النشاط الإداري أو وضع قواعد إجرائية تحكم منازعات الإدارة أو موظفيها أو أموالها أو بعض سلطاتها.
- القانون الإداري قانون قضائي:
أجمعت مختلف الدراسات أنّ القضاء خاصة الفرنسي ممثلا في مجلس الدولة لعب دورا رائد في إظهار القانون الإداري إلى حيز الوجود. ذلك أنّ مجلس الدولة وفي مرحلة القضاء المفوض، حين عرضت عليه منازعات الإدارة رفض إخضاعها للقانون الخاص وفي غياب كامل لنصوص أخرى تحكم نشاط الإدارة. الأمر الذي فرض عليه تقديم البديل وإيجاد النصوص الّتي تلائم متطلبات الإدارة العامة. وشيئا فشيئا وحال فصله في المنازعات الإدارية المعروضة عليه استطاع المجلس أن يرسي قواعد قانونية من العدم وعرف من خلالها كيف يوازن بين المصلحة العامة أي حقوق الإدارة و سلطتها من جهة، وحقوق الأفراد من جهة أخرى. وهذه القواعد أصطلح عليها فيما بعد بالقانون الإداري.
وتدفعنا ميزة المنشأ القضائي للقانون الإداري التمييز بين القاضي العادي والقاضي الإداري. فالأول قاض تطبيقي أي أنّه يتولى تطبيق النصوص على القضايا المعروضة عليه. فإذا كان النزاع مدنيا لجأ للقانون المدني وان كان تجاريا لجأ للقانون التجاري وهكذا...بينما تتجلّى مهمة القاضي الإداري أنّه كأصل قاضي تأسيس و إبداع وإنشاء، فهو الذي يبدع القاعدة في حال عدم وجودها و تطبيقها على النزاع المعروض عليه، وهي مهمة في غاية من الصعوبة.[4]
من أجل ذلك تمتّع القاضي الإداري بسلطات أوسع من القاضي المدني، سلطات من شأنها أن تساعده على إقرار قاعدة عادلة تحكم النزاع الذي بين يديه خاصة وأنّ أحد أطراف النزاع سلطة عامة (السلطة التنفيذية) وتتمتع هي الأخرى بامتيازات وسلطات. ومن ثمّ كان لزاما تزويد القاضي بسلطة أوسع لإخضاع الإدارة للقانون تكريسا وتطبيقا لمبدأ المشروعية.
---------------
[1] الدكتور توفيق بوعشبة، المرجع السابق، ص 22.
أيضا الدكتور ثروت بدوي المرجع السابق، ص 93.
الدكتور محمد السناري، المرجع السابق، ص 43.
الدكتور رفعت عيد السيد، المرجع السابق، ص 78.
الدكتور ماهر جبر نضر، المرجع السابق، ص 20.
[2] الدكتور عوابدي عمار، دروس في القانون الإداري، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 1990 ص66.
[3] الدكتور محمد سليمان الطماوي، مبادئ القانون الإداري، ص 30.
[4] راجع على سبيل المثال: ليلى زروقي، دور القاضي الإداري في مراقبة مدى احترام الإدارة للإجراءات االمتعلقة بنزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة، مجلة مجلس الدولة، العدد 3، 2003، ص 13 وما بعدها.
د.ع. بوضياف

Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: خصائص القانون الإداري

مُساهمة من طرف HOUWIROU في الأحد 20 فبراير 2011, 5:40 pm


HOUWIROU
عضو نشط


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: خصائص القانون الإداري

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 01 أبريل 2012, 8:06 am



خصائص القانون الإداري
• يتميز القانون الإداري بمجموعة من الخصائص التي تميزه عن فروع القوانين الأخرى، وتتمثل هذه الخصائص بما يلي:
• أولا: حداثة النشأة:
• سبق أن بينا- عند الكلام عن نشأة وتطور القانون الإداري - أن نظرياته ومبادئه لم تتبلور إلا في النصف الأول من القرن العشرين وذلك بفضل جهود القضاء والفقه الإداريين الفرنسيين، وان نشأة وتطور نظرياته جاء تدريجياً حتى استقرت على ما هي عليه الآن. ولهذا فان القانون الإداري يعتبر حديث النشأة إذا ما قورن بغيره من فروع القانون الأخرى كالقانون المدني الذي ترجع أصوله وجذوره إلى تاريخ القانون الروماني وتاريخ الشريعة الإسلامية.
• ويرجع بعض الفقهاء النشأة المتأخرة للقانون الإداري في فرنسا إلى مجموعة من العوامل أهمها: تأخر ظهور الوحدات الإدارية اللازمة لنشوء القانون الإداري، وحداثة فكرة الفصل بين شخصية الحكام وشخصية الدولة حيث جاء الاعتراف للدولة بالشخصية المعنوية وتميزها عن شخصية الحكام متأخرا، وتأخر نشأة مجلس الدولة الذي أدى إلى تأخر نشأة القانون الإداري بوصفه قانوناً قضائيا من صنع هذا المجلس.
• أما نشأة القانون الإداري في بعض البلاد العربية فقد كانت حديثة نسبياً بسبب ارتباط هذه النشأة بتنظيم القضاء الإداري واستقلاله عن القضاء العادي، ففي مصر نشأ القانون الإداري بعد إنشاء مجلس الدولة المصري عام 1946، وتطور بعد ذلك تدريجياً حتى أصبح قانوناً مستقلاً ومتميزا بأحكامه وقواعده ومبادئه. وقد ساهم الفقه الإداري المصري في إبراز نظريات القانون الإداري ومبادئه. وفي الأردن كان لإنشاء محكمة العدل العليا- استنادا لأحكام الدستور- اثر في نشأة وتطور القانون الإداري في الأردن من خلال إرساء قواعده وأحكامه التي تضمنتها أحكامها الصادرة في المنازعات الإدارية على اختلاف موضوعاتها.
ثانيا- صعوبة التقنين:
• يعني التقنين (Codification) بمعناه العام: تجميع القواعد القانونية المتعلقة بأحد فروع القانون، وذلك بعد ترتيبها وتنسيقها مع إدماجها في مدونة واحدة تصدر عن السلطة المشرعة المختصة في شكل تشريعات عادية.
• وللتقنين بهذا المعنى ميزة أساسية تتمثل في تسهيل الرجوع للقواعد المقننة من جانب المشتغلين بتطبيق القانون وتنفيذه ودراسته، بالرغم مما يؤخذ عليه من أنه يؤدي إلى جمود القوانين وتخلفها عن مسايرة التطور، وهو الأمر الذي يتعارض مع وظيفة القانون، فضلا عن أن التقنين يحد من شمول القانون بسبب الاكتفاء بالمبادىء العمومية وعدم شمول الأمور والمسائل الجزئية والتفصيلية، مما يجعل التقنين متسما بالنقص.
• وإذا كان التقنين ممكنا في بعض فروع القانون، وذلك بإصدار قانون واحد يضم القواعد الكلية التي تحكم نشاطا معينا، فان القانون الإداري يستعصي على التقنين. فالقانون التجاري مثلا في كثير من البلاد ينظم كافة الأنشطة التجارية، ونصوصه مقننة في قانون واحد هو القانون التجاري. وكذلك الشأن في القانون المدني الذي يحكم العلاقات المدنية وقانون العقوبات الذي ينظم الجريمة والعقاب وغيرها. في حين لا يوجد في أية دولة قانون موحد يحمل اسم القانون الإداري يتضمن قواعد جامعة تحكم جميع موضوعات القانون الإداري، بل توجد تشريعات إدارية كثيرة جدا ومتناثرة هنا وهناك، وتحمل عنوان النشاط الذي تعالجه، وهذه التشريعات جميعها هي التي يضمها تعبير القانون الإداري.
• وترجع صعوبة تقنين القانون الإداري إلى عدة عوامل أهمها:
• العامل الأول: سرعة تطور موضوعاته وتشعبها: ذلك أن القانون الإداري لم يتوقف قط عن التطور والتغيير ليتلاءم مع الظروف والتطورات المستجدة التي فرضها اتساع نشاط الإدارة العامة وتشعب مجالاتها، فضلا عن تطور أحكام القانون الإداري نتيجة لتأثره بالعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية الدائمة التغيير. وكل ذلك لا يتفق مع فكرة التقنين التي تتنافى مع مثل هذه البيعة المتطورة، حيث يصبح من الصعب الإقدام على تعديل قواعده التي تحكم موضوعات متطورة في حالة تقنين قواعده. كما أن تباين موضوعاته وتعددها يجعل من الصعب وضع تقنين واحد يتضمن قواعد قانونية تحكم موضوعات مثل: الخدمة المدنية، والمرافق العامة، والضبط الإداري، والقرارات الإدارية. وغيرها، كما أن مثل هذا التباين في موضوعات القانون الإداري يجعل من الصعب أيضا صياغة نظرية عامة تسري على هذه الموضوعات جميعا مثل نظرية الالتزامات في القانون المدني، والأحكام العامة للجريمة في قانون العقوبات.
• العامل الثاني: النشأة القضائية لمعظم قواعده: إذ أن مثل هذه النشأة لا تتلاءم مع التقنين الذي لا تتحقق فوائده إلا بالنسبة لقواعد تتسم بالثبات والاستقرار النسبي، ولا تكون عرضة للتأثير السريع والمستمر. ومن هنا فليس من اليسير صياغة القواعد والمبادىء التي يستنبطها ويقررها القضاء في شكل مواد قانونية لها صفة الشمول والثبات.
• وصعوبة التقنين كخصيصة من خصائص القانون الإداري تمثل ميزة وعيب في الوقت ذاته، فعدم التقنين الشامل لجميع موضوعاته ييسر تطوير التشريعات الإدارية حسبما تقتضيه المصلحة العامة، ذلك أن الإقدام على تعديل بعض أحكام قانون مقنن آمر ذو خطر يجب التروي قبل الإقدام عليه. أما التشريعات الفرعية فلا تتمتع بمثل هذه القداسة، فلو كانت النصوص الإدارية مقننة لتردد المشرع كثيرا قبل التفكير في تعديلها، وهو ما يتنافى مع الطبيعة المتطورة للموضوعات الإدارية. غير أن عدم التقنين – بالمقابل- عيب يلاحق القانون الإداري، فتناثر نصوصه دون وحدة تربط بينها يؤدي إلى تضارب قد تحاول السلطة الإدارية الاستفادة منه، كما أنه يزيد من مشقة الباحث الذي يبذل جهدا مضاعفا للتنقيب عن النصوص التي تحكم الموضوع الواحد وتتبعها زمنياً، فليس مستغرب أن يستند الباحث إلى نص معين ثم يفاجأ بأن المشرع عدله أو ألغاه.
• إلا أن صعوبة تقنين القانون الإداري لم تمنع من تنظيم موضوعاته بتشريعات خاصة من أمثلتها في التشريعات الأردنية: قانون المجالس البلدية والقروية، وقوانين المؤسسات العامة، وقانون (الاستملاك) أو نزع ملكية العقار للمنفعة العامة، وقانون محكمة العدل العليا، ونظام الخدمة المدنية، كما أن صعوبة التقنين لم تمنع من ناحية أخرى من تجميع النصوص المتناثرة التي تحكم موضوعات إدارية في مجلد واحد من قبل فرد أو جهة عامة، كان تجمع كافة القوانين والقرارات والتعليمات المتعلقة بالموظفين العموميين، أو تلك المتعلقة بالمناقصات والمزايدات والتي تحكم العقود الإدارية، في كتيب واحد يعرضها بأسلوب علمي ويحمل اسما يتفق مع موضوعاته. ومثل هذا التجميع ليس له قيمة قانونية وإنما تبقى له فائدته العملية بالنسبة إلى الباحثين ورجال القانون.
• ثالثا- الطابع القضائي:
• يكاد يجمع الفقه والقضاء الإداريين على أن القانون الإداري قانون قضائي، بمعنى أن القضاء الإداري هو المصدر الرئيسي للقانون الإداري، فهو من صنع القضاء الإداري وليس من صنع المشرع. ذلك أن القضاء الإداري لم يكن مجرد قضاء تطبيقي كالقضاء المدني بل قضاء إنشائيا يبتدع النظريات ويبتكر المبادىء القانونية، ويوجد الحلول المناسبة التي تتفق مع طبيعة العلاقات التي تنشا بين الإدارة والأفراد، وخاصة إذا وجد القاضي الإداري نفسه مضرا إزاء عدم وجود نص قانوني يحكم المنازعة الناشئة عن مثل هذه العلاقات. ذلك أن طبيعة وظيفة القاضي الإداري المتميزة تقتضي ألا يقف عاجزا عن ابتكار الحلول المناسبة للنزاع المطروح أمامه لمجرد جمود القواعد القانونية، فمن المتفق عليه أن القاضي الإداري يستطيع الخروج على القواعد القانونية وابتكار الحلول التي تتناسب وطبيعة النزاع المطروح أمامه، ومن ثم فان طبيعة الوظيفة الإنشائية للقاضي الإداري تقتضي في بعض الحالات الاعتداد بالظاهر طالما اقتضت المصلحة العامة ذلك دون أن يكون هناك أي قيود تشريعية تحد من سلطة القاضي الإداري في هذا الصدد، على خلاف الأمر بالنسبة للقاضي المدني.
• ويترتب على الطابع القضائي للقانون الإداري نتائج هامة تتمثل في أن القواعد التي يستنبطها القضاء الإداري تكتسب طابعا عمليا لأن القاضي الإداريينظر إلى النتائج العملية التي يؤدي إليها تطبيق القاعدة التي يستخلصها مراعيا للظروف التي ترافق النزاع الذي سيعرض عليه مستقبلا. يضاف إلى ذلك أن القاضي الإداري يحرص فيما يبتدعه من قواعد قانونية على التوفيق بين المصلحة العامة التي تستهدفها الإدارة والمصالح الخاصة للأفراد، وهذا يقتضي تقرير سلطات وامتيازات للإدارة تتمثل في: التنفيذ الجبري للقرارات الإداري، وسلطات الإدارة في تعديل بعض أحكام العقد الإداري، ونزع ملكية العقار للمنفعة العامة.
• وتبدو أهمية الطابع القضائي للقانون الإداري من خلال ارتباط هذه الخصيصة بمستوى الهيئة أو الجهة القضائية التي تستنبط أو تستخلص المبادئ الإداري، وهي في الغالب هيئة القضاة والمستشارين الذين يتكون منهم مجلس الدولة أو المحاكم الإدارية العليا كمحكمة العدل العليا الأردنية، وهم على مستوى رفيع من العلم والاستقلالية ويقدرون وضع الدولة والمصلحة العامة، فضلا عما تتسم به مثل هذه الهيئات القضائية من الجرأة في مواجهة التشريع وتفسير النصوص، وكل ذلك يعطي قيمة كبيرة لقواعد القانون الإداري التي يبتكرها القضاء الإداري.
• رابعا: المرونة وسرعة التطور:
• إذا كانت قواعد القوانين على اختلاف أنواعها تتسم عادة بالثبات والاستقرار، فان قواعد القانون الإداري - على عكس ذلك- تتسم بالمرونة والتطور، ذلك أن قواعد القانون الإداري لا تتجمد في نصوص تشريعية محددة وإنما هي في حركة دائبة بسبب تأثرها بالعوامل والاعتبارات الاجتماعية والسياسية والتكنولوجية التي تحيط بالإدارة، فاحتياجات الإدارة العامة ومقتضيات سير مرافقها متجددة ومتغيرة بحيث يلزم أن تعدل أو تتغير القواعد القانونية باستمرار حتى تتلاءم مع هذه الاحتياجات المتطورة.
• على أنه يلاحظ أن الفارق- من حيث درجة الثبات والاستقرار- بين القانون الإداري وفروع القانون الأخرى يقل في بعض الظروف، وخاصة في الدول النامية، حيث تشكل معظمها حركات تشريعية واسعة، تحاول من خلالها إقامة بناء قانوني جديد، أو تعديل تشريعات قائمة في وقت قصير سدا للفراغ التشريعي القائم فيها، مما يترتب عليه الوقوع في أخطاء تشمل كافة فروع القانون العام والخاص، ثم تسعى لعلاج هذه الأخطاء بتشريعات لاحقة مما يوقعها في أخطاء جديدة، وهكذا يكثر التعديل والإلغاء في نصوص القانون الإداري وفي غيره من فروع القانون، فتفقد كلها صفة الثبات والاستقرار مع اختلاف في الدرجة، وقد شهدت الأردن مثل هذه الحركات التشريعية الواسعة في ظل التجربة الديمقراطية الجديدة حيث شهدت هذه المرحلة توسعا في البناء القانوني سواء بوضع مشروعات قوانين جديدة أو تعديل تشريعات قائمة، ومنها تشريعات إدارية.
• وتبدو أهمية هذه الخصيصة من خصائص القانون الإداري في أنها تجعل قواعد القانون الإداري أكثر ملائمة مع حقائق الحياة المتغيرة والمتنوعة، وتساعد على تحقيق الأهداف التي يتوخاها المشرع الإداري وهي: العدالة، والمصلحة العامة للجماعة، والمصالح الخاصة للأفراد. ذلك أن تحقيق مثل هذه الأهداف يتطلب قدرا من المرونة التي يمكن أن تراعى عند وضع قواعد القانون الإداري وعند تطبيقها، لأن من شان القواعد القانونية المرنة عند تطبيقها تحقيق اكبر درجات الملائمة للحالات الواقعية المختلفة التي تواجه الإدارة.
• ومن أهم الأسباب التي أدت إلى تطور واتساع مجالات تطبيق قواعد القانون الإداري وبالتالي مرونة وتطور قواعده:
• الحروب العالمية والمحلية: وما رافقها من استعدادات وتنظيمات لمواجهتها والتغلب على آثارها ونتائجها الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي اثر كثيرا في اتساع مجالات القانون الإداري وتطويره. ومن مظاهر هذا التطور وضع تشريعات إدارية استثنائية وطارئة لمواجهة الأزمات التي تسببها في جميع مناحي الحياة.
• تزايد تدخل الحكومة في جميع المجالات: وذلك بسبب اتساعه وظيفة الدولة الحديثة، الأمر الذي اقتضى ممارستها للكثير من الوظائف والقيام بالنشاطات الاقتصادية.
• والاجتماعية التي كانت ميدانا للنشاط الفردي قبل ذلك، وأدى كل ذلك توسيع نطاق علاقات الإدارة بالأفراد، وبالتالي تعقد وتشعب العلاقات الإدارية، مما ترتب عليه مرونة قواعد القانون الإداري لتتلاءم مع هذا التطور المستمر،
• التقدم العلمي والتكنولوجي: حيث أدت الثورة التقنية (التكنولوجية) الهائلة التي يشهدها العالم المعاصر- وهي ثورة شملت مجالات المعلومات وأساليب الإدارة المختلفة- إلى خلق نشاطات إدارية جديدة وخاصة في مجال المشروعات الصناعية الضخمة التي تتطلب رؤوس أموال كبيرة لا يستطيع الأفراد القيام بها، ومن أمثلتها في الدول المعاصرة: مشروعات الكهرباء، والسكك الحديد، وصناعة البترول والحديد الصلب، ومصانع الأجهزة الالكترونية، وغيرها من الصناعات الحديثة التي تتولى الدولة إدارتها، وكل ذلك تطلب وضع قواعد قانونية إدارية تحكمها.
• ازدياد عدد السكان: فالزيادة الضخمة في عدد سكان دول العالم في الوقت الحاضر أدت إلى اتساع تطبيق القانون الإداري في مجالات مختلفة ومتعددة مثل: إنشاء وتنظيم أجهزة إدارة جديدة سواء كانت مركزية أو لا مركزية لتقديم الخدمات وإشباع الحاجات اللازمة للسكان، وتنظيم الإسكان، وتخطيط وتنظيم المدن، والمحافظة على البيئة، وكل ذلك يؤدي إلى إيجاد تشريعات إدارية جديدة لمواجهة الخدمات التي تترتب على زيادة عدد السكان، أو تعديل التشريعات الإدارية القائمة لتلبية متطلبات هذا التطور.
• الإصلاحات الإدارية: والتي تشمل في أحيان كثيرة إعادة النظر في الهياكل التنظيمية للأجهزة الإدارية في الدولة على اختلاف صورها المركزية واللامركزية، أو إعادة تنظيم أوضاع الموظفين، أو تنظيم الرقابة الإدارية والمالية على الأجهزة الإدارية في الدولة بهدف تفعيل دورها وضمان سلامة تصرفاتها وأعمالها، وكل ذلك يقتضي تطور قواعد القانون الإداري التي تحكم الأوضاع الإدارية الجديدة.
• خامسا: الاستقلالية
• تعني هذه الخصيصة من خصائص القانون الإداري أن قواعد القانون الإداري تشكل قانوناً قائما بذاته له أصوله ومبادئه الخاصة، وله قضاؤه الإداري الذي يتولى تطبيق قواعده على المنازعات الإدارية، ويثور التساؤل في الفقه الإداري حول مدى هذه الاستقلالية، وما إذا كان استقلال القانون الإداري - كصفة مميزة له- يعني الاستقلال المطلق عن القانون الخاص بشكل عام والقانون المدني بشكل خاص، أم يعني الاستقلال النسبي لوجود قواعد مشتركة بين القانونين، وان اختلفت في أسسها وتنظيمها في كل منهما؟
• وتقتضي الإجابة على هذا التساؤل تصنيف قواعد ومبادىء القانون الإداري من حيث استقلالها عن قواعد القانون الخاص، وتحديد درجات هذا الاستقلال إلى ثلاث مجموعات:
• المجموعة الأولى: قواعد ومبادىء ونظريات توجد في القانون الإداري لا مقابل لها في القانون الخاص، ويرجع ذلك إلى الاختلاف في طبيعة القانونين وغايتهما، فالقواعد القانونية الإدارية لا تطبق إلى على الروابط والعلاقات الخاصة وتهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، وهي تختلف عن روابط وعلاقات القانون المدني التي تقوم بين الأفراد أو الأشخاص المعنوية الخاصة وتهدف إلى تحقيق مصلحة خاصة، ومن أمثلة قواعد هذه المجموعة: امتيازات السلطة الإدارية كسلطة الإدارة في إصدار القرارات الإدارية بإرادتها المنفردة، وسلطاتها في تعديل بعض شروط العقد الإداري أثناء تنفيذه لمقتضيات المصلحة العامة، وامتياز التنفيذ الجبري والمباشر لقراراتها، وامتياز نزع ملكية العقار للمنفعة العامة، كما أن من أمثلة مبادىء ونظريات هذه المجموعة: المبادىء التي تحكم سير المرافق العامة، والمسؤولية الإدارية على أساس المخاطر، ونظرية الموظف الفعلي، وغيرها من المبادىء والنظريات الخاصة بالقانون الإداري. وهكذا يظهر من خلال أمثلة هذه المجموعة استقلال القانون الإداري استقلالا كاملا عن القانون الخاص.
• المجموعة الثانية: قواعد ومبادىء ونظريات مقتبسة من قواعد القانون الخاص مع تعديلها وتحويرها بما يتلاءم مع طبيعة الروابط الإدارية، وهي مجموعة يقوم القاضي الإداري باستنباطها من قواعد القانون المدني ثم يتولى تنسيقها وتطويره وتطويعها وفقا لاحتياجات الإدارة ولكي تتلاءم مع طبيعة المنازعات الإدارية، ومن أمثلة هذه القواعد والمبادىء والنظريات، تلك الخاصة بنظرية العقد، ونظرية الشخصية المعنوية، ونظرية المسؤولية التقصيرية، ونظام الملكية الخاصة، ونظام الوصاية، وغيرها، كما سيتضح لنا عند بيان العلاقة بين القانون الإداري والقانون المدني في الفصول التالية.
• المجموعة الثالثة: قواعد ومبادىء موجودة في القانون المدنية ويلتزم القضاء الإداري بتطبيقها بحكم النص القانوني، فالأصل أن مثل هذه القواعد وضع لتحكم روابط القانون الخاص، إلا أنها تطبق وجوبا في مجال القانون الإداري إذا وجد نص يقضي بذلك، وفي هذه المجموعة يفقد القانون الخاص بشكل مباشر، وذلك على عكس المجموعتين السابقتين حيث يطبق القاضي الإداري فيهما أما قواعد خاصة بالمنازعات الإدارية، أو قواعد وأحكام مدنية بعد تعديلها وتحويرها لتتلاءم مع طبيعة روابط القانون الإداري والمنازعات الإدارية، ومن ابرز الأمثلة لهذه المجموعة: قواعد وأحكام الأهلية الواردة في نصوص القانون المدني، والأحكام الخاصة بأصول المحاكمات المدنية والتجارية، والتي يطبقها القاضي الإداري عند تحديد أهلية المتخاصمين أمامه، وفي مجال دعوى الإلغاء في الحالات التي لم يرد بشأنها نص خاص.
• وهكذا يتضح لنا أن قواعد القانون الإداري ليست على درجة واحدة من الاستقلال، وان هناك قواعد خاصة مستقلة للقانون الإداري لا يوجد لها نظر في القانون الخاص، ثم تأتي بعد ذلك درجة استقلال اقل من الأولى تتمثل في القواعد والأحكام التي يقتبسها القاضي الإداري من القانون الخاص ويتولى تطويرها وتطويعها لتتلاءم مع المنازعات الإدارية، وفي هاتين المجموعتين يحتفظ القانون الإداري بكامل استقلاله في مواجهة القانون الخاص، أما في المجموعة الثالثة- حيث يقوم القاضي الإداري بتطبيق قواعد القانون الخاص مباشرة بدون إجراء أي تعديل أو تحوير فيها- فيفقد القانون الإداري استقلاله أمام القانون الخاص، وهكذا يمكن القول على ضوء ما تقدم أن للقانون الإداري طابعة المميز واستقلاله عن القانون الخاص، إلا أن هذا الاستقلال نسبي وليس مطلقاً.


Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى