الأحكام العامة للصلح

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الأحكام العامة للصلح

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 28 يناير 2010, 16:23


الأحكام العامة للصلح

الفصل الاول من مذكرة التخرج للطلبة القضاة:
- محسني محـمــد - بوغـرارة سمير
- بوطرفة عبد الرزاق - عـباد غــوار
- بابا مولـود مـحمد - عز الدين برينيس
الدفعة 13
وضع التقنين المدني أحكام عامة عن الصلح من حيث أنه عقد ينحسم به النزاع القائم او المحتمل وقوعه ضمن الفصل الخامس تحت الباب السابع بعنوان العقود المتعلقة بالملكية وهذا ليس لأنه ينقل الملكية مثل البيع , بل لأن الصلح عقد يكشف عن الحقوق ولا ينقلها فهو يتضمن نزولا عنها فرتب القانون المدني نصوصه من المادة 459 إلى المادة 466 وقسمها إلى ثلاثة اقسام وعرض في القسم الآول أركان الصلح وفي القسم الثاني آثار الصلح والقسم الثالث بطلان الصلح .
وما نسير عليه في فصلنا هذا هو أن نبين الأحكام العامة لعقد الصلح وهذا كعقد من عقود التراضى الملزم للجانبين وهذا حسب ما جاء في القانون المدنى وهي الأحكام التى تحكم الصلح بصفة عامة وهذا كعقد ينهى النزاع سواء في المواد المدنية أو الجزائية ,على أن نتناول الصلح كإجراء في المواد المدنية والجزائية في الفصلين اللاحقين ونسير في هذا الفصل الى معالجة الصلح ضمن أربعة مباحث :

v المبحــــــث الأول : مـــــــاهية الصلح .
v المبحــــــث الثاني : أركــــــــان الصلح .
v المبحــــــث الثالث : آثــــــــــــار الصلح .
v المبحــــــث الرابع : الصلح في المواد المدنية والمصالحة في المواد الجزائية .

المبحث الأول : ماهية الصلح .
نتناول في هذا المبحث ضمن مطلبين إلى تعريف الصلح وشروطه في المطلب الأول , وفي المطلب الثاني إلى تميزه عن الأعمال القانونية المشابهة له .

المطلب الاول : تعريف الصلح وشروطه .
الفرع الأول : تعريف الصلح .
أ- الصلح في اللغة : هو إنهاء الخصومة فنقول صالحه وصلاحا إذا صالحه وصافاه , ونقول صالحه على الشيء أي سلك معه مسلك المسالمة في الإتفاق وصلح الشيء إذا زال عنه الفساد[1].

ب- الصلح لدى فقهاء الشريعة الاسلامية :
1- في الفقه الحنفي : هو عقد يرتفع به التشاجر والتنازع بين الخصوم وهما منشأ الفساد والفتن .
2- في الفقه المالكى :هو إنتقال حق أو دعوى لرفع نزاع أو خوف وقوعه .
3- في الفقه الشافعي :هو الذي تنقطع به خصومة المتخاصمين .
4- في الفقه الحنبلي : هو معاقدة يتوصل بهاإلى موافقة بين مختلفين .

ج- الصلح لدى فقهاء القانون : عرفه الدكتور محمود سلامة زناتي بأنه إتفاق حول حق متنازع فيه بين شخصين بمقتضاه يتنازل أحدهما عن إدعائه مقابل تنازل الأخرعن إدعائه أو مقابل أداء شيء ما [2] .
وعرفته الأستاذة إبتسام القرام في مؤلفها المصطلحات القانونية في التشريع الجزائري بأن الصلح (المصالح) : "عقد ينهي به الطرفان نزاعا قائما أو محتملا وذلك من خلال التنازل المتبادل ".
أما الدكتور بوسقيعة أحسن فيرى أنه يمكن تعريف المصالحة أو الصلح بوجه عام ,بأنها تسوية لنزاع بطريقة ودية[3] .

د- الصلح في التشريع الجزائري : لقد عرف المشرع الجزائري الصلح في المادة 459 من القانون المدني : " عقد ينهي به الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان به نزاعا محتملا وذلك بأن يتنازل كل طرف منهما على وجه التبادل عن حقه "[4].
ويختلف مفهوم الصلح في المجال المدني من فرع إلى آخر وكذا في المجال الجزائي , غير أن كل التعاريف تشترك في كون الصلح طريقة ودية لإنهاء النزاع وويختلف بإعتباره كعقد أو كإجراء ,فإن كانت المفاهيم السابقة تعرفه كعقد فإنه بالنظر إليه كإجراء أو كما يسمى بالصلح القضائي فقد عرف كالآتي :"هو الإجراءات التى تفرضها بعض القوانين على المتخاصمين لإلزامهم للحضور امام القاضي ومحاولة تقريب وجهات نظرهم بعد إقامة الدعوى وخصوصا في مسائل الطلاق والفراق "[5].

الفرع الثاني : شروط الصلح .
نص المشرع الجزائري على الشروط الواجب توفرها حتى نكون أمام صلح ,وبالإطلاع على أحكام المواد 459 ,460,461,من القانون المدني نجدها تتضمن شروط عامة يمكن تطبيقها على الصلح بصفة عامة سواء في المواد المدنية أو الجزائية نتناولها بإختصار في هذا الفصل على أن نقف إلى الشروط الخاصة بالصلح في المواد المدنية أو الجزائية في الفصلين الموالييين .
فقد نصت المادة 460 من القانون المدني على أنه : " يشترط في من يصالح أن يكون أهلا للتصرف بعوض في الحقوق التي يشملها عقد الصلح ", كما نصت المادة 461 على أنه : " لا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالنزاع العام ولكن يجوز الصلح على المصالح المالية الناجمة عن الحالة الشخصية "[6] .
ومن نص المادة 459 من القانون المدني نخلص إلى أن للصلح مقومات ثلاثة وهي بمثابة شروط أساسية لكي يكون الصلح صحيحا وتتمثل في :
01 - وجود نزاع قائم أو محتمل .
02 - نية إ نهاء النزاع .
03 - النزول المتبادل عن الإدعاءات .

أولا = وجود نزاع قائم أو محتمل :
إذا لم يكن هناك نزاع قائم أوفي القليل نزاع محتمل , لم يكن العقد صلحا ,فإما أن تكون المطالبة القضائية قائمة ومحاولة الصلح يكون كإجراء أثناء سير الخصومة أو قد يكون مجرد مصالح متعارضة مع إمكانية المطالبة القضائية أي مجرد إحتمال النزاع يكفي .
فإذا كان هناك نزاع قائم مطروح أمام القضاء وحسمه الطرفان بالصلح كان هذا الصلح قضائيا ( JUDICIAIRE ) , وإذا كان النزاع محتملا بين الطرفين فيكون الصلح لتوقي هذا النزاع ويكون في هذه الحالة صلحا غير قضائيا ( EXTRA JUDICIAIRE ) , فالمهم أن يكون هناك نزاع جدي قائم أومحتمل ولو كان أحد الطرفين هو المحق دون الآخروكان حقه واضحا مادام هو غير متأكد من حقه ,فالمعيار هومعيار ذاتي محض والعبرة بما يقوم في ذهن كل من الطرفين لا بوضوح الحق في ذاته[7].

ثانيا = نية إنهاء النزاع .
أي أن يقصد الطرفان بالصلح حسم النزاع بينهما ,إما بإنهائه إذا كان قائما أو بتوقيه إذا كان محتملا , وليس من الضروري أن ينهي الصلح جميع المسائل المتنازع فيها فقد ينهي بعضها لتبت المحكمة في الباقي , كما يجوز للطرفين أن يتصالحا لإنهاء النزاع ويتفقان على أن يستصدرا حكما من المحكمة بما يتصالحا عليه فيكون هذا صلحا بالرغم من صدور الحكم .

ثالثا= النزول المتبادل عن الإدعاءات .

فإذالم ينزل أحدهما عن شيئ مما يزعمه وترك الطرف الأخر كل ما يدعيه , فلا نكون بصدد الصلح بل مجرد نزول عن الإدعاءات , إذ يجب أن يكون التنازل على وجه التقابل وعن جزء من الإدعاءات وليس من الضروري أن تكون التضحية من الجانبين متعادلة كما لايشترط أن يكون التنازل على جزء من أصل الحق فقد يكون حتى على المصاريف القضائية أو جزء منها فيكون صلحا مهما كانت تضحية الطرف الأخر قليلة بالنسبة إلى تضحية الطرف الأول .

المطلب الثاني : تمييز الصلح عن الأعمال القانونية المشابهة له .
قد يشتبه بالصلح عدة أنظمة مماثلة له لكونها تهدف إلى إنهاء النزاعات والخصومات ونحاول في هذا المطلب إبراز أهم الفروقات بينها .

1 - التحكيم: فالتحكيم يختلف عن الصلح إختلافا بينا , ففيه يتفق الطرفان على محكمين يبتون في نزاعهم أما في الصلح فأطراف الخصومة هم الذين يبتون في نزاعهم والتحكيم لايقتضي تضحية من الجانبين وإجراءات التحكيم وقواعده نظمها قانون الإجراءات المدنية في المواد من 442 إلى 458 مكرر 28 , كما نص عليه أيضا في مجال منازعات العمل الجماعية في قانون 90-02 المتعلق بالوقاية من النزاعات الجماعية في العمل وتسويتها وممارسة حق الإضراب المعدل والمتمم , وهذا في المواد من 49 إلى 52 .

2 - الوساطة : وهي إحتكام أطراف النزاع إلى شخص محايد لاعلاقة له بهما الذي تكون له السلطة التقريرية في إيجاد الحل الذي يكون في شكل إقتراحات أو توصيات قد يؤخذ بها وقد لا يؤخذ بها, فالوسيط هنا يعين بالإرادة المشتركة لطرفي النزاع بينما لا يعين المصالح من قبل المتنازعين في منازعات العمل الفردية إذ تتم المصالحة في مكتب المصالحة وهنا تكون إجبارية في حين الوساطة إختيارية .

3 - التسليم بالحق وترك الإدعاء : يتضمنان تضحية من جانب واحد هو الجانب الذي سلم بحق الخصم أو ترك الإدعاء , أما في الصلح فهناك تضحية من الجانبين .

4 - إجازة العقد القابل للإبطال: فالإجازة تتضمن نزولا محضا عن الحق في إبطال العقد , والصلح كذلك يختلف هنا عن الإبراء في أن هذا الأخير هو نزول كامل عن الحق من أحد الجانبين , أما الصلح فنزول جزئي من كل من الجانبين وإن كان كل منهما يحسم النزاع .
والقاضي هو الذي يكيف الإتفاق بأنه صلح أو بأنه عقد آخر وفقا لعناصر الصلح التي قدمناها , ولا يتقيد في ذلك بتكييف الخصوم ... ولا معقب عليه في ذلك من محكمة النقض أما مدى توافر العناصر جميعا ليكون العقد صلحا فهذه مسألة قانون .... تخضع لرقابة محكمة النقض[8] .

المبحث الثاني : أركان الصلح.
لكون أن الصلح هو عقد من عقود التراضي إذ لا يشترط في تكوينه شكل خاص , بل يكفي فيه توافق الإيجاب والقبول ليتم , وما الكتابة فيه إلا للإثبات لا للإنعقاد وهو بهذا كسائر العقود له أركان ثلاثة هي التراضي والمحل والسبب نتناولها تباعا في مطلبين :
المطلب الأول : التراضي في عقد الصلـــح .
المطلب الـثاني : المحل والسبب في عقد الصلح .

المطلب الأول : التراضي في عقد الصلح .
للتراضي شروط صحة وشروط إنعقاد نتناولها في الفرعين التاليين :

الفرع الأول : شروط الإنعقاد في التراضي .
عقد الصلح من عقود التراضي , فيكفي لإنعقاده توافق الإيجاب والقبول من المتصالحين , وتسري على إنعقاد الصلح بتوافق الإيجاب والقبول القواعد العامة في نظرية العقد, من ذلك طرق التعبير عن الإرادة والوقت الذي ينتج فيه هذا التعبير وأثره وموت من صدر منه التعبير عن الإرادة أو فقده لأهليته , والتعاقد مابين الغائبين , وغير ذلك من الأحكام العامة ولابد من وكالة خاصة في الصلح , فلا يجوز للمحامي أن يصالح على حقوق موكله مالم يكن الصلح منصوص عليه في عقد التوكيل , ويعتبر الصلح قضائي إذا وقع بين الخصوم في دعوى مرفوعة بينهم أمام القضاء ,وتصادق عليه المحكمة ,والحكم الصادر بالتصديق على محضر الصلح يعد بمثابة ورقة رسمية ولكنه لايعتبر حكما , فهو عقد تم بين المتخاصمين , وهذا بخلاف الحكم الإتفاقي الذي يعمد فيه الخصمان أثناء نظر الدعوى إلى الإتفاق على حسم النزاع , وهو بهذا يعتبر حكم قضائي .
ولكون أن الصلح يتضمن عادة شروطا وإتفاقات معقدة إذ هي ثمرة المساومات والأخذ والرد فإنه لايثبت إلا بالكتابة أو بمحضر رسمي , وهي غير ضرورية للإنعقاد لأن الصلح من عقود التراضي ,وإذا لم توجد الكتابة للإثبات جاز إثباته بالإقرار وباليمين ويجوز إستجواب الخصم لإحتمال أن يقر الصلح , وكذلك يجوز إثباته بالبينة والقرائن[9] .

الفرع الثاني : شروط الصحة في التراضي .
يجب أن يتوافر في عقد الصلح الأهلية في المتصالحين وخلو إرادة كل منهما من العيوب .

أولا = الأهلية في عقد الصلح :
نصت المادة 460 من القانون المدني على أنه :" يشترط في من يصالح أن يكون أهلا للتصرف بعوض في الحقوق التي يشملها عقد الصلح " .
فالأهلية الواجب توافرها في كل من المتصالحين هي أهلية التصرف بعوض في الحقوق التي تصالح عليها , لأن كلا منهما ينزل عن جزء من إدعائه في نظير نزول الأخر عن جزء مقابل والنزول بمقابل عن حق مدعى به هو تصرف بعوض , فإذا بلغ الإنسان الراشد ولم يحجر عليه كانت له أهلية كاملة في الصلح على جميع الحقوق , والصبي المميز ليست له في الأصل أهلية التصرف في أمواله فلا يملك الصلح على الحقوق , ويجوز لوليه إذا كان هو الأب ان يصالح على حقوقه , ولكن يجب عليه الحصول على إذن المحكمة إذا كان محل الصلح عقارا أو محلا تجاريا أو أوراقا مالية ,وتسري هنا نفس الأحكام على المحجور عليه و أما الصبي غير المميز فلا يملك الصلح كما لايملك التعاقد بتاتا لإنعدام إرادته .

ثانيا = عيوب الرضا في عقد الصلح
يجب أن يكون الرضا خاليا من العيوب , وهذا بأن لايكون مشوبا بغلط أو بتدليس أو بإكراه أو بإستغلال , شأن الصلح في ذلك شأن سائر العقود , فإذا شاب الرضا إكراه جاز أيضا إبطال الصلح وفقا للقواعد العامة المقررة في الإكراه , وقد يشوب الصلح إستغلال فنتبع القواعد المقررة في الإستغلال .
أما عن الغلط فله أهمية خاصة في عقد الصلح , إذ نصت المادة 465 من القانون المدني على أنه : " لا يجوز الطعن في الصلح بسبب غلط في القانون " .
وهذا النص إستثناء صريح من القواعد العامة[10] , والسبب في ذلك أن المتصالحين كانا وهما في معرض المناقشة في حقوقهما يستطعان التثبت من حكم القانون فيما قام بينهما من نزاع على هذه الحقوق , بل المفروض أنهما تثبتا من هذا الأمر , فلا يسمع من أحد منهما بعد ذلك أنه غلط في فهم القانون , وهذا تحليل تقليدي يتردد كثيرا في الفقه الفرنسي ,وينتقده الفقه الحديث , ويرى الدكتور عبد الرزاق السنهوري أن أقوى تحليل هو أن المتصالحين مادما على بينة من الوقائع ولم يقعا في غلط فهما إنما يتصلحان على حكم
القانون في النزاع الذي بينهما , وسواء علما حكم القانون في هذا النزاع أو لم يعلماه فهما قد قبلا حسم النزاع بينهما على الوجه الذي إتفقا عليه مهما كان حكم القانون فجعل بذلك المشرع الغلط في القانون ليس بالغلط الجوهري في عقد الصلح , أما الغلط في الوقائع في عقد الصلح فيخضع للقواعد العامة ويكون سببا لإبطال الصلح إذا كان جوهريا أي بلغ حدا من الجسامة بحيث يمتنع معه المتعاقد عن إبرام الصلح لو لم يقع في هذا الغلط[11] .

المطلب الثاني : المحل والسبب في عقد الصلح .
الفرع الأول : المحل في في عقد الصلح .
محل عقد الصلح هو الحق المتنازع فيه , ونزول كل من الطرفين عن جزء مما يدعيه في هذا الحق في مقابل مال يؤديه للطرف الآخر , فيكون هذا المال هو بدل الصلح , فيدخل بدل الصلح ليكون هو أيضا محل الصلح , وأيا كان محل الصلح فإنه يجب أن تتوافر فيه الشروط التي يجب توافرها في المحل بوجه عام , فيجب أن يكون موجودا , ممكنا , معينا أو قابلا للتعيين ويجب بوجه خاص أن يكون مشروعا فلا يجوز أن يكون مخالفا للنظام العام , وتنص المادة 461 من القانون المدني في هذا الصدد على ما يأتي : " لا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالنظام العام ولكن يجوز الصلح علىالمصالح المالية الناجمة عن الحالة الشخصية " .

01 = بطلان الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية والأهلية :
فالحالة الشخصية للإنسان وكذا الأهلية من النظام العام فليس لأحد بإتفاق خاص أن يعدل من أحكامها وقد نصت المادة 45 من القانون المدني على أنه : " ليس لأحد التنازل عن أهليته ولا لتغييرأحكامها " , فلا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالأهلية , مثل أن يتصالح شخص مع آخر على بنوّته منه بنفي أو بإثبات أو على صحة الزواج أو بطلانه , ومن كان غير أهل فلا يجوز له أن يصلح غيره على أنه أهل , ولكن يجوز الصلح على الحقوق المالية التي تترتب عن الحالة الشخصية , مثل نزول المطلقة عن مؤخر صداقها وعن نفقة العدة.

02 = بطلان الصلح على الجريمة :
فإذا إرتكب شخص جريمة فلا يجوز له أن يصالح عليها لا مع النيابة ولا مع المجني عليه , وهذا كأصل عام مع وجود بعض الإستثناءات سنبينها في حينها , وهذا لأن الدعوى الجنائية من حق المجتمع وهي من النظام العام فلا يجوز الصلح عليها ولكن يجوز الصلح على الحقوق المالية التى تنشأ من إرتكاب الجريمة , فيجوز الصلح على حق التعويض المدني .

03 = بطلان الصلح في مسائل أخرى من النظا م العام :
فلا يجوز الصلح على الضرائب والرسوم المستحقة إذا كان الحق في تحصيلها بصفة نهائية وليست محلا للنزاع ,وإنما يجوز الإتفاق على تقسيطها , ولايجوز الصلح على أحكام القانون المتعلق بإصابات العمل , ولا على الأموال العامة للدولة , فهذه تخرج عن التعامل , ولا يجوز الصلح على بطلان التصرفات الراجع إلى النظام العام مثل التصالح على دين قمار أو دين سسببه مخالف للآداب[12] .

الفرع الثاني : السبب في عقد الصلح .
Ø هناك السبب بالمعنى التقليدي :
فالسبب بالمعنى التقليدي في عقد الصلح هو الغرض المباشر الذي من أجله إلتزم المدين , فيكون سبب إلتزام كل متصالح هو نزول المتصالح الآخر عن جزء من إدعائه وعلى هذا الوجه يختلط السبب بالمحل إختلاطا تاما .
وهناك من الفقهاء يجعل السبب في عقد الصلح هو حسم نزاع قائم أو محتمل , فإذا لم يكن هناك نزاع , أو كان النزاع قد حسمه حكم نهائي , فالصلح يكون باطلا لإنعدام السبب , ويرى الأستاذ السنهوري بأن وجود نزاع بين المتصالحين هو من مقومات الصلح وليس سببا له , ومن ثم يكون النزاع محلا لعقد الصلح لا سببا له .

Ø وهناك السبب بالمعنى الحديث :
وهو الذي تقول به النظرية الحديثة , والمتمثل في الباعث الدافع للمتصالحين على إبرام الصلح , فهناك من يدفعه إلى الصلح خشيته أن يخسر دعواه أو عزوفه عن التقاضي أو خوفه من العلانية والتشهير , وقد يكون الدافع هو الإبقاء على صلة الرحم أو على صداقة قديمة ...وهذه البواعث مشروعة فالصلح الذي يكون سببه باعثا من هذه البواعث يكون مشروعا , أما إذا كان الدافع إليه سببا غير مشروع فإنه
يكون باطلا , مثل أن يصالح شخص آخر على نزاع متعلق بإيجار منزل حتى يتمكن من إدارته للدعارة أو للمقامرة , فهذه بواعث غير مشروعة ومتى كان الطرف الآخر على علم بها فإن الصلح يكون باطلا لعدم مشروعية السبب [13].

.../...
avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأحكام العامة للصلح

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 28 يناير 2010, 16:34


المبحث الثالث : أثار الصلح وإنقضائه .
نعالج هذا المبحث في مطلبين , الأول نتناول فيه الآثار المترتبة عن الصلح بصفة عامة سواء في المواد المدنية أو في المواد الجزائية, على أن نتطرق إلى الآثار الخاصة لكل نوع من المنازعات في حينه , ثم في مطلب ثاني كيفية إنقضاء الصلح .

المطلب الأول : الأثار المترتبة عن الصلح .
إن الهدف الأسمى للصلح هو إنهاء النزاع بين أطرافه , وذلك بتسويته بصورة ودية , والصلح في الأصل يكشف عن الحقوق ولا ينشؤها وأثره نسبي بالنسبة إلى الأشخاص وبالنسبة إلى السبب.

الفرع الأول = حسم النزاع .
إذا أبرم صلح بين طرفين فإن هذا الصلح يحسم النزاع بينهما عن طريق إنقضاء الحقوق والإدعاءات التي نزل عنها كل من الطرفين , ويستطيع كل منهما أن يلزم الآخر بما تم عليه الصلح أو يطلب فسخ الصلح إذا لم يقم الطرف الآخر بما إلتزم به فنصت المادة 462 من القانون المدني على أنه : " ينهي الصلح النزاعات التي يتناولها ويترتب عليه إسقاط الحقوق والإدعاءات التي تنازل عنها أحد الطرفين بصفة نهائية " .
ومن خلال هذا النص نجد ان للصلح أثر إنقضاء وأثر تثبيت :
- فيكون إنقضاء : إذا تنازع شخصان على ملكية دار وأرض مثلا ثم تصالحا على ان تكون الدار لأحدهما والارض للآخر , فهذا الصلح عقد ملزم للجانبين يلزم من خلصت له الدار أن ينزل عن إدعائه في ملكية الأرض ,ويلزم من خلصت له الأرض أن ينزل عن إدعائه في ملكية الدار .
- ويكـون تثبيت : كما في المثال السابق حيث من خلصت له الدار قد تثبتت ملكيته فيها , إذنزل الطرف الأول عن إدعائه لهذه الملكية , ومن خلصت له الأرض قد ثبتت ملكيته فيها هو أيضا ,إذ نزل الطلرف الآخر عن إدعائه لملكيتها .
وإذا تم حسم النزاع بالصلح وهذا بان تنقضي الحقوق والإدعاءات التي نزل عنها كل من الطرفين فإنه يثور التساؤل عن كيفية تفسير هذا التنازل ؟ ثم عن طرق إلزام كل طرف بما تم عليه الصلح ؟ وهذا مانتناوله فيما يلي :

أولا = تفسير التنازل تفسيرا ضيقا :
نصت المادة 464 من القانون المدني على أنه : " يجب أن تفسر عبارات التنازل التي يتضمنها الصلح تفسيرا ضيقا أيا كانت تلك العبارات فإن التنازل لايشمل إلا الحقوق التي كانت بصفة جلية محلا للنزاع الذي حسمه الصلح ".
والصلح شأنه شأن غيره من العقود يقوم فيه قاضي الموضوع بالتفسير , ولا يخضع لرقابة المحكمة العليا في التفسير مادام يستند إلى مبررات وأسباب , على أنه لما كان هناك نزول لكل من المتصالحين عن جزء من إدعائه , فإن هذا النزول المتبادل يجب أن :
- يفسر تفسيرا ضيقا : فإذا تصالح الشريك مع شركائه على ما يستحق من أرباح الشركة فإن هذا الصلح لا يشمل إلا ما إستحقه فعلا من أرباح , لا ماقد يستحقه في المستقبل .
أن يكون اثر الصلح مقصورا على النزاع الذي تناوله : وهذا ما يعرف بالأثر النسبي للصلح فيما يتعلق بالمحل , أي دون ان يمتد إلي أي شيء آخر ,فالعقد يقتصر اثره على من كان طرفا فيه وعلى المحل الذي تناوله , فإذا تصالح وارث مع بقية الورثة على ميراث إقتصر الأثر على الميراث الذي تناوله الصلح ولا يتناول ميراثا آخر يشترك فيه أيضا بقية الورثة .

ثانيا = طرق الإلزام بالصلح .
فإذا أبرم الصلح بين طرفين إستطاع كل طرف أن يلزم الآخر بهذا الصلح فيمنعه من تجديد النزاع وهذا عن طريق :
- الدفع بالصلح : فإذا إنحسم النزاع بالصلح , لم يجز لأي من المتصالحين أن يجدد هذا النزاع, ويستطيع المتصالح الآخر أن يدفع بالصلح الدعوى المقامة او المطلوب المضي فيها أو المجددة .
- وضع شرط جزائي في العقد : يوقع على من يخل بإلتزامه بمقتضى عقد الصلح أو يرجع إلى النزاع الذي إنحسم , فنتبع في ذلك القواعد العامة المقررة في الشرط الجزائي وهذا كأن يكون مقررا للتأخر في تنفيذ الصلح أو كجزاء على الطعن فيه.
-فسخ العقد : فإذا أخل أحد المتصالحين بإلتزاماته في الصلح ,يجوز للآخر طلب فسخ العقد, لأن الصلح عقد ملزم للجانبين .

الفرع الثاني : الأثر الكاشف والأثر النسبي للصلح .
أولا = الأثر الكاشف للصلح :
تنص المادة 463 من القانون المدني على أنه : " للصلح اثر كاشف بالنسبة لما اشتمل عليه من الحقوق , ويقتصر هذا الأثر على الحقوق المتنازع فيها دون غيرها ", يفهم من هذا النص أنه إذا اشتمل الصلح على حقوق غير متنازع فيها , وهو ما يسمى بدل الصلح كان الأثر ناقلا لا كاشفا .
- ومعنى ان للصلح أثرا كاشفا بالنسبة للحقوق المتنازع فيها أن الحق الذي يخلص للمتصالح بالصلح يستند إلى مصدره الأول لا إلى الصلح ,فإذا إشترى شخصان دارا في الشيوع , ثم تنازعا على نصيب كل منهما في الدار وتصالحا على أن يكون لكل منهما نصيب معين أعتبر كل منهما مالكا لهذا النصيب لا بعقد الصلح بل بعقد البيع الذي إشتريا به الدار في الشيوع و إستند بذلك حق كل منهما إلى مصدره الأول لا إلى الصلح , وتعلل النظرية التقليدية ذلك بأن الصلح هو إقرار من كل من المتصالحين لصاحبه , والإقرار إخبار لا إنشاء فهو يكشف عن الحق ولا ينشؤه , أما النظرية الحديثة تعلل ذلك بأن المتصالح إنما هو ينزل عن حق الدعوى في الجزء من الحق الذي سلم به , فهذا الجزء من الحق قد بقي على وصفه الأول دون أن يتغير.
ويترتب على الأثر الكاشف للصلح مايأتي :
à لايعتبر المتصالح متلقيا الحق المتنازع فيه من المتصالح الآخر ولا يكون خلفا له في هذا الحق . à لا يلتزم المتصالح الآخر بضمان الحق المتنازع فيه الذي خلص للمتصالح الأول , لأنه لم ينقل هذا الحق والإلتزام بالضمان لا يكون إلا مكملا للإلتزام بنقل الحق .
à لما كان الصلح غير ناقل للحق ,فإنه لا يصلح سببا صحيحا للتملك بالتقادم القصير .
Ãإذا خلص عقار لأحد المتنازعين فيه بالصلح, فإن الصلح وهو كاشف عن الحق لا يفتح الباب للأخذ الشفعة .
Ãكذلك إذا وقع الصلح على دين متنازع فيه في ذمة الغير , فلا تراعى هنا الإجراءات الواجبة في حوالة الحق .
- أما بالنسبة للحقوق غير المتنازع فيها فإن الصلح ينشأ إلتزامات أو ينقل حقوقا فيكون له أثر منشىء أو ناقل لا أثر كاشف, مثل أن يتنازع شخصان على أرض ومنزل فيتصالحا على أن يختص أحدهما بالأرض والآخر بالمنزل , فإذا كان المنزل قيمته أكبر من الأرض , واقتضى الأمر أن يدفع من إختص بالمنزل معدلا , مبلغا من النقود يلتزم بدفعها لمن إختص بالأرض , فهنا الصلح قد أنشأ إلتزاما في ذمة من إختص بالمنزل هو دفع المعدل ,وهو لم يدخل في الحقوق المتنازع فيها .
ولكن الصلح في الصورتين المتقدمتين يبقى كاشفا فيما يتعلق بالحقوق المتنازع فيها , فالصلح إذا كان منشئا بالنسبة للإلتزام بدفع المبلغ من النقود, وناقلا بالنسبة إلى الدار, فهو كاشف بالنسبة إلى الأرض لأنها هي الحق المتنازع فيه .

ثانيا = الأثر النسبي للصلح .

الصلح شأنه في ذلك شأن سائر العقود له أثر نسبي , فهو مقصور على المحل الذي وقع عليه , وعلى الطرفين الذين وقع بينهما , وعلى السبب الذي وقع من أجله .
01- الأثر النسبي في المحل : فالصلح مقصور على النزاع الذي تناوله , فإذا تصالح الموصى له مع الورثة على وصية , لم يتناول الصلح إلا الوصية التي وقع النزاع بشأنها فلا يشمل وصية أخرى للموصى له تظهر بعد ذلك .
02- الأثر النسبي في الأشخاص :فإذا تصالح أحد الورثة مع الموصى له على الوصية فإن الورثة الآخرين لايحتجون بهذا الصلح ولا يحتج به عليهم ,فلا يترتب على الصلح نفع أو ضرر لغير عاقديه .
03- الأثر النسبي في السبب : فمن تصالح على حق له أو على حق تلقاه بناء على سبب معين , ثم تلقى هذا الحق ذاته من شخص آخر أو بناء على سبب آخر , لا يكون هذا الحق الذي كسبه من جديد مرتبطا بالصلح السابق [14].

المطلب الثاني : إنقضاء الصلح.
الصلح بإعتباره عقد ملزم للجانبين فإنه كسائر العقود ينقضى دائما بالفسخ أو بالبطلان وفقا للقواعد العامة .

الفرع الاول = إنقضاء الصلح بالفسخ .
عادة ما يرد الفسخ على العقود بإعتباره نتيجة لعدم تنفيذ طرفي العقد لإلتزاماتهما المتفق عليها فيعتبر, كأنه لم ينعقد ويزول كل أثر, وبالتالي يعود المتعاقدان إلى الحالة التي كاناعليها قبل التعاقد فإذا إستحال ذلك جاز الحكم بالتعويض لطالب الفسخ طبقا لنص المادة 122,119 من القانون المدني ,وله أن يسترد ما قضي به , فإذا كان عينا يستردها وثمارها وإذا كان مبلغا يسترده وفوائده , وبالتالي يعود النزاع الذي أنهاه الصلح إلى الظهور و ويعود الأطراف إلى الحالة التي كانت قبل إبرام العقد ,وإسترداد كل متعاقد لما أعطاه , إنمايكون على أساس ما دفع دون حق , وكل ذلك تطبيق للقواعد العامة التي تقوم عليها نظرية الفسخ.

الفرع الثاني = إنقضاء الصلح بالبطلان .
قد ينقضي الصلح بالبطلان كسائر العقود وتطبق بشأنه القواعد العامة للبطلان لكن هل يكتفي عقد الصلح بهذه القواعد العامة أم أنه ينفرد بقواعد خاصة تميزه عن العقود الاخرى ؟
تنص المادة 466 من القانون المدني على أنه : " الصلح لا يتجزأ فبطلان جزء منه يقتضي بطلان العقد كله على أن هذا الحكم لا يسري إذا تبين من عبارات العقد أو من قرائن الاحوال أن المتعاقدين قد إتفقا على أن أجزاء العقد مستقلة بعضها عن بعض ". بالنظر إلى هذه المادة نجدها تقر ببعض المبادئ الهامة والمتمثلة في :
· أن الصلح لايتجزأ فبطلان جزء منه يقتضي بطلان العقد كله .
· لايسري هذا الحكم إذا تبين من عبارات العقد أن أجزاء العقد مستقلة عن بعضها البعض .
فيكون الصلح وحدة لا تتجزأ وهذه الوحدة تكون في كل بنوده وشروطه وبالنسبة لجميع أطرافه , فبطلان جزء منه أولطرف منه يقضي عليه بأكمله وفي كل أجزائه, وبالنسبة لجميع أطرافه , فإن جمع الصلح عدة متصالحين وكان منهم قاصر إلى جانب البالغين فيكون بطلانه بالنسبة للقاصر ولغير القاصر وإذا تضمن الصلح مسألة متعلقة بالحالة الشخصية إلى جانب ما ينجر عنها من حقوق مالية , كما هو الشأن بالنسبة لصفة الوارث والحقوق التي إنتقلت إليه عن طريق الإرث , فإن الصلح في هذه الحالة يقع باطلا برمته , وتستند هذه القاعدة إلى إرادة المتصالحين الضمنية , فالصلح عبارة عن تنازل كل طرف عن جزء مما يدعيه من حقوق في مقابل نزول الطرف الآخر عن بعض ما يدعيه .
وبالتالي يفترض أن يكون قصدهما إتجه إلى جعل صلحهما وحدة لا تتجزأ , فإذا إنهار جزء منها إنهار العمل القانوني بأكمله , لكن هذه القاعدة ليست من النظام العام , فيجوز أن تتجه فيه نية المتعاقدين صراحة أو ضمنيا إلى إعتبار أجزاء الصلح مستقلة عن بعضها البعض, فإذا بطل جزء منه بقيت الأجزاء الأخرى قائمة لأنها مستقلة عن الجزء الباطل وبذلك يمكن أن يتجزأ الصلح طبقا لإرادة الطرفين , وهذا ما أكدته الفقرة الثانية من المادة 466 من القانون المدني[15] .
المبحث الثالث : الصلح في المواد المدنية والمصالحة الجزائية.
إذا كان الأصل أن الصلح كأسلوب متميز جائز في المنازعات غير الجزائية , أي في المواد المدنية , بإعتبار أنه يقوم على تنازل طرفي النزاع كل منهما على وجه التبادل عن جزء من حقوقه , ويجد دون منازع أسسه القانونية وتكييفه وطبيعته ومصدره على حد سواء ضمن أحكام القانون المدني كما بينا سابقا , إلا أن هذا المبدأ أو الأصل لم يظل على إطلاقه خاصة في المواد الجزائية , إذنصت بعض التشريعات صراحة وبصفة إستثنائية على إجازة الصلح في بعض الجرائم الخاصة , وهذا ما قضت به المادة 06 من قانون الإجراءات الجزائية حيث نصت صراحة على ما يلي : " ...كما يجوز أن تنقضي الدعوى العمومية بالمصالحة إذا كان القانون يجيزها صراحة " , وقد صدرت عدة قوانين خاصة تجيز المصالحة في فئة معينة من الجرائم وهي ذات الطابع المالي و الإقتصادي مثل الجرائم الجمركية وجرائم المنافسة والأسعار وجرائم الصرف...إلا أنه يثور الإشكال حول الطبيعة القانونية للصلح في المواد الجزائية أو بما يسمى المصالحة الجزائية[16], ويحتدم النقاش أكثر حول أسسها القانونية وتكييفها ومصدرها وعلاقتها بالصلح في المواد المدنية , وقبل التطرق لدراسة المصالحة الجزائية بالتفصيل في الفصل الثالث , نقوم في هذا الموضع بتبيين التكييف القانوني للصلح وأسسه في المواد الجزائية ومقارنته بالصلح في المواد المدنية ضمن الفروع التالية :

المطلب الأول : الأسس القانونية للمصالحة في المواد الجزائية .
تنتسب المصالحة من حيث المرجعية إلى القانون المدني كنظام قانوني لتسوية الجرائم بطريقة ودية, والتي تحكمها أحكام الفصل الخامس من الباب السابع من القانون المدني في المواد من 459 إلى 466 ومن الناحية القانونية البحتة تستمد المصالحة في المواد الجزائية مشروعيتها من المادة 06 الفقرة الأخيرة من قانون الإجراءات الجزائية التي تجيز إنقضاء الدعوى العمومية بالمصالحة , وإن كانت القاعدة تقضي بتحريم الصلح في المسائل الجزائية وعدم جواز الدخول في أية مساومة مع الجاني بغرض إعفائه من المسؤولية الجنائية و إفلاته من العقاب , لأن هذا الأمر يهم المجتمع ولا يهم فردا بعينه .
إلا أن هذه القاعدة لم تظل على إطلاقها ومرت المصالحة الجزائية في التشرع الجزائري بثلاث مراحل[17], تراوحت بين التحريم والرخيص ليستقرالأمر بموجب القانون رقم : 86/05 الذي عدل المادة06 من قانون الإجراءات الجزائية على إقراره المصالحة في المسائل الجزائية متأثرا بذلك بالتشريع الفرنسي الذي يعد من التشريعات الاوائل التي أقرت المصالحة في المواد الجزائية ,كما أن الشريعة الإسلامية تشكل أحد المصادر الهامة للتشريع الجزائري حيث تأثر بها المشرع الجزائري إذ أنها تبيح الصلح في جرائم التعزير التي يمكن إدراج الجرائم المالية والإقتصادية وكذا المخالفات التنظيمية ضمنها لتكون بذلك سندا شرعيا للمصالحة في هذه المجالات وإن كان القانون الوضعي أساسها الحقيقي[18], ولاتجد المصالحة الجزائية مبرراتها وأساسها في الجانب القانوني فحسب بل إن هناك مبررات عملية فرضت اللجوء إلى المصالحة بالنسبة لبعض الجرائم قليلة الخطورة على النظام العام مثل الجرائم ذات الطابع الإقتصادي والضريبي ,ومن هذه المبررات :
E التخفيف من أعباء القضاء الذي يشهد تزايدا مطردا في القضايا المعروضة عليه وما يترتب على ذلك من إرهاق للقضاة ومساعديهم .
E تفادي طول الإجراءات وتعقيدها وما يترتب على ذلك من التراخي في صدور الأحكام والتأخير في تنفيذ العقوبات .
Eضف إلى ذلك وجود مبررات إقتصادية من حيث أن تنمية الموارد المالية للدولة هي الوظيفة الأساسية للإدارات المالية ومن ثمة فلا غرابة أن تكون المصالحة من الوسائل التي تضمن بلوغ هذا الهدف لما تحققه من تخفيف العبء المالي على الدولة ومن نجاعة في تحصيل هذه الموارد .
وبعد أن تناولنا الأسس القانونية والعملية للمصالحة الجزائية بوجه عام يبقى أن نقف على مقارنة بينها وبين الصلح في المواد المدنية .

المطلب الثانى : المقارنة بين الصلح المدني و المصالحة الجزائية.
بعد أن إنتهينا في العنصر السابق إلى تبيان مشروعية المصالحة الجزائية بوجه عام نتطرق في هذا الفرع إلى إشكالية مهمة ترتكز في البحث عن الطبيعة القانونية للمصالحة في المواد الجزائية ذلك أن المصالحة تنتسب من حيث المرجعية إلى القانون المدني و بالضبط في المادة 459 منه , و من هنا نأخد بالإقرار بالطابع التعاقدي للمصالحة الجزائية رغم أن هذا لايعني بالضرورة أنها عقد فإذا كان من المؤكد أن ما يجمع
المصالحة في المواد الجزائية بوجه عام والعقد المدني أكبر بكثير مما يفرقهما فإنه مع ذلك تبقى المصالحة الجزائية لها خصوصيتها التي تستمدها من طابعها الجزائي و هذا ما نوضحه في العنصرين التاليين من خلال المقارنة بينها و بين العقد المدني و هذا بإعتبار أن هذا الأخير هو المرجعية الاساسية للصلح بصفة عامة جاءت به أحكام القانون المدني لتطبق على الصلح سواء في المواد المدنية أو في المواد الجزائية.

أولا = أوجه الشبه بين الصلح المدني و المصالحة الجزائية :

1- من حيث شروط الإنعقاد : فأحد طرفي المصالحة في المواد الجزائية دائما إما شخصا طبيعيا و إما شخصا معنويا من القانون الخاص , و في كلتا الحالتين يجب أن تتوفر فيه كل الشروط الواجب توافرها في عقد الصلح المدني , و هي الشروط التي تناولناها فيما سبق.
2- من حيث الأثار : تترتب عن الصلح المدني والمصالحة الجزائية أثار بالغة الأهمية يشتركان في إثنين منها :
· حسم النزاع و هذا بإنقضاء الحقوق و الإدعاءات التي تنازل عنها كل من المتصالحين و تثبيت كل ما إعترف به كل من المتصالحين للآخر من حقوق و هذا مانجده في المصالحة الجزائية حيث تنقضي الدعوى العمومية بالنسبة للجريمة المتصالح فيها ويترتب عن ذلك محو أثار الإتهام .
· الأثر النسبي للصلح مدنيا كان أو جزائيا فهو يقتصرعلى المتصالحين و بالتالي لاينتفع به و لا يضار الغير منه.
ومن أوجه الشبه هذه جعل بعض الفقهاء و على رأسهم " قاسين Gassin " و "أليكس Allix" و "روكس Roux" يعتبرون المصالحة الجمركية صلحا مدنيا .

ثانيا = أوجه الإختلاف بين المصالحة الجزائية والصلح المدني .
01-من حيث النزاع : حسب المادة 459 من القانون المدني فإن النزاع في الصلح المدني يكون قائما أو محتملا , وبالمقابل يكون النزاع في القانون الجزائي قائما بالضرورة لأنه النتيجة المباشرة والمؤكدة للمخالفة , إضافة إلى الإختلاف في محل النزاع ذاته فأي نزاع يمكن أن يكون محل الصلح في القانون المدني مهما كان الحق المتنازع فيه وأيا كانت ترتيباته وصحته ومداه , رغم وجود بعض القيود على مبدأ حرية التصالح ترجع أساسا إلى فكرة النظام العام , وبالمقابل فإن المصالحة الجزائية لها طابع إستثنائى وهي مقيدة إذلا يسمح بها إلا في حالات محصورة جدا ينص عليها القانون صراحة .
02-من حيث نية الأطراف : فيكون أطراف الصلح المدني مبدئيا على قدم المساواة وهدفهم واحد إما لتجنب المحاكمة وهذا لتفادي الإجراءات الطويلة والمعقدة وتكاليفها إذا كان النزاع قائما , وإما لتجنب النزاع أساسا إذا كان غير قائم , وعلى عكس ذلك لا يكون أطراف المصالحة الجزائية على قدم المساواة إذ من الصعب تمثيل مركز مرتكب المخالفة بمن يملك سلطة ملاحقته , كما أن قصد الإدارة من إجراء المصالحة هو حفظ ملف الدعوى نهائيا أما قصد المخالف هو تفادي المحاكمة وهذا لوضع حد لنتائج المخالفة .
03- من حيث التنازلات المتبادلة : يتعين على كل طرف من أطراف الصلح المدني أن يتنازل على وجه التبادل عن حقه , ذلك أن الصلح يقتضى التضحية من الجانبين , وغالبا ما تكون التنازلات متوازية وذات طابع رضائي , وعلى عكس ذلك يكون طرفا المصالحة الجزائية في موقعين غير متكافئين تكون الكفة فيهما لصالح الإدارة التي لها كل السلطات لفرض إرادتها على المخالف الذي لا يملك إلا أن يخضع لشروط الإدارة فيسلم من المتابعة أو يرفضها فيساق به أمام القضاء , وفي مثل هذه الظروف فمن غير اللا ئق أن نتكلم عن التنازلات المتبادلة , فالحقيقة أننا أمام " تنازل " صادر من طرف واحد هو الإدارة .
ومن أوجه الإختلاف هذه يرى الأستاذ " دوبريه " أن " بين الصلح في القانون المدني والصلح في القانون الجزائي فرقا شاسعا " , كما أن " الصلح الجزائي مصدره إجرامي وطبيعته قمعية في حين أن الصلح المدني يغلب عليه الطابع التعاقدي " .
وهكذا نلاحظ أن أوجه الخلاف بين المصالحة في المسائل الجزائية والصلح المدني أقوى من اوجه الشبه بينهما ولذلك وجب التمييز بين الإجرائين [19].
وبقي أن نشير في آخر هذا المبحث أنه وإن كانت المصالحة في المسائل الجزائية تنتسب من حيث المرجعية إلى القانون المدني و كما رأينا في السابق فإنها تندرج من حيث المفعول في مسار جزائي بدءا من مصدرها الإجرامي وإنتهاءا بأثرها المسقط للدعوى العمومية مما يسبغ عليها صفة ردعية متميزة وهي بهذا تضفي عليها طابعا جزائيا وإن كانت ليست بالضرورة جزاءا , أو حتى ربما تعتبر جزاءا إداريا ,فمصدر المصالحة إدارة عمومية وهدفها ردعي بالضرورة ومضمونها ذو طابع مالي بحت[20] .

-------------------------
- الإختيار لتعليل المختار للموصلي , الجزء الثاني الصفحة 254 .[1]
- د: محمود زناتى : نظم القانون الروماني . ص:250 .[2]
- د :أحسن بوسقيعة المصالحة في المواد الجزائية بوجه عام وفي المادة الجمركية بوجه خاص ,الطبعة الأولى ,الديوان الوطني للأشغال التربوية ,2001 .[3]
- النص الفرنسي أدق من النص العربي على أساس أن الصلح ينعقد بتنازل كل طرف عن جزء من حقه أو مما يدعيه وليس عن الحق كله كما جاء في النص .[4]
- د: إبراهيم أحمد زكي بدوي : القاموس القانوني ,فرنسي- عربي, مكتبة لبنان ص:67-69 . [5]
- وهو نفس النص في القانون المدني المصري في المادة 551 منه وأضافت " ...والتي تنشأ عن إرتكاب إحدى الجرائم ."[6]
- د: عبد الرزاق السنهوري , الوسيط في شرح القانون المدني , الجزء الخامس , دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان - [7]
- د: عبد الرزاق السنهوري - المرجع السابق .[8]
- د: عبد الرزاق السنهوري - المرجع السابق .[9]
- القواعد العامة تقضي بأن الغلط في القانون كالغلط في الواقع يجعل العقد قابلا للإبطال .[10]
- د: عبد الرزاق السنهوري ,المرجع السابق .[11]
- د: عبد الرزاق السنهوري ,المرجع السابق .[12]
- د: عبد الرزاق السنهوري ,المرجع السابق .[13]
- د: عبد الرزاق السنهوري , المرجع السابق .[14]
[15] - الصلح في المنازعات المدنية والإدارية , مذكرة من إعداد الطالبة القاضي : لشهب نسيمة , الدفعة الحادية عشر -2000 / 2003 - المعهد الوطنى للقضاء.
[16] - خلافا لما هو جاري في التشريعات العربية التي تستعمل مصطلحا واحدا للتعبير عن الصلح أيا كان موضوعه إستعمل المشرع الجزائري مصطلح "الصلح " في المواد المدنية , ومصطلح " المصالحة " في المواد الجزائية , مع الإشارة إلى أنه إستعمل كذلك مصطلح " المصالحة " في قانون العمل .
- سنبين هذه المراحل في الفصل الخاص يالصلح في المواد الجزائية .[17]
[18] - أنظر تفصيل ذلك ,تحت عنوان : "مدى توافق المصالحة في المواد الجزائية مع الشريعة الإسلامية " ,د: أحسن بوسقيعة ,المرجع السابق ,الصفحة :21 .
- د : أحسن بوسقيعة ,المرجع السابق .[19]
- أنظر تفصيل ذلك تحت عنوان :" الوجه الجزائي للمصالحة في المواد الجزائية " , د: أحسن بوسقيعة ,المرجع السابق , الصفحة :238 وما بعدها .[20

avatar
Admin
المدير


http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى