التفسير التكاملي لدى دي توليو

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التفسير التكاملي لدى دي توليو

مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء 12 يناير 2010, 12:02


التفسير التكاملي لدى دي توليو
تمهيد وتقسيم :
تعتبر النظرية التي صاغها الطبيب الإيطالي بينينو دي توليو Benigno Di Tullio في مؤلفه حول علم طبائع المجرم (الأنثروبولوجيا الجنائية) عام 1945 - والتي تعرف بنظرية الاستعداد الإجرامي Théorie de la constitution délinquantielle - أشهر النظريات التي تتبنى اتجاهاً تكاملياً في تفسير الظاهرة الإجرامية[1]. ويجدر بنا لتفهم حقائق تلك النظرية أن نعرض لمضمونها ، ثم بيان أوجه النقد التي وجهت إليها.
المطلب الأول : مضمون نظرية دي توليو
أولاً : فكرة الاستعداد الإجرامي :
تعبر الجريمة عند دي توليو عن وجود نوع من عدم التوافق الاجتماعي Inadaptation sociale ، ناشئ عن وجود "حالة استعداد خاص للجريمة " Etat de prédisposition spécifique au crime كامنة في شخص المجرم ولم تخرج إلى النور إلا بسب وجود خلل عضوي ونفسي يضعف من قدرة الشخص على التحكم في نزعاته وميوله الفطرية (قوى الدفع للجريمة) ، ويجعل الشخص أكثر استجابة للمؤثرات الخارجية المحفزة أو المفجرة للسلوك الإجرامي.
فالسلوك الإجرامي عند دي توليو شأنه شأن المرض ، فكما أن الناس يتعرضون جميعهم لأنواع عدة من الميكروبات ورغم ذلك لا يصابون جميعهم بالأمراض ، بل لا يصاب بها إلا من ضعفت مقاومته في التصدي لهذه العوارض الخارجية ، وكذلك السلوك الإجرامي ، فلدى الكل استعداد إجرامي نحو الجريمة غير أن البعض فقط هو الذي يدخل إلى طور التنفيذ نتيجة وجود خلل في تكوينهم العضوي والنفسي يجعلهم أقل قدرة على التكيف مع متطلبات الحياة الاجتماعية وأقل قدرة على كبح جماح غرائزهم الفطرية ، وفي ذات الوقت تقل أو تنعدم لديهم القوى المانعة من الجريمة أو ما يسمى بالغرائز السامية.
فلدى الكافة - بحسبان أنهم بشر - غرائز أساسية فطرية ، مثل الغريزة الجنسية وغريزة التملك وغريزة الاقتتال والدفاع ، وهذه الغرائز تكون تعبيراً عن "القوة الدافعة للجريمة". غير أن تلك الغرائز تتهذب بفعل عناصر مكتسبة Eléments acquis منذ مرحلة الطفولة على أثر التعليم والثقافة وتلقين القيم الدينية والأخلاقية. ويؤدي هذا التهذيب إلى نشوء غرائز ثانوية سامية ، يطلق عليها تعبير "القوة المانعة من الجريمة".
فإذا التقى الاستعداد الإجرامي بمثير خارجي ، نشأ صراع بين نوعي الغرائز. فإذا تغلبت الغرائز الأساسية (القوة الدافعة للجريمة) على الغرائز السامية (القوة المانعة للجريمة) أقدم الشخص على ارتكاب السلوك الإجرامي ، والعكس بالعكس. الأمر الذي يفسر لنا علة ارتكاب البعض دون البعض الأخر للسلوك الإجرامي رغم وحدة الظروف البيئية.
ويقسم دي توليو الاستعداد الإجرامي إلى نوعين : الأول هو الاستعداد الإجرامي الأصيل ، وهو الذي يتصف بالثبات والاستمرار ويكشف عن ميل فطري نحو الجريمة نتيجة خلل في العناصر الوراثية Eléments héréditaires والخلقية Congénitaux المرتبطة بالتكوين العضوي والنفسي للفرد. ويدفع هذا النوع من الاستعداد نحو ارتكاب الجرائم الخطيرة والاعتياد عليها. أما النوع الثاني فهو الاستعداد الإجرامي العارض والذي يرجع إلى تأثير عوامل بيئية واجتماعية - كعوامل الفقر والغيرة الشديدة أو الحقد - تقلل من قدرة الفرد على ضبط مشاعره والسمو بغرائزه. ويتوافر هذا النوع من الاستعداد لدى المجرمين بالصدفة والمجرمين العاطفيين.
ولا يجب أن يفهم من ذلك أن الاستعداد الإجرامي يكون رهناً عند دي توليو بوجود وراثة إجرامية خاصة. فالحق أن دي توليو يعترف فقط بوجود ميول إجرامية Tendances criminogènes ليس لها في ذاتها طبيعة جنائية. غير أن تلك الميول يكون من شأنها أن تدفع الفرد إلى السلوك الإجرامي إذا ما صادفت مثيراً خارجياً اتحد معها فأيقظها وتفاعل معها[2].
ثانياً : أساليب الكشف عن الاستعداد الإجرامي :
لما كان الاستعداد الإجرامي لدى دي توليو يضم عناصر وراثية وأخرى بيئية ، ويعد بمثابة ميل نحو الجريمة ، ناشئ عن نقص أو خلل يصيب الفرد في تكوينه العضوي أو النفسي ، يؤدي إلى غلبة الغرائز الأساسية الفطرية على القوة المانعة منها ، فإن الكشف عن وجود هذا الاستعداد يستلزم حتماً فحص الشخصية الإجرامية من ثلاث نواحي :
أ- الفحص الخارجي :
يجب فحص أعضاء الجسم الخارجية للشخص للوقوف على ما إذا كانت ذات تكوين طبيعي واستكشاف ما بها من شذوذ. ويدخل في هذا الفحص تعيين الجنس Race الذي ينتمي إليه الشخص ، والكشف عما يوجد به من عيوب خلقية وتشوهات ، مثل تلك التي توجد بالرأس والجبهة. ولقد أكد دي توليو وجود نسبة كبيرة من التشوهات لدى المجرمين ، ترجع في الغالب أمراض أو التهابات أصيبت بها الأم في فترة الحمل فأثرت على تكوين الجنين العضوي أو النفسي.
ب- الفحص الداخلي :
ويهدف هذا النوع من الفحص إلى الوقوف على ما بأجهزة الجسم المختلفة (الجهاز الهضمي والعصبي والدوري والبولي والتناسلي...الخ) من خلل. كما يدخل في هذا الجانب فحص الجهاز الغددي (خاصة الغدة الدرقية) ، فلقد ثبت أن الخلل في افرازات الغدد بالنقص أو بالزيادة يؤثر على الحالة النفسية للفرد وبالتالي على مسلكه الشخصي العام.
ومما لاشك فيه أن العيوب الخارجية والاختلالات الوظيفية لأجهزة الجسم الداخلية التي تظهر نتاج هذين النوعين من الفحص أمراً ليس وقفاً على المجرمين وحدهم ، بل قد توجد أيضاً لدى غير المجرمين ؛ ومن ثم يتعذر اعتبارها سبباً مباشراً للسلوك الإجرامي. وكل ما يمكن تأكيده هو أن هذه العيوب والاختلالات يلاحظ انتشارها بين المجرمين بنسبة أكبر من غيرهم من الأفراد العاديين ، وأنها قد تسهم في خلق اضطراب نفسي يدفع إلى السلوك الإجرامي.
ج- الفحص النفسي :
يهدف الفحص النفسي إلى الكشف عن الحالة النفسية للمجرم والكشف عما يصيب غرائز الفرد وميوله من خلل أو اضطراب. ولقد أكد دي توليو على أن العديد من المجرمين يتميزون بسمات نفسية خاصة لا توجد لدى غير المجرمين أهما شذوذ الغرائز ، كشذوذ غريزة التملك ، الأمر الذي يدفع إلى ارتكاب جرائم الأموال ، وشذوذ غريزة الاقتتال والدفاع ذلك الخلل الذي يدفع لارتكاب جرائم الدم. كما يتميز المجرمون من الناحية النفسية بضعف التعلق بالمثل العليا وضعف القوى المانعة من الجريمة ، مما ينجم عنه الشعور بالارتياح عقب ارتكاب أو على الأقل عدم الشعور بالذنب.
هذه الاختلالات العضوية الخارجية أو الداخلية أو النفسية تزيد من عمل قوى الدفع للجريمة وترفع حالة الاستعداد الإجرامي لدى الفرد ، بحيث إذا ما التقى هذا الأخير بعوامل خارجية محفزة ومفجرة تفاعل معها واندفع الشخص نحو الإجرام.
ثالثاً : تصنيف المجرمين لدى دي توليو[3]:
اعتمد دي توليو في تصنيفه للمجرمين على فكرة "السقوط في الجريمة" Le seuil délinquantiel ، وما إذا كان هذا السقوط أو إنتاج الجريمة يرجع إلى غلبة عوامل عضوية نفسية Biopsychologique ، أم إلى غلبة عوامل خارجية تنبع من البيئة المحيطة بالفرد. فإذا كانت الجريمة في جميع الأحوال تقوم على ضرورة تفاعل هذين النوعين من العوامل في إنتاج الجريمة ، إلا أنه من المؤكد أن الأفراد يتفاوتون في طبيعة الاستعداد الإجرامي ومدى تأثره بالعوامل الخارجية. فقد يكون تأثير الاختلالات العضوية والنفسية في إنتاج الجريمة أكبر ، بحيث يمكن اعتبارها السبب المباشر للجريمة وما العوامل الخارجية إلا مثيرات ومهيئات لتحريك العوامل الأولى. في حين أن إجرام البعض الآخر قد يعود إلى التأثير الأكبر الذي تلعبه العوامل الخارجية والبيئية إذا ما قورنت بالعوامل التكوينية العضوية والنفسية.
وفي ضوء ذلك قسم دي توليو المجرمين إلى طوائف ثلاثة كبرى وبداخل كل طائفة تقسيمات فرعية : المجرم ذي التكوين الإجرامي ، والمجرم المجنون ، والمجرم العرضي.
أ : المجرم ذي التكوين الإجرامي :
المجرم ذي التكوين الإجرامي شخص دون الرجل العادي (الذي يتطابق سلوكه مع مقتضيات المجتمع) Conformiste من حيث الملكات النفسية والوازع الخلقي ، ويتوافر لديه استعداد إجرامي أصيل ، يكشف عن كثافة القوة الدافعة إلى الجريمة وتخلف قوى المنع منها. وعادة ما يرجع إجرام هذا النمط إلى وجود شذوذ غريزي كمي أو كيفي ، يسهم في حدته عيب في التكوين العضوي أو خلل في الجهاز العصبي وفي الملكات الذهنية.
وقد أوضح دي توليو أن هذا النمط الإجرامي عادة ما يتميز بخصائص موروفولوجية ونفسية خاصة ، كالتكوين العاطفي المعيب ، والقابلية للاستثارة بسهولة ، وسرعة الانسياق وراء الأفكار التسلطية ، والأنانية المفرطة والاعتداد بالذات ، وحدة المزاج ، والميل للكذب. وقد يتميز البعض من أفراد هذا النمط بنمو جثماني ناقص – أقرب لما قال به لومبروزو في شأن المجرم بالميلاد – ناشئ عن خلل بيولوجي.
وعادة ما تتوافر هذه السمات لدى المجرمين المحترفين ومرتكبي الجرائم الخطيرة ، وعلى الأخص كلما كانت السببية الإجرامية ترجع إلى عوامل نفسية وداخلية متصلة بوظائف أجهزة الجسم المختلفة.
وقد فرق دي توليو داخل هذه الطائفة بين أربعة نماذج : المجرم ذو التكوين الناقص Le constitutionnel à orientation hyperévolutive ، وهو الشخص الذي يرجع إجرامه إلى خلل موروث أو مكتسب نتاج مرض في الطفولة في النمو العقلي يؤثر على قدراته الذكائية والشعورية. والمجرم ذو الاتجاه النفسي العصبي Le Constitutionnel à orientation psychonévrotique ، وهو من تدفعه اضطرابات نفسية وعصبية نحو الجريمة. والمجرم ذو الاتجاه السيكوباتي ، وهو من يدفعه للجريمة وجود اختلالات في الشخصية تؤثر على حالته المزاجية. وأخيراً المجرم ذو الاتجاه المختلط ، وهو المجرم الذي يجمع في شخصيته بعض خصائص واضطرابات الأنواع السابقة[4].
ب : المجرم المجنون :
المجرم المجنون Délinquant fou هو من يجتمع مع جنونه – أي انعدام القدرة على الإدراك والتمييز - استعداد إجرامي ناشئ عن خلل عضوي أو نفسي على نحو سبق ذكره ، بحيث يكون هذا الأخير هو السبب المباشر في دفعه نحو الجريمة ، وما الجنون إلا عاملاً يضاعف من قوة وحدة هذا الاستعداد. ولما كان هذا النمط يرجع إجرامه إلى عوامل تكوينية تتصف بالثبات والاستمرار سابقة على الجنون ، فإن شفاء مثل هذا المجرم من جنونه لا يحول دون معاودة نشاطه الإجرامي.
وهذا النمط يختلف – في رأي دي توليو – عن المجنون المجرم Le fou délinquant الذي لا يرجع إجرامه إلى تكوين إجرامي بل إلى الجنون كظاهرة مرضية. ولذا فإن شفاء المجنون المجرم من جنونه يعني زوال سبب إجرامه.
ولا شك أن للتمييز بين النوعين من المجرمين أثره البالغ حال تحديد المسئولية الجنائية وقدر الخطورة الإجرامية وما يرتبط بهما من جزاء جنائي (عقوبة أو تدبير) في مرحلة المحاكمة ، وكذا حال تحديد الأسلوب المناسب لتنفيذ هذا الجزاء في مرحلة التنفيذ العقابي.
ج : المجرم العرضي :
المجرم العرضي أو بالصدفة Criminel d’occasion هو الذي يرجع إجرامه إلى تأثير عوامل خارجية وبيئية أزادت من القوة الدافعة للجريمة وأضعفت من القوة المانعة لها. وبزوال العامل أو المثير الخارجي يزول الخلل بين تلك القوتين فلا يكرر هذا النوع من المجرمين جرائمه. وبالتالي فإن هذا النمط لا يتوافر لديه استعداد أو ميل إجرامي أصيل أو كامن. كما أن العيب العضوي أو النفسي (العامل الداخلي) - رغم اشتراكه في إنتاج الجريمة – ليس له إلا دور ثانوي في هذا الصدد. فهذا الأخير ليس كفيلاً بمفرده أن يدفعه نحو الجريمة متى لم يتوافر مثير خارجي يمكن أن يخل بالتوازن الموجود لديه بين القوة الدافعة والمانعة للجريمة.
وقد فرق دي توليو داخل هذه الطائفة الإجرامية بين ثلاثة نماذج من المجرمين : المجرم بالصدفة المحض ، والذي يرتكب أفعالاً قليلة الأهمية تحت وطأة ظروف استثنائية بحتة. والمجرم بالصدفة العاطفي ، الذي يرجع إجرامه إلى خلل نفسي ناشئ عن ثورة انفعال عاطفية. والمجرم بالصدفة الشائع ، والذي يرجع إجرامه لفساد في العادات الاجتماعية أو سوء الصحبة...الخ ، وهو النمط الغالب من المجرمين العرضيين أو بالصدفة.
وإذا كانت العوامل الداخلية المرتبطة بالتكوين العضوي والنفسي قد تشارك في تخليق السلوك الإجرامي لدى المجرم بالصدفة (كالخلل في الجهاز العصبي الذي يؤدي إلى سرعة الاستفزاز والتعدى العرضي بالإيذاء) ، إلا أنه في بعض الأحيان قد يضعف دور العوامل التكوينية في المشاركة في جريمة المجرم بالصدفة ، بحيث لا تعزى هذه الأخيرة في مجملها إلا لعوامل خارجية استثنائية محضة. ومن ذلك الجرائم التي تكون وليدة جهل بالقانون أو خطأ غير عمدي مبني على الإهمال أو عدم التبصر أو مخالفة القوانين واللوائح ، ومنها أيضاً تلك الجرائم التي ترتكب تحت وطأة اضطرابات سياسية أو اجتماعية أو ظروف حرب تضعف من ثقة الناس في سلطان القوة الحاكمة.
المطلب الثاني : تقدير نظرية دي توليو
ليس لأحد أن ينكر فضل تلك نظرية دي توليو في توجيه الباحثين نحو الاهتمام بدراسة السلوك الإجرامي دراسة متكاملة باعتباره نتاج عوامل فردية واجتماعية ، مما يجعلها تتفادى عيوب التفسير الأحادي للظاهرة الإجرامية. غير أنه قد وجهت لها بعض الانتقادات والتي تدور في مجملها حول فكرة الاستعداد الإجرامي ، ومن بين تلك العيوب ما يلي :
- قيل أن التحليل التكاملي وفق منطق تلك النظرية يشوبه العوار. ذلك أن هذه النظرية قد قطعت بأن العوامل الاجتماعية لا يمكن أن تحدث أثراً إلا إذا صادفت استعداداً إجرامياً ، تكشف عنه إذا كان أصلياً أو تثيره إذا كان عرضياً. والحق أن بعض الجرائم قد لا يقف ورائها أي استعداد إجرامي. ومنها على سبيل المثال بعض الجرائم التي تقع بسلوك سلبي (كعدم التبليغ عن المواليد في المواعيد المقررة أو عدم الحصول على بطاقة شخصية عند بلوغ سن معينة)[5] ، والجرائم المبنية على الإهمال ، وبعض الجرائم السياسية التي يدفع إليها غايات سامية تنبع من الغيرة على الوطن. ويمكن أن يمثل لها أيضاً بقتل الزوج لزوجته وشريكها بناء على توافر عذر الاستفزاز حال مفاجئته زوجته متلبسة بالزنا (المادة 237 عقوبات).
- كما عيب على فكرة الاستعداد الإجرامي أنها لا تصدق إلا على الجرائم الطبيعية التي تتعارض مع القيم الاجتماعية والمبادئ الأخلاقية الراسخة في الضمير الإنساني. أما الجرائم المصطنعة فلا ينسجم تفسيرها مع فكرة الاستعداد الإجرامي ، على اعتبار أنها مخلوق قانوني من صنع المشرع ورهن بإرادته سواء في وجودها أو في بقائها. فهذه الأخيرة إذاً أمر يتغير بتغير الزمان والمكان ، مما لا يسوغ معه القول بأن هناك استعداداً فطرياً لإتيان فعل أهم سماته التبدل والتغير.
- وقيل أيضاً أن الأخذ بمنطق هذه النظرية معناه الحكم على من يأتي فعلاً كان مباحاً ثم جرمه المشرع بأنه ذو ميل إجرامي على الرغم من أن عناصر شخصيته لم يطرأ عليها أي تبدل. وبالمثل فإن منطقها يعني أن الاستعداد أو الميل الإجرامي قد زال عن المجرم الذي يستمر في إتيان فعل كان مجرماً ثم أباحه المشرع على الرغم من أن عناصر شخصيته لم يطرأ عليها أي تغير يذكر.
- وقد انتقد الفقيه الإيطالي جرسبيني نظرية دي توليو من حيث كونها سعت إلى تفسير السلوك الإجرامي في جزء منه على أساس الخلل العضوي ، رغم أن الجريمة - وقبل كل شئ - إرادة إجرامية آثمة تتولد نتيجة التفاعل بين عدة عوامل نفسية. لذا كان يتعين على هذه النظرية أن تبحث عن السبب المباشر للإرادة الإجرامية في نطاق هذه العوامل النفسية ، أما العوامل العضوية فليس لها على هذه الإرادة تأثير مباشر.
- وأخيراً فقد عيب على تلك النظرية أنها أرجعت الخلل النفسي إلى وجود خلل عضوي سابق عليه ، على الرغم من كون الأخير ذو طبيعة مادية ، في حين أن النوع الأول ذو طبيعة معنوية ، ولا يتأتى الكشف عنه إلا باستخدام أسلوب التحليل النفسي وهو ما لم يتبعه دي توليو.
ولقد حاول دي توليو وأنصاره الدفاع عن منطق تلك النظرية وذلك بالرد على الانتقادات التي وجهت إليها ، وقد تلخص مجمل دفاعهم في الآتي :
- فقد قيل رداً على النفر من الفقه القائل بأن بعض الجرائم قد لا يقف ورائها أي استعداد إجرامي وإنما يكون مرجعها فقط إلى توافر عوامل خارجية اجتماعية ، بأنه يتعين تحليل هذه الجرائم في ضوء تقسيم دي توليو للاستعداد الإجرامي إلى استعداد أصلي واستعداد عارض. وفي ضوء ذلك يكون التفسير الصحيح للجرائم التي يخيل للبعض أنها لا تقع إلا بتأثير العوامل الاجتماعية وحدها ، أنها ثمرة التقاء هذه العوامل باستعداد إجرامي عارض وليس استعداداً إجرامياً أصلياً. فدور العامل الاجتماعي يتوقف عند حد إثارة أو استنفار الاستعداد الإجرامي عارض. فتلبس الزوجة بالزنا يثير ثائرة الزوج وتحرك بداخله مشاعر الغيرة ويقع أسيراً للاضطراب النفسي ، الذي يتمثل والحال هكذا استعداد عارض للإجرام ، فيتوافر بذلك عاملان يولدان جريمة الزوج : الأول خارجي يتمثل في رؤية زوجته متلبسة بالزنا ، والثاني داخلي وهو الاستعداد الإجرامي العارض. وللتدليل على صدق ذلك أن ليس كل زوج يفاجئ زوجته متلبسة بالزنا يقتلها حتماً ، بل قد يكتفي البعض بفصم عرى الزوجية ستراً للفضيحة وحماية لسمعته وسمعة أولاده ، بينما قد يلجأ البعض للقضاء أملاً في الانتقام القانوني من زوجته.
- كما رد البعض على القول بأن الاستعداد الإجرامي فكرة لا تصدق إلا على الجرائم الطبيعية وحدها ، بقولهم أن هذا النقد في غير موضعه. ذلك أن البحث في علم الإجرام – كما سبق القول - لا يعتد إلا بالمفهوم القانوني للجريمة ، مما ينبغي معه فهم الاستعداد الإجرامي على أنه ميل إلى خرق القوانين وانتهاك النظم الاجتماعية السائدة. ولعل هذا هو ما يفسر إقدام البعض على ارتكاب الجرائم المصطنعة دون البعض الآخر. هذا فضلاً عن كون التفرقة بين الجرائم الطبيعية والمصطنعة أمر محل نقد ، إذ أن كون الجريمة مصطنعة لا ينفي عنها أنها سلوك مناهض لقيم المجتمع التي يحرص الشارع الجنائي على حمايتها.
- أما ما وجهه الأستاذ جرسبيني من نقد فلا يتعدى – في رأي أنصار تلك النظرية - كونه مجرد تحفظ على نظرية الاستعداد الإجرامي دون أن يمس ذلك بجوهرها.
وهكذا نكون قد عرضنا للنظريات التي قيلت من أجل محاولة تحليل وتفسير الظاهرة الإجرامية ، منتهين إلى أن المنطق السليم يوجب النظر لهذه الأخيرة على أنها خليط من مجموعة عوامل فردية داخلية وأخرى اجتماعية خارجية. غير أنه يبقى السؤال قائماً حول قدر مساهمة العوامل الفردية والخارجية في الدفع نحو ارتكاب السلوك الإجرامي. والحق أن الإجابة على هذا التساؤل تفرض علينا أن نتحرى صلة كل عامل على حدة بظاهرة الإجرام ، وهو ما سوف نخصص له الباب التالي من هذا المؤلف.
-------------
[1] راجع لمزيد من التفصيل حول مضمون نقد تلك النظرية :
B. Di Tullio, Manuel d’anthropologie criminelle, Edition française, mise à jour par V. Stanciu, Payot, Paris, 1951, spéc., p. 31 et s ; aussi, Principes de criminologie clinique, PUF. Paris, 1967, spéc., p. 127 et s ; P. Bouzat et J. Pinatel, op. cit., p. 296 et s.
د. عبد الأحد جمال الدين ، المرجع السابق ، ص38 وما بعدها ، د. رؤوف عبيد ، المرجع السابق ، ص314 وما بعدها ، د. عبد الفتاح الصيفي ، المرجع السابق ، ص219 وما بعدها ، د. جلال ثروت ، المرجع السابق ، ص84 وما بعدها ، د. فوزية عبد الستار ، المرجع السابق ، ص64 وما بعدها ، د. عوض محمد عوض ، المرجع السابق ، ص84 وما بعدها ، د. محمد زكي أبو عامر ، المرجع السابق ، ص257 وما بعدها ، د. عبد العظيم وزير ، المرجع السابق ، ص115 وما بعدها ، د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع السابق ، ص139 وما بعدها ، د. علي عبد القادر القهوجي ود. فتوح الشاذلي ، المرجع السابق ، ص49 وما بعدها ، د. حسن محمد ربيع ، المرجع السابق ، ص134 وما بعدها ، د. عدنان الدوري ود. أحمد محمد أضبيعة ، المرجع السابق ، ص134 وما بعدها ، د. فتوح الشاذلي ، المرجع السابق ، ص65 وما بعدها.
[2] R. Gassin, op. cit., p. 164 et s.
[3] B. Di Tullio, Manuel d’anthropologie criminelle, op. cit., p. 181 et s ; P. Bouzat et J. Pinatel, op. cit., p. 296 et s.
[4] R. Gassin, op. cit., p. 457 et s.
د. عبد الأحد جمال الدين ، المرجع السابق ، ص38 وما بعدها ، د. محمد زكي أبو عامر ، المرجع السابق ، ص257 وما بعدها ، د. عبد العظيم وزير ، المرجع السابق ، ص121 وما بعدها ، د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع السابق ، 143وما بعدها ، د. علي عبد القادر القهوجي ود. فتوح الشاذلي ، المرجع السابق ، ص52 ، د. حسن محمد ربيع ، المرجع السابق ، ص138 وما بعدها.
[5] على التوالي المادة 15 والمادة 44 من القانون رقم 260 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 11 لسنة 1965 في شأن الأحوال المدنية.


الـمـدخـل لدراسة الظاهرة الإجرامية والحق فى العقاب
الجزء الأول : الــظـــاهــرة الإجـــرامـــيـــة
دكتور: أحـــمـــد لــطــفــى الـــســـيــد
كلية الحقوق - جامعة المنصورة
قسم القانون الجنائى
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى