التفسير التكاملي لدى أنريكو فيري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التفسير التكاملي لدى أنريكو فيري

مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء 12 يناير 2010, 11:34


التفسير التكاملي لدى أنريكو فيري
تمهيد :
على الرغم من أنريكو فيري Enrico Ferri (1856-1928) - عالم الاجتماع والنائب بالبرلمان الإيطالي وأستاذ القانون الجنائي بجامعتي روما وتورينو - يعد واحداً من أقطاب المدرسة الوضعية الإيطالية ، غير أنه نحى في دراسته لأسباب الظاهرة الإجرامية منحاً اجتماعياً يأخذ في اعتباره بعض العوامل الخارجية المحيطة بالمجرم ، ولا يقتصر فقط على دراسة العوامل الداخلية لهذا الأخير. وقد ضمن فيري أفكاره في مؤلفه الذي أصدره عام 1884 بعنوان "علم الاجتماع الجنائيLa sociologie criminelle" ، والذي سبق وأن نشره تحت عنوان "الآفاق الجديدة للقانون العقوبات" ثم أعيد طبعه في عام 1928 تحت عنوان "مطول قانون العقوبات". وسوف نعرض أولاً لمضمون نظرية فيري ، والتي يطلق عليها البعض "نظرية العوامل المتعددة La théorie multifactorielle ، قبل أن نكشف عن أوجه النقد التي وجهت إليها[1].
المطلب الأول : مـضـمـون نـظـريـة فـيـري
بدأ أنريكو فيري نظريته بنقد ما توصل إليه أستاذه لومبروزو ومبالغته في أهمية العوامل الداخلية في تفسير الظاهرة الإجرامية ، خاصة ما يتصل بالصفات الجسدية. فقد أثبتت الدراسات مثلاً خطأ النتائج المستخلصة فيما يتعلق بالربط بين الجريمة وبين قلة حجم ووزن الجمجمة إذ انه قد تأكد وجود الكثير من العباقرة ممن تقل أوزان جماجمهم عن وزن جمجمة الرجل العادي ومع ذلك لم ينجرفوا في تيار الجريمة.
ويرى فيري أن السلوك الإجرامي ما هو إلا ثمرة حتمية نتيجة لتفاعل ثلاثة أنواع من العوامل الإجرامية. أولها العوامل الأنثروبولوجية Facteurs anthropologiques ، المتصلة بشخص المجرم ، سواء التي تتعلق بالخصائص العضوية والنفسية للمجرم ، أو المتعلقة بالمميزات الشخصية له كالسن والجنس والنوع والمهنة والحالة الاجتماعية. وثانيها العوامل الطبيعية والجغرافية Facteurs physiques ou consmo-telluriques ، المرتبطة بالبيئة الطبيعية أو الجغرافية ، ومثالها الظروف الجوية وتأثير الفصول ودرجة الحرارة وطبيعة التربة والإنتاج الزراعي...الخ. أما آخر تلك العوامل فهي العوامل الاجتماعية Facteurs sociaux ، وهي مجموعة العوامل الخارجية التي تنشأ من البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها المجرم. ويمثل لتلك العوامل بتركيز السكان ، والرأي العام ، والمعتقدات الدينية ، والإنتاج الصناعي ، ونظام التعليم ، والتنظيم الاقتصادي والسياسي...الخ.
وانطلاقاً من الفرضية السابقة والتي مؤداها نسبة السلوك الإجرامي لتفاعل عدة عوامل فقد وضع فيري ما يسمى "بقانون الإشباع والتشبع الإجرامي" Loi de la saturation et de la sursaturation criminelles ، وهو قانون يشبه قانون الكثافة في علم الكيمياء ، ومؤداه أنه إذا تكاتفت عوامل طبيعية وجغرافية معينة ، مع ظروف اجتماعية معينة ، فينتج حتماً عدداً معيناً من الجرائم لا ينقص ولا يزيد. وطبقاً لهذا القانون أيضاً يصل فيري إلى القول بأن كل حدث غير طبيعي أو طارئ - كحرب أو ثورة أو وباء عام...الخ - يؤدي إلى اطراد سريع في معدل الإجرام سرعان ما يعود هذا المعدل إلى حاله السابق حالما يزول الحدث الشاذ.
وعلى الرغم من أن فيري لم يقع في خطأ التفسير الأحادي ، ورغم عدم إنكاره أهمية العوامل البيولوجية في الدفع نحو الجريمة ، غير أنه يضع العوامل الاجتماعية والطبيعية في المقام الأول باعتبارها المحرك لدفع المجرم إلى سلوك سبيل الجريمة[2].
وقد قسم فيري المجرمين إلى أنماط خمس ، بحسب تأثير طائفة معينة من العوامل في الدفع نحو الجريمة. فهناك من جانب طائفة المجرمين بالميلاد Criminels nés ، ويمثلون ذات النموذج الذي قدمه لومبروزو من قبل والمتعلق بمن ينجرفون للجريمة بفعل العوامل الأنثروبولوجية ، وإن كانوا لدى فيري غير مقودين حتماً إلى طريق الجريمة إلا إذا تدخلت عوامل أخرى اجتماعية. وهناك المجرمين من ذوي العاهة العقلية Criminels aliénés الذين يندفعون إلى سبيل الجريمة بفعل مرضهم العقلي بحسب الأصل وتحفيز من مؤثرات وعوامل اجتماعية وطبيعية.
وهناك من جانب آخر المجرمين بالاعتياد Criminels d’habitude ، وتباشر العوامل الاجتماعية دوراً مؤثراً – إذا ما قورنت بالعوامل العضوية - في دفع هؤلاء نحو السلوك الإجرامي. وتأتي طائفة المجرمين بالصدفة Criminels d’occasion والذين ينزلقون في تيار الجريمة لضعف التكوين البيولوجي ووطأة المؤثرات الاجتماعية المحيطة. وأخيراً أشار إلى طائفة المجرمين العاطفيين Criminels passionnels الذين يتميزون بالحساسية المفرطة فلا يستطيعون مقاومة بعض الظروف الاجتماعية العارضة فيقدمون علي ارتكاب السلوك الإجرامي.
المطلب الثاني : تـقـيـيـم نـظـريـة فـيـري
إذا وضعنا نظرية فيري على مائدة التقييم فإننا ندرك شمولية رؤية هذا العالم في تفسير الظاهرة الإجرامية إذا ما قورن ببعض النظريات السابقة أو اللاحقة عليه. كما تتجلى قيمة هذا العالم في إبرازه أن أحد طرق مكافحة الظاهرة الإجرامية تتمثل في الاهتمام بتغيير الظروف الاجتماعية المحيطة بالفرد من خلال انتهاج سياسة اجتماعية واقتصادية وثقافية تهدف إلى تحييد العوامل الدافعة للإجرام. وهنا تظهر قيمة قولته الشهيرة "أن مكافحة الجريمة في طريق مظلم لا تتأتى بزيادة أعداد رجال الشرطة في هذا الشارع وإنما بإنارته". كما أن محاولته لتصنيف المجرمين حسب نوع العوامل التي تقف وراء إجرام كل طائفة كان له أبلغ الأثر في تحديد طبيعة ونوع المعاملة العقابية في شأن كل طائفة.
بيد أن تلك النظرية لا تخلو من النقد ، ومن بين ما وجه إليها :
1- قيل أن تصنيف فيري للعوامل الإجرامية تعوزه الدقة ، ودليل ذلك أنه يدخل الإنتاج الزراعي ضمن العوامل الطبيعية في حين يرى أن الإنتاج الصناعي يدخل ضمن العوامل الاجتماعية أو البيئية. وربما الذي دفع فيري إلى هذا التحليل هو دور الفرد المحدود بالنسبة للإنتاج الزراعي إذا ما قورن بدوره في الإنتاج الصناعي. كما أن احتكاك الفرد بغيره يقل في المجتمعات الزراعية عنه في المجتمعات الصناعية.
2- كما انتقدت نظرية فيري لتمسكها بفكرة المجرم بالميلاد ، وتمييزه بين المجرم بالصدفة والمجرم العاطفي رغم وحدة الخصائص بينهما.
3- وعيب أيضاً على فيري تمسكه بفكرة الحتمية الإجرامية ، فهذه الفكرة تعتبر دخيلة على علم الإجرام ولا تتفق مع كونه علماً إنسانياً وليس طبيعياً. فالحتمية ونقيضها حرية الاختيار فكرتان فلسفيتان ينشغل بهما علم مجرد هو الفلسفة ، في حين أن علم الإجرام علم تجريبي تفسيري لا يحفل كثيراً بالمفاهيم الفلسفية.
4- كما قيل أن التسليم بتعدد الأسباب الدافعة إلى السلوك الإجرامي أم يمثل في حد ذاته إنكاراً للسببية الإجرامية برمتها. وهذا ما نبه إليه دوركايم عندما أنكر ما نادى به جون ستيوارت ميل من أن الأثر الواحد قد ينجم في حالات عن سبب معين وفي حالات أخرى عن سبب آخر. فقد كشف دوركايم عن أن لكل أثر سبب واحد دائماً A un même effet correspond toujours une même cause. الأمر الذي كان يوجب بدلاً من صياغة نظرية عامة تصلح لكل الأنماط الإجرامية التركيز على تحليل نظريات فرعية تصلح لتفسير طوائف إجرامية معينة.
4- كما أن القول بتعدد الأٍسباب التي تقف وراء السلوك الإجرامي هو تحليل مخل لفكرة السببية الإجرامية ، إذ لا يتضمن هذا القول كشفاً عن القوانين العلمية التي تربط الجريمة والعوامل التي تقف ورائها. بمعنى آخر أن هذا التحليل المتكامل يعجز عن أن يبين لنا الكيفية التي يقع بها السلوك الإجرامي.
5- وقيل أن تلك النظرة التكاملية إنما تشوه صورة البحث العلمي ، إذ أن منطقها يوجب على الباحث في علم الإجرام أن يعد قائمة طويلة من الأسباب والمقدمات السيئة (كالتفكك الأسري والفقر والجهل والبطالة) والتي يمكن أن تقف دافعاً وراء السلوك الإجرامي.
6- وأخيراً فإن القول بأن السلوك الإجرامي يقف وراءه جملة من العوامل الأنثروبولوجية والاجتماعية دون اختيار العامل الفعال في توليد الظاهرة الإجرامية فيه إهدار لذاتية علم الإجرام كعلم قائم بذاته ، إذ لا يصبح هذا الأخير سوى تجميع لجملة من أفرع العلم المختلفة.
----------------
[1] حول مضمون نظرية فيري ونقدها : التفصيل حول مضمون تلك النظرية ونقدها :
F. Colin, Enrico Ferri et l’avant projet de code pénal italien, Bruxelles, 1925, p. 29 et s ; G. Stéfani, G. Levasseur et R. Jambu-Merlin, op. cit., p. 33 et s ; R. Gassin, op. cit., p. 157 et s.
د. عبد الفتاح الصيفي ، المرجع السابق ، ص276 وما بعدها ، د. يسر أنور علي ود. آمال عثمان ، المرجع السابق ، ص165 وما بعدها ، د. جلال ثروت ، المرجع السابق ، ص113 وما بعدها ، د. عبد العظيم وزير ، المرجع السابق ، ص103 وما بعدها ، د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع السابق ، ص132 وما بعدها ، د. سليمان عبد المنعم سليمان ، المرجع السابق ، ص297 وما بعدها ، د. فتوح الشاذلي ، المرجع السابق ، ص99 وما بعدها.
[2] والبعض من أنصار الاتجاه التكاملي يرون أيضاً أن التحليل النهائي لسببية الجريمة سون يرجعها إلى عامل أو عاملين رئيسيين وعد أكبر من العوامل الثانوية والمهيأة. وهذا ما ذهب إليه عالم النفس البريطاني سيرل بيرت Cyril Burt والذي قسم عوامل الجريمة إلى درجات أربع : عامل ظاهر ، وعامل رئيسي مساعد ، وعامل ثانوي مهيأ ، والظروف الحاضرة غير المؤثرة.


مقتطف من كتاب الـمـدخـل : لدراسة الظاهرة الإجرامية والحق فى العقاب
الجزء الأول : الـظـاهــرة الإجـرامـيـة
دكتور أحـمـد لطـفـى الــســيــد
كلية الحقوق - جامعة المنصورة
قسم القانون الجنائى
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى